بغية الطالب ج٢ الدرس ٤٦ المهر والمتعة ونفقة العبيد والبهائم
وطاعة الزوج.
قال المؤلف رحمه الله: ومَهرُها وعلَيهِ لها مُتعَةٌ إنْ فَارقَها، والمُتعَةُ مَالٌ يُعطَى للزَّوجَةِ المفَارَقَةِ بغَيرِ سبَبٍ منهَا.
الشرح: أنهُ يجبُ على الزّوجِ أداءُ مَهرِ زَوجَتِهِ فإنْ كانَ حالًّا فمَتى طَلبَتْ وإن كانَ مُؤجَّلًا فعِندَ حلُولِ الأجَلِ لا قَبْلَهُ.
والْمَهرُ هوَ مَا يَصِحُّ جَعلُهُ مَبِيعًا ومَا يَصِحُّ أن يَكُونَ مَنفَعةً مَقصُودَةً كتَعلِيمِ القُرءانِ أو سُورةٍ مِنهُ فيَصِحُّ جَعْلُ الْمَهرِ تَعلِيمَ أقصَرِ سُورةٍ منَ القُرءانِ أو تَعليمَ حِرفَةٍ كخِيَاطَةٍ.
وقَد رَوى أبو داودَ وصَحَّحَه الحَاكِم مِن حَدِيثِ عُقبَةَ بنِ عَامِر رضيَ الله عنه أنّ رَسولَ الله صلّى الله عليه وسلم قال “خَيرُ الصَّدَاقِ أيْسَرُهُ”.( قال المناوي في التيسير: أي أقَلُّه لدِلَالَتِه على يُمنِ المرأةِ ولهذا نَهى عن الْمُغَالَاةِ فِيهِ )
ويَجِبُ للزَّوجَةِ على الزوجِ مُتعةٌ، والْمُتعةُ مالٌ يَدفَعهُ للزوجةِ الْمُفارَقةِ (بغَيرِ سبَبٍ مِنهَا) إنْ كانت حُرَّةً، أو لسَيِّدِها إنْ كانَت مَملُوكَةً، إلا أنْ وَجَبَ لها نِصفُ الْمَهرِ، فَلا مُتْعَةَ للمُتَوفّى عنها زَوجُها ومَنْ وجَبَ لها الشَّطْرُ بتَسمِيَةٍ أو فَرْضٍ في مُفَوِّضَةٍ كأنْ فوَّضَت تَسمِيَةَ المهرِ لشَخصٍ فسَمَّاه.( المفَوِّضَة هيَ البَالِغَةُ الرّشِيدَةُ التي قَالَت لِوَليِّها زَوِّجْني بِلا مَهرٍ فزَوّجَها ونَفَى المهرَ أو لم يَذكُرْه في العَقدِ فَهُنا صَحَّ العَقدُ فَإن دَخَل بها قَبلَ تَسمِيَةِ المهرِ ثَبَت مَهرُ الْمِثلِ أو يَتّفِقُ مَعَها على مَهرٍ قَبلَ الدُّخُول فإنْ تَنازَعا فَرَضَ القَاضِي لهَا مَهرَ الْمِثْل فإنْ طَلّقَها قَبلَ الدُّخُولِ لَزِمَهُ نِصفُ الْمَهرِ أمّا إنْ طَلّقَها قَبلَ أن يَفرِضَ القَاضِي فلَها الْمُتعَةُ)
ولَو فُورِقَت فُرقَةً غَيرَ فُرقَةِ الطَّلاقِ لا بسَببٍ نَاشِئ منها بل مِن زَوجِها كأنْ أَسْلَمَ وكانَت مَجُوسِيّةً أو ارتَدَّ وهيَ مُسلِمَةٌ أو لاعَنَ أو منْ شَخصٍ ءاخَرَ غَيرِ الزّوجِ كأنْ وَطِئَ الابنُ زَوجَةَ أَبِيهِ بشُبهَةٍ أي بظَنّهِ أنّها زَوجَتهُ فتَجِبُ الْمُتعَةُ حِينَئِذٍ.
ولَيسَتِ الْمُتعَةُ مِقدارًا مُعيَّنًا ولكنْ يُستَحَبُّ أن تكونَ ثلاثينَ دِرهمًا للمتَوسِّطِ وأنْ لا تَبلُغُ نِصْفَ مَهرِ المِثْلِ، ويُجزئُ ما يتَراضَيانِ عليهِ ولو أقلَّ مُجزئ مُتَمَوَّلٍ أي أقلَّ شىءٍ مِما يُسَمَّى مَالًا، فإنْ تَنازَعا قَدَّرَهُ القَاضِي باجْتِهادِهِ مُعتَبِرًا حَالَهُ.
قال المؤلف رحمه الله: وعلَى مَالِكِ العَبِيدِ والبَهائِم نفَقَتُهُم وأنْ لا يُكَلِّفَهُم مِنَ العمَلِ مَا لا يُطِيقُونهُ، ولا يَضرِبَهم بغَيرِ حَقٍّ.
الشرح: رَوى البخاريُّ (أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك.) في الصّحِيحِ أنّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: “إخْوانُكُم خَوَلُكُم (أي خَدَمُكُم وعَبِيدُكُم، كذا في فَتح الباري (10/468).) مَلَّكَكُمُ الله إيّاهُم فمَنْ كانَ أخُوهُ تَحتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمُهُ مِمّا يَأكُلُ ولْيُلْبِسْهُ مِمّا يَلْبَسُ ولا يُكَلِّفْهُ مِنَ العَمَلِ مَا يَغلِبُهُ فَإنْ كلَّفْتُمُوهُم فأَعِينُوهُم” وروى مَالكٌ في الْمُوَطَّأ (أخرجه مالك في “الموطإ” باب الأمر بالرفق بالمملوك (ص/835)) قال رسول الله صلى الله علَيه وسلّم “لِلمَمْلوكِ طَعامُهُ وكِسوَتُهُ بالْمَعرُوفِ” أي بلا إسرَافٍ ولا تَقتِيرٍ. ومَن مَلَّكَهُ اللهُ البَهائِمَ لا يَجُوزُ لهُ أنْ يُكَلِّفَها مِنَ العَمَلِ مَا لا تُطِيقُ ولا يَجُوزُ لهُ أنْ يَضرِبَها إلا لِلجِمَاحِ ولِلوقُوفِ بغَيرِ سبَبٍ ونَحوِ ذلكَ فَإن ضَربَها عندَ ذلكَ لا يَضرِبُها على وَجْهِهَا.
قال المؤلف رحمه الله: ويَجِبُ على الزَّوجَةِ طَاعَةُ الزَّوجِ في نَفسِها إلّا في مَا لا يَحِلُّ وأنْ لا تَصُومَ النّفْلَ ولا تَخرُجَ مِنْ بَيتِهِ إلّا بإذنِهِ.
الشرح: أنّهُ يَجبُ على الزّوجَةِ طَاعَةُ الزّوجِ فيمَا هوَ حَقٌّ لهُ علَيها منَ الاستِمتَاعِ ومَا يتَعلَّقُ بهِ، إلّا فيما حرَّمَهُ الشَّرعُ مِن أُمُورِ الاستِمتَاعِ فَلا يَجبُ علَيها أن تُطِيعَهُ في الاستِمتَاعِ الْمُحرَّمِ كأنْ تكُونَ حائِضًا أو نُفَسَاءَ وأَرادَ أنْ يُجامِعَها بل يَحرُمُ علَيها، ولا يجِبُ علَيها أيضًا إذَا كانت لا تُطِيقُ الوَطءَ لِمَرضٍ. ويَجبُ علَيها أن تَتزيَّنَ إنْ طلَبَ مِنها ذلكَ. ويجبُ علَيها أنْ لا تَصُومَ النَّفلَ وهوَ حَاضِرٌ إلا بإذنهِ، أمّا الواجبُ كرمضَانَ فإنّها تَصُومُهُ رضيَ أو لم يَرضَ لأنَّ اللهَ أحَقُّ أن يُطاعَ وقَد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا طَاعةَ لِمَخلُوقٍ في مَعصِيَةِ الخَالقِ” رواه أحمد (مسند أحمد (1/409).).
حبيبنا الشيخ عبدالرزاق الشريف رحمه الله تعالى (المجموعة الرفاعية):
ويجِبُ علَيها أنْ لا تَأذنَ لأحَدٍ في دخُولِ بَيتِهِ إلّا بإذنِهِ. ولا يَجوزُ لها أن تَخرُجَ مِن بَيتِهِ مِن غَيرِ ضَرُورةٍ إلا بإذنِهِ، فأمَّا الخُروجُ لضَرُورةٍ فهو جائزٌ وذلكَ كأنْ أرادَتْ أن تَستفتيَ أهلَ العلمِ فيما لا تَستَغني عنهُ وكانَ الزّوجُ لا يَكفِيها ذلكَ فإنّها تخرجُ بدونِ رِضاهُ وهذا شَاملٌ لمعرفَةِ ما هوَ منْ أصولِ العقيدةِ والأحكامِ كأمُورِ الطّهَارةِ كمَسائلِ الحيضِ فَإنّ لها تَشَعُّبًا. ومِنَ الضَّرُورَةِ أنْ تَخشَى في الْمَنزِل الذي أَسْكَنَها فيهِ اقتِحَامَ فَجَرةٍ أو انهِدامَه. ويجبُ علَيها أنْ تَتركَ ما يُعكّرُ علَيهِ الاستِمتاعَ منَ الرّوائح الكَرِيهَةِ كرائحَةِ الثّوم والبَصَلِ والسّيكَارة إن كانَ يتَأذّى مِنهَا.
( قالَ النّوَويّ في الرّوضَة (9/50) “للزَّوج مَنْعُها مِن تَعاطِي الثّوم ومَا لهُ رائِحَةٌ مؤذِيَةٌ على الأظْهُر” اهـ.)
ولا يجوزُ للزَّوجِ أن يَمنعَ زَوجتَهُ مِن صِلَةِ أَرحَامِها مِن دُونِ عُذرٍ إمّا أن يَأذنَ لهم بزِيارَتها أو يأذَنَ لها بزِيارَتهم، أمّا إن كانوا مُفسِدينَ فخَافَ مِن أن يُوقِعُوا بَينَه وبَينَها فلَه عُذرٌ في مَنْعِها.
فَائدَة: يَنبَغِي للمَرأةِ أن تُلازِمَ البَيتَ ولا تَخرجَ مِن بَيتِ زَوجِها لغَيرِ حَاجَةٍ مُهمَّةٍ فقَد رَوى ابنُ حبّان وغَيرُهُ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال “المرأَةُ عَورَةٌ فإذَا خَرَجَت استَشرَفَها الشَّيطَانُ وأَقرَبُ مَا تَكُونُ المرأةُ إلى وَجهِ اللهِ إذَا كانَت في قَعْرِ بَيتِها” ومَعنَى استَشرفَها الشّيطَانُ أي يَهتَمُّ بها لِيَفتِنَ بِها أو يَفتِنَها، فهوَ كالذي يُحَدِّقُ بالشّىءِ مُهتَمًّا بهِ وهوَ واضِعٌ أصَابِعَه فَوقَ عَيْنَيْه، ومعنَى وَجهِ الله هنَا طَاعَةُ الله. وقَد أوَّلَ بعضُ السّلَف وَجْهَ اللهِ في ءاية {كُلُّ شَىءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ} [سورة القصص/88] بأنّ المرادَ بالوَجهِ هُنا الطّاعَاتُ التي يُتقرَّبُ بها إلى الله. فمَعنى الحديثِ أنّه مَطلُوبٌ مِنَ المرأةِ أنْ تُلازِمَ البَيتَ، فَلا يَنبَغِي للمَرأةِ أنْ تَخرُجَ مِن بَيتِها إلّا لأمرٍ تَحتَاجُهُ لدِينِها أو لِدُنياها الخرُوج لغَيرِ ذلكَ مِنَ النّسَاءِ لا يَنبَغِي. أزواجُ الرّسولِ علَيه السّلام وعلى ءاله بعدَما قَال لهُنَّ لَمّا رَجعَ مِن حَجَّةِ الوَداع “هَذه ثُمَّ ظُهُورَ الحُصُر” (رواه أبو داود في سننه: كتاب المناسك: باب فرض الحج (1722).) مَعناه هذه الحَجَّةُ خَرجتُمُوها مَعِي بَعدَ ذلكَ الزَمْنَ الحُصُرَ أي الْزَمْنَ بيُوتَكُنّ، فمَا خَرَجَتْ بعدَ ذلكَ واحِدَةٌ مِنهُنَّ لِلحَجّ إلا عائشَة. عَائِشَةُ خَرجَتْ بنِيَّةِ الحجّ وقَالَت قولُ الرّسولِ “ثمّ ظُهُورَ الحُصُر” لَيسَ مَعناهُ أنّهُ فَرضٌ علَينَا مُلازَمةُ البُيوتِ بَعدَ هَذا إنّما مَعنَاه الأفضَلُ لنَا هَذا.
