بيان أنَّ المُريد إنْ غلبته الوساوس أو أفتَى بغير علم فإنَّ ذلك لا يَشين شيخه العالِم الثِّقة

بيان أنَّ المُريد

إنْ غلبته الوساوس أو أفتَى بغير علم

فإنَّ ذلك لا يَشين شيخه العالِم الثِّقة

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

1

وبعدُ فالوسوسة هي حديث النَّفس بأشياء يكره المُؤمن أنْ يتكلَّم بها وقد وقعتِ الوسوسة لبعض الصَّحابة رضي الله عنهُم واشتكوا إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: إنَّا نجد في أنفُسنا ما يتعاظم أحدُنا أنْ يتكلَّم به؟ قال: <وقد وجدتُموه؟> قالوا: نعم قال: <ذاك صريح الإيمان> رواه مُسلم.

2

فاستعظامُ الصَّحابة الكلام بتلك الوساوس صريح الإيمان لأنَّ الواجب على المُسلم إذا جاءه خاطر بضلالة أو كُفر أنْ يطرُده وأنْ يكرهه. أمَّا المريض بالوسوسة أو المُوَسْوِس (بكسر الواو الثَّانية) فهُو الَّذي غلبته الوساوس فلم يعرف كيف يخرُج منها سالمًا في دينه وعقيدته وأحيانًا في بدنه.

3

والوسوسة تكون في الكُفر والضَّلال وتكون فيما هُو دون ذلك؛ فمِن الأوَّل أنْ يُوسوس له الشَّيطان أنَّه خرج عن الإيمان الصَّحيح وهُو لم يخرُج عنه؛ ومن الثاني كالَّذي يُكرِّر تكبيرة الإحرام مرَّات مُتوهِّمًا أنَّه لم ينوِ وكالَّذي يقطع صلاته مرَّات مُتوهِّمًا أنَّ وضوءه انقطع ولم ينقطع في الحقيقة.

4

وعلاج الوسوسة يكون أوَّلًا بذكر الله سُبحانه وتعالَى وبالاستعاذة به تعالَى ثُمَّ بالانتهاء عمَّا كان سببًا فيها وبالانشغال عنها بما ينفع في الدُّنيا والآخرة وينبغي على المرء مُكافحة الوسوسة بتعلُّم الشَّرع فإنَّ في تعلُّم علم الدِّين قطعًا لدابر تلك الوساوس الشَّيطانيَّة؛ والله المُستعان في كُلِّ أمر رشيد.

5

وكان شيخُنا العلَّامة الهرريُّ ينهَى عمَّا يُؤدِّي إلى الوُقوع في مرض الوسوسة ويُنفِّر المُريدين مِن مُجالسة المُوسوِسين وكان رحمه الله يقول: <الوَسوَسةُ هي إمَّا خَبَلٌ في العقلِ وإمَّا جهلٌ في الدِّينِ> انتهَى وكان رحمه الله يُوجِّه إلى مُداواة أُولئك بترك إجابتهم على ما يُحدِّثون به أنفُسهم مِن وساوس.

6

فما يقع للمُريد مِن وسوسة أو فتوًى باطلة لا يَشين شيخه الثِّقة؛ روى أبو داود وغيره خبر ذي الشَّجَّة الَّذي احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رُخصة في التَّيمُّم؟ فقالوا ما نجد لك رُخصة فاغتسل فمات فلمَّا قدموا على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُخبر بذلك فقال: <قتلوه قتلهُمُ الله> الحديث.

7

ومِن العجب العُجاب في هذا الزَّمن أنَّنا رأينا بعض الجَهَلَة المُتصولحة يتنطَّع إلى ادِّعاء مُعالجة النَّاس مِنَ الوسوسة وهُو يعرف أنَّنا نعرف أنَّ الوسوسة كانت طحنت أخضره ويابسه؛ بل ولا زالت آثار الوسوسة فيه إلى اليوم أجلَى مِن الصُّبح المُنير! فلا حول ولا قُوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم.

8

أمَّا مُجرَّد الوسوسة بدون خُضوع مِن العبد لها بل مُجرَّد مُرور الخواطر الكُفريَّة في بال العبد بلا إرادة مع إنكاره لها: فلا يضُرَّ شيئًا فإنَّما يُوسوس الشَّيطان لمَن أَيِسَ في إغوائه وأمَّا الكافر فإنَّ الشَّيطان يأتيه مِن حيث شاء ويتلاعب به كيف أراد فنسأل اللهَ السَّلامة مِن الوسوسة وأهلها ءامين.

Aug 29, 2021, 1:50 AM

في مذهب أهل السُّنَّة والجماعة

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

1

وبعدُ فإنَّ الصَّحابة رضي الله عنهُم هُم أفضل الأُمَّة وساداتُها بعد نبيِّها صلَّى الله عليه وسلَّم وأفضلُهُم أبو بكر الصِّدِّيق ثُمَّ عُمر بن الخطَّاب ثُمَّ عُثمان بن عفَّان ثُمَّ عليُّ بن أبي طالب ثُمَّ بقيَّة العشرة المُبشَّرين بالجنَّة ثُمَّ أهل بيعة الرِّضوان وأهل بدر وسائر السَّابقين مِن المُهاجرين والأنصار.

2

وليس كُلُّ الصَّحابة في مقام واحد بل إنَّ للسَّابقين تقدُّم على مَن جاء بعدهُم مِن الصَّحابة فأمَّا الَّذين أخبر الله تعالَى أنَّه رضي عنهُم فهُمُ السَّابقون الأوَّلون مِن المُهاجرين والأنصار ومَن اتَّبعهُم بإحسان فالشَّرط فيمَن جاء بعدهُمُ الاتِّباع بإحسان كما في صريح قوله تعالَى في القُرآن الكريم.

3

والصَّحابة كانوا أهل زهد وتقشُّف ولم يكونوا مُتنعِّمِين ولو كانوا مُتعلِّقين بالرَّفاهِيَة لَمَا انتشر الإسلام ولكنَّ الله تعالَى أعطاهُم صبرًا فصَبَرُوا على المشقَّات العظيمة ونشروا الإسلام في الشَّرق والغرب؛ والصَّحابة ما حصل فيهم جذب فالجذب لا يحصُل في كُمَّل الأولياء لأنَّهُم قُدوة لغيرهم.

4

واعلم أنَّ الصَّحابة لا تجب لهُمُ العصمة مِن الذُّنوب كُلِّها أو بعضها ولكنَّ الأولياء فيهم يُوَفِّقُهُمُ الله تعالَى إلى التَّوبة فلا يموت هؤُلاء إلَّا على حال حسَن؛ فلا يجوز اعتقاد أنَّ أحدًا ممَّن رضي الله عنهُم مات على حال غير مُرضِية لأنَّ في هذا تكذيبًا للقُرآن الكريم والعياذ بالله تعالَى.

5

أمَّا مِن غير أولياء الصَّحابة فقد يدخُل بعضٌ النَّارَ فقد روَى أحمدُ وابن حبَّان في رجُل مِن أهل الصُّفَّة أخفَى دينارَين وأظهر الفاقة فقال نبيُّنا عليه السَّلام: < كَيَّتانِ مِنْ نَارٍ> انتهَى؛ وروَى البُخاريُّ أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال في صحابِيٍّ غلَّ شَملة مِن الغنيمة: <إنَّه في النَّار> انتهَى.

6

وفي المُصطَلَح أنَّ كُلَّ الصَّحابة عُدول أي في الرِّواية معناه كُلُّ واحد منهُم تُقْبَلُ روايتُه عنِ الرَّسول أي لا يكذب على الرَّسول وليس معناه أنَّ كُلَّ واحد منهُم عدالتُه مُطلَقة؛ هذا عند أكثر العُلماء؛ وقال بعضُهُم: “الصَّحابة عُدول في الرِّواية إلَّا مَن لابس الفِتَن” ذكر ذلك الزَّركشيُّ في شرحه على [جمع الجوامع].

7

والصَّحابة مُتَّفِقون في أُصول الدِّين كالكلام في الصِّفات الثَّلاثَ عَشْرَةَ الواجبة لله والجنَّة والنَّار وما كان مِن نحو ما ذكرتُ فهذه مِن أُصول العقيدة فهُم مُتَّفقون فيها؛ واختلفوا في مسائل قليلة في فُروع مِن العقيدة وفي بعض الأحكام الفقهيَّة فيما سوَى العقيدة اختلافًا لا يقتضي تكفيرًا ولا تفسيقًا ولا تبديعًا.

8

فممَّا اختلفوا فيه مِن فُروع العقيدة مثلًا أنَّ عائشة وعبدالله بن مسعود قالَا: لم يرَ الرَّسول ربَّه ليلةَ المعراج. أمَّا أَنَس بن مالك وعبدالله بن عبَّاس فقالَا: رأَى الرَّسول ربَّه ليلة المعراج (أي بقلبه وهذا خاصٌّ بنبيِّنا وحدَه) أمَّا رُؤية الله في الدُّنيَا (بالعين) فلا تكون لأحد أبدًا لا لنبيِّنا عليه السَّلام ولا لغيره.

9

والصَّحابة رضوان الله عليهم هُم نقلوا الدِّين إلينا فمَن كفَّرهُم أو خوَّنهُم جميعًا فقد كفر لأنَّه قال ما يلزم منه عدم الوُثوق بالقُرآن والشَّرع وكذلك يكفُر مَن طعن بهم كُلِّهم إلَّا واحدًا أو قال أكره كُلَّ الصَّحابة إلَّا واحدًا لأنَّه يكون كَذَّبَ قول الله تعالَى في القُرآن الكريم: {والَّذِينَ مَعَهُ} بالجمع مَدَحَهُم.

10

وكذلك لا يجوز مسبَّة ولو واحد مِن الصَّحابة بلا حقٍّ، وأمَّا بيان حُكم الشَّرع في خُروج مُعاوية ومَن معه فليس سَبًّا مُحرَّمًا أنْ يُقال إنَّه بغَى وظَلَم واعتدَى بخُروجه على الخليفة العادل ولا هُو طعن ممنوع لأنَّه إنَّما يُراد به بيان حُكم الشَّرع وحفظ العامَّة مِن الوُقوع فيما هُو تكذيب للشَّرع الشَّريف.

11

كما وأنَّه معنَى كلام حبيبنا النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث المُتواتر: <ويح عمَّار تقتُلُه الفئة الباغية> انتهَى أي الظَّالمة وفي تتمَّته الصَّحيحة الَّتي رواها البُخاريُّ: <يدعُوهُم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النَّار> انتهَى فمَن حرَّم شرح حديث رسول الله فقد مشَى في طريق الضَّلال والعياذ بالله.

12

فأمَّا طلحة والزُّبير رضي الله عنهُما فقد ثبتت توبتُهُما؛ وفي [مُجرَّد مقالات الأشعريِّ]: <فأمَّا خطأُ طلحةَ والزُّبَير فكان يقول إنَّه وقع مغفورًا للخبر الثَّابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه حكم لهُما بالجنَّة فيما رُوي في خبر بِشارة عشرة مِن أصحابه بالجنَّة فذكر فيهم طلحةَ والزُّبَير> انتهَى.

13

وقال الإمام أبو منصور البغداديُّ في كتابه [الفَرْق بَين الفِرَق]: <وكان أهل السُّنَّة والجماعة يقولون بصحَّة إسلام الفريقَين في حرب الجَمَل وقالوا إنَّ عليًّا كان على الحقِّ في قتالهم وأصحابَ الجَمَل كانوا عُصاة مُخطِئِين في قتال عليٍّ ولم يكُن خطؤُهُم كُفرًا ولا فسقًا يُسقط شهادتهُم> انتهَى.

14

وفي [المُجرَّد] للأشعريِّ عن خُروج مُعاوية: <وأمَّا خطأُ مَن لم يُبشِّره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة في أمره فإنَّه يجوز غُفرانه والعفوُ عنه> انتهَى فشأن مُعاوية لا يبلُغ شأن طلحة والزُّبير فهُما مِن السَّابقين الأوَّلين وقد ثبتت توبتُهُما ولم تثبُت توبتُه هُو كما بيَّن ذلك الإمام الأشعريُّ.

15

والسَّابقون الأوَّلون لا يأتي في الأُمَّة بعدهُم مَن هُو مثلُهُم في الفضل وفيهم جاء قولُه تعالَى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} صدق الله العظيم.

هذا هُو الحقُّ والعدل المأخوذ مِن القُرآن والحديث.

نهاية المقال.

Aug 29, 2021, 8:09 AM

جامعتُنا تُخرِّج العُلماء

أَعظِمْ وأكرمْ مدحًا بذلكُمُ الصَّرح..

قبل بنائه.. ضلال وجهل مستشرٍ، إلحاد وكُفر وضلال امتدَّ وانتشر، أُناس مِن جلدتنا يتكلَّمون بألسنتنا.. دُعاة على أبواب جهنَّم مَنِ استجاب لهُم قذفوه فيها..

سُبات عميق.. إذ تُشرق شمس لُبنان عن غُرَّة وطلعة العالِم العامل، ودارت رحَى الحرب بين النُّور والظَّلام حتَّى زُهِق الباطل ووَضَح الحقُّ لذي عَينَين..

فلئن كان الأشعريُّ قد حجز المُعتزلة في أقماع السَّماسم فإنَّ شيخي أشعريَّ زمانه لقد حجز المُجسِّمة والملاحدة فيها.

شيخ أسمر جاء مِن بلاد بعيدة فزرع وحصد ثمارًا يانعة هُم أتباع خيرٍ للهُدَى أنصار حتَّى ملأ طباق لُبنان علمًا..

فما أعظم عزَّك يا هرريُّ.. علمُك عمَّ البلاد وشغلتَ الأفئدة والعباد، فصرتَ مقصِدًا للطَّالبين مِن كُلِّ حَدَب وصوب..

حُلمُ الهرريِّ يكبُر شيئًا فشيئًا وإذ به يصير حقيقة، جامعةٌ تُخرِّج أبطال الدَّعوة ليحملوا اللِّواء، لواءَ الإيمان لواءَ الذَّبِّ عن الإسلام..

ذلك الصَّرح الَّذي كان لي شرفُ الانتماء إليه ولم أُكملْ بعدُ عقديَ الثَّاني مِن العُمر، وجامعة لا ادري ماذا أقول بعدُ في مدحها.. فلئن مدحتُها ببعض أسطُر فلقد مدحها قبلي مَولانا وسيِّدُنا وشيخُنا فقال: (جامعتُنا تُخرِّج العُلماء) وناهيك بها مِن شهادةٍ.

فإلى كُلِّ مُحبٍّ للعلم والعُلماء ولشيخنا الهرريِّ..

إلى كُلِّ مَن قضَّ مضجعَه ما يحصُل في زماننا مِن الجهل والفوضَى..

إلى كُلِّ مَن يقول أُريد مُستقبل أولادي..

مُستقبل أولادك في حُلم شيخك الَّذي قضَى جُلَّ عُمره في الدِّفاع والذَّبِّ عن الدِّين ونشر مذهب أهل السُّنَّة والجماعة..

ألا تحُبُّ أنْ ترَى وَلَدَك في الصُّفوف الأُولى في مُكافحة ودفع كُلِّ مَن يريد تمزيق جسد الأُمَّة الإسلاميَّة؟ فدونك كُلِّيَّة الإمام الهرريِّ كُلِّيَّة العلم والمعرفة.

أيُّها الرَّكبُ هَلُمَّ إلى هذا الخير العظيم، هَلُمَّ للالتحاق بهذه الكُلِّيَّة لتنهل مِن بحر العلم الصَّافي، وأعظم بهذا شَرَفًا وبأنْ تقول: (أنا خِرِّيجُ كُلِّيَّة الإمام الهرريِّ) انتهَى..

وكتبه أبو البلج Aug 30, 2021, 9:36 AM