سبَق في عِلم اللهِ ومشيئتِه حُصول المسبَّب

اللهُ تباركَ وتعالى خلَقَ ألوانًا وأشكالًا مِن ذواتِ الأرواحِ وجعَلَ في بعضِها ما لم يجعلْ في الآخَر.

مِن هذا الطَّير المسمّى السّمَندَل، ويقالُ له السَّمَنْد بلا لام، ويقالُ له السَّنْدَل بالسّين. هذا الطّيرُ معروفٌ أنَّهُ لا يَحصُلُ له احتراقٌ، جِلدُه لا يَحترق بالنّار، وهذا الحيوان في حياتِه يَدخُل النّار ويتَهنأ فيها وهو عزيزُ الوجود.

يقولُ ابنُ خَلّكَان في تاريخه عن اللغويّ المشهور عبد اللطيف البغدادي، وهو من أئمّة اللغة، يقول شاهَدتُ قِطعة مِن جِلدِ السّمَندل أُهدِيَتْ إلى الملِك الظّاهِر بنِ الملِك الصَّالح صلاحِ الدّين عَرض ذراع في طُول ذِراعَين صارُوا يَغمِسُونها في الزّيت ثم يُشعلُونها فتَنشَعِل النّارُ ثم تنطفِئُ النّارُ وتَبقَى تلكَ القِطعة بَيضاءَ نقِيّة.
هذا الحيوانُ كغَيرِه مِن الحيواناتِ مؤلَّف مِن لحم ودم وعَظم، فلو كانت النّارُ تَخلُق الإحراقَ بطَبْعها لم يحصُلْ تخَلّف الإحراق للسّمندَل إذا مسّتْه النّار، بل كان سيحترق كما يحترقُ غيرُه.

قال بعضُ الشّعراءِ مِن شعَراء الأندلس وهو جابرُ بنُ صَابر المِنجَنيقيّ وهو من شعراءِ القرن السّابع:

قُل لمنْ يَدّعِي الفخَارَ
دَعِ الفَخْر لِذِي الكِبْرِ والجَبرُوتِ

نَسجُ داودَ لم يُفِدْ ليلةَ الغَارِ
وكانَ الفخَارُ للعَنكَبُوتِ

معناه ليلةَ كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغار هو وأبو بكر حمَاهما الله تعالى بنَسْج العنكبوت، فكانَ الفَضلُ لنسج العَنكبوت ولم يكن هذا الفَضلُ لنَسج داود، ونسجُ داودَ هو الدّرْع، معناه اللهُ تعالى لم يحمِهما بنَسْج داود بل حماهما بنَسج العنكبوت وهو منَ الخَلْق الضّعيف.

قال:
وبقاءُ السّمَنْد في لهبِ النّارِ
مُزِيلٌ فَضِيلَة اليَاقُوتِ

وكذاكَ النّعامُ يَستَمرِئ الجَمْرَ 
وما الجمرُ للنّعامِ بقُوتِ

المعنى أنَّ الياقوتَ إذا لم يؤثِّر بهِ النّارُ فلَيس ذلكَ أمرًا مُستَغرَبا لأنّه حجَرٌ، أمّا السَّمَند فهو مِن لحم ودم.

يعني أنَّ عدَم احتراقِ السَّمَند في لهب النّار يدُلُّ على أنَّ لهُ مِيْزَة ليسَت لليَاقُوت.

فالحاصِلُ أنّهُ يجِبُ اعتقادُ أنَّ الأسبابَ لا تخلُق مُسَبّباتها بل اللهُ يَخلُق المُسبَّباتِ إثْرَ الأسباب.

أي أنّه تعالى هو خالقُ الأسباب وخالقُ مُسبَّباتها.
وعلى هذا المعنى يُشهَر ما شاعَ وانتشَر على ألسنة المسلمين في أثناءِ أدعِيَتِهم: يا مُسَبّبَ الأسباب.

معناهُ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي خلَق في الأسبابِ حصُولَ مسَبَّباتها إثرَ استعمالها وهذا مِن كلام التّوحيد الذي هو اشتهر وفشَى على ألسنة المسلِمين علمائهم وعوامّهِم وهو يرجِعُ إلى تَوحيدِ الأفعال أي أنَّ اللهَ تبارك وتعالى هو الذي فِعْلُه لا يتَخَلّف أثَرُه، إذا شاءَ حصُولَ شَىءٍ إثْرَ مُزَاولةِ شَىءٍ حصَلَ لا محَالةَ، لا بُدَّ.

هذا التّرَابُط بينَ الأسبابِ والمسَبَّبات أمرٌ أَجرَى اللهُ بهِ العادةَ أي أنَّ اللهَ تَعالى يَخلُقُ المسبَّبَ عندَ وجودِ السَّبَب، فكلاهما أي السَّبَب والمسبَّب يَستنِدُ في وجودِه وحصُولِه ووقُوعِه إلى إيجادِ الله تعالى.

كثيرٌ منَ النّاس يقِفُونَ في تَفكِيرهِم عندَ الظّاهِر فيَقضُون ويَحكُمون بأنَّ هذه الأسبابَ هيَ تَخلُق المسَبَّبات وهذا خلافُ الحقيقةِ، فلو كانتِ الأسبابُ تَخلُق المسَبَّبات لوَجَب حصُولُ المسبَّب عندَ كُلّ سبَب والواقعُ غير ذلك.

كثِيرٌ مِنَ الأسبابَ تُستَعمَل ولا يُوَجَدُ إثْرَها المسبَّب، فبذلكَ يُعلَم أنَّ الأسبابَ بقدَر اللهِ والمسَبَّباتِ بقَدَر الله، فإنْ سبَق في مشيئة اللهِ وعِلمِه الأزليّين وجود هذا المسبَّب إثْر السَّبَب كان ذلكَ حتمًا حصولُه، لأنَّ اللهَ شاءَ وعلِمَ أنّ هذا السَّبَب يَحصُل إثْرُه المسبَّب لا محَالَة مِن ذلك.

أمّا إن لم يكن سبَق في عِلم اللهِ ومشيئتِه حُصول المسبَّب إثْر هذا السَّبَب فلا يحصُل ذلك المسبَّب.

والله سبحانه وتعالى أعلم