بغية الطالب ج٢ الدرس ٥٠
معنى المراقبة لله.
قال المؤلف رحمه الله: والمُراقَبَةُ لله
الشرح: أنّ مِنْ واجِبَاتِ القَلبِ الْمُراقَبةُ لله، ومَعنى الْمُراقَبةِ استِدامَةُ خَوفِ اللهِ تَعالى بالقَلبِ بِتَجَنُّبِ ما حرَّمَهُ والغَفلَةِ عن أداءِ مَا أوْجَبَهُ أي تَجَنُّبِ الغَفلَةِ عن أداءِ مَا أوجَبَهُ.( ويسَاعد على ذلك أن يستَحضر الشخص في قلبه كلَّ لحظة أنّ الله يراه وأنّه مطّلِع عليه. (وقال محمّد الكَلاباذي: سَهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّستَريّ أحَدُ أئمّة القَوم، لم يَكُن له في وَقتِه نَظِيرٌ في المعامَلَاتِ والوَرَع، وكانَ صَاحِبَ كَرامَاتٍ، ولَقِيَ ذَا النُّون المصري بمكّةَ وقالَ: قالَ: كُنتُ ابنَ ثَلاثِ سِنينَ وكُنتُ أَقُومُ اللّيلَ أَنظُر إلى صَلاةِ خَالي محمّد بنِ سِوَار وكانَ يَقُوم اللّيلَ، فرُبّما كانَ يَقُول: اذْهَبْ يَا سَهْلُ فنَمْ فقَد شَغَلْتَ قَلبِي. قالَ ليْ خَالي (محمّدُ بنُ سِوَار) يومًا: أَلا تَذكُرُ اللهَ تَعالى الذي خَلقَكَ، فقُلتُ: كَيفَ أَذكُرُه، فقال: قُلْ بقَلْبِكَ عندَ تقَلُّبِكَ في ثِيَابِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن غَيرِ أنْ تُحَرِّكَ بهِ لِسَانَكَ اللهُ مَعِي (بمعنَى العَالِم بِحَالِي لا بمعنَى الْمَعِيَّةِ بالذّاتِ لتَنزُّهِ اللهِ عَنها) اللهُ نَاظِرٌ إليَّ( أي يرَاني)، اللهُ شَاهِدِي( أي مُطّلِعٌ علَيَّ) فقُلتُ ذلكَ ثَلاثَ لَيالٍ، ثم أعْلَمْتُه. فقَال لي: قُل في كُلِّ لَيلَةٍ سَبعَ مَرّاتٍ، فقُلتُ ذلكَ ثمّ أَعلَمتُه فقال لي: قُل في كُلِّ لَيلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، فقُلتُ ذلكَ فَوقَع في قَلبِي حَلاوَة، فلَمّا كانَ بَعدَ سَنةٍ قالَ لي خالي: احفَظْ مَا عَلّمْتُكَ ودَاوِمْ علَيهِ إلى أنْ تَدخُلَ القَبرَ فَإنّهُ يَنفَعُكَ في الدّنيا والآخِرَة، فلَم أزَل على ذلكَ سنِينَ فوَجَدْتُ لَها حَلاوَةً في سِرِّي.)
ولذَلكَ يجبُ على الْمُكَلّفِ أوّلَ ما يَدخُلُ في التّكلِيفِ أن يَنوِيَ ويَعزِمَ أن يأتيَ بكُلّ ما فرَضَ اللهُ علَيه مِن أداءِ الواجِبَاتِ واجتِنَابِ الْمُحَرّمَاتِ. قال الله تعالى: {فَلا تَخافُوهُمْ وخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مؤمِنين} [سورة ءال عمران/175]( أيْ لا تَخَافُوا المنَافقِينَ وخَافُوا اللهَ إنْ كُنتُم مؤمنِينَ لأنّ الإيمانَ يَقتَضِي أنْ يؤثِرَ العَبدُ خَوفَ اللهِ علَى خَوفِ غَيرِه) وقال: {فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَونِ} [سورة المائدة/44] نَهى اللهُ الحُكّامَ عن خَشيَتِهم غَيرَ الله في حُكُومَاتِهم وإمضَائها على خِلافِ مَا أُمِروا بهِ مِنَ العَدْلِ خَشْيةَ سُلطَانٍ ظَالمٍ أو خِيْفَةَ أذِيَّةِ أحَدٍ، وأمرَهُم بخَشيَتِهِ فلا يُخَالِفُوا أوَامِرَهُ.
( وقال تعالى:” ولِمَن خَافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتَان”46 سورة الرحمن.مَوقِفَه الذي يَقِفُ فِيهِ العِبَادُ لِلحِسَابِ يَومَ القِيَامَةِ فيَترُك المعاصِي ويؤدّي الفَرائضَ . الَّذي يخَافُ حِسَابَ اللهِ يَومَ القِيامَةِ فكَفَّ عن المعاصِي لهُ جَنَّتان.،الجِنَانُ كَثِيرَةٌ بَعضُها مِن ذَهَب وبَعضُها مِنْ فِضّة. العَبدُ التّقِيُّ لهُ ضِعفُ مَا لِغَيرِه. مَعنَاهُ الذي يَنهَى نَفسَه عَن هَواهَا لهُ جَنّتَانِ. وفي الجنّةِ جَنّتَانِ ءانِيتُهُما ومَا فِيهِما مِن ذَهَبٍ، يَسكنُهما المقرَّبُونَ، وهُناكَ أيضًا جَنّتانِ مِن فِضّةٍ ءانِيَتُهما ومَا فِيهِما.
يُروَى أنهُ كانَ في زمَنِ عمرَ بنِ الخَطّاب شَابٌّ مُتَعبِّدٌ قَد لَزِمَ المسجِدَ، وكانَ عُمرُ مُعْجَبًا بهِ، وكانَ لهُ أَبٌّ شَيخٌ كَبيرٌ، فكَانَ إذَا صَلَّى العَتَمَةَ( أي صَلاةَ اللَّيلِ ) انصَرفَ إلى أَبِيهِ، وكانَ طَريقُهُ على بابِ امرأَةٍ فافتَتنَت به، فكَانَت تَنصِبُ نَفسَها لهُ على طَريقِه، فمَرَّ بها ذاتَ ليلةٍ، فمَا زَالَت تُغويْهِ حتى تَبِعَها، فلَمّا أتَى البابَ دخَلت وذهَب يَدخلُ، فتَذكّر قَولَ الله تعالى (إنّ الذينَ اتَّقَوا إذا مَسَّهُم طائِفٌ مِنَ الشّيطانِ تَذَكَّروا فإذَا هُم مُّبصِرُون }(أي إذَا أصَابَهم وَسوسَةٌ مِنَ الشّيطَانِ تَذكَّروا مَا أمَرَ اللهُ بهِ ونَهى عَنه فأَبصَرُوا السّدَادَ ودَفَعُوا وَسوَسَتَه. )(201)سورة الأعراف) فوقَعَ على الأرضِ مَغشِيّا عليهِ، فدَعتِ المرأةُ جَاريةً لها، فتعَاونَتا علَيهِ فَحَمَلتاهُ إلى بابهِ، فخَرجَ أَبُوه الشّيخ يَطلُبُه فإذا بهِ على البابِ مَغشِيًّا عَليهِ، فدَعَا بَعضَ أهلهِ فحمَلُوه فأَدخَلُوهُ، فمَا أفَاقَ حتى ذهَبَ مِنَ اللّيلِ مَا شَاءَ الله، فقالَ لهُ أبُوهُ: ما لَكَ؟ قال: خَيرٌ، قال: فإني أَسألُك، فأخبَرَه بالأمرِ، قالَ: أي بُنيَّ وأيَّ ءايةٍ قرَأتَ؟ فقَرأ الآيةَ التي قرَأ (إنّ الذينَ اتّقَوا إذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشّيطانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبصِرُون] فخَرَّ مَغشِيّا عَليهِ، فحَرَّكُوه فإذَا هوَ مَيِّتٌ، فغَسّلُوه وأَخرَجُوه ودَفنُوه لَيلًا، فلَمّا أَصبَحُوا رُفعَ ذلكَ إلى عمرَ رضي الله عنه، فجَاءَ إلى أبيه فعَزّاه به وقال: أَلا
ءاذَنتَني قال: يا أمِيرَ المؤمنين، كانَ اللّيلُ، فقال عمرُ: اذهَبُوا بنا إلى قَبرِه، قال: فأَتَى عُمَرُ ومَن مَعَهُ القَبرَ، فقال عمرُ مُخَاطِباً الشابَّ الذي ماتَ مِن شِدّة خوفِه مِنَ الله: يا فلانُ [ولِمنْ خَافَ مَقامَ ربِّهِ جنَّتان] (سورة الرحمن) فأجابَهُ الفتى مِن داخِل القَبر: يا عمرُ قَد أَعطَانِيهِمَا ربي عزّ وجَلّ في الجنّةِ مَرّتَين. اه )
( ” وأمّا مَن خَافَ مَقامَ ربِّهِ ونَهى النَّفسَ عن الهَوى فإنَّ الجنَّةَ هي المأْوى” سورة النازعات. مَقامَ رَبِّه {معناه أي الحِساب، حسابَ يومِ القِيامة بين يَدَي الله، الذي خافَ ذلكَ اليومَ العظيمَ فكَفّ نَفسَه عن المحرَّماتِ فإنّ الجنةَ أي جنّةَ الله هي المأوى أي هيَ مَأواه أي بلا نار أي بلا عَذابٍ يَدخُلها. مَقَامَ ربّه معناهُ وقوفُ العبدِ بينَ يَدَي الله للحِساب والسّؤال.
({وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [النازعات: 40] أي علِمَ أنّ لهُ مَقامًا يوم القيامة يحاسِبُه فيه ربُّه {وَنَهَى النَّفْسَ} الأمّارَةَ بالسُّوء {عَنِ الْهَوَى} المؤذِي، أي زَجَرها عن اتّباعِ الشّهَوات.
وقيل: هو الرَّجلُ يهُمّ بالمعصية فيَذكُر مَقامَه للحِساب فيَتركُها، والهَوى مَيلُ النّفس إلى شَهواتها {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى} أي المرجِع.
الخَيرُ في مُخَالَفةِ الهَوى مُخَالفَةِ النّفس، كثيرٌ مِنَ الأولياء إنّما وصَلُوا إلى ما وَصَلُوا إليه بمخَالفَةِ النّفس. الدّنيا زائلة.) مُخَالفَةَ الهَوى صَعبٌ، القَلِيلُ مِن أَصحَابِ الطُّرُقِ مَن يُخَالِفُ الهَوى فيَصِلُ إلى دَرجَاتِ الأوليَاء، يُروَى عن الشَّيخ عُثمَان أنّ والِدَه كانَ يَقُولُ لِيْ مُرِيدٌ ونِصف مَعنَاهُ واحِدٌ وصَلَ ووَاحِدٌ في نِصفِ الطَّرِيق مع أنّه كانَ عِندَهُ مَليُون وأكثَر مِنَ التّلامِيذ).
