الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا محمّدٍ الصادقِ الوعدِ الأمينِ وعلى إخوانِهِ النبيّينَ والمرسلينَ ورضيَ اللهُ عن أمهاتِ المؤمنينَ وألِ البيتِ الطاهرينَ وعنِ الخلفاءِ الراشدينَ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وعن الأئمةِ المهتدينَ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وعن الأولياءِ والصالحينَ،
في الصحيحين واللفظ للبخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود، قال له يا أمير المؤمنين: آيةٌ في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا.
قال أي آية؟
قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا،
قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ بعرفة يوم جمعة.
فيوم عرفة له فضائل متعددة:
منها أنه يوم نزول آية إكمال الدين وإتمام النعمة.
ومنها أنه عيد لأهل الإسلام كما قاله عمر ابن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهم، فإن ابن عباس قال نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة، وروي عن عمر أنه قال وكلاهما بحمد الله لنا عيد. خرجه ابن جرير في تفسيره
ومنها أنه روي أنه أفضل الأيام، خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفضل الأيام يوم عرفة).
ومنها أنه يوم مغفرة من الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف كما في صحيح مسلم قالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء).
يقول النووي في شرح مسلم قال القاضي عياض قال المازري:
معنى (يدنو) في هذا الحديث أي تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة، قال القاضي يتأول فيه ما سبق في حديث النـزول إلى السماء الدنيا، كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة لما يرى من تنـزل الرحمة، قال القاضي وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينـزل معهم من الرحمة ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى. اهـ
وخرج مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة) وما ذاك إلا لما رأى من تنـزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما أري يوم بدر، قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله، قال أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة (أي يصف الملائكة للقتال).
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، صلى الله على محمد وعلى كل رسول أرسله.
يقول الله تعالى [وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ] (الفجر 1-2-3) وأخرج الامام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم (مَا مِنْ أيّامٍ الْعَمَلُ الصّالِحُ فيهَا أحَبُّ إلَى الله مِنْ هَذِهِ الأيّامِ يَعْني أيّامَ الْعَشْرِ قالُوا: يَا رَسُولَ الله وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قالَ وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله إلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ).
إخوة الإيمان والإسلام، أقسم الله تعالى بالفجر وليالٍ عشر، والله تعالى يقسم بما يشاء، والليالي التي أقسم الله عز وجل بها هي ليالِ أيامِ العشرِ الأُوَلِ من ذي الحجة، والشفعُ هو يوم النحر، الذي هو يوم الحج الأكبر، والوترُ هو يوم عرفة.
وقد دلت الأحاديث على أن العمل الصالح في أيام العشر الأول من ذي الحجة أحبُّ إلى الله من العمل في أيامِ غيرِه من السنة، فعمل البر والإحسان فيها يزيد على ما سواه، والأعمال الصالحة تزكو عند الله أكثر مما إذا عملت في غيرها لاجتماع أمّهات العبادة فيه، الصلاة والصيام والحج والصدقة، ولا يتأتى ذلك في غيرها.
وقد روي في خصوص صيام أيامه وقيام لياليه وكثرة الذكر فيه أحاديث وآثار، ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من أَيَّامٍ أعظمُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَلاَ أَحَبُّ إلَيْهِ من الْعَمَلِ فِيهِنَّ من هذه الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ من التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ والتَّحْمِيدِ).
وقال الإمام البخاري وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] (الحج 27) أَيَّامُ الْعَشْرِ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، (يشير إلى معنى [وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ] (البقرة:203))، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. اهـ
وأفضل أيام العشر بل أفضل أيام العام هو يوم عرفة، يوم التاسع من ذي الحجة، فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفضل الأيام يوم عرفة).
وهو يوم عيد للمسلمين، فقد روى البخاري ومسلم {واللفظ للبخاري] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟
قال [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] (المائدة 3)،
قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
وفي بعض الروايات، قال عمر (نزلت يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد).
وقال ابنُ عَبّاسٍ (فَإِنّهَا نَزَلَتْ في يَوْمِ عِيدَيْنِ: في يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ) رواه الترمذي وغيره.
وجاء في فضل يوم عرفة أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم في الصحيح، عن السيدة عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّ رَسُولُ اللهِ [صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ] قَالَ (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ).
وأخرج مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما رؤيَ الشيطانُ يوما هو فيه أصْغَرُ، ولا أدْحَرُ ولا أحْقَرُ، ولا أغْيَظُ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تَنَزُّل الرحمة، وتجاوزِ الله عن الذُّنوبِ العِظامِ، إلا ما أُرِيَ يومَ بَدْر،
قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟
قال: أما إنَّه قَدْ رأى جبريل يَزَعُ الملائكة (أي يُرَتِّبَهم ويُسَوِّيِهم ويَصُفُّهم للحرْب).
وفي موطأ مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ).
ويستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ [رضي الله عنه] قَالَ: وَسُئِلَ [أي رسول الله] عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟
فَقَالَ (يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ).
وأما بالنسبة للحاج فلا يصوم، فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وقف مفطرا، والعمل على هذا عند أكثرِ أَهلِ العلمِ يَستَحِبُّونَ الإفطَارَ بعَرَفَةَ ليتَقَوَّى بِهِ الرَّجلُ عَلَى الدَّعاءِ.
إخوة الإيمان، إنّ الأمةَ المحمّديةَ اليوم تنتظرُ بشوقٍ لتشهدَ أبْهَى مظاهرِ الوحدة، حيثُ يجتمعُ المسلمونَ بأشكالهم المختلفةِ وألسنتِهم المتعدّدة تحتَ رايةِ التوحيد التي جمعتهم فوقَ أرضٍ واحدةٍ يدعونَ ربًّا واحدًا.
إنَّ موقفَ المسلمينَ على أرضِ عرفة قائلين (لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) موقفٌ تنشدُّ له الأبصار، موقفٌ تحنُّ لهُ القلوب، موقفٌ تذرفُ له العيونُ بالدموعِ شوقًا لتلك البِقاع، شوقًا لأمِّ القرى لمكّةَ ومنى وعرفة.
اللهمّ أصلِحْ ذاتَ بينِنا وألّفْ بينَ قلوبِنا ووحّدْ صفوفَنا واجمعْ شملَنا وارفعْ رايتَنا إنكَ على كلِّ شىءٍ قدير.
هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
من وصايا رسول الله في حجة الوداع
من وصايا رسول الله في حجة الوداع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، أحمده سبحانه الواحد العزيز الغفار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين وقدوة الأبرار، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى ءاله وصحبه، صلاة دائمة ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد، فهذه رسالة مختصرة وجيزة في بيان وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، عسى أن ينفعنا الله بهن، فقد روى الإمام مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم عرفة، وَقَالَ (إِنَّ دِمَاءكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهِ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلوُا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنَّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا (نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ) فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَىَ السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَىَ النَّاسِ (اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ). اهـ
وروى الترمذي عن سُلَيْمانُ بنِ عَمْرِو بن الأحْوَصِ قال حدثني أبي أَنّهُ شَهِدَ حَجّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكرَ وَوَعَظَ ثُمّ قال (أَيّ يَوْمٍ أَحْرَمُ، أَيّ يَوْمٍ أَحْرَمُ، أَيّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ قالَ فقالَ النّاسُ (يَوْمُ الْحَجّ الأكْبَرِ يَا رَسُولَ الله) قال (فَإِنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاّ عَلَى نَفْسِهِ، ولا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، ولا وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلاَ إِنّ الـمُسْلِمَ أَخُو الـمُسْلِمِ، فَلَيْسَ يَحِلّ لِمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلاّ مَا أَحَلّ مِنْ نَفْسِهِ، أَلاَ وَإِنّ كُلّ رِبًا في الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ غَيْرِ رِبَا الْعَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ فَإِنّهُ مَوضُوعٌ كُلّهُ، أَلاَ وَإِنّ كُلّ دَمٍ كَانَ في الْجَاهِلَيّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوّلُ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دَمِ الْجَاهِليّةِ دَم الْحَارِثِ بنِ عَبْدِ الـمُطّلِبِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بالنّسَاءِ خَيْرًا، فإِنّمَا هُنّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهِنّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلاّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنّ في المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنّ سَبِيلاً. أَلاَ وَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّا، فأَمّا حَقّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوْطِئْنَ فُرُشَكُمْ من تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ. أَلاَ وَإِنّ حَقّهُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهنّ في كِسْوَتِهِنّ وَطَعَامِهِنّ) قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَىَ وَشَعْبَانَ ثُمَّ قَالَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟
قُلْنَا (الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ).
قَالَ (فَسَكَتَ حَتَّىَ ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ).
قَالَ (أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ)؟
قُلْنَا (بَلَىَ).
قَالَ (فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا)؟
قُلْنَا (اللهُ ورَسُولُهُ أَعلَمُ).
قالَ (فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيْهِ بغَيْرِ اسْمِهِ).
قَالَ (أَليْسَ الْبَلْدَةَ)؟
قُلْنَا (بَلَى).
قَالَ (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا)؟
قُلْنَا (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ).
قَالَ (فَسَكَتَ حَتَّىَ ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ).
قَالَ (أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ)؟
قُلْنَا (بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ).
قَالَ (فَإِنَّ دِمَاءكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلاَ تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَىَ لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ).
وروى أحمد والحارث وابن حاتم من طريق أبي نضرة حدثني من شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وهو على بعير يقول (يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، خيركم عند الله أتقاكم).
عباد الله، إنَّ في هذه الخطبة العظيمة التي خطب بها رسول الله في ذلك اليومِ العظيم من ألوان التقرير لوَحدة الأمّة والحثّ على الاستمساك بأهدابها والتنفير من المساس بها أو تعكير صفوها أو توهين عُراها بأيّ صورةٍ من الصور وتحت أيّ اسم من الأسماء ما لا مزيد عليه، فحرمةُ الدماء والأموال والأعراض مرتكزٌ عظيم وقاعدة راسخة وأساس متين لبناء وحدة الأمة القائمة على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
وها نحن اليوم، إذ نتحدث عن أهمية الوحدة إزاء ما نعانيه ونراه من تشتت وتباعد على نطاق واسع وشاسع جدير بنا أن نوجه دعوة صادقة مخلصة إلى التعاون والتكاتف والتماسك.
