إِثْبَاتُ أَنَّ الأَسْبَابَ الْعَادِيَّة لا تُؤَثِّرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ
وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ الْحَقِيقِىُّ هُوَ اللَّهُ
(اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّهُ لا تَلازُمَ عَقْلِىٌّ بَيْنَ فُقْدَانِ الأَكْلِ وَبَيْنَ الْمَرَضِ وَذَهَابِ الصِّحَّةِ وَانْهِدَامِ الْبُنْيَةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ يَصِحُّ عَقْلًا أَنْ تَتَخَلَّفَ مَفْعُولاتُهَا) أَىْ مُسَبَّبَاتُهَا فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَجْرَى السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ فَلَمْ تَقْطَعْ وَرَمَاهُ قَوْمُهُ فِى النَّارِ الْعَظِيمَةِ فَلَمْ تُحْرِقْهُ وَلا ثِيَابَهُ وَإِنَّمَا أَحْرَقَتِ الْقَيْدَ الَّذِى قَيَّدُوهُ بِهِ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلانِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ رَمَاهُ الأَسْوَدُ الْعَنْسِىُّ فِى النَّارِ فَلَمْ يَحْتَرِقْ وَعَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ أَبِى نُعُم الْوَلِىُّ الصَّالِحُ حَبَسَهُ الْحَجَّاجُ ابْنُ يُوسُفَ فِى سِجْنٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ثُمَّ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَوَجَدَهُ صَحِيحًا فَأَعْفَاهُ مِنَ الْقَتْلِ وَرَحْمَةُ بِنْتُ إِبْرَاهِيمَ الَّتِى عَاشَتْ دَهْرَهَا وَلا أَكْلَ يَدْخُلُ جَوْفَهَا وَهِىَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الشُّهَدَاءِ رَأَتْ رُؤْيَا كَأَنَّهَا أُطْعِمَتْ فِى مَنَامِهَا شَيْئًا فَهِىَ لا تَأْكُلُ شَيْئًا وَلا تَشْرَبُ فَالأَكْلُ لا يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَتَرْكُ الأَكْلِ لا يَخْلُقُ الضَّرَرَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَسْبَابَ لا تَخْلُقُ مُسَبَّبَاتِهَا (وَأَنَّ الأَشْيَاءَ) تَحْصُلُ (بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَ)هَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِى حَصَلَتْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ فِيهَا دِلالَةٌ عَلَى (أَنَّ الشُّهَدَاءَ لَهُمْ حَيَاةٌ بَرْزَخِيَّةٌ) أَىْ فِى مُدَّةِ الْقَبْرِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فَتَتَنَعَّمُ أَرْوَاحُهُمْ فِى الْجَنَّةِ وَيَصِلُ أَثَرُ هَذَا النَّعِيمِ إِلَى أَجْسَادِهِمْ فِى الْقُبُورِ فَلا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ وَيَبْقَى جَرَيَانُ الدَّمِ فِيهَا (فَسُبْحَانَ) اللَّهِ (الْقَدِيرِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ).
(تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ)
(لا يُعْفَى الْجَاهِلُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الأُصُولِ) أَىْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ (وَلا يُعْذَرُ فِيمَا يَقَعُ مِنْهُ مِنَ الْكُفْرِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِ بِالدِّينِ) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَدْرًا مِنَ الْعِلْمِ يُصَحِّحُ بِهِ عَقِيدَتَهُ وَيَحْفَظُ بِهِ إِسْلامَهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ وَيُبْطِلُهُ (وَلَوْ كَانَ الْجَهْلُ يُسْقِطُ الْمُؤَاخَذَةَ) أَىِ الْعُقُوبَةَ فِى الآخِرَةِ (لَكَانَ الْجَهْلُ خَيْرًا) لِلنَّاسِ (مِنَ الْعِلْمِ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ (إِلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ) أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ (وَنَحْوَهُ) أَىْ شَبِيهَهُ كَمَنْ نَشَأَ فِى بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ أَهْلُهُ وَلا غَيْرُهُمْ أُمُورَ الدِّينِ إِلَّا الشَّهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ (لا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ) حُكْمٍ مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى لا تُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ كَإِنْكَارِ (فَرْضِيَّةِ الصَّلاةِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ أَنَّ هَذَا) الْحُكْمَ مِنْ (دِينِ الإِسْلامِ) وَلَمْ يَكُنِ الأَمْرُ الَّذِى أَنْكَرَهُ نَحْوَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنِ التَّحَيُّزِ فِى الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَكُلِّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَنَحْوَ تَنْزِيهِ الأَنْبِيَاءِ عَمَّا لا يَلِيقُ بِهِمْ كَالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالسَّفَاهَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبَلادَةِ أَىِ الْغَبَاوَةِ. (وَالْفَرْضُ الأَوَّلُ) عَلَى الْمُكَلَّفِ (فِى حَقِّ الأَهْلِ) كَالزَّوْجَةِ وَالأَوْلادِ (تَعْلِيمُهُمْ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ كَيْلا يَقَعُوا فِى الْكُفْرِ بِجَهْلِهِمْ بِالْعَقِيدَةِ) فَإِنَّ الأَهْلَ إِنْ تُرِكُوا بِلا تَعْلِيمٍ قَدْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُ السَّمَاءَ أَوِ الْكَعْبَةَ أَوْ أَنَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَيَهْلِكُونَ (فَإِنِ اعْتَقَدُوا أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ نُورَانِىٌّ أَبْيَضُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَاسْتَمَرُّوا بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتُوا عَلَيْهِ خُلِّدُوا فِى النَّارِ نَتِيجَةَ اعْتِقَادَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ) هَذِهِ (قَالَ الْفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا تَسْتَوْحِشْ طُرُقَ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهَا وَ(لا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ الْهَالِكِينَ) أَىْ لا تَتْرُكْ طَرِيقَ السَّلامَةِ وَلَوْ قَلَّ سَالِكُوهَا وَلا تَنْظُرْ إِلَى كَثْرَةِ مَنْ يَتَخَبَّطُ بِالْمَعَاصِى وَالْجَهْلِ (فَهَلْ هَذَا الْجَهْلُ فِى الْعَقِيدَةِ هُوَ نَتِيجَةُ مَحَبَّةِ الأَهْلِ لِأَبْنَائِهِمْ) أَوْ هُوَ نَتِيجَةُ تَرْكِ الِاهْتِمَامِ بِهِمْ (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وَجَاءَ فِى تَفْسِيرِ) هَذِهِ (الآيَةِ أَىْ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ. وَبَعْدَ أَنْ جَاءَنَا الْهُدَى وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ وَقَامَتْ عَلَيْنَا الْحُجَّةُ بِهِ فَلا عُذْرَ لَنَا) بِتَقْصِيرِنَا أَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الأَنْبِيَاءِ فَلا يُعَذِّبُهُ اللَّهُ فِى الآخِرَةِ بِنَارِ جَهَنَّمَ (قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾).
(النُّبُوَّةُ)
النُّبُوَّةُ (اشْتِقَاقُهَا مِنَ النَّبَإِ أَىِ الْخَبَرِ) أَىِ الإِخْبَارِ (لِأَنَّ النُّبُوَّةَ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ أَوِ) اشْتِقَاقُهَا (مِنَ النَّبْوَةِ وَهِىَ الرِّفْعَةُ) أَىْ عُلُوُّ الْقَدْرِ وَالدَّرَجَةِ (فَالنَّبِىُّ عَلَى) الْقَوْلِ (الأَوَّلِ) عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ) أَىْ نَبِىءٍ بِمَعْنَى مُنَبِّئٍ (لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ) بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ (أَوْ) عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ) أَىْ نَبِىءٍ بِمَعْنَى مُنَبَّئٍ (أَىْ مُخْبَرٍ عَنِ اللَّهِ أَىْ يُخْبِرُهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ فَالنُّبُوَّةُ جَائِزَةٌ عَقْلًا لَيْسَتْ مُسْتَحِيلَةً وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ الأَنْبِيَاءَ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ) لِهَدَايَتِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى الْخَيْرِ (إِذْ لَيْسَ فِى الْعَقْلِ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْهُمْ لِأَنَّ الْعَقْلَ) وَحْدَهُ (لا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الْمُنْجِيَةِ فِى الآخِرَةِ) لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ بِعْثَةُ الأَنْبِيَاءِ (فَفِى بِعْثَةِ الأَنْبِيَاءِ مَصْلَحَةٌ ضَرُورِيَّةٌ) لِلْعِبَادِ (لِحَاجَتِهِمْ لِذَلِكَ فَاللَّهُ) تَعَالَى (مُتَفَضِّلٌ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فَهِىَ سَفَارَةٌ بَيْنَ الْحَقِّ تَعَالَى وَبَيْنَ الْخَلْقِ) لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ يُبَلِّغُونَ النَّاسَ أَوَامِرَ اللَّهِ.
(الْفَرْقُ بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) غَيْرِ الرُّسُلِ (وَ)الأَنْبِيَاءِ (الرُّسُلِ)
(اعْلَمْ أَنَّ النَّبِىَّ) غَيْرَ الرَّسُولِ (وَ)النَّبِىَّ (الرَّسُولَ يَشْتَرِكَانِ فِى الْوَحْىِ فَكُلٌّ) مِنْهُمَا (قَدْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ يَعْمَلُ بِهِ لِتَبْلِيغِهِ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَنَّ) النَّبِىَّ (الرَّسُولَ يَأْتِى بِنَسْخِ بَعْضِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ) فَيَكُونُ شَرْعُ الرَّسُولِ الَّذِى قَبْلَهُ شَرْعًا لَهُ إِلَّا مَا نُسِخَ مِنْهُ (أَوْ) يَأْتِى (بِشَرْعٍ جَدِيدٍ) فَلا يَكُونُ شَرْعُ الرَّسُولِ الَّذِى قَبْلَهُ شَرْعًا لَهُ إِلَّا مَا نُصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ (وَ)أَمَّا (النَّبِىُّ غَيْرُ الرَّسُولِ) فَإِنَّهُ (يُوحَى إِلَيْهِ لِيَتَّبِعَ شَرْعَ رَسُولٍ قَبْلَهُ وَلِيُبَلِّغَهُ) لِلنَّاسِ (فَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ كُلُّ رَسُولٍ نَبِىٌّ وَلَيْسَ كُلُّ نَبِىٍّ رَسُولًا) هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِىِّ الرَّسُولِ وَالنَّبِىِّ غَيْرِ الرَّسُولِ أَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِى مُؤَلَّفَاتِهِمْ مِنْ أَنَّ النَّبِىَّ غَيْرَ الرَّسُولِ هُوَ مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ فَلْيُحْذَرْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ النَّبِىُّ يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ وَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَلا مَعْنَى لِلإِرْسَالِ بِدُونِ الأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ (ثُمَّ) إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ (أَيْضًا يَفْتَرِقَانِ فِى أَنَّ الرِّسَالَةَ يُوصَفُ بِهَا الْمَلَكُ وَالْبَشَرُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ يَخْتَارُ مِنْ بَيْنِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ رُسُلًا فَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبَلِّغُ الْوَحْىَ لِلأَنْبِيَاءِ وَلِلْمَلائِكَةِ (وَ)أَمَّا (النُّبُوَّةُ) فَإِنَّهَا (لا تَكُونُ إِلَّا فِى الْبَشَرِ) فَلا نَبِىَّ مِنَ الْجِنِّ وَلا مِنَ الْمَلائِكَةِ بَلْ هِىَ خَاصَّةٌ بِالذُّكُورِ مِنَ الْبَشَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم﴾.
(مَا يَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ)
اعْلَمْ أَنَّهُ (يَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الصِّدْقُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ) فَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مَعْرُوفًا بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ بِالأَمِينِ لِمَا عُرِفَ بِهِ مِنَ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْهُ كَذْبَةٌ قَطُّ لِأَنَّ الْكَذِبَ نَقْصٌ لا يَلِيقُ بِالأَنْبِيَاءِ (وَتَجِبُ لَهُمُ الْفَطَانَةُ) أَىِ الذَّكَاءُ (وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْبَلادَةُ وَالْغَبَاوَةُ) أَىْ ضَعْفُ الْفَهْمِ أَىْ لا يَلِيقُ بِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَغْبِيَاءَ لِأَنَ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ لِيُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ وَيُبَيِّنُوا الْحَقَّ وَيُقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُعَانِدِينَ فَلَوْ كَانُوا أَغْبِيَاءَ لَنَفَرَ النَّاسُ مِنْهُمْ لِغَبَاوَتِهِمْ وَاللَّهُ حَكِيمٌ لا يَجْعَلُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ فِى الأَغْبِيَاءِ (وَتَجِبُ لَهُمُ الأَمَانَةُ) فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْخِيَانَةُ فِى الأَقْوَالِ كَجَحْدِ الأَمَانَةِ وَالأَفْعَالِ كَأَكْلِ الأَمَانَةِ فَلا يَغُشُّونَ النَّاسَ إِنْ طَلَبُوا مِنْهُمُ النَّصِيحَةَ وَلا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَقَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ أَىْ حَفِظَهُمْ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِى لا تَلِيقُ بِمَقَامِهِمْ (فَالأَنْبِيَاءُ سَالِمُونَ مِنَ) الْوُقُوعِ فِى (الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ) أَىِ الذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالِانْتِحَارِ (وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ) وَالدَّنَاءَةِ أَىِ الذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِى فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ كَسَرِقَةِ حَبَّةِ عِنَبٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا (وَهَذِهِ) السَّلامَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ (هِىَ الْعِصْمَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُمْ) وَلَكِنْ يَبْقَى اخْتِيَارُهُمْ فِى الإِقْدَامِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ إِذْ لَوْلا ذَلِكَ لَكَانُوا مَجْبُورِينَ فِى أَفْعَالِهِمْ وَمَنْ كَانَ مَجْبُورًا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لا يَكُونُ مَأْجُورًا فِى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ. أَمَّا الصَّغَائِرُ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ فَتَجُوزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ لَكِنْ إِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ فَيَتُوبُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِىَ بِهِمْ فِى تِلْكَ الصَّغِيرَةِ غَيْرُهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ﴾ أَىْ أَخْطَأَ بِأَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِى نَهَاهُ اللَّهُ عَنِ الأَكْلِ مِنْهَا لَمَّا كَانَ فِى الْجَنَّةِ وَقَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ. وَلَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةُ ءَادَمَ ذَنْبًا كَبِيرًا كَمَا تَدَّعِى النَّصَارَى لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطَانُ بِالأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِى جَسَدِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا ءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ فَأَكَلَ مِنْهَا فَوَقَعَ فِى مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ.
(وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ) أَىِ الأَنْبِيَاءِ (الْخِيَانَةُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَجِبُ لَهُمُ الصِّيَانَةُ) أَىِ الْحِفْظُ مِنَ الصِّفَاتِ الدَّنِيئَةِ (فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الرَّذَالَةُ) وَهِىَ صِفَاتُ الأَسَافِلِ الدُّونِ مِنَ النَّاسِ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ بِشَهْوَةٍ (وَ)يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ (السَّفَاهَةُ) أَىِ التَّصَرُّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَتَصَرَّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ أَوْ يَقُولُ أَلْفَاظًا شَنِيعَةً تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ (وَ)يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ (الْجُبْنُ) أَىْ ضَعْفُ الْقَلْبِ فَالأَنْبِيَاءُ أَشْجَعُ خَلْقِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ كُنَّا إِذَا حَمِىَ الْوَطِيسُ فِى الْمَعْرَكَةِ نَحْتَمِى بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىْ كُنَّا نَحْتَمِى بِهِ إِذَا اشْتَدَّتِ الْمَعْرَكَةُ فَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنَ الأَشِدَّاءِ. أَمَّا الْخَوْفُ الطَّبِيعِىُّ فَيَجُوزُ عَلَى النَّبِىِّ كَالتَّخَوُّفِ مِنْ تَكَالُبِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلُوهُ كَمَا جَاءَ فِى الْقُرْءَانِ عَنْ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ وَالْفِرَارُ لا يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ وَهُوَ غَيْرُ الْهَرَبِ الْمُشْعِرِ بِالْجُبْنِ.
(وَ)يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ (كُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ) فَلَيْسَ فِى أَلْسِنَتِهِمْ عِلَّةٌ تَجْعَلُ كَلامَهُمْ غَيْرَ مَفْهُومٍ لِلسَّامِعِينَ وَلا يَحْصُلُ مِنْهُمْ سَبْقُ لِسَانٍ فِى أُمُورِ الدِّينِ وَغَيْرِهَا وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْجُنُونُ وَالْخَرَفُ وَتَأْثِيرُ السِّحْرِ فِى عُقُولِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ ولا تَحْصُلُ فِى أَبْدَانِهِمْ وَلا فِى أَفْوَاهِهِمْ وَلا فِى ثِيَابِهِمُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذُو عَاهَةٍ فِى خِلْقَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْرَجُ وَلا أَعْمَى خِلْقَةً (وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَرَضٍ مُنَفِّرٍ) كَالْجَرَبِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الأَنْبِيَاءَ قُدْوَةً لِلنَّاسِ وَأَرْسَلَهُمْ لِلدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْمَرَضُ الَّذِى يُنَفِّرُ النَّاسَ مِنْهُمْ فَلَوْ كَانَتْ تُصِيبُهُمُ الأَمْرَاضُ الْمُنَفِّرَةُ لَنَفَرَ النَّاسُ مِنْهُمْ وَاللَّهُ حَكِيمٌ لا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأَمْرَاضَ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ نِسْبَةُ النَّقْصِ إِلَى الأَنْبِيَاءِ (فَمَنْ نَسَبَ إِلَيْهِمُ الْكَذِبَ أَوِ الْخِيَانَةَ أَوِ الرَّذَالَةَ أَوِ السَّفَاهَةَ أَوِ الْجُبْنَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) كَأَنْ قَالَ عَنْ سَيِّدِنَا ءَادَمَ إِنَّهُ يُشْبِهُ الْقُرُودَ أَوْ كَانَ يَمْشِى بَيْنَ النَّاسِ عُرْيَانًا (فَقَدْ كَفَرَ).
(الْمُعْجِزَةُ)
(اعْلَمْ أَنَّ السَّبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّبِىِّ الْمُعْجِزَةُ وَهِىَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ) أَىْ مُخَالِفٌ لَهَا (يَأْتِى عَلَى وَفْقِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ) أَىْ مُصَدِّقًا لَهُمْ فِى دَعْوَاهُمُ النُّبُوَّةَ أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلدَّعْوَى فَلا يُسَمَّى مُعْجِزَةً كَالَّذِى حَصَلَ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى وَجْهِ رَجُلٍ أَعْوَرَ فَعَمِيَتِ الْعَيْنُ الأُخْرَى (سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْمِثْلِ) أَىْ لا يَسْتَطِيعُ الْمُكَذِّبُونَ لِلأَنْبِيَاءِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ (فَمَا كَانَ مِنَ الأُمُورِ عَجِيبًا وَلَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ) كَالْغَوْصِ تَحْتَ الْمَاءِ لِمُدَّةِ خَمْسِ دَقَائِقَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ (وَكَذَلِكَ مَا كَانَ خَارِقًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ كَالْخَوَارِقِ الَّتِى تَظْهَرُ عَلَى أَيْدِى الأَوْلِيَاءِ أَتْبَاعِ الأَنْبِيَاءِ) كَمَشْيِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَدُخُولِهِمُ النَّارَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقُوا (فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ) لِهَؤُلاءِ الأَوْلِيَاءِ (بَلْ يُسَمَّى كَرَامَةً) لِأَنَّ الْوَلِىَّ لا يَدَّعِى أَنَّهُ نَبِىٌّ وَإِلَّا لَمَا حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْخَوَارِقُ (وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُعْجِزَةِ مَا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ كَالسِّحْرِ فَإِنَّهُ يُعَارَضُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ) أَىْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ سَاحِرٌ ءَاخَرُ مِثْلَهُ أَمَّا الْمُعْجِزَةُ فَلا يَسْتَطِيعُ الْمُعَارِضُونَ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَهَا.
(وَالْمُعْجِزَةُ قِسْمَانِ قِسْمٌ يَقَعُ بَعْدَ اقْتِرَاحٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ) أَىْ يَحْصُلُ بِطَلَبٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُرِيَهُمْ ءَايَةً تَشْهَدُ لِصِدْقِهِ (وَقِسْمٌ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَاحٍ) أَىْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُمْ (فَالأَوَّلُ نَحْوُ نَاقَةِ صَالِحٍ الَّتِى خَرَجَتْ مِنْ) جَوْفِ (الصَّخْرَةِ) الصَّمَّاءِ وَقَدْ جَاءَ فِى قِصَّةِ قَوْمِ صَالِحٍ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ صَالِحٍ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ مُعْجِزَةً (اقْتَرَحَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إِلَيْنَا لِنُؤْمِنَ بِكَ فَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ نَاقَةً وَفَصِيلَهَا فَأَخْرَجَ لَهُمْ نَاقَةً) وَ(مَعَهَا فَصِيلُهَا أَىْ وَلَدُهَا) وَكَانَ يَكْفِيهِمْ جَمِيعًا لَبَنُهَا (فَانْدَهَشُوا) مِنْ هَذَا الأَمْرِ الْعَجِيبِ (فَآمَنُوا بِهِ) وَصَدَّقُوهُ (لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا فِى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الأَمْرِ الْعَجِيبِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ الَّذِى لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ) أَىْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ (فَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ وَلا يَسَعُهُمْ إِلَّا الإِذْعَانُ) لِمَا جَاءَ بِهِ هَذَا النَّبِىُّ (وَالتَّصْدِيقُ) بِهِ (لِأَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ تَصْدِيقَ) أَىْ يَحْكُمُ بِتَصْدِيقِ (مَنْ أَتَى بِمْثِلِ هَذَا الأَمْرِ) الْعَجِيبِ (الَّذِى لا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ مِنْ قِبَلِ الْمُعَارِضِينَ فَمَنْ لَمْ يُذْعِنْ وَعَانَدَ يُعَدُّ مُهْدِرًا لِقِيمَةِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِىِّ) أَىْ لا يَكُونُ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِىِّ عِنْدَهُ قِيمَةٌ وَاعْتِبَارٌ.
(مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى حَصَلَتْ لِمَنْ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ) مِنَ الأَنْبِيَاءِ
(وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى حَصَلَتْ لِمَنْ قَبْلَ) سَيِّدِنَا (مُحَمَّدٍ) ﷺ (عَدَمُ تَأْثِيرِ النَّارِ الْعَظِيمَةِ عَلَى) سَيِّدِنَا (إِبْرَاهِيمَ) عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أَنْ رَمَاهُ قَوْمُهُ فِيهَا (حَيْثُ لَمْ تُحْرِقْهُ وَلا ثِيَابَهُ) وَإِنَّمَا أَحْرَقَتِ الْقَيْدَ الَّذِى قَيَّدُوهُ بِهِ (وَمِنْهَا انْقِلابُ عَصَا مُوسَى ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا ثُمَّ عَوْدُهَا إِلَى حَالَتِهَا بَعْدَ أَنِ اعْتَرَفَ السَّحَرَةُ الَّذِينَ أَحْضَرَهُمْ فِرْعَوْنُ لِمُعَارَضَتِهِ) أَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ مُعَارَضَتَهُ بِالْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ (وَأَذْعَنُوا) لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ (فَآمَنُوا بِاللَّهِ) رَبًّا (وَكَفَرُوا بِفِرْعَوْنَ وَاعْتَرَفُوا لِمُوسَى بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ. وَمِنْهَا مَا ظَهَرَ لِلْمَسِيحِ) عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ (مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى) كَمَا حَصَلَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى النَّعْشِ فَدَعَا الْمَسِيحُ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَذَلِكَ لا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ فَلَمْ تَسْتَطِعِ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا مُولَعِينَ بِتَكْذِيبِهِ وَحَرِيصِينَ عَلَى الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ أَنْ يُعَارِضُوهُ بِالْمِثْلِ) بَلْ قَالُوا لَهُ أَنْتَ سَاحِرٌ (وَقَدْ أَتَى أَيْضًا بِعَجِيبَةٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ وَهِىَ إِبْرَاءُ الأَكْمَهِ) أَىِ الَّذِى وُلِدَ أَعْمَى (فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مُعَارَضَتَهُ بِالْمِثْلِ مَعَ تَوَفُّرِ الطِّبِّ فِى ذَلِكَ الْعَصْرِ) وَاشْتِهَارِ أَهْلِهِ بِهِ (فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ فِى كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ وُجُوبِ عِبَادَةِ الْخَالِقِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكٍ بِهِ وَوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ فِى الأَعْمَالِ الَّتِى يَأْمُرُهُمْ بِهَا).
(مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ)
(وَأَمَّا) سَيِّدُنَا (مُحَمَّدٌ ﷺ فَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ إِخْوَانِهِ الأَنْبِيَاءِ وَسَلَّمَ حَنِينُ الْجِذْعِ) وَحَدِيثُهُ مُتَوَاتِرٌ (وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَسْتَنِدُ حِينَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعِ نَخْلٍ فِى مَسْجِدِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ الْمِنْبَرُ) ثُمَّ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَمِلْنَا لَكَ مِنْبَرًا فَقَالَ افْعَلُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَلَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ صَعِدَ) الرَّسُولُ (ﷺ عَلَيْهِ فَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ) أَىْ بَكَى كَبُكَاءِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ شَوْقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىْ خَلَقَ اللَّهُ فِى هَذَا الْجِذْعِ حَيَاةً بِلا رُوحٍ وَخَلَقَ فِيهِ شُعُورًا وَإِحْسَاسًا وَمَحَبَّةً وَشَوْقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (حَتَّى سَمِعَ حَنِينَهُ مَنْ فِى الْمَسْجِدِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) عَنِ الْمِنْبَرِ (فَالْتَزَمَهُ أَىْ ضَمَّهُ وَاعْتَنَقَهُ فَسَكَتَ) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ إِنْطَاقُ الْعَجْمَاءِ أَىِ الْبَهِيمَةِ) فَقَدْ (رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ) فِى مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِىُّ) فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بنِ مُرَّةَ الثَّقَفِىِّ) أَنَّهُ (قَالَ بَيْنَمَا) كُنَّا (نَسِيرُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ مَرَّ بِنَا بَعِيرٌ يُسْنَى عَلَيْهِ) أَىْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَاءُ (فَلَمَّا رَءَاهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ) أَىْ أَصْدَرَ صَوْتًا مِنْ حَلْقِهِ (فَوَضَعَ جِرَانَهُ) أَىْ خَفَضَ مُقَدَّمَ عُنُقِهِ (فَوَقَفَ عَلَيْهِ) أَىْ وَقَفَ بِقُرْبِهِ (النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ فَجَاءَهُ فَقَالَ) النَّبِىُّ ﷺ (بِعْنِيهِ فَقَالَ بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ) أَىْ يُحَصِّلُونَ مَعِيشَتَهُمْ مِنَ الأُجْرَةِ الَّتِى يَأْخُذُونَهَا لِلنَّقْلِ عَلَيْهِ (فَقَالَ النَّبِىُّ) ﷺ (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِهِ) فَاعْلَمْ أَنِّى مَا طَلَبْتُ شِرَاءَهُ إِلَّا لِتَخْلِيصِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ (فَإِنَّهُ شَكَا) إِلَىَّ (كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرٍ) أَنَّهُ (قَالَ أَرْدَفَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ) أَىْ أَرْكَبَنِى خَلْفَهُ عَلَى الْبَعِيرِ (فَدَخَلَ حَائِطَ) أَىْ بُسْتَانَ (رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ) هُنَاكَ (فَلَمَّا رَأَى النَّبِىَّ ﷺ حَنَّ) أَىْ بَكَى (فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ) أَىْ سَالَتْ دُمُوعُهُ (فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ) أَىْ مَسَحَ الْمَوْضِعَ خَلْفَ أُذُنِهِ (فَسَكَنَ ثُمَّ قَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ هَذَا لِى فَقَالَ) لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلا تَتَّقِى اللَّهَ فِى هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِى مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَىَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ) أَىْ تُتْعِبُهُ (وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ) الْحَافِظُ (الْمُحَدِّثُ) مُحَمَّدُ (مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ).
(وَمِنْهَا) أَىْ وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ (تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ فِى عِدَّةِ مَوَاطِنَ) أَىْ مَوَاضِعَ (فِى مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِىَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِىِّ) أَىْ أَنَّ حَوَادِثَ نُبُوعِ الْمَاءِ مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ رُوِيَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يَقْتَضِى مَجْمُوعُهَا الْقَطْعَ بِحُصُولِهِ وَلا يَسَعُ الْعَاقِلَ أَنْ يَنْفِيَهُ (وَ)تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الأَصَابِعِ (لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا) ﷺ (حَيْثُ) إِنَّ الْمَاءَ (نَبَعَ مِنْ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَهُوَ أَبْلَغُ) أَىْ أَعْجَبُ (مِنْ تَفَجُّرِ الْمِيَاهِ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِى ضَرَبَهُ مُوسَى) بِعَصَاهُ (لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ بِخِلافِهِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ). وَخَبَرُ تَفَجُّرِ الْمَاءِ مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ (رَوَاهُ جَابِرٌ وَأَنَسٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو لَيْلَى الأَنْصَارِىُّ وَأَبُو رَافِعٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ) الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ (مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَانَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ وَالْتَمَسَ الْوَضُوءَ) أَىْ طَلَبَ مَاءً لِلْوُضُوءِ (فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِى ذَلِكَ الإِنَاءِ فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى يَتَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ ءَاخِرِهِمْ) أَىْ إِلَى ءَاخِرِهِمْ (وَفِى رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِىِّ قَالَ الرَّاوِى لِأَنَسٍ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ ثَلاثَمِائَةٍ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا) أَنَّهُ قَالَ (عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ) أَىْ إِنَاءٌ (يَتَوَضَّأُ مِنْهَا فَجَهَشَ النَّاسُ) أَىْ أَقْبَلُوا إِلَيْهِ (فَقَالَ مَا لَكُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَوَضَّأُ بِهِ وَلا مَا نَشْرَبُهُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِى الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا فَقِيلَ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً) أَىْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَنْبُعُ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ الْكَائِنِ فِى الأَصَابِعِ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِ مُسْلِمٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ جَابِرٍ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ وَفِى رِوَايَةٍ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ).
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ) ﷺ (رَدُّ عَيْنِ قَتَادَةَ) بِرَاحَتِهِ (بَعْدَ انْقِلاعِهَا فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّلائِلِ) أَىْ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ (عَنْ قَتَادَةَ بنِ النُّعْمَانِ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ) أَىْ فِى مَعْرَكَةِ بَدْرٍ (فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ) أَىْ سَالَتْ عَيْنُهُ عَلَى خَدِّهِ (فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ) ﷺ (فَقَالَ لا فَدَعَا بِهِ فَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ) أَىْ رَدَّهَا بِرَاحَةِ يَدِهِ فَتَعَافَى (فَكَانَ) بَعْدَ ذَلِكَ (لا يَدْرِى أَىَّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ. وَفِى هَاتَيْنِ الْمُعْجِزَتَيْنِ) أَىْ نُبُوعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَرَدِّ عَيْنِ قَتَادَةَ بَعْدَ انْقِلاعِهَا (قَالَ بَعْضُ الْمَادِحِينَ شِعْرًا مِنَ الْبَسِيطِ
إِنْ كَانَ مُوسَى سَقَى الأَسْبَاطَ مِنْ حَجَرٍ فَإِنَّ فِى الْكَفِّ مَعْنًى لَيْسَ فِى الْحَجَرِ
إِنْ كَانَ عِيسَى بَرَا الأَعْمَى بِدَعْوَتِهِ فَكَمْ بِرَاحَتِـهِ قَدْ رَدَّ مِنْ بَصَـرِ)
أَىْ إِنْ كَانَ مُوسَى ضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فَوَزَّعَهَا عَلَى الأَسْبَاطِ وَهُمُ الْقَبَائِلُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ فَإِنَّ نُبُوعَ الْمَاءِ مِنْ أَصَابِعِ النَّبِىِّ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْجَبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْهُودًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنْ كَانَ عِيسَى بَرَا الأَعْمَى بِدَعْوَتِهِ فَكَمْ بِرَاحَتِهِ قَدْ رَدَّ مِنْ بَصَـرِ فَمَعْنَاهُ إِنْ كَانَ الأَعْمَى تَعَافَى بِدَعْوَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ رَدَّ نَبِيُّنَا ﷺ عَيْنَ قَتَادَةَ بِرَاحَتِهِ.
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ تَسْبِيحُ الطَّعَامِ فِى يَدِهِ) فَقَدْ (أَخْرَجَ الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ) أَنَّهُ (قَالَ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ الطَّعَامَ وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ) فِى يَدِهِ. (وَهَذِهِ الْمُعْجِزَاتُ الثَّلاثُ) أَىْ تَسْبِيحُ الطَّعَامِ وَنُبُوعُ الْمَاءِ وَحَنِينُ الْجِذْعِ (أَعْجَبُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى الَّذِى هُوَ إِحْدَى مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ) عَلَيْهِ السَّلامُ.
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ) انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ ءَايَةً فَأَشَارَ إِلَى الْقَمَرِ فَانْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ وَشَاهَدَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَخَارِجَهَا فَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الدَّلائِلِ وَالْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ بنُ الْمُغِيرَةِ وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بنُ وَائِلٍ وَالْعَاصُ بنُ هِشَامٍ وَالأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوث وَالأَسْوَدُ بنُ الْمُطَّلِبِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ وَالنَّضْرُ بنُ الْحَارِثِ وَنُظَرَاؤهُمْ كَثِيرٌ فَقَالُوا لِلنَّبِىِّ ﷺ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَشُقَّ الْقَمَرَ لَنَا فِلْقَتَيْنِ نِصْفًا عَلَى أَبِى قُبَيْس وَنِصْفًا عَلَى قُعَيْقِعَان فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُوا قَالُوا نَعَمْ وَكَانَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا سَأَلُوا فَأَمْسَى الْقَمَرُ قَدْ مُثِلَ نِصْفًا عَلَى أَبِى قُبَيْس وَنِصْفًا عَلَى قُعَيْقِعَان وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَادِى يَا أَبَا سَلَمَةَ ابْنَ عَبْدِ الأَسَد وَالأَرْقَمَ بنَ أَبِى الأَرْقَم اشْهَدُوا فَنَظَرَ الْكُفَّارُ ثُمَّ مَالُوا بِأَبْصَارِهِمْ فَمَسَحُوهَا ثُمَّ أَعَادُوا النَّظَرَ فَنَظَرُوا ثُمَّ مَسَحُوا أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ نَظَرُوا فَقَالُوا سَحَرَ مُحَمَّدٌ أَعْيُنَنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فَانْظُرُوا إِلَى السُّفَّارِ فَإِنْ أَخْبَرُوكُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ فَكَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الرَّكْبَ أَىِ الْمُسَافِرِينَ الْقَادِمِينَ مِنْ خَارِجِ مَكَّةَ فَيُخْبِرُونَهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ مَا رَأَوْا فَيُكَذِّبُونَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وَقُعَيْقِعَان وَأَبُو قُبَيْس جَبَلانِ مُتَقَابِلانِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ. وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ (الإِسْرَاءُ) مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَالْمِعْرَاجُ) مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَإِلَى مَا فَوْقَهَا. وَ(الإِسْرَاءُ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ ﷺ أَسْرَى اللَّهُ بِهِ لَيْلًا مِنَ) الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِى (مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) فِى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ يَقَظَةً (وَأَمَّا الْمِعْرَاجُ فَقَدْ ثَبَتَ بِنَصِّ الأَحَادِيثِ وَأَمَّا الْقُرْءَانُ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ نَصًّا صَرِيحًا لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا لَكِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مَا يَكَادُ يَكُونُ نَصًّا صَرِيحًا) فَلا يَكْفُرُ مُنْكِرُ الْمِعْرَاجِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ بِخِلافِ مُنْكِرِ الإِسْرَاءِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِصَرِيحِ الْقُرْءَانِ (فَالإِسْرَاءُ قَدْ جَاءَ فِيهِ) نَصٌّ صَرِيحٌ وَهُوَ (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾) أَىْ تَنَزَّهَ اللَّهُ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ لَيْلًا (﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾) أَىْ جَعَلْنَا الْبَرَكَةَ فِيمَا حَوْلَهُ مِنْ بِلادِ الشَّامِ (﴿لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا﴾) أَىْ لِنُطْلِعَهُ عَلَى عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ وَ(أَمَّا الْمِعْرَاجُ فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾) أَىْ رَأَى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ مَرَّةً ثَانِيَةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِىَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ أَصْلُهَا فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَتَمْتَدُّ إِلَى السَّابِعَةِ (فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ) تَعَالَى (﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رُؤْيَةً مَنَامِيَّةً قُلْنَا هَذَا تَأْوِيلٌ) بِلا دَلِيلٍ (وَلا يَسُوغُ تَأْوِيلُ النَّصِّ أَىْ) لا يَجُوزُ (إِخْرَاجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ عَقْلِىٍّ قَاطِعٍ أَوْ سَمْعِىٍّ ثَابِتٍ) وَهُوَ مَا كَانَ قُرْءَانًا أَوْ حَدِيثًا ثَابِتًا (كَمَا قَالَهُ الرَّازِىُّ فِى) كِتَابِهِ (الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ مِنَ الأُصُولِيِّينَ) أَىْ عُلَمَاءِ الأُصُولِ (وَلَيْسَ هُنَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ) أَىْ عَلَى جَوَازِ تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ (وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ) أَىْ أَتَانِى جِبْرِيلُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ) مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ (أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) أَىْ يَضَعُ رِجْلَهُ حَيْثُ يَصِلُ نَظَرُهُ ثُمَّ (قَالَ فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِى يَرْبِطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ) دَوَابَّهُمْ (قَالَ ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) الأَقْصَى (فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) إِمَامًا بِالأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا (ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ) أَىْ مِنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ وَهُوَ شَرَابٌ لَذِيذٌ طَاهِرٌ لا يُسْكِرُ وَلا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَلا يُصْدِعُ الرَّأْسَ (وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) أَىْ حَلِيبٍ (فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ) أَىِ تَمَسَّكْتَ بِالدِّينِ (قَالَ) ﷺ (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ) وَكَانَ عُرُوجُهُ ﷺ بِالْمِرْقَاةِ وَهُوَ شِبْهُ السُّلَّمِ (إِلَى ءَاخِرِ الْحَدِيثِ. وَفِى) هَذَا (الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ كَانَا فِى لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ يَقَظَةً إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ وَصَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نَامَ. أَمَّا رُؤْيَةُ النَّبِىِّ لِرَبِّهِ) فِى (لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ قَوِىٍّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ) فِى فَتْحِ الْبَارِى (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَنَّهُ قَالَ (رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِىٍّ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ (رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ رَءَاهُ بِقَلْبِهِ) أَىْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ قُوَّةَ الرُّؤْيَةِ بِقَلْبِهِ لا بِعَيْنِهِ فَرَءَاهُ بِقَلْبِهِ (بِدَلِيلِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِى الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ).
(تَنْبِيهٌ. قَالَ الْغَزَالِىُّ فِى إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ الصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِىَّ) ﷺ (لَمْ يَرَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِى وَلا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ أَوْ أَتْبَاعِهِمْ قَالَ رَءَاهُ بِعَيْنَىْ رَأْسِهِ) وَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا يُرَى الْبَاقِى بِالْعَيْنِ الْفَانِيَةِ وَإِنَّمَا يُرَى بِالْعَيْنِ الْبَاقِيَةِ فِى الآخِرَةِ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَنْ تَرَانِى﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَجْهُ دِلالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ النَّبِىِّ ﷺ)
اعْلَمْ أَنَّ (الأَمْرَ الْخَارِقَ) الْمُسَمَّى مُعْجِزَةً (الَّذِى يَظْهَرُ عَلَى يَدِ مَنِ ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ) أَىِ الأَنْبِيَاءِ (مَعَ التَّحَدِّى) أَىْ مَعَ كَوْنِهِ صَالِحًا لِلتَّحَدِّى (مَعَ عَدَمِ مُعَارَضَتِهِ بِالْمِثْلِ) أَىْ مَعَ عَجْزِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ عَنِ الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ (نَازِلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِ اللَّهِ) تَعَالَى (صَدَقَ عَبْدِى فِى كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّى أَىْ) كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ صَدَقَ عَبْدِى هَذَا الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِى كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّى إِذْ (لَوْلا أَنَّهُ صَادِقٌ فِى دَعْوَاهُ لَمَا أَظْهَرَ اللَّهُ لَهُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ صَدَقَ عَبْدِى) مُحَمَّدٌ أَوْ عِيسَى أَوْ مُوسَى (هَذَا الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِى دَعْوَاهُ لِأَنِّى أَظْهَرْتُ لَهُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ لِأَنَّ الَّذِى يُصَدِّقُ الْكَاذِبَ) أَىْ يَقُولُ بِصِدْقِ الْكَاذِبِ فَهُوَ (كَاذِبٌ) مِثْلُهُ (وَاللَّهُ) تَعَالَى (يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِتَصْدِيقِهِ) أَىْ خَلَقَ هَذَا الأَمْرَ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ لِتَصْدِيقِ النَّبِىِّ الَّذِى أَرْسَلَهُ (إِذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَقَلْبَ الْعَصَا ثُعْبَانًا) حَقِيقِيًّا (وَإِخْرَاجَ نَاقَةٍ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ) لا جَوْفَ لَهَا (لَيْسَ بِمُعْتَادٍ).
(السَّبِيلُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمُعْجِزَةِ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ) أَىِ الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ
إِلَى مَعْرِفَةِ حُصُولِ الْمُعْجِزَةِ قَطْعًا وَيَقِينًا
اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النَّبِىِّ فِى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَ(الْعِلْمُ بِالْمُعْجِزَاتِ) أَىِ الْعِلْمُ الْيَقِينِىُّ (يَحْصُلُ) إِمَّا (بِالْمُشَاهَدَةِ لِمَنْ شَاهَدُوهَا وَ)إِمَّا (بِبُلُوغِ خَبَرِهَا بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ فِى حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا) وَخَبَرُ التَّوَاتُرِ لا يَكُونُ إِلَّا صِدْقًا وَالتَّوَاتُرُ مَعْنَاهُ انْتِقَالُ الْخَبَرِ بِوَاسِطَةِ عَدَدٍ كَبِيرٍ يَنْقُلُ عَنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ شَهِدَ الْمُعْجِزَةَ وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَصِلَ الْخَبَرُ إِلَيْنَا بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ عَادَةً إِتِّفَاقُهُمْ جَمِيعًا عَلَى الْكَذِبِ فِى هَذَا الْخَبَرِ (وَذَلِكَ كَعِلْمِنَا بِالْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ) أَىْ عِلْمِنَا بِوُجُودِ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ الَّتِى لَمْ نُشَاهِدْهَا (وَ)بِحُصُولِ (الْحَوَادِثِ التَّارِيخِيَّةِ الثَّابِتَةِ) يَقِينًا (الْوَاقِعَةِ لِمَنْ) كَانَ (قَبْلَنَا مِنَ الْمُلُوكِ وَالأُمَمِ. وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُشَاهَدَةِ) أَىْ مِثْلُ الْمُشَاهَدَةِ (فَوَجَبَ الإِذْعَانُ) أَىِ التَّسْلِيمُ وَالرِّضَى (لِمَنْ أَتَى بِهَا) أَىِ بِالْمُعْجِزَةِ (عَقْلًا كَمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ شَرْعًا).
(الإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَسُؤَالِهِ)
اعْلَمْ أَنَّ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ عَذَابُ الْقَبْرِ كَعَرْضِ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ يَتَعَذَّبُ بِنَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِى يَقْعُدُهُ فِى الآخِرَةِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) أَىْ أَنَّ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَهُمْ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَاتَّبَعُوهُ عَلَى الْكُفْرِ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ فِى الْبَرْزَخِ أَىْ فِى مُدَّةِ الْقَبْرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾) أَىْ يُقَالُ لِلْمَلائِكَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (﴿أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾) أَىْ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِى أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يَتَعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالآيَةِ ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَسَّرَهَا بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ (فَهَاتَانِ الآيَاتَانِ وَارِدَتَانِ فِى عَذَابِ الْقَبْرِ لِلْكُفَّارِ وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ يُعْفِيهِمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) فَلا يُعَذِّبُهُمْ (وَصِنْفٌ يُعَذِّبُهُمْ ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ وَيُؤَخَّرُ لَهُمْ بَقِيَّةُ عَذَابِهِمْ إِلَى الآخِرَةِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ (مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ (عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرِ إِثْمٍ) أَىْ بِحَسَبِ مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ لَيْسَ ذَنْبُهُمَا كَبِيرًا لَكِنَّهُ فِى الْحَقِيقَةِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِذَلِكَ (قَالَ بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ) أَىْ يَنْقُلُ الْكَلامَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا (وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) أَىْ لا يَتَنَّزَهُ مِنْهُ بَلْ يُلَوِّثُ جَسَدَهُ بِهِ (ثُمَّ دَعَا) رَسُولُ اللَّهِ (بِعَسِيبٍ رَطْبٍ) أَىْ غُصْنِ نَخْلٍ أَخْضَرَ (فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا) الْقَبْرِ (وَاحِدًا) مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ (وَعَلَى هَذَا) الْقَبْرِ (وَاحِدًا) مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ (ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا) أَىْ لَعَلَّ عَذَابَ الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَ هَذَانِ الشِّقَانِ رَطْبَيْنِ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبَاتَ الأَخْضَرَ يُسَبِّحُ اللَّهَ فَإِذَا وُضِعَ عَلَى الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْ صَاحِبِ الْقَبْرِ بِتَسْبِيحِهِ إِنْ كَانَ فِى نَكَدٍ فَيَنْبَغِى وَضْعُ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ لَكِنْ نَحْنُ لا نَسْمَعُهُ.
(وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ) أَىِ انْصَرَفُوا عَنْهُ (وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) أَىْ يَسْمَعُ صَوْتَ طَرْقِ نِعَالِهِمْ (إِذَا انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ) لَهُ (مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ) ﷺ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِى تِلْكَ السَّاعَةِ يَكُونُ ظَاهِرًا مَرْئِيًّا مُشَاهَدًا (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ) أَىِ الْكَامِلُ (فَيَقُولُ) أَىْ فِى الْجَوَابِ لَهُمَا (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ) أَىْ لَوْ مِتَّ عَلَى الْكُفْرِ (أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ فَضْلَ الإِسْلامِ مَعْرِفَةً عِيَانِيَّةً كَمَا كَانَ يَعْرِفُ فِى الدُّنْيَا مَعْرِفَةً قَلْبِيَّةً (وَأَمَّا الْكَافِرُ) الْمُعْلِنُ وَهُوَ الَّذِى يُظْهِرُ كُفْرَهُ (أَوِ) الْكَافِرُ (الْمُنَافِقُ) وَهُوَ الَّذِى يُخْفِى كُفْرَهُ فِى قَلْبِهِ وَيُظْهِرُ الإِسْلامَ (فَيَقُولُ لا أَدْرِى كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ فَيُقَالُ) لَهُ أَىْ تَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ إِهَانَةً لَهُ (لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَىْ لا عَرَفْتَ (ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ) لَوْ ضُرِبَ بِهَا الْجَبَلُ لَانْدَكَّ أَىْ تَحَطَّمَ (فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ) أَىْ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مِنْ بَهَائِمَ وَطُيُورٍ (إِلَّا الثَّقَلَيْنِ) وَهُمُ الإِنْسُ وَالْجِنُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ تِلْكَ الصَّيْحَةَ عَنْ أَسْمَاعِهِمْ، وَتَسِيخُ بِهِ الأَرْضُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الأَرْضِ السَّابِعَةِ ثُمَّ تَلْفِظُهُ الأَرْضُ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَبْرِ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو) بنِ الْعَاصِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فَتَّانَىِ الْقَبْرِ) أَىِ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَمْتَحِنَانِ النَّاسَ فِى الْقَبْرِ (فَقَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَىْ عِنْدَ السُّؤَالِ (قَالَ نَعَمْ كَهَيْئَتِكُمُ الْيَوْمَ) أَىْ يَكُونُ الْجَوَابُ مِنَ الْجِسْمِ مَعَ الرُّوحِ (قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو (فَبِفِيهِ الْحَجَرُ) أَىْ سَكَتَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَانْقَطَعَ عَنِ الْكَلامِ لِأَنَّهُ سَمِعَ خِلافَ مَا كَانَ يَظُنُّهُ (وَاعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ فِى الأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ عَوْدُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ فِى الْقَبْرِ كَحَدِيثِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ الَّذِى رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ) وَفِيهِ وَيُعَادُ الرُّوحُ إِلَى جَسَدِهِ (وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا) أَىِ الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ (مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِى الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) فِى التَّمْهِيدِ وَالِاسْتِذْكَارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَ)رَوَاهُ الْحَافِظُ (عَبْدُ الْحَقِّ الإِشْبِيلِىُّ وَصَحَّحَهُ) فِى كِتَابِ الْعَاقِبَةِ (فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ) أَىْ سَمَاعُ الْمَيِّتِ إِلْقَاءَ السَّلامَ عَلَيْهِ وَرَدُّ السَّلامِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ (رُجُوعَ الرُّوحِ إِلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَوْ إِلَى بَعْضِهِ) أَىْ بَعْضِ بَدَنِهِ (وَيَتَأَكَّدُ عَوْدُ الْحَيَاةِ فِى الْقَبْرِ إِلَى الْجَسَدِ مَزِيدَ تَأَكُّدٍ فِى حَقِّ الأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمُ السَّلامُ (فَإِنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ) أَنَّهُ قَالَ (الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ، صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِىُّ وَأَقَرَّهُ الْحَافِظُ) ابْنُ حَجَر عَلَى ذَلِكَ.
(وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوِ الإِنْسَانُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ) أَىْ لَوْنُهُمَا أَسْوَدُ مَمْزُوجٌ بِزُرْقَةٍ وَهَوَ أَخْوَفُ مَا يَكُونُ مِنَ الأَلْوَانِ وَلَهُمَا أَعْيُنٌ حُمْرٌ كَقُدُورِ النُّحَاسِ وَصَوْتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ (يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَلِلآخَرِ نَكِيرٌ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ) ﷺ (فَهُوَ قَائِلٌ) أَىْ فِى الْجَوَابِ لَهُمَا (مَا كَانَ يَقُولُ) قَبْلَ الْمَوْتِ (فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا) أَىْ كَامِلًا (قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولانِ لَهُ إِنْ كُنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ لَتَقُولُ ذَلِكَ) أَىْ كُنَّا نَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ أَنَّكَ كُنْتَ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ (ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِى قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا) أَىْ يُوَسَّعُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَرْضًا (وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ) بِنُورٍ يُشْبِهُ نُورَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ (فَيُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَنَامُ كَنَوْمِ الْعَرُوسِ) أَىْ كَنَوْمِ الرَّجُلِ الْعَرُوسِ (الَّذِى لا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ) إِلَيْهِ أَىْ يَنَامُ نَوْمًا هَنِيئًا لا يُحِسُّ بِقَلَقٍ وَلا وَحْشَةٍ (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ) الْمَقْبُورُ كَافِرًا مُعْلِنًا أَوْ كَانَ كَافِرًا (مُنَافِقًا قَالَ لا أَدْرِى كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَكُنْتُ أَقُولُهُ فَيَقُولانِ لَهُ إِنْ كُنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ الْتَئِمِى فَتَلْتَئِمُ) عَلَيْهِ فَيَضِيقُ (عَلَيْهِ) الْقَبْرُ (حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ) أَىْ أَضْلاعُهُ الَّتِى فِى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ تَدْخُلُ فِى الأَضْلاعِ الَّتِى فِى الْجِهَةِ الأُخْرَى (فَلا يَزَالُ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ) ثُمَّ يُعَذَّبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَذَابٍ ءَاخَرَ وَيَدْخُلُ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا (وَالْحَدِيثَانِ رَوَاهُمَا ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُمَا فَفِى الأَوَّلِ مِنْهُمَا إِثْبَاتُ عَوْدِ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ فِى الْقَبْرِ وَالإِحْسَاسِ وَفِى الثَّانِى إِثْبَاتُ اسْتِمْرَارِ الرُّوحِ فِى الْقَبْرِ وَإِثْبَاتُ النَّوْمِ) فِيهِ (وَذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلَ الْجَسَدُ) فَإِذَا بَلِىَ الْجَسَدُ فَإِنَّ الرُّوحَ تُفَارِقُهُ. (وَهَذَا النَّعِيمُ) فِى الْقَبْرِ (لِلْمُؤْمِنِ الْقَوِىِّ وَهُوَ الَّذِى يُؤَدِّى الْفَرَائِضَ وَيَجْتَنِبُ الْمَعَاصِىَ وَهُوَ الَّذِى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ) أَىِ الدُّنْيَا دَارُ جُوعٍ وَبَلاءٍ فَهِىَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَلْقَاهُ مِنَ النَّعِيمِ فِى الآخِرَةِ كَالسِّجْنِ (فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ) أَىْ يَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ كَانَ فِى قَحْطٍ وَمَجَاعَةٍ مَسْجُونًا ثُمَّ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ إِلَى الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ. وَهَذَا (حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَ(يَعْنِى الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ. ثُمَّ إِذَا بَلِىَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَلَمْ يَبْقَ) مِنْهُ (إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ) وَهُوَ عَظْمٌ صَغِيرٌ قَدْرُ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ (يَكُونُ رُوحُ الْمُؤْمِنِ التَّقِىِّ فِى الْجَنَّةِ وَتَكُونُ أَرْوَاحُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ) أَىْ (أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَبَعْضُهُمْ فِى السَّمَاءِ الأُولَى وَتَكُونُ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ فِى سِجِّين) وَتَبْقَى فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (وَهُوَ مَكَانٌ) مُظْلِمٌ وَمُوحِشٌ (فِى الأَرْضِ السُّفْلَى) أَىِ الأَرْضِ السَّابِعَةِ. وَبَعْضُ النَّاسِ لا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ كَالأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ (وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ) أَىْ شُهَدَاءُ الْمَعْرَكَةِ (فَتَصْعَدُ أَرْوَاحُهُمْ) بَعْدَ مَوْتِهِمْ (فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ) وَتَتَنَعَّمُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(تَنْبِيهٌ) مُهِمٌّ (يُسْتَثْنَى مِنَ السُّؤَالِ) فِى الْقَبْرِ (النَّبِىُّ) ﷺ لِشَرَفِهِ أَىْ لِعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ (وَالشَّهِيدُ أَىْ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ) لِأَنَّ رُوحَهُ تَصْعَدُ مُبَاشَرَةً إِلَى الْجَنَّةِ (وَكَذَلِكَ الطِّفْلُ أَىِ الَّذِى مَاتَ دُونَ الْبُلُوغِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا (فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُمْكِنُ سُؤَالُ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأَمْوَاتِ) فِى ءَانٍ وَاحِدٍ (فَالْجَوَابُ مَا قَالَ الْحَلِيمِىُّ إِنَّ الأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَلائِكَةُ السُّؤَالِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً يُسَمَّى بَعْضُهُمْ مُنْكَرًا وَبَعْضُهُمْ نَكِيرًا فَيُبْعَثُ إِلَى كُلِّ مَيِّتٍ اثْنَانِ مِنْهُمْ).
(حُكْمُ مُنْكِرِ عَذَابِ الْقَبْرِ)
اعْلَمْ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ ثَابِتٌ بِالْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ (وَ)إِجْمَاعِ الأُمَّةِ لِذَلِكَ (يَكْفُرُ مُنْكِرُ عَذَابِ الْقَبْرِ) فَهُوَ مُكَذِّبٌ (لِقَوْلِ اللَّهِ) تَعَالَى (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾) وَقَوْلِهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ (بِخِلافِ مُنْكِرِ سُؤَالِهِ فَلا يَكْفُرُ) لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) إِنْكَارُهُ (عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.
(الْبَعْثُ)
(الْبَعْثُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (وَ)الْبَعْثُ (هُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ) بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ أَىْ (بَعْدَ إِعَادَةِ الْجَسَدِ الَّذِى أَكَلَهُ التُّرَابُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَجْسَادِ الَّتِى يَأْكُلُهَا التُّرَابُ) فَيُعَادُ تَرْكِيبُ الْجَسَدِ عَلَى عَظْمٍ صَغِيرٍ قَدْرَ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ يُسَمَّى عَجْبَ الذَّنَبِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ أَىْ يَخْتَلِطُ هَذَا الْمَاءُ بِالتُّرَابِ وَبِعَجْبِ الذَّنَبِ فَيُعِيدُ اللَّهُ الأَجْسَادَ الَّتِى أَكَلَهَا التُّرَابُ (وَهِىَ أَجْسَادُ غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ لِمَا تَوَاتَرَ مِنْ مُشَاهَدَةِ بَعْضِ الأَوْلِيَاءِ) وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ الَّذِى شُوهِدَتْ جُثَّتُهُ صَحِيحَةً لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهَا شَىْءٌ وَقَدْ مَضَى عَلَى وَفَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ. أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلا يَأْكُلُ التُّرَابُ أَجْسَادَهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَالأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ لَكِنْ حَيَاتُهُمْ فِى الْقَبْرِ لَيْسَتْ كَحَيَاتِهِمْ فِى الدُّنْيَا فَلا تَتَطَلَّبُ أَكْلًا وَلا شُرْبًا إِنَّمَا هِىَ كَحَيَاةِ الْمَلائِكَةِ لا يَشْتَهُونَ أَكْلًا وَلا شُرْبًا إِنَّمَا يُصَلُّونَ تَلَذُّذًا بِعِبَادَةِ اللَّهِ. (وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ) هُوَ (سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ) ثُمَّ بَعْدَهُ الأَنْبِيَاءُ. (وَأَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ) وَيَحْصُلُ الْبَعْثُ بَعْدَ أَنْ يَنْفُخَ الْمَلَكُ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ فَيَقُومُ الأَمْوَاتُ مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ عَوْدِ الأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهِمْ.
(الْحَشْرُ)
(وَالْحَشْرُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ أَنْ يُجْمَعُوا بَعْدَ الْبَعْثِ إِلَى مَكَانٍ) وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ الشَّامُ لَكِنَّهُ يُوَسَّعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِيَسَعَ الْجَمِيعَ ثُمَّ يُنْقَلُونَ عِنْدَ دَكِّ الأَرْضِ إِلَى ظُلْمَةٍ عِنْدَ الصِّرَاطِ فَإِنَّ هَذِهِ الأَرْضَ تُدَكُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَىْ تُزَلْزَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَيَنْهَدِمُ كُلُّ بِنَاءٍ عَلَيْهَا وَيَنْعَدِمُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تُبَدَّلَ الأَرْضُ غَيْرَهَا يُعِيدُ اللَّهُ الْبَشَرَ إِلَيْهَا وَيَقْضِى بَيْنَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ أَىْ تُبَدَّلُ صِفَاتُهَا. (وَيَكُونُ) الْحَشْرُ (عَلَى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَهِىَ أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ كَالْجِلْدِ الْمَشْدُودِ لا جِبَالَ فِيهَا وَلا وِدْيَانَ أَكْبَرُ وَأَوْسَعُ مِنْ أَرْضِنَا هَذِهِ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ وَيَكُونُ) النَّاسُ فِى (الْحَشْرِ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ قِسْمٌ طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا) أَىْ سُرُوجُهَا (مِنْ ذَهَبٍ وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ وَقِسْمٌ) يُحْشَرُونَ (حُفَاةً) أَىْ مِنْ غَيْرِ خُفٍّ وَلا نَعْلٍ وَيُحْشَرُونَ (عُرَاةً وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَقِسْمٌ يُحْشَرُونَ) حُفَاةً عُرَاةً (وَيُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ) أَىْ تَسْحَبُهُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ (وَهُمُ الْكُفَّارُ). الْكَافِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى بَعْضِ الأَوْقَاتِ يَمْشِى عَلَى وَجْهِهِ، كَمَا أَمْشَاهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْهِ يُمْشِيهِ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يُظْهِرَ أَنَّهُ حَقِيرٌ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يُبْعَثُ النَّاسُ (أَىْ أَغْلَبُ النَّاسِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا (أَىْ غَيْرَ مَخْتُونِينَ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ قَالَ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أَىْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَالًا يَشْغَلُهُ عَنِ النَّظَرِ فِى حَالِ غَيْرِهِ. وَتُسَلَّطُ الشَّمْسُ عَلَى الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَغْرُبَ فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَصِلَ عَرَقُ أَحَدِهِمْ إِلَى فَمِهِ وَلا يَتَجَاوَزُ إِلَى شَخْصٍ ءَاخَرَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُقَاسِى مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ رَبِّ أَرِحْنِى وَلَوْ إِلَى النَّارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ أَرِحْنِى وَلَوْ إِلَى النَّارِ أَىْ رَبِّ أَنْقِذْنِى مِنْ هَذَا الْعَذَابِ وَلَوْ إِلَى النَّارِ. لَكِنْ بَعْدَ دُخُولِهِ جَهَنَّمَ يَجِدُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أَمَّا التَّقِىُّ فَلا يُصِيبُهُ أَدْنَى انْزِعَاجٍ. فَالإِنْسُ يُحْشَرُونَ وَكَذَلِكَ الْجِنُّ وَالْبَهَائِمُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أَىْ بُعِثَتْ لِلْقِصَاصِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا حَتَّى يُؤْخَذَ حَقُّ الشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ الَّتِى ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا. وَالشَّاةُ الْجَلْحَاءُ هِىَ الشَّاةُ الَّتِى لَيْسَ لَهَا قَرْنٌ أَمَّا الْقَرْنَاءُ فَلَهَا قَرْنٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ الْقَرْنَاءُ الَّتِى ضَرَبَتِ الأُخْرَى إِلَى النَّارِ إِنَّمَا هَذِهِ تَضْرِبُ هَذِهِ كَمَا ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا ثُمَّ تَمُوتُ وَلا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ إِنَّمَا تَعُودُ تُرَابًا.
(الْحِسَابُ)
(وَالْحِسَابُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ) أَىْ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا عَمِلُوا فِى الدُّنْيَا فَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ كِتَابَ عَمَلِهِ وَالْمُؤْمِنُ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَهَذَا الْكِتَابُ هُوَ الَّذِى كَتَبَهُ الْمَلَكَانِ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ فِى الدُّنْيَا (وَيَكُونُ) الْحِسَابُ (بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَمِيعِهِمْ فَيَفْهَمُونَ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَمَّا فَعَلُوا بِالنِّعَمِ الَّتِى أَعْطَاهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَيُسَرُّ الْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ وَلا يُسَرُّ الْكَافِرُ) بَلْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ (لِأَنَّهُ لا حَسَنَةَ لَهُ فِى الآخِرَةِ بَلْ يَكَادُ يَغْشَاهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ) أَىْ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ مَلَكٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِىُّ). فَاللَّهُ تَعَالَى يُكَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَسْمَعُ الْعَبْدُ كَلامَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ الَّذِى لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ فَيَفْهَمُ الْعَبْدُ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ وَيَنْتَهِى حِسَابُهُمْ فِى وَقْتٍ قَصِيرٍ. فَلَوْ كَانَ حِسَابُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ مَا كَانَ يَنْتَهِى حِسَابُهُمْ فِى مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لِأَنَّ الْخَلْقَ كَثِيرٌ وَحِسَابُ الْعِبَادِ لَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ فَلَوْ كَانَ حِسَابُهُمْ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَاسْتَغْرَقَ حِسَابُهُمْ زَمَانًا طَوِيلًا جِدًّا وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ بَلْ لَكَانَ أَبْطَأَ الْحَاسِبِينَ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْرَعُ مِنْ كُلِّ حَاسِبٍ.
(الْمِيزَانُ)
(وَالْمِيزَانُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ (وَهُوَ) مِنْ حَيْثُ التَّرْكِيبُ (كَمِيزَانِ الدُّنْيَا) لَكِنَّهُ أَكْبَرُ حَجْمًا (لَهُ قَصَبَةٌ وَعَمُودٌ وَكَفَّتَانِ كَفَّةٌ لِلْحَسَنَاتِ وَكَفَّةٌ لِلسَّيِّئَاتِ تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالَّذِى يَتَوَلَّى وَزْنَهَا) الْمَلَكَانِ (جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَا يُوزَنُ إِنَّمَا هُوَ الصَّحَائِفُ الَّتِى كُتِبَ عَلَيْهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ) فَتُوضَعُ صَحَائِفُ الْحَسَنَاتِ فِى كَفَّةٍ وَصَحَائِفُ السَّيِّئَاتِ فِى الْكَفَّةِ الأُخْرَى (فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ) وَالْفَوْزِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ (وَمَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ أَقَلُّ رُتْبَةً مِنَ الطَّبَقَةِ الأُولَى وَأَرْفَعُ مِنَ الثَّالِثَةِ) فَإِنَّهُ يَمْكُثُ مُدَّةً عَلَى الأَعْرَافِ ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَالأَعْرَافُ سُورُ الْجَنَّةِ وَهُوَ عَرِيضٌ وَاسِعٌ (وَ)أَمَّا (مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) مُدَّةً فِى النَّارِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ (وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَرْجَحُ كَفَّةُ سَيِّئَاتِهِ لا غَيْرُ لِأَنَّهُ لا حَسَنَاتِ لَهُ فِى الآخِرَةِ لِأَنَّهُ أُطْعِمَ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا) أَىْ جُوزِىَ فِى الدُّنْيَا عَلَى مَا عَمِلَهُ مِنْ حَسَنَاتٍ بِالرِّزْقِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيب رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ)
(الثَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ) أَىْ أَهْلِ السُّنَّةِ (لَيْسَ بِحَقٍّ لِلطَّائِعِينَ وَاجِبٍ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ) أَىْ لا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُثِيبَ الطَّائِعِينَ لَكِنَّهُ وَعَدَهُمْ بِالثَّوَابِ وَوَعْدُهُ حَقٌّ وَلا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ (وَ)الثَّوَابُ (هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِى يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ مِمَّا يَسُرُّهُ فِى الآخِرَةِ) عَلَى مَا عَمِلَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ (وَالْعِقَابُ لا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَيْضًا إِيقَاعُهُ لِلْعُصَاةِ) فِى الآخِرَةِ (وَإِنَّمَا هُوَ عَدْلٌ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) جَزَاءً عَلَى مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْمَعَاصِى (وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ فَالْعِقَابُ الأَكْبَرُ هُوَ دُخُولُ النَّارِ) أَىْ جَهَنَّمَ (وَ)أَمَّا (الْعِقَابُ الأَصْغَرُ) فَهُوَ (مَا سِوَى ذَلِكَ) مِنَ الْعَذَابِ (كَأَذَى حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهَا تُسَلَّطُ عَلَى الْكُفَّارِ فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَصِلَ عَرَقُ أَحَدِهِمْ إِلَى فِيهِ) أَىْ فَمِهِ (وَلا يَتَجَاوَزُ عَرَقُ هَذَا الشَّخْصِ إِلَى شَخْصٍ ءَاخَرَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُقَاسِى مِنْهَا رَبِّ أَرِحْنِى) أَىْ أَنْقِذْنِى مِنْ عَذَابِ حَرِّ الشَّمْسِ (وَلَوْ إِلَى النَّارِ) أَمَّا بَعْضُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ منَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ بِحَرِّ الشَّمْسِ لَكِنْ عِقَابًا أَقَلَّ مِمَّا يُقَاسِيهِ الْكُفَّارُ (وَيَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ الأَتْقِيَاءُ تِلْكَ السَّاعَةَ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ، أَىْ فِى ظِلِّ عَرْشِهِ) جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ. فَمَنْ أَثَابَهُ اللَّهُ فَبِفَضْلِهِ وَمَنْ عَاقَبَهُ فَبِعَدْلِهِ وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِىُّ لِكُلِّ شَىْءٍ فَهُوَ يَفْعَلُ فِى مِلْكِهِ مَا يَشَاءُ فَلا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الظُّلْمُ لِأَنَّ الظُّلْمَ يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَهُ ءَامِرٌ وَنَاهٍ كَالْعِبَادِ إِذِ الظُّلْمُ هُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ وَلا نَاهٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
(الصِّرَاطُ)
(وَالصِّرَاطُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ جِسْرٌ عَرِيضٌ مَمْدُودٌ عَلَى) ظَهْرِ (جَهَنَّمَ) أَىْ فَوْقَهَا (تَرِدُ عَلَيْهِ الْخَلائِقُ فَمِنْهُمْ مِنْ يَرِدُهُ وُرُودَ دُخُولٍ) إِلَى النَّارِ (وَهُمُ الْكُفَّارُ وَبَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَىْ يَزِلُّونَ مِنْهُ إِلَى جَهَنَّمَ) فَالْكُفَّارُ يَقَعُونَ مِنْهُ فِى ابْتِدَاءِ وُرُودِهِمْ وَبَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهِ مَسَافَةً ثُمَّ يَقَعُونَ مِنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ الْكَلالِيبُ الْمَوْجُودَةُ عَلَى جَانِبَيْهِ فَيَكَادُ يَقَعُ ثُمَّ تُفْلِتُهُ فَيَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ (وَمِنْهُمْ) أَىْ وَمِنَ النَّاسِ (مَنْ يَرِدُهُ وُرُودَ مُرُورٍ فِى هَوَائِهِ) وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ أَىْ يَمُرُّونَ فِى هَوَائِهِ طَائِرِينَ (فَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ عَيْنٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ).
(وَ)الصِّرَاطُ (أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَ)الطَّرَفُ (الآخَرُ فِيمَا يَلِى الْجَنَّةَ) بَعْدَ النَّارِ أَىْ قَبْلَ الْجَنَّةِ وَبَعْدَ النَّارِ (وَقَدْ وَرَدَ فِى صِفَتِهِ أَنَّهُ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ) أَىْ أَمْلَسُ تَزِلُّ مِنْهُ الأَقْدَامُ (وَمِمَّا وَرَدَ) فِيهِ (أَنَّهُ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ) أَنَّهُ قَالَ (بَلَغَنِى أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَلَمْ يَرِدْ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) أَىْ لَيْسَ مِنْ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ بَلْ هُوَ عَرِيضٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ فَإِنَّ يُسْرَ الْجَوَازِ عَلَيْهِ وَعُسْرَهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِى وَلا يَعْلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ وَرَدَ فِى الصَّحِيحِ) أَىْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (أَنَّهُ تَجْرِى بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ لَهُمْ قُوَّةَ السَّيْرِ).
(الْحَوْضُ)
(وَالْحَوْضُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَبَعْدَ مُجَاوَزَةِ الصِّرَاطِ) فَلا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَبُ تَلَذُّذًا وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَبُ عَطَشًا وَهُمُ الْعُصَاةُ (فَلِنَبِيِّنَا) ﷺ (حَوْضٌ تَرِدُهُ أُمَّتُهُ فَقَطْ لا تَرِدُهُ أُمَمُ غَيْرِهِ طُولُهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ. ءَانِيَتُهُ) أَىْ أَكْوَابُهُ (كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ) وَيَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ (شَرَابُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ)رِيحُهُ (أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَوْضِى مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لا يَظْمَأُ أَبَدًا (وَقَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لِكُلِّ نَبِىٍّ حَوْضًا) تَشْرَبُ مِنْهُ أُمَّتُهُ (وَأَكْبَرُ الأَحْوَاضِ) هُوَ (حَوْضُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ).
(صِفَةُ الْجَنَّةِ)
(وَالْجَنَّةُ حَقٌّ) أَىْ وُجُودُهَا ثَابِتٌ (فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ) أَىْ مَوْجُودَةٌ (الآنَ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا وَقَصْرًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْجَنَّةُ لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنْهَا بَابُ الرَّيَّانِ الَّذِى يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ (وَهِىَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِهَا) بَلْ هِىَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ وَلَهَا أَرْضُهَا الْمُسْتَقِلَّةُ (وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمٰنِ) وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهَا بِكَثِيرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمٰنِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَالْجَنَّةُ بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى (وَ)لا يَفْنَى (أَهْلُهَا) وَهُمْ (عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ ءَادَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا جَمِيلُوا الصُّورَةِ جُرْدٌ مُرْدٌ) لا تَنْبُتُ لَهُمْ لِحْيَةٌ وَلَيْسَ عَلَى أَجْسَادِهِمْ شَعَرٌ إِلَّا شَعَرُ الرَّأْسِ وَالْحَاجِبِ وَالأَهْدَابِ كَأَنَّهُمْ (فِى عُمُرِ ثَلاثَةٍ وَثَلاثِينَ عَامًا، خَالِدُونَ فِيهَا لا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا) وَلا يَمُوتُونَ (وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ ءَادَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِى السَّمَاءِ فِى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا). وَالْجَنَّةُ دَارٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الأَقْذَارِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْبُصَاقِ وَالْمَنِىِّ. فَطَعَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَشَرَابُهُمْ لا يَتَحَوَّلُ إِلَى بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ إِنَّمَا يَفِيضُ مِنْ جِسْمِهِمْ عَرَقًا كَالْمِسْكِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلا يَتْفِلُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَتَمَخَّطُونَ قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ قَالَ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ. وَنَعِيمُ الْجَنَّةِ قِسْمَانِ نَعِيمٌ عَامٌّ لِكُلِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمٌ خَاصٌّ لا يَنَالُهُ إِلَّا الأَتْقِيَاءُ أَمَّا النَّعِيمُ الْعَامُّ فَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّهُمْ أَحْيَاءٌ لا يَمُوتُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ فِى صِحَّةٍ لا يَمْرَضُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ شَبَابٌ لا يَهْرَمُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ فِى نَعِيمٍ لا يَبْأَسُونَ أَبَدًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا النَّعِيمُ الْخَاصُّ فَهُوَ الَّذِى أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِىَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَىْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هَيَّأَ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ نَعِيمًا فِى الْجَنَّةِ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ وَلا سَمِعَ بِهِ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ إِنْسَانٍ فَالنَّعِيمُ الْخَاصُّ الَّذِى أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ لَمْ يَرَهُ الرَّسُولُ (وَ)لا الْمَلائِكَةُ خُزَّانُ الْجَنَّةِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) لِأَصْحَابِهِ هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لا خَطَرَ لَهَا ثُمَّ قَالَ (فِى وَصْفِهَا هِىَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِى مُقَامٍ أَبَدِىٍّ فِى حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ). هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ أَىْ هَلْ مِنْ مُجْتَهِدٍ فِى طَاعَةِ اللَّهِ وَمُسْتَعِدٍّ لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لا خَطَرَ لَهَا أَىْ لا مِثْلَ لَهَا، هِىَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ أَىْ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنَّهَا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ أَىْ أَنَّهَا مُنَوَّرةٌ لا يُوجَدُ فِيهَا ظَلامٌ فَلا تَحْتَاجُ الْجَنَّةُ إِلَى شَمْسٍ وَلا قَمَرٍ، إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ الْجَنَّةِ كَمَا وَصَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَيْثُ لَوِ اطَّلَعَتْ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ فِيهَا ظَلامٌ. وَوَصَفَ الرَّسُولُ الْجَنَّةَ بِأَنَّهَا رَيْحَانَهٌ تَهْتَزُّ أَىْ ذَاتُ خُضْرَةٍ كَثِيرَةٍ مُعْجِبَةِ الْمَنْظَرِ وَكُلُّ شَجَرَةٍ فِى الْجَنَّةِ سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَأَشْجَارُ الْجَنَّةِ عِنْدَمَا تَتَحَرَّكُ يَصْدُرُ لَهَا صَوْتٌ جَمِيلٌ جِدًّا تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ. وَوَصَفَ الرَّسُولُ الْجَنَّةَ بِأَنَّهَا قَصْرٌ مَشِيدٌ أَىْ فِيهَا قُصُورٌ عَالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ. أَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ أَىْ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ جَارِيَةٌ فَالْجَنَّةُ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ أَىْ حَلِيبٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ وَهُوَ شَرَابٌ لَذِيذٌ طَاهِرٌ لا يُسْكِرُ وَلا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَلا يُصْدِعُ الرَّأْسَ. وَقَوْلُهُ ﷺ وَفَاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ أَىْ فِيهَا مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلُّ مَا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وَكُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَاكِهِ نَضِيجٌ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ أَىْ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ أَزْوَاجٌ حِسَانٌ جَمِيلاتٌ فَلَيْسَ فِى الْجَنَّةِ عَزَبٌ وَلا عَزَبَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فِى الْجَنَّةِ أَعْزَب رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى مُقَامٍ أَبَدِىٍّ أَىْ فِى حَيَاةٍ دَائِمَةٍ لا نِهَايَةَ لَهَا وَقَوْلُهُ فِى حَبْرَةٍ أَىْ سُرُورٍ دَائِمٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ نَضْرَةٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّ وُجُوهَ أَهْلِهَا جَمِيلَةٌ. وَفِى نِهَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الصَّحَابَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَنِيئًا لِمَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ فَإِنَّ نَعِيمَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ لِنَعِيمِ الآخِرَةِ كَلا شَىْءٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَعْظَمَ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ رُؤْيَتُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِى الْجَنَّةِ بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ أَىْ لا كَمَا يُرَى الْمَخْلُوقُ، لا يَرَوْنَهُ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَلا جِسْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ وَلا يَرَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا حَالًّا فِى الْجَنَّةِ وَلا خَارِجَهَا وَلا يَرَوْنَهُ مُتَحَيِّزًا عَنْ يَمِينِهِمْ وَلا عَنْ يَسَارِهِمْ وَلا فِى جِهَةِ فَوْقٍ وَلا فِى جِهَةِ تَحْتٍ وَلا فِى جِهَةِ أَمَامٍ وَلا فِى جِهَةٍ خَلْفٍ. يَرَوْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَجْمٌ وَكَمِيَّةٌ وَمِقْدَارٌ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا، يَرَوْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ وَسَمْكٌ وَلَوْنٌ وَشَكْلٌ وَهَيْئَةٌ، يرَوْنَهُ بِلا وَصْفِ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَاتِّكَاءٍ وَتَعَلُّقٍ وَاتِّصَالٍ وَانْفِصَالٍ وَسَاكِنٍ وَمُتَحَرِّكٍ وَمُمَاسٍّ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ. رُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ فِى الآخِرَةِ لَيْسَ اجْتِمَاعًا بِاللَّهِ كَاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ بِإِمَامِهِمْ فِى الْمَسْجِدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السُّكْنَى فِى مَكَانٍ. أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِى الآخِرَةِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا تَضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَلَمْ يُشَبِّهِ اللَّهَ بِالْقَمَرِ أَىْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةً لا شَكَّ فِيهَا لا يَشُكُّونَ هَلِ الَّذِى رَأَوْهُ هُوَ اللَّهُ أَمْ غَيْرُهُ كَمَا أَنَّ مُبْصِرَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ سَحَابٌ يَرَاهُ رُؤْيَةً لا شَكَّ فِيهَا. لا تَضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ أَىْ لا تَتَزَاحَمُونَ فِى رُؤْيَتِهِ وَهَذَا شَأْنُ مَنْ لا مَكَانَ لَهُ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا أَرَادُوا رُؤْيَةَ مَنْ فِى مَكَانٍ يَتَزَاحَمُونَ وَيَتَدَافَعُونَ لِيَرَوْهُ فَيَرَاهُ الأَقْرَبُونَ مِنْهُ وَلا يَرَاهُ الأَبْعَدُونَ فَيَتَدَافَعُونَ.
(صِفَةُ جَهَنَّمَ)
(وَالنَّارُ حَقٌّ) أَىْ وُجُودُهَا ثَابِتٌ (فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَبِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ) أَىْ مَوْجُودَةٌ (الآنَ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ وَأَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ وَأَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِىَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (وَهِىَ مَكَانٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعَذَابِ الْكُفَّارِ الَّذِى لا يَنْتَهِى أَبَدًا وَبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكَانُهَا تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِهَا) وَلَهَا أَرْضُهَا وَسَقْفُهَا الْمُسْتَقِلَّانِ وَهِىَ بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى كَمَا نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبْكِىُّ فِى رِسَالَتِهِ الِاعْتِبَارُ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ الآنَ وَلا تَفْنَيَانِ أَبَدًا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فَقَالَ إِنَّ النَّارَ تَفْنَى لا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ وَتَبِعَهُ فِى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ الْوَهَّابِيَّةُ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى الْقَوْلَ الْمُخْتَارَ لِفَنَاءِ النَّارِ لِعَبْدِ الْكَرِيمِ الْحَمِيد وَهُوَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فَلَوْ كَانَتِ النَّارُ تَفْنَى وَالْكُفَّارُ يَخْرُجُونَ مِنْهَا فَأَيْنَ يَذْهَبُونَ بِزَعْمِهِمْ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ إِذْ لا يُوجَدُ فِى الآخِرَةِ إِلَّا مَنْزِلَتَانِ إِمَّا جَنَّةٌ وَإِمَّا نَارٌ. وَلا يُخَفَّفُ الْعَذَابُ عَنِ الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ وَلا يَنْتَفِعُ الْكَافِرُ فِى الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ فِى الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ ﷺ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيب رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ فِى فَتْحِ الْبَارِى عَنِ الْقَاضِى عِيَاضٍ الإِجْمَاعَ بِأَنَّ الْكَافِرَ لا يَنْتَفِعُ فِى الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ لا بِتَخْفِيفِ عَذَابٍ وَلا بِنَعِيمٍ.
(وَيَزِيدُ اللَّهُ فِى حَجْمِ الْكَافِرِ فِى النَّارِ لِيَزْدَادَ عَذَابًا حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُهُ كَجَبَلِ أُحُدٍ) وَمَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَغِلْظُ جِلْدِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا تَأْكُلُهُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ (وَهُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ) لا يَخْرُجُ مِنْهَا (أَبَدًا) كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وَ(لا يَمُوتُ) الْكَافِرُ (فِيهَا) فَيَرْتَاحُ مِنَ العَذَابِ (وَلا يَحْيَا) حَيَاةً هَنِيئَةً طَيِّبَةً (أَىْ حَيَاةً فِيهَا رَاحَةٌ) بَلْ هُوَ دَائِمًا فِى نَكَدٍ وَعَذَابٍ. وَأَهْلُ النَّارِ (لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) وَهُوَ شَجَرٌ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَّا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ﴾ (وَشَرَابُهُمْ مِنَ الْمَاءِ الْحَارِّ الْمُتَنَاهِى) فِى (الْحَرَارَةِ) وَهُوَ الْحَمِيمُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ وَالْغَسَّاقُ هُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ، مَلائِكَةُ الْعَذَابِ يَسْقُونَهُمْ مِنْهُ فَتَتَقَطَّعُ أَمْعَاؤُهُمْ. قَالَ كَعْبُ الأَحْبَار لَوْ كُنْتَ بِالْمَشْرِقِ وَالنَّارُ بِالْمَغْرِبِ ثُمَّ كُشِفَ عَنْهَا لَخَرَجَ دِمَاغُكَ مِنْ مِنْخَرَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهَا وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ فِى كُلِّ عَامٍ نَفَسٍ فِى الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِى الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ وَالزَّمْهِرِيرُ هُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ. وَقَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ مَثَّلْتُ نَفْسِىَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ءَاكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا وَأَشْرَبُ مِنْ حَمِيمِهَا وَأَتَعَثَّرُ بِأَغْلالِهَا فَقُلْتُ أَىْ نَفْسُ مَا تُرِيدِينَ فَقَالَتِ الْعَوْدُ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا فَقُلْتُ أَىْ نَفْسُ أَنْتِ الآنَ فِى الأُمْنِيَّةِ فَاعْمَلِى، فَنَحْنُ الآنَ فِى الْمَكَانِ الَّذِى يَتَمَنَّاهُ الإِنْسَانُ لَوْ كَانَ فِى هَذَا الْعَذَابِ الشَّدِيدِ.
(وَأَمَّا كَوْنُ الْجَنَّةِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَذَلِكَ ثَابِتٌ فِيمَا صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ وَفَوْقَهُ يَعْنِى الْفِرْدَوْسَ عَرْشُ الرَّحْمٰنِ، وَأَمَّا كَوْنُ جَهَنَّمَ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِى) كِتَابِهِ (الْمُسْتَدْرَكِ) عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (إِنَّ ذَلِكَ جَاءَتْ فِيهِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ).
(الشَّفَاعَةُ) فِى الآخِرَةِ
(وَالشَّفَاعَةُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا (وَهِىَ سُؤَالُ) أَىْ طَلَبُ (الْخَيْرِ مِنَ الْغَيْرِ لِلْغَيْرِ فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمَلائِكَةُ) أَىْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ إِسْقَاطَ الْعِقَابِ عَنْ بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (وَيَشْفَعُ نَبِيُّنَا) ﷺ (لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ فَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ شَفَاعَتِى لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ أَىْ) هِىَ خَاصَّةٌ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّا (غَيْرُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ) كَالأَتْقِيَاءِ فَهَؤُلاءِ (لَيْسُوا بِحَاجَةٍ لِلشَّفَاعَةِ وَتَكُونُ لِبَعْضِهِمْ) أَىْ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ (قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ) لِإِنْقَاذِهِمْ مِنْهَا (وَلِبَعْضٍ بَعْدَ دُخُولِهِمْ) لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا (قَبْلَ أَنْ تَمْضِىَ الْمُدَّةُ الَّتِى يَسْتَحِقُّونَ بِمَعَاصِيهِمْ) لِقَوْلِهِ ﷺ يَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ يَشْتَرِكُ فِيهَا الرَّسُولُ وَغَيْرُهُ أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى وَهِىَ لِتَخْلِيصِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذِهِ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَنْتَفِعُ بِهَا غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ فَلا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِنَجَاةِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ. (وَ)الشَّفَاعَةُ (لا تَكُونُ لِلْكُفَّارِ) إِنَّمَا هُمْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ إِلَى عَذَابٍ أَشَدَّ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾) أَىْ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى الإِسْلامَ دِينًا فَالشَّفَاعَةُ لا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ ءَامَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِى مَا شِئْتِ مِنْ مَالِى لا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مَعْنَاهُ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْقِذَكِ مِنَ النَّارِ إِنْ لَمْ تُؤْمِنِى أَمَّا فِى الدُّنْيَا فَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْفَعَكِ بِمَالِى (وَأَوَّلُ شَافِعٍ يَشْفَعُ هُوَ النَّبِىُّ ﷺ) وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ.
(الرُّوحُ)
(يَجِبُ الإِيمَانُ بِالرُّوحِ وَهِىَ جِسْمٌ لَطِيفٌ) لا يُقْبَضُ بِالْيَدِ (لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا اللَّهُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْحَيَاةُ فِى أَجْسَامِ الْمَلائِكَةِ وَالإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ مَا دَامَتْ تِلْكَ الأَجْسَامُ اللَّطِيفَةُ) أَىِ الأَرْوَاحُ (مُجْتَمِعَةً مَعَهَا وَتُفَارِقَهَا إِذَا فَارَقَتْهَا تِلْكَ الأَجْسَامُ وَهِىَ حَادِثَةٌ) أَىْ مَخْلُوقَةٌ وَ(لَيْسَتْ قَدِيمَةً) أَىْ لَيْسَتْ أَزَلِيَّةً وَلَكِنَّهَا بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى (فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً فَقَدْ كَفَرَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ) إِنَّ (الْبَهَائِمَ لا أَرْوَاحَ لَهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ مُتْوَلِّى الشَّعْرَاوِىّ فِى كِتَابَيْهِ التَّفْسِيرِ وَالْفَتَاوَى وَذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ) وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ (وَإِنْكَارٌ لِلْعِيَانِ) أَىْ لِمَا هُوَ مُعَايَنٌ وَمُشَاهَدٌ (قَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ التَّكْوِيرِ ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾) أَىْ رَجَعَتِ الأَرْوَاحُ إِلَيْهَا فَبُعِثَتْ ثُمَّ حُشِرَتْ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا حَتَّى يُؤْخَذَ حَقُّ الشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ الَّتِى ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا وَالشَّاةُ الْجَلْحَاءُ هِىَ الشَّاةُ الَّتِى لَيْسَ لَهَا قَرْنٌ أَمَّا الْقَرْنَاءُ فَلَهَا قَرْنٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ الْقَرْنَاءُ الَّتِى ضَرَبَتِ الأُخْرَى إِلَى النَّارِ إِنَّمَا هَذِهِ تَضْرِبُ هَذِهِ كَمَا ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا ثُمَّ تَمُوتُ وَلا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ إِنَّمَا تَعُودُ تُرَابًا. وَالْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ إِذَا مَاتَ وَبَلِىَ جَسَدُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ يَكُونُ رُوحُهُ فِى الْجَنَّةِ أَمَّا شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ فَيَصْعَدُ رُوحُهُ فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَتَكُونُ أَرْوَاحُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَىْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَبَعْضُهُمْ فِى السَّمَاءِ الأُولَى أَمَّا الشَّهِيدُ الْعَاصِى فَيَصْعَدُ رُوحُهُ فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَتَكُونُ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ فِى سِجِّين وَتَبْقَى هُنَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسِجِّينٌ مَكَانٌ مُظْلِمٌ وَمُوحِشٌ فِى الأَرْضِ السَّابِعَةِ تُسَجَّلُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْكُفَّارِ.
