فائدة ترجع إلى مسئلة الكلام – الذين قالوا القرءان مخلوق – الدليل القويم على الصراط المستقيم للشيخ عبد الله الهرري

فائدة ترجع إلى مسئلة الكلام

قال البيهقي [(430)] في ردّ قول من يقول إن الله متكلم بمعنى خالق الكلام في غيره كالشجرة التي كان موسى عندها: «ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم قائمًا بغيره ثم يكون هو به متكلمًا مكلمًا دون ذلك الغيركما لا يجوز ذلك في العلم والسمع والبصر وقال ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ … *﴾ [سورة الشورى] فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقًا في شىءٍ مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنًى لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقًا في غير الله وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، ويجب عليهم إذ زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله من ملكٍ أو من نبيّ أتاه به من عند الله أفضلَ مرتبة في سماع الكلام من موسى لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى عليه السلام من الله وإنما سمعه من شجرةٍ، وأن يزعموا أن اليهود إذ سمعت كلام الله من موسى نبي الله أفضل مرتبةً في هذا المعنى من موسى بن عمران صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم لأن اليهود سمعته من نبي من الأنبياء وموسى صلوات الله عليه وعلى نبينا وسلم سمعه مخلوقًا في شجرة، ولو كان مخلوقًا في شجرة لم يكن الله عزَّ وجلَّ مكلمًا لموسى من وراء حجاب ولأن كلام الله عزَّ وجلَّ لموسى عليه السلام لو كان مخلوقًا في شجرة كما زعموا للزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمةً ووجب عليهم أنّ مخلوقًا من المخلوقين كلَّم موسى وقال له ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي … *﴾ [سورة طه] وهذا ظاهر الفساد» اهـ.والحاصل أنه يجب اعتقاد أن اللفظ المنزّل حادث مخلوقٌ لله لكنه ليس من تأليف جبريل ولا سيدنا محمد إنّما هو شىء تلقَّفَه جبريل من اللوح المحفوظ فتلاه على النبي، لكن لا يجوز أن يقال عن هذا اللفظ إنه مخلوق إلا في مقام التعليم فيجوز حذرًا من اعتقاد الحادث قديمًا قائمًا بذات الله، وعلى هذا التفصيل يحمل كلام الشافعي أي قوله لحفص لما ناظره في هذه المسئلة فقطعه بالحجّة وأصرّ حفص على معتقده وقوله القرءان مخلوق: «لقد كفرتَ بالله العظيم». ويعني الشافعي بهذه العبارة أن ذلك كفر من حفصٍ حقيقيٌّ ولا يعني الشافعي بذلك كفرانَ النِّعمة كما زعَم بعضُ الشّافعيّة ودلَّ على ذلك قولُ حفصٍ لما قام من مجلس الشّافعي للرّبيع المُرادي: «أراد الشافعي قتلي [(431)]». ويدُلّ لذلك أيضًا روايةُ الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم عن الرَّبيع أنَّ الشّافعيَّ كفّرَهُ [(432)].
قال ابن أبي بكر السعدي الحنبلي في كتابه الجوهر المحصل [(433)]: «وصح عن الإمام أحمد أنه كان يبدّع من يقول بأن اللفظ بالقرءان غير مخلوققال العلامة ابن رجب في الطبقات [(434)]: «والصحيح الصريح عن أحمد أنه كان يبدّع قائل ذلك» اهـ. وقد روى ابن الجوزي [(435)] عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه غضب غضبًا شديدًا على من نسب إليه رضي الله عنه أنه قال: لفظي بالقرءان غير مخلوق وأمره بأن يمحوه أشدَّ المحو. ومثله نقل الإمام البيهقي في الأسماء والصفات [(436)] أن الإمام أحمد كان ينكر هذه العبارة، وقال البخاري في كتابه خلق أفعال العباد [(437)]: «المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام والخوضَ والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم وبيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم».ـ[430] خلق أفعال العباد (ص43).
ـ[431] أي المعتزلة.
ـ[432] إتحاف السادة المتقين (2/ 135).
ـ[433] شرح العقائد (ص/94).ـ[434] شُهِرَ ذلك عند الماتريدية ووافقهم بعض الأشاعرة بأن الكلام الذاتي لا يُسمع وإنما يسمع دليله لامتناع سماع ما ليس بصوت، ولكن المعتمد أنه يصح أن يُسمع إذا أزال الله من العبد المانع فإنه يسمع ولا يلزم حدوثه لحدوث السامع فالكلام الأزلي الذي ليس حروفًا متعاقبةً العبدُ يسمعه ويسمَعُهُ الله، كما أنه يرى الذات المقدس المنزه عن الاقتران بالزمان والمكان والشكل والهيئة، وذلك الذات المقدس ربنا تبارك وتعالى يجوز عقلاً أن يُرى للعباد.
ـ[435] انظر الكتاب (ص/51).
ـ[436] انظر المنهاج (1/ 221).
ـ[437] انظر الموافقة (2/ 143).

فائدة أخرى

تنبيه

تنبيه 

يتلخص مما ذُكر أن الذين قالوا القرءان مخلوق من غير أن يعتقدوا أنه ليس لله كلامٌ إلا ما يخلقُه في غيره كالمأمون وأخيه وابن أخيه الواثق فإنهم لم يساعدوا المعتزلة إلا على هذه العبارة «القرءان مخلوق» ولم يعتقدوا أنه ليس لله كلام إلا ما يخلقه في غيره كما هو معتقدُ المعتزلة، فلا يتناول هؤلاء الخلفاء حكم الأئمة بالتكفير على من قال هذه العبارة، فبطل ما زعمه بعض الناس من الاحتجاج لترك تكفير المعتزلة بما حصل للخليفة المأمون ومن تبعه من الخلفاء العبّاسيين من موافقة المعتزلة على هذه العبارة، فتبين أن قول الأئمة منصَبٌّ على المعتزلة القائلين بأنه ليس لله كلامٌ إلا ما يخلقُه في غيرِه وإطلاقُهم [(438)] القولَ بأن القرءان مخلوق على هذا الوجه.
والمعتزلي الذي يقول هذه المقالة والذي يقول بأن العباد يخلقون أفعالهم الاختيارية مستقلين بإيجادها وإن الله كان قادرًا على أن يخلق أفعال العباد قبل أن يعطيهم القدرة عليها وبعد أن أعطاهم القدرة عليها صار عاجزًا عن خلقها كفّارٌ قطعًا، لكن لا يُكفَّر الواحد من المعتزلة لمجرد انتسابه إليهم إلا أن تثبت عليه قضية معيَّنَةٌ يكفر معتقدُها لأن منهم من ينتسب إليهم انتسابًا ولا يوافقهم إلا في بعض مقالاتهم التي هي غيرُ كفر.
وأما إطلاق القول بأن المعتزلة ضلال غير كفار فبعيدٌ من الصواب، فكيف يتردد في تكفير من يقول إن الله لا يقدر أن يخلق مقدورات العباد بعد أن أعطاهم القدْرةَ عليها، هكذا حقّقَ القولَ في أمر المعتزلة الحافظ الفقيه شيخ الإسلام سراجُ الدّين عُمَرُ بن رَسلان البُلقينيّ، وقال الحافظ اللغوي الفقيه الحنفي محمد مرتضى الزبيدي [(439)] في شرح إحياء علوم الدين ما نصه: «ولذلك لم يتوقف علماء ما وراء النهر في تكفير المعتزلة حيث جعلوا التأثير للإنسان» اهـ أي التأثير الحقيقي الذي هو إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود.وللمعتزلة مقالات أخرى فاسدة منها قولهم إن لم يفعل الله غاية مقدوره يكون بخيلًا فيقولون ترك الأصلح بخل وسفه وكلامهم هذا في غاية السخافة.

تنبيه ذكر التفتازاني [(440)] في شرحه على العقيدة النسفية أن قولنا لموسى كليمُ الله ليس لأنه سمع الكلام الذاتي إنما معناه سمع صوتًا دالا على كلام الله تعالى بغير واسطة ملك أو غيره لذلك سمي كليم الله، وهذا غير مستحسن. وذكر أنه لا يجوز أن يُسمع ما ليس بصوت وينقل هذا عن الماتريدي وينسُبه إليه [(441)]، لكن الماتريدي لا يقول إن الكلام الذاتي الذي هو غير صوت لا يصح أن يُسمع أما فيما يتعلق بموسى فيحتمل أنه وُجِد ذلك في بعض عبارات الماتريدي فشهروا عنه هذا القول، ونحن نقول سماع ما ليس بحرف ولا صوت جائز ممكن فكما أنه يصح أن يُسمع الحرف والصوت كذلك يصح سماع الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت إذا أزال الله المانع من العبد.ـ[438] انظر الموافقة (2/ 151).
ـ[439] انظر الموافقة (4/ 107).
ـ[440] مجموع فتاوى (6/ 160).
ـ[441] مجموع فتاوى (6/ 234).

فائدة ترجع إلى مسئلة الكلام

ابن تيمية يزعم أن الله يتكلم بحرف وصوت وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء