إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له، وأشهد أنّ سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، صلى الله وسلم عليه وعلى كل رسول أرسله.
أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في محكم كتابه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
إخوة الإيمان، تعالوا معي لنُشَنِّفَ مسامِعَنا بسماعِ تفسيرِ هذه الآيةِ القرءانيةِ العظيمة (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) الآية.
سَبِّحِ اللهَ تعالى أي بَعِّدْهُ ونَزِّهْهُ عما لا يليقُ بهِ مِن شَبَهِ المخلوقاتِ وصفاتِهم كالحجمِ اللطيفِ كالنورِ والهواءِ والظَّلام، والحجمِ الكثيفِ كالبَشَرِ والشجرِ والحجرِ وصفاتِها كالألوانِ والحرَكاتِ والسَّكَناتِ، كلُّ ذلك نَزَّهَ اللهُ نفسَه عنه بقوله (ليسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ) سورة الشورى 11.
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) الآية، أي بمحمدٍ صلواتُ ربي وسلامُه عليه. ولقد قيل في تفسيرها لَمَّا وصلَ حبيبُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم إلى الدَّرَجاتِ العاليةِ والمراتبِ الرفيعةِ في المعراجِ أوحَى اللهُ سبحانه إليه (يا محمدُ بماذا أُشَرِّفُك، قال بأنْ تَنْسُبَنِي إلى نَفْسِكَ بالعُبودِيَّة)، فأنزلَ اللهُ قولَه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) الآية.
معناهُ أنَّ هذه النسبةَ نسبة النبيِّ إلى ربِّه بوصفِ العبوديةِ غايةُ الشَّرفِ للرسولِ صلى الله عليه وسلم لأنَّ عبادَ الله كثيرٌ فَلِمَ خَصَّهُ في هذه الآيةِ بالذِّكر؟ ذلك لِتَخْصِيصهِ بالشَّرَفِ الأعظَم.
اللهمّ انفعنَا ببركاتِ هذا النبيِّ العظيمِ واحشُرْنَا تحتَ لوائه يا أرحمَ الراحمين.
وأما قوله تعالى (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) قيل لأنه مَقرُّ الأنبياءِ ومهبِطُ الملائكة، إنه الأقصى المباركُ إخوةَ الإيمان، إنه الأقصى الأسيرُ ردَّهُ الله إلينا.
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا) الآية.
أي مَا رأى تلكَ الليلة منَ العجائبِ والآيات التي تدلُّ على قُدرةِ الله عزّ وجلّ.
فلقدْ رأَى صلى الله عليه وسلم وهو في طريقِه إلى بيتِ المقْدِسِ الدُّنْيَا بصورةِ عجوز.
ورأى شيئًا مُتنحِّيًا عنِ الطريقِ يدعوهُ وهو إبليسُ وكان مِنَ الجِنِّ المؤمنين في أولِ أَمرِه ثمَّ كَفَرَ لاعتراضِهِ على الله.
وشَمَّ صلى الله عليه وسلم رائحةً طيبةً عَطِرةً مِن قَبرِ ماشطةِ المؤمنةِ الصالحةِ التي ثَبتتْ على الإسلامِ في وَجهِ الطَّاغيةِ الظالمِ فرعون فقَتَلَها وأولادَها وجُمِعَت عظامُها وعِظامُ أولادِها في قبرٍ واحِد، فرسولُ اللهِ شَمَّ مِن قبرِها رائحةً طيِّبة كأنها تقول السلامُ عليك يا محمدُ يا رسولَ اللهِ، أنا على دينِك يا محمد.
ورأى قومًا يزرَعون ويحصدون في يومين فقال له جبريل: هؤلاء المجاهدونَ في سبيل الله.
ورأى أُناسًا تُقرضُ ألسنتُهم وشِفاهُهُم بمقاريضَ من نارٍ قالَ له جبريل هؤلاءِ خطباءُ الفتنةِ، يعني الذين يخطبونَ للشَّرِّ والفتنةِ أي يدعونَ الناسَ إلى الضلال والفساد والغَشِّ والخيانة.
ورأى ثورًا يخرجُ من منفذٍ ضَيِّقٍ ثم يريدُ أن يعودَ فلا يستطيعُ أن يعودَ إلى هذا المنفذِ فقال له جبريل: هذا الذي يتكلمُ بالكلمةِ الفاسدةِ التي فيها ضررٌ على الناس وفتنةٌ ثم يريدُ أن يردَّها فلا يستطيع .
ورأى أُناسًا يسرحُونَ كالأنعامِ على عوراتهم رقاعٌ (سُتر صغيرة) قال له جبريل هؤلاء الذين لا يُؤدّون الزكاة.
ورأى قومًا ترضخُ رؤوسُهم أي تكسر رؤوسُهم ثم تعودُ كما كانت فقال جبريل هؤلاء الذين تتثاقلُ رؤوسُهم عن تأديةِ الصلاة الواجبة.
ورأى قَومًا يتنافسونَ على اللحمِ المنتِنِ ويتركونَ اللحمَ الجيِّدَ المشرَّحَ فقال جبريل هؤلاء أناسٌ مِن أُمَّتِكَ يتركونَ الحلالَ فلا يطعَمونَه ويأتونَ الحرام الخبيث فيأكلونه وهمُ الزّناة.
ورأى أناسًا يشربونَ من الصديدِ الخارج من الزناة، قال له جبريل هؤلاء شاربو الخمر المحرم في الدنيا.
ورأى قومًا يخمشُونَ وجوهَهم وصدورَهم بأظفارٍ نحاسيةٍ قال له جبريل: هؤلاء الذين كانوا يغتابونَ الناس.
والغيبةُ من أشدِّ أسبابِ عذابِ القبر، هي والنميمةُ وتركُ الاستنْزاهِ من البول، وغيبة الأتقياءِ منَ الكبائر.
اللهمّ احفظنا من الكفرِ والكبائر والصغائر وأعِدْ علينا ذكرى الإسراء والمعراج وقد تحررّ الأقصى وتحرّر كلُّ شبرٍ مُحتلٍّ إنك على كلِّ شىء قدير.
هذا وأستغفر الله لي ولكم.
المِعْــرَاجُ
محمَّد أيَّدَهُ اللهُ تعالَى بانشقاقِ القمَرِ
محمَّد انقَادَ إليهِ الشجرُ وسلَّمَ عليهِ الحجرُ
محمَّد نبَعَ الماءُ الزلالُ مِنْ بين ِأصابعِهِ
محمَّد أنَّ الجِذْعُ اليبيسُ لفِراقِهِ
محمَّد بكَى الجمَلُ واشتكَى إليهِ عندَ رؤيتِهِ
نظرةً يا محمَّدُ يا رسولَ اللهِ، نظرةً يا محمَّدُ يا أجملَ خَلْقِ اللهِ، نظرةً يا محمَّدُ يا أفضلَ خَلْقِ اللهِ، محمَّدٌ أكرَمَهُ اللهُ تعالَى في شهرِ رَجَبٍ المبارَكِ بمعجزةِ الإسراءِ والمعراجِ.
والمعراجُ إخوةَ الإيمانِ مرقاةٌ شِبْهُ السلَّمِ فعُرِجَ بهَا النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى السماءِ، وهذهِ المرقاةُ درجةٌ منهَا مِنْ فضَّةٍ والأخْرَى مِنْ ذهَبٍ، والمعراجُ ثابتٌ بنصِّ الأحاديثِ الصحيحةِ وأمَّا القرءانُ فلَمْ يَـنُصَّ عليهِ نصًّا صريحًا ولكنْ وَرَدَ فيهِ مَا يَكَادُ يكونُ نصًّا صريحًا، قالَ اللهُ تعالى (وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَى 13 عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى 14 عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) سورة النجم، فلقدْ رأَى محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جبريلَ عليهِ السَّلامُ على صورتِه الأصليةِ مرّةً أُخرَى أَيْ مرَّةً ثانيةً عندَ سِدرَةِ المنتَهَى، وهذا فيهِ إشَارةٌ إلى المعراجِ لأنَّ سِدرَةَ المنتهَى أَصْلُها في السماءِ السادسةِ وتمتدُّ إلى السابعةِ وإلى مَا فوقَ ذلكَ.
وفي ليلةِ الإسراءِِ شُقَّ صَدْرُ النبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وغُسِلَ قلبُهُ قبل عروجه حتى يتحمَّلَ مشاهدةَ عجائبِ خَلْقِ اللهِ بقلبٍ قويٍّ، فلقدْ رَأَى تلكَ الليلةَ مالكًا خازنَ النارِ الذِي لَمْ يَضحكْ في وَجْهِ رسولِ اللهِ، فسألَ جبريلَ لماذا لَـمْ يرَهُ ضَاحِكًا إليهِ كغيرِه مِنَ الملائكةِ؟ فقالَ إنَّ مالِكًا لَـمْ يَضحَكْ منذُ خَلَقَهُ اللهُ تعالَى ولَوْ ضَحِكَ لأحَدٍ لَضَحِكَ إليكَ .
ورأَى في السماءِ السابعةِ البيتَ المعمورَ وهو بيتٌ مشرَّفٌ وهُوَ لأهْلِ السماءِ كالكعبةِ لأهلِ الأرضِ كلَّ يومٍ يَدخلُه سبعونَ أَلْف مَلَكٍ يُصَلُّونَ فيهِ ثمَّ يَخرُجونَ ولا يَعودونَ أبدًا.
ورَأَى سِدرةَ المنتهَى وهيَ شجرةٌ عظيمةٌ بهَا مِنَ الحُسْنِ مَا لا يصفُه أَحدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَغشاها فَراشٌ مِنْ ذهَبٍ.
ورَأَى الجنَّةَ وهيَ فَوْقَ السمواتِ السبْعِ منفصلةً عنهَا، فيهَا مَا لا عَينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلْبِ بشَرٍ ممّا أعدَّهُ اللهُ للمسلمينَ الأتقياءِ خاصّةً وفيها غيُر ذلك مِنَ النعيمِ الذي يشتركُ فيه كلُّ المسلميَن .
ورَأى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العرشَ وهو أعظمُ المخلوقاتِ حجمًا وحولَهُ ملائكَةٌ لا يَعلَمُ عددَهُم إلا اللهُ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (مَا السماواتُ السبعُ في جنْبِ الكُرْسيِّ إلا كَحلْقةٍ في أَرْض فَلاة وفضْلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضْلِ الفلاةِ على الحلْقةِ) وقالَ الإمامُ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ (إنَّ اللهَ خلَقَ العرْشَ إظهارًا لقُدرتِه ولَمْ يتَّخذْهُ مَكانًا لِذاتِه) فيكفرُ مَنْ يعتقدُ أنَّ اللهَ تعالى جالسٌ على العرشِ لأنَّه عزَّ وجلَّ ليسَ كمِثْلِه شىءٌ ولأنّه سبحانَه وتعالى موجودٌ بِلا مكانٍ ومنَزَّهٌ عنِ الجلوسِ.
ومِنَ المعلومِ لَدَى أهلِ الحقِّ أنَّ كلامَ اللهِ الذي هو صفةُ ذاتِه قديمٌ أزليٌّ لا ابتداءَ له ليسَ ككلامِنا الذي يُبدأُ ثم يُختَمُ، فكلامُه تعالى أزليٌّ ليسَ بصوتٍ ولا حرفٍ ولا لغةٍ لأنَّ اللغاتِ والحروفَ والأصواتَ مخلوقةٌ ولا يجوزُ على اللهِ أنْ يتَّصفَ بصفةٍ مخلوقةٍ، فلذلكَ نعتقدُ أنَّ سَيِّدَنا محمَّدًا سمعَ كلامَ اللهِ الذاتيَّ الأزليَّ بغيرِ صوتٍ ولا حرفٍ ولا حلولٍ في الأُذُنِ، فَفَهِمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ كلامِ اللهِ الأزليِّ الذاتيِّ فرضيَّةَ الصلواتِ الخمْسِ، وفَهِمَ أيضًا أنَّ اللهَ يَغْفِرُ لأمَّتِهِ كبائرَ الذنوبِ لمنْ شاءَ لهُ ذلِكَ، وأمَّا الكافرُ فلا يُغْفَرُ له مهمَا كانتْ معاملتُه للناسِ حسَنةً ولا يرحمُهُ اللهُ بعدَ الموتِ ولا يُدْخِلُه الجنَّةَ أبدًا إنْ ماتَ على كُفرِه، يقولُ تعالى في القرءانِ العظيمِ (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (سورة النساء 48).
اللهمَّ احفظْنا مِنَ الكُفْرِ والمعاصِي وَثَبِّتْنَا علَى الإسْلامِ يا رَبَّ العالَمينَ وأَعِدْ علينا هذه الذِّكْرَى ونحنُ نحتفلُ بها في الأقصى يا أَرْحَمَ الراحمينَ.
