إذَا لم تستحِ فاصنع ما شئت
أهل الفتنة والقُبلة والإمام البَيروتيُّ!
حول الكلام على اتِّجاه القِبلة وغيرها
1
وبعدُ فقد قالت العرب: <كانت عنزًا فاسْتَتْيَسَتْ>.. وهكذا حال أهل الفتنة فقد أوقعوا أنفسهم في الوهم فركنوا إلى غير المُعتمد؛ ثُمَّ ركبوا رُؤوسهم فراحوا يتمادون في اللَّجاجة تكبُّرًا وزيغًا وكان أَوْلى بهم أنْ يتوقَّفوا عند وجه الدَّليل بدلًا مِن مُحاولة القفز فوقه.. فلا حَول ولا قُوَّة إلَّا بالله.
2
بداية أقام الشَّيخ الصَّبَّاغ حفظه الله عليهم الحُجَّة في كون النَّجم القُطبيِّ أقوى الأدلَّة في معرفة اتِّجاه القِبلة؛ ولم يجدوا أنْ يرُدُّوا ما قرَّره الفُقهاء في هذا؛ وليس مِن مُسلم -قبل مَن قلَّدهم أهلُ الفتنة- عرَف أنَّه في شمال الأرض ومع ذلك توجَّه إلى الشَّمال.. فبئس القوم أهل الفتنة.
3
ومع ذلك فإنَّ أبو العمى الَّذي لا يستحي أغمض عينيه عن الأدلَّة -الَّتي ساقها له الشَّيخ الصَّبَّاغ- وأصرَّ أنَّ تعامُد الشَّمس فوق الكعبة دلالة مُعتبرة رغم تنبيهه إلى أنَّ ذلك يصلح على سطح لا تكوُّر فيه بخلاف ما لو كان على أرض مُتكوِّرة، فلم يفهم كما فهم غيره من أهل الفتنة.
4
ثُمَّ التقط الجاهل رسمًا فيه الأرض مِن جهة القُطب الشَّماليِّ وأخذ بالقياس عليه غافلًا أنَّه ينظُر في رسم مُسطَّح لا تكوُّر فيه؛ وبعض أصحابه مِن أهل الفتنة ومَن وَالاهُم يعرف خطأَه ولا يرُدُّه ولا يُنكره لأنَّه لا يطلُب الإصلاح وإنَّما اهتمامه مُنحصر بإنكار مذهب أهل السُّنَّة والجماعة.
5
قلتَ قُبلة!؟
أبو العمى صار يتكلَّم في علم الفلك ولو أراد رسم إشارة (مائة في المائة) لرسمها هكذا: (100%100) فحقَّ العَجَب! وكان نصَّب نفسه أُصوليًّا لُغويًّا يحكُم على عبارات العُلماء في مسألة العصمة بينما يُصِرُّ على تسمية القِبلة بالقُبلة مهمَا نبَّهتَه ومهمَا علَّمته لا يتعلَّم والعياذ بالله.
6
فحيث لم يكن معكُم مُستند في القول بأنَّ تعامُد الشَّمس فوق الكعبة مُعتبَر في البلاد البعيدة: فكُفُّوا عن ذكر التَّعامُد المذكور لأنَّه يُلزمُكُم القول بتضارُب أدلَّة القِبلة وهُو قول باطل فاسد كما هُو واضح في كلام الفُقهاء الَّذي نقله لكُمُ الأخ الشَّيخ مُحمَّد الصَّبَّاغ بارك الله فيه.
7
كَمَا كلَّمكُمُ الشَّيخ الصَّبَّاغ بالدَّليل والحُجَّة رُدُّوا عليه بمثل ذلك لو قدرتُم أو اسكتوا عن الرَّدِّ لأنَّ العِبرة بإصابة الحقِّ لا بالمُماحكة الفارغة مِن كُلِّ فائدة، وإنْ زعم أحد منكُم أنَّ كلامي افتراء فأين ردُّكُم على القول بفساد مذهبكُم -لأنَّه يُؤدِّي إلى القول بتضارب الأدلة- وأين.. وأين..
8
ابن ميناوي والإمام البَيروتيُّ!
ويأتيك ابن ميناوي المُتحوِّل لابن المَنَاوي بَين ليل -وحشيشها- ليُوجِّه التَّحيَّة إلى إمامه (البَيروتيِّ) بينما الكلام عن (البَيرونيِّ)! والبيرونيُّ بالمُناسبة ليس إمامًا في الفقه بل الرَّجُل صاحب رياضيَّات وفيزياء وفلك وتاريخ، ولكن ماذَا تقول فيمَن تعلَّق قلبُه بالكيد لأهل السُّنَّة والجماعة!؟
9
والعاقل مَن إذَا قال قولًا نظر في عواقبه ومُؤدَّاه ولوازمه؛ والقول باتِّجاه القِبلة إلى الشَّمال الشَّرقيِّ في أميركا الشَّماليَّة مُؤدَّاه القول بتضارُب الأدلَّة وهي بدعة نصَّ الفُقهاء على بُطلانها إلى غير ذلك ممَّا يحكُم ببُطلان ما ذهب إليه أهل الفتنة تقليدًا منهُم لحزب الإخوان والوهَّابيَّة النَّجديَّة.
10
وغاية علم الهيئة أنْ تعرف أنَّ الطَّريق -هُناك- مِن الشَّمال أقصر مِن الطَّريق مِن الجنوب فيما لو كان المسار على السَّطح؛ ثُمَّ تنظر في الطَّريقَين أيُّهما مبنيٌّ على أدلَّة شرعيَّة لا تتناقض فهُو مطلوبُك في معرفة اتِّجاه القِبلة لأنَّ الاجتهاد في الشَّرع يُبتنى على الشَّرع لا على غيره.
11
وقد تعب الشَّيخ الصَّبَّاغ في بيان أنَّ النَّفق المُستقيم غير المُتقوِّس الواصل بين نُقطتَين على طرفَي كُرة تامَّة التَّكوُّر أو شكل بيضاويٍّ (والنُّقطتانِ تُمثِّلانِ مكَّة ومُونتريال الكنديَّة) لا بُدَّ أنْ يتَّجه إلى الجنوب، وهذَا بالضَّرورة؛ لأنَّ مُونتريال إلى الشَّمال مِن مكَّة يقينًا بلا خلاف عند أحد.
12
وما ورد في الفقرة السَّابقة لا جواب عليه عند أهل الفتنة؛ ولكنَّهُم يتكبَّرون عن القبول ويُغمضون أعينهم عن الأدلَّة وهُم يعلمون أنَّه ليس في التَّاريخ مَن صلَّى إلى الشَّمال وهُو يعلم أنَّه في مثل ذلك الموقع الشَّماليِّ مِن الأرض إلَّا بعد أنْ بادر بعض حزب الإخوان والوهَّابيَّة إلى ذلك.
13
وأهل الفتنة ليسوا على مذهب واحد فيما افتروه في دين الله؛ بل هُم على مذاهب مُختلفة؛ فبعضُهم يُصحِّح صلاة مَن صلَّى إلى الجنوب الشَّرقيِّ وبعضُهم لا يقول بصحَّته وبعضُهم يُكفِّر مَن فعل ذلك مع علمه بقول الفلكيِّين والعياذ بالله مِن كُلِّ خائن للدِّين والشَّرع.
14
وقد قسَّم العُلماء معانيَ الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، حتَّى بادر (مُجتهد) أهل الفتنة إلى ابتداع قسم ثالث في منزلة بين المنزلتَين -لا هُو حقيقيٌّ ولا هُو مجازيٌّ- فقال والعياذ بالله: المعصية منها حقيقيٌّ ومنها مجازيٌّ ومنها ما لا يدخُل تحت الأوَّل ولا يدخُل تحت الثَّاني.. فاعجَب لبدعته!
15
ولعلِّي أرُدُّ افتراءه على اللُّغة وعلى الدِّين فأقول: ما لم يدخُل في الحقيقة ولا في المجاز فلا شكَّ أنَّه مُفترى لا وُجود له -لا في الحقيقة ولا في المجاز-. ولقد رأيتُ مُجتهدهُم يعيب لفظ الحقيقة وليس فيه زيادة عن لفظ المعصية في شيء فإنَّ كُلَّ لفظ على حقيقته حتَّى يُخرجه قائله إلى المجاز.
16
قال القاضي عياض في [الشِّفا] ما نصُّه: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ. وَلَا فِي صَغِيرَةٍ أَدَّتْ إِلَى إِزَالَةِ الحِشْمَةِ وَأَسْقَطَتِ المُرُوءَةَ وَأَوْجَبَتِ الإِزْرَاءَ وَالخَسَاسَةَ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُعْصَمُ عَنْهُ الأَنْبِيَاءُ إِجْمَاعًا> انتهى.
17
وقد علمتَ أخي القارئ أنَّ المعصية الحقيقيَّة هي الَّتي تلتحق بالكبائر فيما لو تكرَّرت وكثُرت فيُعلم بهذا أنَّ ما جوَّزه الجُمهور على الأنبياء هُو المعصية الحقيقيَّة وليس المجازيَّة وحسب ولا هي معصية مِن قسم ثالث ونوع مُبتدَع جديد لا هُو حقيقيٌّ ولا هُو مجازيٌّ كما زعم أهل الفتنة.
18
ومُجتهد أهل الفتنة نفسه يطعن هُنا بأقوال العُلماء في العصمة مع كونها مُوافقة للقاعدة الشَّرعيَّة الَّتي تقول بجواز الصَّغائر غير المُنفِّرة على الأنبياء؛ ولكنَّه في مسألة البُغاة يحتجُّ بكُلِّ نقل حواه كتاب ليُثبت أنَّ مُعاوية مأجور مع كون ذلك مُخالفًا للقُرآن والحديث النَّبويِّ الثَّابت الصَّحيح.
19
إنَّ المُتصولحة المُتعولمة يتركون الاتِّباع ويتجرَّأون على الابتداع ولا يلتفتون إلى القواعد الأُصوليَّة فهي وراء ظُهورهم؛ وهُم لا يدركون أنَّ ما لم يقُم وَفق هذه القواعد فلا اعتبار له عند العارفين الَّذين أحكموا ما أخذوه مِن علم الدِّين على فهم سليم وخُلُق طيِّب ونيَّة صالحة بإذن الله.
20
وفي الختام اعلم أخي القارئ أنَّ المُنصف لو قطعتَه بالحُجَّة لم يقطَعْك بالنُّكران وأنَّ صاحبك لو صبر معك حتَّى يُضيء الفجر أبصر الطَّريق معك ولكنَّه متى كان جاهلًا دخل بك الظُّلمة وخبط بك في المحظور وأفضى بك إلى المكروه ولذلك قالوا: إنَّما هو الفجرُ أو البَجْرُ!
يعيب أهل الفتنة أقوالنا وقد يعيب قولَ الحقِّ أقوام أفئدتُهُم هواء؛ وكما قال الشَّاعر: <وكم مِن عائب قولًا صحيحًا * وآفتُه مِن الفهم السَّقيمِ>.
نهاية المقال.
Jun 12, 2020, 12:03 PM
يأخُذون بالهُوَيْنَا..
وأُمُّ عُمَارة تأخُذ بالسَّيف
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ أقوامًا رأيتُهُم يأخُذون بالهُوَيْنَا ويختارون أهون الأُمُور فاعتادوا ذلك حتَّى إذَا رأَوْا مَنِ اشتدَّت به عزيمتُه: عابوه وأنكروا عليه وأساءُوا به الظَّنَّ؛ وكان أَوْلى بهم -وقد قعدوا- أنْ لا يتركوا تحسين الظَّنِّ بإخوانهم..
ولو كان الرُّكون إلى الهُوَيْنَا أحسن فلماذَا أُمِرنا بالنَّهي عن المُنكر ولماذَا كان مِن أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سُلطان جائر ولماذَا حثَّنا الشَّرع أنْ لا نُقدِّم الخشية مِن النَّاس على الخشية مِن الله سُبحانه وتعالى!؟
ولقد كانت الصَّحابيَّة الجليلة أُمُّ عُمَارة الأنصاريَّة رضي الله عنها تأخُذ بالسَّيف وتقتحم صُفوف المُقاتلين فتُصيب منهُم وترجع بالجِراح الكثيرة ومع ذلك يمتدحُها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويُثني عليها.
وقد نظر القاعدون عمَّا يجب عليهم؛ فرأَوا أخًا في الله لهُم دافع عنهُم عدُوًّا عظيمًا يُريد إهلاكهُم؛ ففلَّ شوكته وكسره وفلق هامته، حتَّى إذَا توصَّل إلى أمان قومه رجع إليهم ووقف معهُم فأنكروا عليه أثَر الدَّم في يدَيه!
نعم؛ يُعطي اللهُ على الرِّفق ما لا يُعطي على العُنف، وليس في الاحتجاج بالحقِّ والهُدى لردِّ الضَّلال إلَّا الرِّفق؛ ومَن ساءه حرف أو أزعجته كلمة فإنَّ الزَّجر مِن التَّأديب، ولقد قالوا: اصبِر على مُرِّ الجَفَا مِن مُعلِّمِ..
هذا ونحن ما طلبنا غير قول كلمة الحقِّ الَّذي لا محيد عنه؛ ولم نطلُب مِن أحد أنْ يحمل سيفًا ولا أنْ يضرب رُمحًا؛ ولا نحن قدَّمنا أحدًا إلى القتال واقتحام الصُّفوف.. فليس كُلُّ أحد يُطيق ما تُطيقه أُمُّ عُمارة!
انتهى.
Jun 11, 2020, 11:32 AM
