مسألة القول بحلول الحوادث في ذات الله.
تعد مسألة الصفات الاختيارية، والتي تُعرف بمسألة «حلول الحوادث في ذات الله»، من أشنع المسائل المنسوبة لأبي العباس أحمد بن تيمية الحراني.
وقد خالف ابن تيمية في ذلك مذهب أهل السنة و الجماعة و كبار أئمة الحنابلة، ممن لهم ثقلٌ في المذهب. و جعل الاقرار بالصفات الاختيارية من تمام حمد الله.
و قد نسب ابن تيمية القول بابطال بعض أدلة نفي قيام الحوادث بذات الله، للفخر الرازي والٱمدي، فقال في مجموع الفتاوى:” فَصْــل، وفحول النظار كأبي عبد الله الرازي، وأبى الحسن الآمدي وغيرهما، ذكروا حجج النفاة لحلول الحوادث وبينوا فسادها كلها”. انتهى
مع اننا نجد الفخر ينقل أدلة المعارضين ولا يتبناها، فجعل ابن تيمية ما ينقله الرازي في كتبه عن خصومه، قائلا به، وناصرا له و لازما لمذهبه.
وأما سيف الدين الآمدي، فهو القائل في كتاب غاية المرام في علم الكلام: « فالرأي الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال: لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له نقصًا أو كمالا أو لا نقص ولا كمال، لا جائر أن يقال بكونها غيرَ موجبة للكمال ولا النقصان فان وجود الشىء بالنسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه، فما اتصف بوجود الشىء له وهو مما لا يوجب فوات الموصوف ولا فوات كمال له، وبالجملة لا يوجب له نقصًا فلا محالة أن اتصافه بوجود ذلك الوصف له أولى من اتصافه بعدمه لضرورة كون العدم في نفسه مشروفا بالنسبة إلى مقابله من الوجود، والوجود أشرف منه، وما اتصف بأشرف الأمرين من غير أن يوجب له في ذاته نقصًا تكون نسبة الوجود إليه مما يرجع إلى النقص والكمال على نحو نسبة مقابله من العدم، ولا محالة من كانت نسبته إلى ذلك وجود ذلك الوصف أشرف منه بالنسبة إلى عدمه، ولا جائز أن يقال : إنها موجبة لكماله، وإلا لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون البارىء ناقصًا محتاجًا إلى ناحية كمال في حال عدمها، فبقي أن يكون اتصافه بها مما يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتصف بها، وبالنسبة إلى ما لم يتصف بها من الموجودات، ومحال أن يكون الخالق مشروفًا أو ناقضا بالنسبة إلى المخلوق، ولا من جهة ما كما مضى » انتهـى
بل تجاوز ابن تيمية ذلك إلى تصريحه بمخالفةِ آبائه في هذه المسألة – وهم كبار علماء الحنبلية- بعد أن كان يقول بقولهم، ومنهم والده الشيخ شهاب الدين عبد الحليم المتوفى سنة 682 هـجري، وجدّه الشيخ مجد الدين عبد السلام بن تيمية المتوفى سنة 652 هـجري. بل وخالف ابن تيمية في هذه المسألة أيضا بعض مجسمة الحنابلة كالقاضي أبي يعلى الفراء المتوفى سنة 458هـجري وأبي الحسن بن الزاغوني المتوفى سنة 527هـجري.
كما ان ابن تيمية في هذه المسألة قد ناقض نفسه، لأنه ثبت عنه أنه كان يقرر قاعدة ” لا اجتهاد في القطعيات” كما هو مسطور في مسودة ٱل تيمية التي نقلها تلميذ أبي العباس.
راجع الرابط التالي:
ومعلوم ان تنزيه الله عن قيام الحوادث بذاته عز وجل من ضرورات الدين، و القول بخلافه شناعة من أقبح الشناعات، لكن ابن تيمية قلب هذه القواعد الأصولية وجعل مخالفته لأصول العقائد من المخالفات الواجبةِ عليه، والعياذ بالله، فقد قال في مجموع الفتاوى : «ولكن هذه المسألة – أي مسألة الصفات الاختيارية- ومسألة الزيارة وغيرهما حدث من المتأخرين فيها شُبَه، وأنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك نقول في الأصلين، بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فكان الواجب هو اتباع الرسول؛ وأن لا نكون ممن قيل فيه: “وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا” -لقمان: 21-، وقد قال تعالى: “قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ” -الزخرف: 24-، وقال تعالى: “وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ الْـمَصِيرُ -14 – وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ” -لقمان: 15-.
فالواجب اتباع الكتاب المنزل، والنبي المرسل، وسبيل من أناب إلى الله، فاتَّبَعنا الكتاب والسنة كالمهاجرين والأنصار، دون ما خالف ذلك من دين الآباء وغير الآباء، والله يهدينا وسائر إخواننا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً». انتهى
فكأن ابن تيمية غمز هنا والده وجدّه اللذان ينزهان الله عن قيام الحوادث بذاته، و يقولان بمشروعية الزيارة.
ويكفي في بيان جلال قدر الشيخ مجد الدين ما قاله عنه حفيده ابن تيمية نفسه: ” كان جدنا عجباً في حفظ الأحاديث وسردها بلا كلفة، وحفظ مذاهب الناس”. انتهى
وقال عنه الذهبي: “الشيخ الإمام العلامة، فقيه العصر، شيخ الحنابلة…”. انتهى
ونقل الذهبي أيضاً أنه قيل فيه: ” أُلين للشيخ المجد الفقه، كما أُلين لداود الحديد”.
وقال المؤرخ ابن صلاح الكتبي: “كان مجد الدين إماماً حجةً بارعاً في الفقه والحديث، وله يد طولى في التفسير، ومعرفة تامة في الأصول، والإطلاع على مذاهب الناس، وله ذكاء مفرط، ولم يكن في زمانه مثله”. انتهى
فالتمايز إذنْ بين مقالة ابن تيمية ومقالة غيره من أئمة الحنبلية في الاعتقاد هو أمرٌ أقر به ابن تيمية نفسه، وظاهر كلام ابن تيمية أنه اعتقاد توصل إليه من كيسه، لا أنه أخذه عن السلف بالسند المتصل، بل هو فهمه الخاص لظاهر بعض العبارات لا غير.
وهذا ما أكده أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي في السيف الصقيل، حيث قال: “ثم جاء رجل في آخر المائة السابعة رجل له فضل وذكاء، واطلاع ولم يجد شيخاً يهديه، وهو على مذهبهم، وهو جسور متجرد لتقرير مذهبه، ويجد أموراً بعيدة فبجسارته يلتزمها، فقال بقيام الحوادث بذات الله الرب سبحانه وتعالى، وإن الله سبحانه ما زال فاعلاً، وإن التسلسل ليس بمحال فيما مضى”. انتهى
وغير واحد من العلماء يعدون هذا الذي ذهب إليه ابن تيمية من جملة ما ندّ به عن الصواب، وانكروا عليه مقالته وقالوا كيف يقول بقِدَم جنس الصفات والأفعال مع حدوث آحادها، وهل الجنس شيء غير الأفراد مجتمعين؟
وحتى الألباني فقد
وقال الألباني شيخ الوهابية في كتاب الردود : «لقد أطال ابنُ تيمية الكلام في ردّه على الفلاسفة محاولاً إثبات «حوادث لا أول لها»، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنّه يقول بأنّ المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنّه يقول ويُصرِّح بأنّ ما من مخلوق إلاَّ وهو مسبوق بالعدم؛ ولكنّه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له. كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بلْ هو مرفوض بهذا الحديث، وكم كنّا نودّ أن لا يلج ابن تيمية هذا المولج”. انتهى
والعجيب أن ابن تيمية الحَرّانيّ ينسب في رِسَالتِهِ المُسَمَّاةِ “حَقِيقة مَذْهَب الاتِّحادِيِّين” قيام الحوادث بذات الله إلى أكثر أهل السنة، حيث قال: “إنْ اقْتَضَى – أي حديث كان الله ولم يكن شىء غيره- تَحَوُّلاً مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن شَأْنٍ إلى شَأْنٍ فَهُوَ مِثْلُ مَجِيْئِهِ وَإِتْيَانِهِ وَنُزُوْلِه وَتَكْلِيْمِه لِمُوْسَى وَإِتْيَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صُوْرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّت عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَقالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنّةِ فِي الحَدِيثِ وَكَثِيْرٌ مِن أَهْلِ الكَلامِ وَهُوَ لازِمٌ لِسَائِرِ الفِرَقِ ” انتهى
وقد زعم ابن تيمية أيضا أن هذا القول هو الذي عليه أكثر أئمة الحديث، فقال في تلبيس الجهمية: “إن القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى هو مذهب أكثر أهل الحديث، بل أقول: “أئمة الحديث”، وهو الذي نقلوه عن سلف الأمة وأئمتها، وكثير من الفقهاء والصوفية وأكثرهم من طوائف الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية من لا يحصي عدده إلا الله تعالى”. انتهى
والصحيح أن هذا الرأي هو مذهب ابن تيمية و أسلافه من الكرامية، فقد قال الدكتور أحمد عطية الغامدي في كتابه المسمى “البيهقي وموقفه من الإلهيات” صحيفة 183ما نصه: “وهذا الذي اختاره ابن تيمية وذكر أنه مذهب السلف وأنه الحق الذي يؤيده الدليل الشرعي، والعقلي وهو بعينه رأي الكرامية”. انتهى
وكذلك المجسم ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية، مع أنه لم ينكر هذا الرأي، فقد اكتفى بالقول: “وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي عنه في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة”. انتهى
لكن قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية عند الجملة السابقة: “جمهور المتكلمين من أشاعرة وماتريدية، ومعتزلة وفلاسفة اتفقوا على منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وجوّز قيامها بذاته الكرامية، وفرقوا بين الحادث والمُحْدَث، فالأول عندهم ما يقوم بذاته من الأمور المتعلقة بمشيئته واختياره، وأما الثاني فهو ما يخلقه سبحانه منفصلاً عنه، وقد تبعهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تجويز قيام الحوادث بالذات، والمؤلف هنا – يريد شارح الطحاوية – يختصر كلامه المبسوط في منهاج السنة”. انتهى
و قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل: “اتفقت فرق المسلمين سوى الكرامية، وصنوف المجسمة، أن الله سبحانه منزه من أن تقوم به الحوادث، بل ذلك مما علم من الدين بالضرورة، ودعوى أن الله تعالى لم يزل فاعلاً متابعة منه للفلاسفة القائلين بسلب الإختيار عن الله سبحانه، وبصدور العالم منه بالإيجاب، ونسبة ذلك إلى أحمد، والبخاري وغيرهما من السلف كذب صريح وتقوّل قبيح، ودعوى أن تسلسل الحوادث في جانب الحاضر غير محال، لا تصدر إلا ممن لا يعي ما يقول، فمن تصور حوادث لا أول لها تصور أنه ما من حادث محقق إلا وقبله حادث محقق، وأن ما دخل بالفعل تحت العدّ والإحصاء غير متناه. وأما من قال بحوادث لا آخر لها فهو قائل بأن حوادث المستقبل لا تنتهي إلى حادث محقق إلا وبعده حادث مقدّر، فأين دعوى عدم تناهي ما دخل تحت الوجود في جانب الماضي من عدم تناهي ما لم يدخل تحت الوجود في المستقبل! على أن القول بالقِدَم النوعي في العالم من لازمه البيّن عدم تناهي عدد الأرواح المكلفة، فأنّى يمكن حشر غير المتناهي من الأرواح وأشباحها في سطح متناه محدود؟! وعلى هذا التقدير فيكون القائل بعدم تناهي عدد المكلفين قائلاً بنفي الحشر الجسماني؛ بل بنفي الحشر الروحاني أيضاً حيث إن هذا القائل لا يعترف بتجرد الروح فيكون أسوء حالاً من غلاة الفلاسفة النافين للحشر الجسماني”. انتهى
وهذا اقرار من هؤلاء بأن القول بقيام الحوادث بذات الله هو مذهب ابن تيمية أخذه عن الكرامية، وأمادعوى التفريق بين الحادث والمحدث فهي سفسطة يراد بها الهروب من الزامات خصومهم.
قال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: “وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة”. انتهى
ومنع حلول الحوادث في ذات الله هو أصل مجمع عليه عند عامة أهل السنة، و الحنابلة، وهذا الإجماع نقله هذا الحراني في “التسعينية” حيث قال: “وقد ظن من ذكر من هؤلاء كأبي علي وأبي الحسن ابن الزاغوني أن الأمة قاطبة اتفقت على أنه لا تقوم به الحوادث وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه وهذا مبلغهم من العلم”. انتهى
وقال محقق الكتاب، – اسمه:العجلان- ما نصه: “ذكر الشيخ رحمه الله حكاية ابن الزاغوني والقاضي وغيرهما للإجماع على امتناع قيام الحوادث به في درء تعارض العقل والنقل”. انتهى
وأبو علي الذي ذكره ابن تيمية في التسعينية هو: محمد بن أحمد بن أبي موسى أبو علي الهاشمي الفقيه القاضي البغدادي الحنبلي رحمه الله المتوفى سنة 428 هـجري
و قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه “الإيضاح في أصول الدين”: “لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته”. انتهى
وقال السفاريني في اللوامع: “فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم والعينين ونحوها وسائر صفات الأفعال من الاستواء والنزول والاتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله (ذي الجلال) والاكرام ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك”. انتهى
فابن تيمية خرق اجماع الأمة في الأصول و نسب قيام الحوادث بذات الله تبعا لأسلافه من الكرامية، فقد ذكر شرف الدين بن التلمساني شيئًا من معتقداتهم الفاسدة التي تبنّاها ابن تيمية في شرح لمع الأدلة للجويني ما نصه : « وخالف إجماع الأمة طائفة نبغوا من سِجستان لقبوا بالكرامية نسبة إلى محمد بن كرّام، وزعموا أن الحوادث تطرأ يعني تتجدد على ذات الله، تعالى عن قولهم، وهذا المذهب نظير مذهب المجوس. ووجه مضاهاته لمذهب المجوس أن طائفة منهم تقول بقدم النور وحدوث الظلمة، وأن سبب حدوثها أن يَزْدَان فكَّر فكرة فَحَدَثَ منها شخص من أشخاص الظلمة فأبعده وأقصاه وهو هُرمز، وجميع الشر ينسب إليه. وكذلك الكرّامية تزعم أن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أوجد في ذاته كافًا ونونًا وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته » انتهـى
وقال أبو المظفر الإسفراييني في التبصير في الدين ما نصه : « ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم » انتهـى
و بهذا يكون ما توسع به ابن تيمية في كتبه من تجويز قيام الحوادث به تعالى وحلولها فيه، خارجًا عن معتقد أهل السنة والجماعة، أهل الحق، وانما هو أمر قاله من كيسه ليس له فيه سند معتبر من كلام السلف او كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وغاية أمره أنه استدل بقول الإمام أحمد وغيره: “لم يزل متكلماً إذا شاء”، فقال بزعمه إذا كان كلام الله – وهو صفة قائمة بذاته – متعلقاً بمشيئته دل ذلك على جواز قيام الحوادث بذاته لأنه ما يتعلق بالمشيئة والإختيار لا يكون إلا حادثاً. وقد انتهى به القول أن كلام الله تعالى قديم الجنس حادث الفرد. وبما أن القول بذلك يستلزم التسلسل فقد جوزه في الماضي والمستقبل جميعاً، وادعى أن مثل هذا التسلسل ليس ممتنعاً.
واحتجاجه بكلام أحمد على هذه المسألة ليس بشىء عند التحقيق، لأن قول الإمام أحمد: “لم يزل متكلماً إذا شاء” – إن صح اسنادا- معناه إذا شاء إسماعنا، بدليل ما قاله ابن حجر في الفتح في معرض كلامه عن مذهب الحنابلة: “وأكثرهم أنه يتكلم بما شاء إذا شاء، وأنه نادى موسى حين كلمه، ولم يكن ناداه من قبل”. انتهى
أي أن الله كلامه أزلي أبدي غير مخلوق، وإذا شاء خصص بعض أنبياءه بالتكليم أو أسمعهم كلامه عز وجل. لا أنه عز وجل يتكلم اذا شاء و يسكت اذا شاء.
قوله بحوادث لا أول لها لم تزل مع الله
قوله بحوادث لا أول لها لم تزل مع الله
أي لم يتقدم الله جنس الحوادث، وإنما تقدم أفراده المعينة أي أن كل فرد من أفراد الحوادث بعينه حادث مخلوق، وأما جنس الحوادث فهو أزلي كما أن الله أزلي، أي لم يسبقه الله تعالى بالوجود.
وهذه المسألة من أبشع المسائل الاعتقادية التي خرج بها عن صحيح العقل وصريح النقل وإجماع المسلمين، ذكر هذه العقيدة في خمسة من كتبه: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ومنهاج السنة النبوية، وكتاب شرح حديث النزول، وكتاب شرح حديث عمران بن حصين، وكتاب نقد مراتب الإجماع، وكل هذه الكتب مطبوعة.
أما عبارته في الموافقة فهي ما نصه [1]: وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثًا بل قديمًا، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده كما يفرق جمهور العقلاء بيم دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه اهـ. وقال في موضع ءاخر في رد قاعدة ما لا يخلو من الحادث حادث لأنه لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزليًا بعدما نقل عن الأبهري أنه قال: قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازمًا للجسم، وليس كذلك بل قبل كل حركة لا إلى أول، ما نصه [2]: قلت هذا من نمط الذي قبله فإن الأزلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث، قوله لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفًا على انقضاء ما لا نهاية له، قلنا: لا نسلم بل يكون الحادث اليومي مسبوقًا بحوادث لا أول لها اهـ.
فهذا من عجائب ابن تيمية الدالة على سخافة عقله قوله بقدم العالم القدم النوعي مع حدوث كل فرد معين من افراد العالم. قال الكوثري [3] في تعلقيه على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل ما نصه [4]: وأين قدم النوع مع حدوث أفراده؟ وهذا لا يصدر إلا ممن به مس، بخلاف المستقبل، وقال أبو يعلى الحنبلي في [المعتمد]: “والحوادث لها أول ابتدأت منه خلافًا للملحدة” اهـ. وهو من أئمة الناظم –يعني ابن القيم- فيكون هو وشيخه من الملاحدة على رأي أبي يعلى هذا فيكونان أسوأ حالًا منه في الزيغ، ونسأل الله السلامة اهـ.
وقال –أي ابن تيمية- في منهاج السنة النبوية ما نصه [5]: فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل…” وقال في موضع ءاخر ما نصه [6]: وحينئذ فيمتنع كون شيء من العالم أزليًا وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائمًا لم يزل، فإن الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد بل ما من وقت يقدر إلا وقبله وقت ءاخر، فلا يلزم من دوام النوع قدم شيء بعينه” اهـ. ومضمون هذا أمران: أحدهما أنه يقرّ ويعتقد قدم الأفراد من غير تعيين شيء منها، ثم هذا يتحصل منه مع ما نقل عنه الجلال الدواني [7] في كتاب شرح العضدية بقوله: وقد رأيت في تأليف لأبي العباس أحمد بن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش. أنه كان يعتقد أن جنس العرش أزلي أي ما من عرش إلا وقبله عرش إلى غير بداية وأنه يوجد ثم ينعدم ثم يوجد ثم ينعدم وهكذا، أي أن العرش جنسه أزلي لم يزل مع الله ولكن عينه القائم الآن حادث.
وفي كتاب ابن تيمية ليس سلفيًا ما نصه [8]: قال فضيلة الدكتور سليمان دنيا أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالأزهر: قال في كتابه [الحقيقة في نظر الغزالي] صحيفة 545، 456 نقلًا عن شرح العقائد العضدية لجلال الدين الدواني إن ابن تيمية قائل بقدم العالم بالجنس بمعنى أنه لا يزال فرد من أفراد العالم موجودًا، وما من جزء من أجزاء الزمان إلا وقد كان فيه حادث إلى غير نهاية، وذلك أن ابن تيمية كان من الحنابلة الآخذين بظواهر الآيات والأحاديث القائلين بأن الله استوى على العرش جلوسًا، فلما أورد عليهم أنه يلزم أن يكون العرش أزليًا لما أن الله أزلي فمكانه أزلي قال: إنه قديم بالنوع أي أن الله لا يزال يعدم عرشًا ويحدث ءاخر من الأزل إلى الأبد حتى يكون له الاستواء أزلًا وأبدًا اهـ.
وعبارة الدواني في شرح العضدية: وقد رأيت في تأليف لأبي العباس أحمد بن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش اهـ. ومن علم هذا علم صحة قول الحافظ أبو زرعة العراقي في ابن تيمية أن علمه أكبر من عقله، يعني أن حظه كثرة المحفوظات لا صحة الفهم.
والأمر الثاني أنه أثبت قدم الزمان.
وقال في موضع ءاخر من المنهاج [9] ما نصه: ومنهم من يقول بمشيئته وقدرته –أي أن فعل الله بمشيئته وقدرته- شيئًا فشيئًا، لكنه لم يزل متصفًا به فهو حادث الآحاد قديم النوع كما يقول ذلك من يقوله من أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف اهـ. انظروا كيف افترى كعادته هذه المقولة الخبيثة على أئمة الحديث، وهذا شيء انفرد به ووافق به متأخري الفلاسفة، لكنه تقوّل على أئمة الحديث والفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم وافترى عليهم، ولم يقل أحد منهم ذلك لكن أراد أن يروّج عقديته المفتراة بين المسلمين على ضعاف الأفهام، ويربأ بنفسه عن أن يقال إنه وافق الفلاسفة في هذه العقيدة.
وقد ردّ على ابن حزم في نقد مراتب الإجماع [10] لنقله الإجماع على أن الله لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، وأن المخالف بذلك كفر باتفاق المسلمين، فقال ابن تيمية بعد كلام ما نصه: وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده ولا شيء غيره معه اهـ. وهذه عبارته في نقد مراتب الإجماع فهذا صريح في اعتقاده أن جنس العالم أزلي لم يتقدمه الله بالوجود.
أما عبارته في شرح حديث عمران بن الحصين [11] فهي: “وإن قدّر أن نوعها –أي الحوادث- لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل، بل هي من كماله، قال تعالى: {أفمن يخلُقُ كمن لا يخلقُ أفلا تَذَكَّرونَ} [سورة النحل/17]”. وقال: “والخلق لا يزالون معه” إلى أن قال: “لكن يشتبه على كثير من الناس النوع بالعين” اهـ.
وقال في شرح حديث النزول [12] في الرد على من قال: ما لا يخلو من الحوادث حادث، وعلى من قال: ما لا يسبق الحوادث حادث، ما نصه: إذ لم يفرقوا بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين اهـ. يريد أن القول بقيام حوادث لا أول لها بذات الله لا يقتضي حدوثه.
وقد أثبت هذه العقيدة عن ابن تيمية الحافظ السبكي في رسالته الدرة المضية، وأبو سعيد العلائي.
فقد ثبت عن السبكي ما نقله عنه تلميذه الصفدي وتلميذ ابن تيمية أيضًا في قصيدته المشهورة عند المنتصرين لابن تيمية وقد تضمنت الرد على الحلي ثم ابن تيمية لقوله بأزلية جنس العالم وأنه يرى حوادث لا ابتداء لوجودها كما أن الله لا ابتداء لوجوده قال –أي السبكي- ما نصه:
ولاين تيمية ردٌّ عليه وفى *** بمقصدِ الردِّ واستيفاءِ أضْربهِ
لكنه خلطَ الحقَّ المبين بما *** يشوبُهُ كدرٌ في صفوِ مشربهِ
يُحاولُ الحشوَ أنَّى كان فهو لهُ *** حثيثُ سيرٍ بشرقٍ أو بمغربهِ
يرى حوادثَ لا مبدا لأوَّلها *** في اللهِ سبحانهُ عما يظنُّ بهِ
وقال العلامة البياضي الحنفي في كتابه إشارات المرام [13] بعد ذكر الأدلة على حدوث العالم ما نصه: “فبطل ما ظنه ابن تيمية من قدم العرش كما في شرح العضدية” اهـ.
هذا، وقد نقل المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع [14] اتفاق المسلمين على كفر من يقول بأزلية نوع العالم فقال بعد أن ذكر أن الفلاسفة قالوا: إن العالم قديم بمادته وصورته، وبعضهم قال: قديم المادة محدَث الصورة، ما نصه: “وضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم” اهـ. ومثل ذلك قال الحافظ ابن دقيق العيد والقاضي عياض والحافظ ابن حجر في شرح البخاري.
فقول ابن تيمية بأزلية نوع العالم مخالف للقرءان والحديث الصريح وإجماع الأمة وقضية العقل، أما القرءان فقوله تعالى: {هوَ الأولُ والآخرُ} [سورة الحديد/3]، فليس معنى هو الأول إلا أنه هو الأزلي الذي لا أزلي سواه أي أن الأولية المطلقة لله فقط لا تكون لغيره، فأشرك ابن تيمية مع الله غيره في الأولية التي أخبرنا الله بأنها خاصة له، وذلك لأن الأولية النسبية هي في المخلوق، فالماء له أولية نسبية أي أنه اول المخلوقات بالنسبة لغيره من المخلوقات، ثم تلاه العرش ثم حدث ما بعدهما وهو القلم الأعلى واللوح المحفوظ ثم الأرض ثم السماوات، ثم ما ذكره الله تعالى بقوله: {والأرضَ بعدَ ذلكَ دحاها} [سورة النازعات/30].
وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري في كتاب بدء الخلق وغيره: “كان الله ولم يكن شيء غيره” الذي توافقه الرواية الأخرى رواية أبي الزبير: “كان الله قبل كل شيء” ورواية: “كان الله ولم يكن معه شيءٌ”.
وأما رواية البخاري في أواخر الجامع: “كان الله ولم يكن شيء قبله” فترد إلى روايته في كتاب بدء الخلق وذلك متعين، ولا يجوز ترجيح رواية: “كان الله ولم يكن شيء قبله” على رواية: “كان الله ولم يكن شيء غيره” كما أومأ إلى ذلك ابن تيمية، لأن ظاهر رواية: “كان الله ولم يكن شيء قبله” يوافق ما يزعمه كما أشار لذلك الحافظ ابن حجر في شرح البخاري عند ذكر حديث: “كان الله ولم يكن شيء قبله” فقال فيما حاول ابن تيمية من ترجيح هذه الرواية على تلك الرواية توصلًا إلى عقيدته من إثبات حوادث لا أول لها ما نصه: وهذه من أشنع المسائل المنسوبة له –يعني ابن تيمية- اهـ.
أقول: ولا أدري لماذا لم يجزم ابن حجر بقول ابن تيمية بهذه المسألة مع أنه ذكر في كتابه لسان الميزان قول الحافظ السبكي في ابن تيمية في تلك الابيات التي منها: يرى حوادث لا مبدا لأولها في الله وأنه يقول بتجدد حوادث في ذات الله كلمات وإرادات بحسب المخلوقات. وهو المراد بقول ابن تيمية نوع العالم أزلي وأفراده حادثة.
وكذلك رواية مسلم: “اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء” ترد إلى رواية البخاري: “كان الله ولم شيء غيره” فإن لم ترد ورجحت رواية مسلم كان ذلك رجوعًا إلى قول الفلاسفة وإلغاء لرواية البخاري.
فخالف ابن تيمية القرءان والحديث وقضية العقل التي لم يخالف فيها إلا الدهرية وامثاله، وهذا ليس مشكوكًا في نسبته إلى ابن تيمية ذكر ذلك في خمسة من كتبه كما مر، وعبّر في بعضها بأزلية جنس العالم. ولو لم يكن نص ابن تيمية في كتبه الخمسة التي هي في متناول من يريد الاطلاع عليها لأنها طبعت، لكفى شهادة الحافظين الإمامَيْن الجليلين المتفق على إمامتهما تقي الدين السبكي وأبو سعيد العلائي، وقد تقدمت ترجمة السبكي في كتاب أعيان العصر لتلميذه الصفدي بتوسع ووصفه له بالثناء البالغ ليُنزل بمنزلته لما صح من حديث رسول الله: “أنزلوا الناس منازلهم” رواه أبو داود من حديث عائشة.
وابن تيمية قد أخذ هذه المسألة أعني قوله بقدم نوع العالم عن متأخري الفلاسفة لأنه اشتغل بالفلسفة كما قال الذهبي وإن كان معروفًا بتشديد النكير على إرسطو وغيره لقولهم العالم أزلي بجنسه وتركيبه وصورته على أن قسمًا من الفلاسفة لم يقولوا بهذه المقالة قال ابن أمير الحاج في كتابه التقرير والتحبير [15]: بخلاف إجماع الفلاسفة على قدم العالم –يعني أنه لا يعتبر- لأنه عن نظر عقلي يزاحمه الوهم فإن تعارض الشبه واشتباه الصحيح بالفاسد فيه كثير ولا كذلك الإجماع في الشرعيات فإن الفرق فيها بين القاطع والظني بيّن لا يشتبه على أهل المعرفة والتمييز فضلًا عن المحققين المجتهدين، على أن التواريخ دلت على من يقول بحدوث العالم منهم –أي الفلاسفة- فلا إجماع لهم على ذلك، فقد قال الفقيه المحدث الحنفي تلميذ الحافظ ابن حجر في شرحه على تحرير ابن الهمام في الأصول ممزوجًا مع المتن ما نصه: وجدت بحجر في أساس الحائط الجيروني من جامع دمشق حسبما ذكره الإمام القفطي في كتابه إنباء الرواة على أنباء النحاة ولا بأس بسوقه ذكر المشار إليه في ترجمة أبي العلاء المقري عمن ذكر أنه قرئ بحضرته يومًا: أن الوليد لما تقدم بعمارة دمشق أمر المتولين لعمارته أن لا يضعوا حائطًا إلا على جبل فامتثلوا، وتعسّر عليهم وجود جبل لحائط جهة جيرون وأطالوا الحفر امتثالًا لمرسومه، فوجدوا رأس حائط مكين العمل كثير الأحجار يدخل في عملهم، فاعلموا الوليد أمره وقالوا نجعل رأسه أسًّا فقال: اتركوه واحفروا قدامه لتنظروا أسّه وُضِع على حجر أم لا؟ ففعلوا ذلك فوجدوا في الحائط بابًا وعليه حجر مكتوب بقلم مجهول، فأزالوا عنه التراب بالغسل ونزلوا في حفره لونًا من الاصباغ فتميزت حروفه وطلبوا من يقرؤها فلم يجدوا ذلك، وتطلب الوليد المترجمين من الآفاق حتى حضر منهم رجل يعرف اليونانية الأولى فقرأ الكتابة الموجودة فكانت: باسم الموجد الأول أستعين، لما أن كان العالم محدثًا لاتصال أمارات الحدوث به وجب أن يكون له محدِث لا كهؤلاء كما قال ذو السنين وذوي اللحيين وأشياعهما حينئذ أمر بعمارة هذا الهيكل من صلب ماله محب الخير على مضي ثلاثة ءالاف وسبعمائة عام لاهل الأسطوان، فإن رأى الداخل إليه ذكر بانيه عند بارئه بخير فعل والسلام اهـ.
ونقل ذلك أيضًا الحافظ المؤرخ شمس الدين بن طولون في كتابه ذخائر القصر قال ما نصه: ووجد مكتوب على عتبة على أساس الجامع الأموي بدمشق بالقلم اليوناني وفسر: باسم الحي الأزلي لما كان العالم محدَثًا وجب أن يكون له محدِث ليس هو كهو فأدت الضرورة إلى تعظيمه والخضوع لقربه لا كما قال ذو اللحيين وذو السنين وأشياعهما انتدب لعمارة هذا الهيكل المبارك والإنفاق عليه من ماله محب الخير فإن أمكن الداخل فيه ذكر بانيه عند بارئه بشيء من خير شُكِرَ فعله والسلام وذلك لألفي سنة مضت لأصحاب الأسطوان اهـ.
الهوامش:
[1] أنظر الموافقة [1/75].
[2] أنظر الموافقة [1/245].
[3] محمد زاهد بن الحسن الكوثري [1296-1371هـ=1879- 1952ر] فقيه حنفي، تفقه في جامع الفاتح بالأستانة ودرس فيه، ثم جاء إلى الإسكندرية عام 1922ر. ثم استقر في القاهرة موظفًا في دار المحفوظات، له تآليف كثيرة منها: الاستبصار في التحدث عن الجبر والاختيار، وله نحو مائة مقالة جمعت في كتاب مقالات الكوثري.
[4] أنظر السيف الصقيل [ص/74].
[5] أنظر المنهاج [1/24].
[6] أنظر المنهاج [1/109].
[7] الدواني عالم مشهور ترجمه الحافظ السخاوي في البدر الطالع ووثقه.
[8] أنظر الكتاب [ص/242] لمنصور محمد محمد عويس.
[9] انرظ المنهاج [1/224].
[10] انظر نقد مراتب الإجماع [ص/168].
[11] انظر الكتاب [ص/193].
[12] انظر الكتاب [ص/161].
[13] انظر الكتاب [ص/197].
[14] انظر تشنيف المسامع [ص/342] [مخطوط].
[15] انظر الكتاب [3/84].
فائدة:
مما يبطل قول ابن تيمية بقيام كلام حادث الأفراد أزلي النوع وإرادة حادثة الأفراد قديمة النوع في ذات الله، ما قاله أبو الفضل التميمي في كتابه اعتقاد الإمام أحمد: وذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أن الله عز وجل يغضب ويرضى وأن له غضبًا ورضًا، وقرأ أحمد قوله عز وجل: {ولا تطغَوا فيهِ فَيَحِلَّ عليكُمْ غضبي ومَنْ يحلِلْ عليهِ غضبي فقد هوى} [سورة طه/81] وأضاف الغضب إلى نفسه وقال عز وجل: {فلمَّا ءاسَفونا انتَقَمنا مِنهُمْ} [سورة الزخرف/55] الآية، قال ابن عباس: يعني أغضبونا، وقوله أيضًا: {فجزاؤُهُ جهنَّمَ خالدًا فيها وغَضِبَ اللهُ عليهِ ولعنَهُ} [سورة النساء/93] الآية، ومثل ذلك في القرءان كثير، والغضب والرضا صفتان له من صفات نفسه لم يزل الله تعالى غاضبًا على ما سبق في علمه أن يكون مما يغضبه ولم يزل راضيًا على ما سبق في العلم أنه يكون مما يرضيه، وأنكر أصحابه على من يقول إن الرضا والغضب مخلوقان، قالوا فمن قال ذلك لزمه أن غضب الله عز وجل على الكافرين يفنى وكذلك رضاه على الأنبياء والمؤمنين حتى لا يكون راضيًا على أوليائه ولا ساخطًا على أعدائه، ويُسمَّى ما كان عن الصفة باسم الصفة مجازًا في بعض الأشياء، ويُسمى عذاب الله تعالى وعقابه غضبًا وسخطًا لأنهما عن الغضب كانا، وقد أجمع المسلمون لا يتناكرون أنهم إذا رأوا الزلازل والأمطار العظيمة أنهم يقولون هذه قدرة الله تعالى، والمعنى أنها عن قدرةٍ كانت، وقد يقول الإنسان في دعائه: اللهم اغفر لنا علمكَ فينا وإنما يريد معلومك الذي علمته، فسموا المعلوم باسم العلم، وكذلك سموا المرتضى باسم الرضى وسموا المغضوب باسم الغضب اهـ.
فما أعظم هذه الفائدة ففيها ردّ لما يحتج به أتباع ابن تيمية لحدوث صفات الله تعالى بحديث الشفاعة المشهور أن ءادم وغيره يقول: إن الله غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، فزعم هؤلاء المشبهة أن الله يحدث له في ذلك الوقت صفة حادثة في ذاته. وهذه الفائدة تبين فساد فهم هؤلاء الذين ينتسبون إلى مذهب أحمد وهم على خلافه في الحقيقة.
ومن جملة افتراءات ابن تيمية على أئمة الحديث وأهل السنة والجماعة نقله عنهم أن الله متكلم بصوت نوعه قديم أي يحدث في ذات الله شيئًا بعد شيء قال في كتابه رسالة في صفة الكلام [1] ما نصه: وحينئذ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرءان والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين، وإن كان نوع الباء والسين قديمًا لم يستلزم أن يكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين اهـ.
وقال في موضع [2] ءاخر منه: وقال الشيخ الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرءان كلام الله غير مخلوق ومن قال إنه مخلوق فهو كافر والقرءان حمله جبريل عليه السلام مسموعًا من الله والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن مقروء بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومقروءًا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين اهـ.
وقال في المنهاج [3]: “وسابعها قول من يقول إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلم بصوت يسمع وإن نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديمًا وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة وبالجملة أهل السنة والجماعة أهل الحديث” اهـ.
أقول: فلا يغتر مطالع كتبه بنسبة هذا الرأي الفاسد إلى أئمة أهل السنة وذلك دأبه أن ينسب رأيه الذي يراه ويهواه إلى أئمة أهل السنة وليعلم الناظر في مؤلفاته أن هذا تلبيس وتمويه محض يريد أن يروجه على ضعفاء العقول الذين لا يوفقون بين العقل والنقل وقد قال الموفقون من أهل الحديث وغيرهم إن ما يحيله العقل فلا يصح أن يكون هو شرع الله كما قال ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي وقال: إن الشرع لا يأتي إلا بمجوزات العقول، وبهذا يردّ الخبر الصحيح الإسناد أي إذا لم يقبل التأويل كما قاله علماء المصطلح في بيان ما يعلم به كون الحديث موضوعًا، وأيّدوا ذلك بأن العقل شاهد الشرع فكيف يرد الشرع بما يكذبه شاهده.
قال الحافظ ابن حجر [4]: قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه، فإن كان ثابتًا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود [5] وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا، فيحتمل أن يكون الصول للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًا في المسألة، وأشار –يعني البيهقي- في موضع ءاخر إلى أن الراوي أراد فينادي نداء فعبر عنه بصوت. انتهى.
قال الكوثري في مقالاته [6] ما نصه: ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث. أقول: وكذا قال البيهقي في الأسماء والصفات، فليس فيها ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات لأن حديث الصفات لا يقبل إلا أن يكون رواته كلهم متفق على توثيقهم، وهذه الروايات المذورة في فتح الباري في كتاب التوحيد ليست على هذا الشرط الذي لا بد من حصوله لأحاديث الصفات كما ذكره صاحب الفتح في كتاب العلم. لكنه خالف في موضه بما أورده في كتاب التوحيد من قوله: بعد صحة الأحاديث يتعين القول بإثبات الصوت لله ويؤول على أنه صوت لا يستلزم المخارج. ثم قال وقد أفاض الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ المنذري في رسالة خاصة في تبيين بطلان الروايات في ذلك زيادة على ما يوجبه الدليل العقلي القاضي بتنزيه الله عن حلول الحوادث فيه سبحانه، وإن أجاز ذلك الشيخ الحراني [7] تبعًا لابن ملكا اليهودي الفيلسوف المتمسلم، حتى اجترأ على أن يزعم أن اللفظ حادث شخصًا قديم نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثًا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، ويكون قدمه بهذا الاعتبار في نظر هذا المخرف، تعالى الله عن إفك الأفاكين، ولم يدر المسكين بطلان القول بحلول الحوادث في الله جل شأنه وأن القول بحوادث لا أوّل لها هذيان، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة، فهي تقتضي بحسب ماهيتها كونها مسبوقة بالغير، والأزل ينافي كونه مسبوقًا بالغير، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالًا، ولأنه لا وجود للنوع إلا في ضمن أفراده، فادعاء قدم النوع مع الاعتراف بحدوث الأفراد يكون ظاهر البطلان. وقد أجاد الرد عليه العلامة قاسم في كلامه على المسايرة اهـ.
فلا يصح حملُ ما ورد في النص من النداء المضاف إلى الله تعالى في حديث: “يحشر الله العباد فيناديهم بصوت…” على الصوت على معنى خروجه من الله، فتمسُّكُ المشبهة بالظاهر لاعتقاد ذلك تمويه لا يروج إلا عند سخفاء العقول الذين حُرموا منفعة العقل الذي جعل الشرع له اعتبارًا، وهل عُرِفت المعجزة أنها دليل على صحة نبوة من أتى بها من الأنبياء إلا بالعقل؟
وقال –أي الكوثري- في تعليقه على السيف الصقيل ما نصه [8]: وحديث جابر المعلق في صحيح البخاري مع ضعفه في سياق ما بعده من حديث أبي سعيد ما يدل على أن المنادى غير الله حيث يقول [… فينادى بصوت إن الله يأمرك…] فيكون الإسناد مجازيًا، على أن الناظم –يعني ابن زفيل وهو ابن قيم الجوزية- ساق في [حادي الأرواح] بطريق الدارقطني حديثًا فيه: “يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت…” وهذا نص من النبي صلى الله عليه وسلم على أن الإسناد في الحديث السابق مجازي، وهكذا يخرب الناظم بيته بيده وبأيدي المسلمين، وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في أحاديث الصوت فليراجع ثمة اهـ.
فإذا قال قائل إن بعض اللغويين قال: النداء الصوت، قلنا ليس مراد من قال ذلك أن النداء لا يكون في لغة العرب في جميع الموارد إلى بالصوت، وإنما المراد أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت، وقد قال ءاخرون من اللغويين: النداء طلب الإقبال، فليعلم المغفلون الآن ما جهلوه من أن قول السلف عند ذكر تلك الآيات وتلك الأحاديث بلا كيف معناه ليس على ما يفهمه الناس من صفات المخلوقين، ولو كان يصح أن يكون قول الله تعالى: {وجاءَ ربُّكَ} [سورة الفجر/22] المجيء المعهود من الخلق ما قال الإمام أحمد في هذه الآية: {وجاء ربك}: إنما جاءت قدرته.
الهوامش:
[1] انظر الكتاب [ص/51].
[2] انظر الكتاب [ص/54].
[3] انظر المنهاج [1/221].
[4] انظر فتح الباري [13/458].
[5] يعني به قوله: “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فزّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق” –رواه البخاري- وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم لك، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير” رواه البخاري.
[6] انظر المقالات [ص/32].
[7] يعني ابن تيمية، نسبة إلى حران.
[8] انظر الكتاب [ص/52].
فائدة أُخرى
ناقض ابن تيمية نفسه في فتاويه حيث إنه يذكر في موضع أن التأويل حصل من بعض السلف، وفي موضع ينفي نفيًا باتًا، وهو محجوج في ذلك بثبوته عن الإمام سفيان الثوري أحد أجلاء السلف ومن أساطين أهل الحديث قال في تفسيره سورة القصص ما نصه: {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه} [سورة القصص/88] قال: ما أريد به وجهه اهـ. فهذا تأويل صريح لوجه الله بأنه ما يتقرب به إليه من العبادات. وفي البخاري تفسير سورة القصص: {كل شيءٍ هالك إلا وجهه} إلا ملكه، ويقال ما أريد به وجهه اهـ. وسبق سفيان والبخاري في تاويل الوجه مجاهد بن جبر راوي عبد الله بن عباس وغيره، وتبع الثلاثة الإمام أحمد بن حنبل فقد ثبت عنه تأويل المجيء المذكور في قوله تعالى: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22].
وقال البيهقي في مناقب أحمد: أنبأنا الحاكم قال حدثنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت عمي أبا عبد الله يعني أحمد يقول: احتجوا عليّ يومئذ –يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين- فقالوا تجيء سورة البقرة يوم القيامة وتجيء سورة تبارك فقلت لهم: إنما هو الثواب. قال الله تعالى: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] إنما يأتي قدرته، وإنما القرءان أمثال ومواعظ. قال البيهقي وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالًا من مكان إلى مكان كمجيء ذوات الأجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور ءايات قدرته فإنهم لما زعموا أن القرءان لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان، فأجابهم أبو عبد الله بأنه إنما يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ فعبر عن إظهاره إياها بمجيئه اهـ.
ونقل ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير عن الإمام أحمد أنه فسر: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] بمجيء أمر مستدلًا بقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتِيَهُمُ الملائكةُ أو يأتيَ أمرُ ربكَ} [سورة النحل/33] والقرءان يفسر بعضه بعضًا.
وقوله تعالى: {وناداهُما ربُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عن تِلكُما الشجرةِ وأقُل لكما إنَّ الشيطانَ لكُما عدوٌّ مبينٌ} [سورة الأعراف/22] فيه دليل على صحة رواية النسائي: “إن الله يمهلُ حتى يمضي شطرُ الليل الأول فيأمر مناديًا…” فكما أن الله تعالى نسب نداءَ الملك لآدم وحواء إلى نفسه لكونه بأمره، فكذلك صح إسناد نزول الملك إلى السماء الدنيا ليبلغ عن الله: “هل من داع فيستجيب الله له وهل من سائل فيعطى وهل من مستغفر فيغفر له” إلى الله. وفي الآية أيضًا دليل على أن نداء الملك لبعض خلق الله بأمر الله يُسند إلى الله من غير أن يكون هناك صوتٌ يخرج من الله، فمن هنا يؤخذ ردُّ اعتراض بعض المجسمة رواية النسائي لحديث النزول حيث إنه قال إن هذه الرواية تستلزم حصول قول من الملك: هل من مستغفر فأغفر له وهل من داع فأستجيب له. فنقول كما أن الله جعل نداء الملك لآدم وحواء بأن الله يقول لكما: {ألم أنهكُما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنَّ الشيطان لكما عدوٌّ مبين} [سورة الأعراف/22] كذلك يُحمل حديث النزول على الرواية المشهورة على أن الله يأمر الملك بالنزول إلى السماء الدنيا ويبلغ عن الله بأن يقول: إن الله يقول لعباده الداعين والسائلين: من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه إلى ءاخر ما ورد فيه، وليس المعنى أن الملك يقول عن نفسه من يستغفرني فأغفر له ومن يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه. ونظيرُ هذا ما جاء في القرءان من قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لا تُحرِّك بهِ لسانَكَ لتعجَلَ بهِ* إنَّ علينا جمعَهُ وقُرءانهُ* فإذا قرأناهُ فاتَّبِعْ قُرءانهُ} [سورة القيامة/16-17-18]، فقوله تعالى: {فإذا قرأناهُ} [سورة القيامة/18] معناه فإذا قرأه جبريل عليك بأمرنا، ومعلوم أنه ليس المعنى أن الله يقرأ القرءان على رسول الله كما يقرأ المعلم على التلميذ، فبهذا ينحلّ الإشكال الذي يخطر لبعض الناس.
ويلزم من التمسك بظاهر رواية البخاري ومالك وغيرهما لحديث النزول المشهور أن يكون الله فيما بين النصف الثاني من الليل والفجر مستمرًا في النزول والصعود إن حملوا النزول بالنسبة لكل أرض، وذلك أن الليل يختلف باختلاف البلاد فنصف الليل في بلد هو أول النهار في بلد ءاخر وقد يكون في أرض أول الليل أو أقل أو أكثر، وإن حملوا النزول على أرض واحدة فيما بين انتصاف ليلها وفجرها فبأي حجة خصصوا النزول بأرض واحدة، والحديث ليس فيه بأرض كذا.
قال بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ما نصه [1]: اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه، لوجوه:
الأول: النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة: منتقل، ومنتقل عنه، ومنتقل إليه، وذلك على الله تعالى محال.
الثاني: لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله، وتنقلات كثيرة، لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئًا فشيئًا، فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلًا ونهارًا، من قوم إلى قوم، وعوده إلى العرش في كل لحظة على قولهم، ونزوله فيها إلى سماء الدنيا، ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل.
الثالث: أن القائل بأنه فوق العرش، وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا، وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة، فيلزم عليه أحد أمرين، إما اتساع الدنيا كل ساعة حتى تسعه، أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه، ونحن نقطع بانتفاء الأمرين اهـ.
وقال البيهقي في السنن الكبرى [1] ما نصه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى: {وجاءَ ربُّكَ والملكُ صفًّا صفًّا} [سورة الفجر/22] والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه جلّ الله تعالى عما تقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوًا كبيرًا. قلت: وكان أبو سليمان الخطابي رحمه الله يقول: إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو تدلي من أعلى إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت وهذه صفة الاجسام والأشباح فأنا نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابة دعاءهم ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير اهـ.
فليعلم الجاهل الذي لا تمييز له أنه حاد عن الحق الذي اتفق عليه السلف والخلف، فإن من أوّل من السلف والخلف تأويلًا إجماليًا قال في حديث النزول وحديث الجارية وشبههما، وفي ءاية الاستواء على العرش والمجيء المذكور في قول الله تعالى: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] وشبههما من الآيات “بلا كيف”، ومرادهم إن ذلك على غير صفة من صفات الخلق أي ليس كالنزول الحسي ولا الاستواء بمعنى الجلوس والاستقرار، ولا المجيء بالانتقال والحركة وما هو من صفات المخلوق، فمعنى قولهم بلا كيف أن لهذه النصوص معان ليس فيها تشبيه لصفات الله بصفات الخلق.
وأما الذين أوّلوا التأويل التفصيلي كالذين أوّلوا المجيء بمجيء القدرة أي ءاثار قدرة الله، والنزول بنزول الملك أو نزول الرحمة وما أشبه ذلك كتأويل الإمام سفيان الثوري والإمام البخاري وجهَ الله المذكور في قوله تعالى: {كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه} [سورة القصص/88] بما أريد به وجه الله وبمُلك الله، فلم يصفوا الله تعالى بصفات المخلوقين، فكِلا الفريقين لم يتمسك بظواهر تلك الآيات وتلك الأحاديث، فكل متفقون على تنزيه الله عن صفات المخلوقين وعلى أن تلك الآيات والأحاديث ليس معانيها المعاني المعهودة من الخلق، فلا أحد من الفريقين يعتقد في حديث النزول أن الله تعالى ينزل نزولًا حسيًا كنزول الملائكة والبشر، ولا أحد منهم يعتقد أن معنى الاستواء الجلوس والاستقرار على العرش أو الكون في جهة العلو من غير مماسة، وذلك تمسك منهم بمعنى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى/11] الذي هو تنزيه كليٌ، فتردّ تلك الآيات والأحاديث إلى هذه الآية لأنها محكمة. فنفاة التأويل الإجمالي والتفصيلي لا مهرب لهم من الوقوع في المحال فيصيرون ضُحكة عند أهل التمييز والفهم الذين يوفّقون بين النقل والعقل.
الهوامش:
[1] انظر الكتاب [ص/164].
[2] انظر السنن الكبرى [3/3].
