وجوب الكلام لله تعالى
ومعنى الكلام أن له صفة هو بها متكلم ءامرٌ ناهٍ واعِدٌ متوعدٌ ليس ككلام غيره بل أزلي بأزلية الذات لا يشبه كلام الخلق وليس بصوت يحدث من انسلال الهواء أو اصطكاك الأجرام ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان، ونعتقد أن موسى سمِع كلام الله الأزلي بغير حرف ولا صوت كما يرى المؤمنون ذات الله في الآخرة من غير أن يكون جوهرًا ولا عَرَضًا لأن العقل لا يُحيل سماع ما ليس بحرف ولا صوت. وكلامه تعالى الذاتي ليس حروفًا متعاقبة ككلامنا. وإذا قرأ القارئ منا كلام الله فقراءته حرف وصوت ليست أزلية، لأن ما يقوم بالمخلوق لا يُعقل أن يكون أزليًّا وأما مقروؤه فليس بحروف ولا صوت.قال الشيخ أبو منصور البغدادي في تفسير الأسماء والصفات [(401)] ما نصه «وأما أصحابنا فأجمعوا على أن كلام الله عزَّ وجلَّ أزلي وأنه لم يزل متكلمًا، واختلفوا في وصفه بالصدق هل هو من صفاته الأزلية أم من صفاته الفعلية التي استحقها عند وجود بعض أفعاله لاختلافهم في جواز خطاب المعدوم، فمن أجازه وبه قال أبو الحسن الأشعري قال: إن الله عزَّ وجلَّ لم يزل مخبرًا صادقًا، ومن لم يجز منهم خطاب المعدوم قال: إن كلامه لم يزل موجودًا ولم يزل هو متكلمًا به إلا أن ذلك الكلام لم يكن في الأزل أمرًا ولا نهيًا ولا خبرًا وإنما صار أمرًا ونهيًا وخبرًا عند وجود المخاطبين وإسماعهم الخطاب وبه قال أبو العباس القلانسي، وليس يجوز على هذا المذهب أن يقال إن خبره حادث ولا إن صدقه حادث لأن صدقه وخبره كلامه وكلامه أزلي، ولكن يقال إن كلامه صار خبرًا وصدقًا عند وقوع الإسماع وصار هذا كما نقول إن الله عز وجل صار خالقًا عند وجود الخلق ولا نقول إن الخالق حادث، وهذان الفريقان من أصحابنا متفقان على استحالة الكذب على الله عزَّ وجلَّ، إلا أنهما اختلفا في طريق استحالته فذهب القلانسي إلى التقبيح والتحسين من جهة العقل وقال: الكذب نقص من جهة العقول والنقائص مستحيلة على الله عز وجل، كما أن الجهل نقص والعلم مدح والعجز نقص والقدرة مدح فاستحال وصفه بالجهل والعجز ووجب وصفه بضدهما وهما العلم والقدرة، وكذلك لما كان الصدق كمالاً والكذب ذمًّا وجب وصفه بالصدق واستحال وصفه بالكذب، وقال أبو الحسن الأشعري: إن الكذب إنما استحال عليه من جهة أن الصدق من صفاته الأزلية وكل صفة أزلية استحال وصفه بأضدادها التي هي الجهل والعجز والموت، وقال أيضًا: إن وصف البارئ عزَّ وجلَّ بالقدرة على كذب يصير به كاذبًا محال وإن كان هو الذي يخلق كذب الكاذبين، كما أن وصفه بالقدرة على موت أو عجز أو حركة يصير هو به ميتًا أو عاجزًا أو متحركًا محال وإن كان هو الذي يخلقموت الأموات وعجز العجزة وحركات المتحركات. والعلة في ذلك كله أن كل صفة أزلية يستحيل وصفه بضدها وبالقدرة على أن يخلق لنفسه ضدها وإن قدر على خلق ضدها لغيره، وكل ما استحال وصفه بالقدرة عليه استحال وصفه بالعجز عنه لأن ما يستحيل كونه مقدورًا له استحال كونه معجوزًا عنه، فهذا قول أصحابنا في وجوب صدق البارئ عزَّ وجلَّ في خبره وفي إحالة الكذب عليه» اهـ
وكُتُبُ الله المنزَّلة من القرءان والتوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك مما أنزله على رسله عباراتٌ عن كلامه الذاتي الأزلي الأبدي. والعبارة غير المعبَّر عنه، ولذلك اختلفت باختلاف الألسنة. فإذا عُبِّر عن الكلام الذاتي بحروف القرءان التي هي عربية فقرءان، وبالعبرانية فتوراة، وبالسريانية فإنجيل وزبور. فالاختلاف في العبارات دون المعبَّر عنه. فحروف القرءان حادثة، والمعبَّر عنه بها هو الكلام الذاتي القائم بذات الله أزليٌّ.
فتبين أن القراءة والتلاوة والكتابة حادثة، والمتلُوَّ والمقروء والمكتوب أي ما دلت عليه الكتابة والقراءة والتلاوة من كلامه الذاتي قديم أزلي، كما أنه إذا ذُكِرَ الله بألسنةٍ متعددةٍ ولغات مختلفة فإنَّ الذكر حادث والمذكور وهو رب العباد قديم أزلي.
فوضح أن القرءان له إطلاقان:
أحدهما إطلاقه على كلامه الذاتي الأزلي الأبدي الذي لا يتجزأ ولا يتبعَّض الذي هو ليس عربيًّا ولا سريانيًّا ولا غيرهما من اللغات فالقرءان بهذا المعنى قديم قطعًا.
والإطلاق الثاني اللفظ المنزَّل على سيدنا محمد لإعجاز المعارضين بأقصر سورة منه. ويسمى هذا اللفظ كلام الله أيضًا لأنه دالّ على الكلام الذاتي وعبارة عنه.وكلا الإطلاقين حقيقة، أما تسمية الأول كلام الله فظاهر لا يحتاج إلى تأويل. وأما تسمية اللفظ المنزل كلام الله فلأنه يدل على الكلام الذاتي أي لأنه عبارة عن الكلام الذاتي، ولأنه ليس من تأليف جبريل ولا من تأليف محمد. فالكلام الأزلي لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى قلوب العباد والأوراق ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الإعراب ولا سائر التغييرات فتفهموا ذلك رحمكم الله.ـ[401] شرح الفقه الأكبر (ص/47).
