بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله الكريم
القرآن العظيم كتاب هداية لإخراج البشرية من الظلمات إلى النّور
وليس للمجالس الترفيهية
تعبّدنا الله تعالى بتلاوة القرآن المنزّل على نبيّه محمّد ﷺ، المعجز بلفظه، وأمرنا أن نستمع إليه وننصت حين يقرأ، وأن تخشع له قلوبنا حين يتلى، وأن نتحلّى بالسكينة والوقار بين يديه، قال الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ)[الأعراف: 204]. وحذّرنا من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب من قسوة القلوب وعدم خشوعهم لكلام الله عز وجل ما كان ذلك سببا في تمرّدهم واجترائهم على تغيير أحكام الدين: (أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ) [الحديد: 16].
وقد توعّد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من يقرأ القرآن بغرض أن يسمع الناس حسن صوته، ويقال: إنّه قارئ؛ لأنّ مجالس القرآن لا تكون إلاّ للحفظ والتعلّم أو للتدبّر والموعظة، وفي المجالس اللائقة به، للعمل بتعاليمه وإقامة شرائعه والاهتداء بهديه، وليس لإسماع الناس حسن الأصوات والترنّم بألفاظه وكلماته، ولا في مجالس الطرب وحضور المعازف.
فمن تعظيم القرآن تجنّب قراءته فيما لا يليق به من المجالس، فقد حرّم العلماء التكسّب بتلاوة القرآن، قال الشيخ العدوي: «إنّ قراءة القرآن على الأبواب وفي الطرق قصدا لطلب الدنيا حرام، ولا يجوز الإعطاء لفاعل ذلك؛ لما فيه من الإعانة على ذلك» (حاشية الدسوقي: 1/309).
أمّا أن يقرأ القرآن مصحوبا بالعزف على الآلات الموسيقية، كما وقع في القناة التلفزية، لهو منكر شديد وأمر شنيع؛ لأنّه استخفاف بكلام الله العزيز الحميد، لا يجوز تبريره ولا التساهل فيه.
لم يزل علماء الأمّة عبر الزمان يحذّرون من موجات الاستخفاف بالقرآن الكريم بذريعة تحسين الصوت به، ولذلك حرّموا التطريب الذي يخرج التلاوة عن حدّها الشرعي ويسقط قدسية القرآن من النفوس ويحوّله إلى مقاطع فنية يتغنّى بها؛ لإظهار محاسن الأصوات.
قال الإمام النووي: «القراءة بالألحان المحرمة مصيبة ابتلي بها بعض الجهلة الطغام الغشمة الذين يقرؤون على الجنائز وبعض المحافل. وهذه بدعة محرّمة ظاهرة يأثم كلّ مستمع لها، ويأثم كلّ قادر على إزالتها أو على النهي عنها إذا لم يفعل ذلك» (التبيان: ص 112). وقال العلاّمة ابن خلدون في سياق ذكر حكم قراءة القرآن بالمقامات الموسيقيّة: «تلحين الموسيقى الصناعي فإنّه لا ينبغي أن يختلف في حظره؛ إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكلّ وجه» (تاريخ ابن خلدون: 1/537).
كان على التلفزة الوطنية لو كانت حريصة على إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف أن تأتي بعلماء يتحدّثون عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم وما حققته دعوته التي أرسله الله تعالى بها إلى الإنسانية من وضوح العقيدة وعدالة الشريعة وفضائل الأخلاق وسموّ القيم من كرامة وعزّة وعدل التي يبحث عنها الناس الآن ولا يجدونها إلاّ في الإسلام.
والله الهادي إلى سواء السبيل
الشيخ الحبيب بن طاهر

