بيان كلام للإمام البُلقينيِّ
في الرَّدِّ على مَن طعن بعصمة الأنبياء عليهمُ السَّلام
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعدُ فاعلم أنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامُه معصومون مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وقال الجُمهور: لا يجوز عليهم إلَّا صغيرة لا خسَّة فيها ولا دناءة يتوبون منها فورًا قبل أن يُقتدى بهم فيها.
2
وقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة على وصف الأنبياء بالعصمة، لا خلاف بينَهُم في هذا الإطلاق، وإنَّما الخلاف بينَهُم كان في الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها حصرًا فهذه الَّتي اختلفوا في عصمة الأنبياء منها وهُو خلاف لا يقتضي التَّبديع.
3
فأمَّا الكُفر والكبائر والخسائس والرَّذالات والأمراض المُنَفِّرَة وسبق اللِّسان وترك التَّبليغ وكذلك كُلُّ صغيرة تُناقض مدلول المُعجزة كالكذب وأشياءَ أُخرَى؛ كُلُّها أُمور انعقد الإجماع على عصمة الأنبياء عليهمُ السَّلام منها.
4
وحصل أنَّ مُبتدعًا أنكر وصف نبيِّنا بالمعصوم بل وقال: (إنَّ السُّكوت عن إطلاق ذلك واجب)! وليس في ظاهر كلامه نفي عصمة النّبيِّ عما لا خسَّة فيه بل نفاها عن كُلِّ معصية مُطلَقًا عن الكبائر وصغائر الخسَّة والعياذ بالله!
5
ولا يخفَى أنَّ كلام هذا المُبتدع كُفر لا توقُّف فيه لأنَّه جوَّز على النَّبيِّ ما يجب عصمته منه بإجماع أهل السُّنَّة والجماعة وجوَّز عليه ما يُناقض مدلول المُعجزة وهذا مُستحيل في الشَّرع فاقتضَى الأمر تكفير هذا المُبتدع.
6
وحصل أنَّ كلام المُبتدع بلغ مسامع الإمام سراج الدِّين عُمر بن رسلان البُلقينيِّ فانتهض إلى الرَّدِّ مِن ثلاثة وُجوه فجاء بعبارات قصَّرت أفهام الجَهَلَة عن فهمها! ونحن إن شاء الله تعالَى نُبَيِّن الصَّواب والله الهادي إلى الأسباب.
7
الوجه الأوَّل:
ذكر البلقينيُّ أنَّ المسلمين أجمعوا على عصمة الأنبياء مِن كُلِّ زلَّة تُنافي مدلول المُعجزة؛ كنحو الكذب فإنَّه يُنافي المعجزة حيث إنَّها تدُلُّ على صدق النَّبيِّ فيستحيل عليه الكذب، وممَّا لا يخفَى أنْ ليس كُلُّ زلَّة تُنافي المُعجزة.
8
الوجه الثَّاني:
وذكر فيه البُلقينيُّ أنَّ المُبتدع أنكر أمرًا مُجمَعًا عليه معلومًا مِن الدِّين بالضَّرورة؛ ومُرادُه أن هذا ممَّا يُوجب التَّبديع والتَّكفير؛ وهُو حقٌّ لا خلاف فيه وذلك لأنَّ المُبتدع أنكر عصمة الأنبياء بالكُلِّيَّة دونما قيد في ظاهر كلامه.
9
الوجه الثَّالث:
وفيه ما نصُّه: <أنَّ الإجماع قد قام على أنَّ إنباء الله لهُم اقتضَى عصمتَهُم مِن أن يقع منهُم كبيرة أو صغيرة البتَّة> انتهَى ولفظ (البتَّة) -في المخطوط- غير واضح فيحتمل أنَّها تصحيف لكلمة (الخسَّة) ويدُلُّ عليه أُمُور منها.
10
أوَّلًا: أنَّ مشاهير العُلماء كالقاضي عياض (المالكيِّ) والإمام النَّوويِّ (الشَّافعيِّ) والمَردَاوِيِّ (الحَنبَلِيِّ) ومُلَّا عليٍّ القاري (الحنفيِّ) ومئات غيرهم ذكروا أنَّ الجُمهور يقول بجواز صغيرة لا خسَّة فيها على الأنبياء عليهمُ السَّلام.
– – – [نذكُر بعض نُصوصهم في ذيل المقال (أ.ب.ج.د)]
11
والإمام البُلقينيُّ لا يخفَى عنه الخلاف في جواز صغائر لا خسَّة فيها كما سترى فيما يلي؛ لأنَّه خلاف مشهور نصَّ عليه أكثر العُلماء وشحنوا بذكره كُتُبَهُم ولا يُنكرُه إلَّا مُعاند مُتكبِّر لم يُوَفَّق إلى الصَّواب ولم يُكتَب له الإنصاف.
12
ثانيًا: دلَّ سياق كلام البُلقينيِّ أنَّ المُبتدع لو أتَى في كلامه بما يدُلُّ على أنَّه أراد أنَّ إطلاق العصمة لا يجُوز في صُورة مِن الصُّور لَمَا حكم بتبديعه وتكفيره لكن لَمًّا كان ظاهر كلامه مُطلَقًا لا قيد فيه اقتضَى الحُكم عليه بما تقدَّم.
13
قال البُلقينيُّ: <فإن قال هذا الجاهل: (لم أقصد بقولي “فالسُّكوت عن إطلاق ذلك واجب” أنَّ إطلاق العصمة لا يجوز في صُورة مِن الصُّوَر وإنَّما قصدت أنَّ إطلاق العصمة مِن غير تقييد بمحلِّ الإجماع السُّكوت عنه مِن غير قيد واجب) قُلنا: لم تأتِ في كلامك بما يدُلُّ على هذا> إلخ..
14
ثالثًا: دلَّ كلام البُلقينيِّ بوُضوح أنَّ في العصمة محلَّ خلاف بين العُلماء بل إنَّه صرَّح تصريحًا بذكر عبارة (محلِّ الخلاف) بحُروفها وهذا يُحيلنا إلى ما بيَّنه العُلماء في أنَّهُم مُختلفون في عصمة الأنبياء مِن صغائر لا خسَّة فيها.
15
فتأكَّد أنَّ أهل الفتنة جَهَلَة مُتصولحة لا يفقهون قولًا ولا يُحقِّقون مذهبًا شرعيًّا وأنَّهُم كما قال إمامُنا الشَّافعيُّ: <مَثَلُ الَّذِي يَطلُبُ العِلمَ بِلَا حُجَّةٍ كَمَثَلِ حَاطِبِ لَيلٍ يَحمِلُ حُزمَةَ حَطَبٍ وَفِيهِ أَفعَى تَلدَغُهُ وَهُوَ لَا يَدرِي> انتهَى.
– – – ذيل المقال
16
أ) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي [شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ]: <وَاختَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنهُم فَذَهَبَ مُعظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنهُم وَحُجَّتُهُم ظَوَاهِرُ القُرآنِ وَالأَخبَارِ> انتَهَى.
17
ب) وَقَالَ المَردَاوِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي [تَحرِيرِ المَنقُولِ وَتَهذِيبِ عِلمِ الأُصُولِ]: <وَتَجُوزُ صَغِيرَةٌ عَمدًا عِندَ القَاضِي وَابنِ عَقِيلٍ وَابنِ الزَّاغُونِيِّ وَالأَشعَرِيَّةِ وَقِيلَ لَا. وَعِندَ الحَنَفِيَّةِ مَعصُومٌ مِن مَعصِيَةٍ مَقصُودَةٍ> انتَهَى.
18
ج) وَقَالَ الفَقِيهُ الحَنَفِيُّ عَلِيٌّ القَارِي فِي [شَرحِ الشِّفَا لِلقَاضِي عِيَاضٍ]: <(وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا) أَي وُجُودَهَا وَوُقُوعَهَا (جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيرِهِم) مِنَ الخَلَفِ كَإِمَامِ الحَرَمَينِ مِنَّا وَأَبِي هَاشِمٍ مِنَ المُعتَزِلَةِ حَيثُ جَوَّزُوا الصَّغَائِرَ غَيرَ المُنَفِّرَةِ (عَلَى الأَنبِيَاءِ وَهُوَ مَذهَبُ أَبِي جَعفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيرِهِ مِنَ الفُقَهَاءِ) أَيِ المُجتَهِدِينَ (وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ) أَي فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالمُرَادُ بَعضٌ مِن كُلٍّ مِنهُم> انتَهَى.
19
د) وَقَالَ فِي [مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ] بَعدَ ذِكرِ إِجمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: <وَالجُمهُورُ جَوَّزُوا وُقُوعَ الكَبَائِرِ سَهوًا وَالصَّغَائِرِ عَمدًا لَكِنِ المُحَقِّقُونَ مِنهُمُ اشتَرَطُوا أَن يُنَبَّهُوا عَلَيهِ فَيَنتَهُوا عَنهُ فَعَلَى هَذَا قَولُ الجُمهُورِ لَا يُنَافِي الإِجمَاعَ المَذكُورَ> انتَهَى.
20
وَقَالَ إِمَامُ الحَرَمَينِ أَبُو المَعَالِي الجُوَينِيُّ (الأَشعَرِيُّ) فِي [غِيَاثِ الأُمَمِ]: <فَإِن قَالُوا: كَانَ الأَنبِيَاءُ يَستَغفِرُونَ أَيضًا مَع وُجُوبِ العِصمَةِ لَهُم. قُلنَا مَذهَبُنا الَّذِي ندِينُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عِصمَةُ الأَنبِيَـاءِ عَن صَغَائِرِ الذُّنُوبِ، وَآيُ القُرآنِ فِي أَقَاصِيصِ النَّبِيِّينَ مَشحُونَةٌ بِالتَّنصِيصِ عَلَى هَنـَّاتٍ كَانَت مِنهُم، استَوعَبُوا أَعمَارَهُم فِي الاِستِغفَارِ مِنهَا> إلخ..
نهاية المقال.

