فائدة
قال الإمام أبو منصور الماتريدي [(526)] «وقال أبو حنيفة رحمه الله: بيننا وبين القدرية الكلام في حرفين أن نسألهم هل علم الله ما يكون أبدًا على ما يكون؟ فإن قالوا لا كفروا لأنهم جهَّلوا ربَّهم. وإن قالوا نعم، قيل شاء أن يَنفُذَ علمُهُ كما علم أو لا؟ فإن قالوا لا، قالوا بأن الله شاء أن يكون جاهلًا ومن شاء ذلك فليس بحكيم. وإن قالوا نعم، أقروا بأنه شاء أن يكون كل شىء كما علم أن يكون».ثم قال [(527)] «فإن قال قائل إذا قَبُحَ الأمر بالمعاصي لم لا يقبح إرادة كونها. قيل لأوجهٍ أحدها التناقض في الأمر وليس ذلك في الإرادة لأن الفعل ربما يصير للأمر فمحال الأمر بالمعصية لأنه يصير بالأمر طاعة فيبطل معنى المعصية بهذا الأمر، وليست الإرادة كذلك ألا يُرى أن كل فاعلٍ مختار مريدٌ لفعله ومحال أن يقال أمر نفسه بفعله فثبت أنهما مختلفان ولا قوة إلا بالله. وأيضًا إن الله يوصف بالإرادة في فعله ومحال أن يكون عليه أمر فيه فثبت أن أحد الوجهين ليس هو دليل الآخر» اهـ.
وكتب الحسن البصري [(528)] إلى الحسن بن علي رضي الله عنهم يسأله عن القضاء والقدر فكتب فيه الحسن بن علي رضي الله عنهما «من لم يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر وإنَّ الله تعالى لا يُطاع استكراهًا ولا يُعصى بغلبةٍ لأنه تعالى مالك لما ملَّكهم وقادر على ما أقدرهم. فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا وإن عملوا بمعصيته فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك. ولو جبر الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العذاب، ولو أهملهم كان ذلك عجزًا في القدرة ولكن له فيهم المشيئة التي غيَّبها عنهم فإن عملوا بالطاعة كان له المنّة عليهم وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم» اهـ.وهو بمعنى ما نقله أبو حنيفة [(529)] عن محمد الباقر بن علي رضي الله عنهما مما معناه «لا جبر على العباد فيما يصدر منهم من الأفعال قصدًا كما قال الجبرية ولا تفويض إليهم فيه، فيكونوا مستقلين كما قالت المعتزلة ولا تسليط لهم حتى يوجبوا بدواعيهم بالإيجاب بالذات كما قالت الفلاسفة». وذلك لأن بعض أفعال العبد مما له قصد إلى صدوره، وصحة الصدور غير القصد إذ ربما يصح صدور فعل لا يقصده، وربما يقصد ما لا يصدر أو لا يصح صدوره. فصحة الصدور واللاصدور أي التمكنُ من الفعل والترك هو المسمى بالقدرة والترجيحُ بالقصد والإرادة. ثم حصول قدرته لا بد من أن يستند إلى ما لا يكون بقدرته دفعًا للتسلسل، وحصول مقدوره أيضًا لا بد أن يستند إلى ما لا يكون منه لأنه قد يتخلف عنه بعد حصول قدرته وإرادته وسلامة أسبابه وءالاته ولشمول قدرة الخالق الواجب الوجود تعالى لجميع الممكنات التي منها فعله.
وقد روى الإمام الشافعي والحافظ ابن عساكر [(530)] عن عبد الله بن جعفر عن علي رضي الله عنه أنه قال للسائل عن القدر «سر الله فلا تتكلف» فلما ألح عليه قال له «أمَّا إذ أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبرٌ ولا تفويضٌ» اهـ.ـ[526] شعب الإيمان (1/ 208).
ـ[527] تشنيف المسامع (4/ 101 – 102).
ـ[528] اختلف الأشاعرة والماتريدية في تعريف الشقي والسعيد فالسعيد عند الأشاعرة هو من سبق في علم الله أنه يموت على الإيمان والشقي عندهم هو من سبق في علم الله أنه يموت على الكفر نظروا إلى الخاتمة. أما الماتريدية فقد نظروا إلى حاله الآن وليس إلى ما يختم له به فقالوا من حاله الآن حسنة يقال له سعيد فإن تغيّر حاله إلى الكفر يقال له شقي لذلك قالوا والسعيد قد يشقى بأن يرتد بعد الإيمان والشقي قد يسعد بأن يؤمن بعد الكفر.قال التفتازاني والحق أنه لا خلاف في المعنى لأنه إن أريد بالإيمان والسعادة مجرد حصول المعنى فهو حاصل في الحال وإن أريد به ما يترتب عليه النجاة والثمرات فهو في مشيئة الله تعالى لا قطع بحصوله في الحال فمن قطع بالحصول أراد الأول ومن فوض إلى المشيئة أراد الثاني.
ـ[529] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (9/ 292)، قال السيوطي في الدر المنثور (4/ 660): «سنده ضعيف».
ـ[530] رواه الترمذي في سننه: كتاب القدرك باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب صحيح».
أهل الحق على أنه تعالى بيده الهدى والضلال
أهل الحق على أنه تعالى بيده الهدى والضلالقال تعالى ﴿ … يُضِلُّ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ … *﴾ [سورة النحل] أي من يشاء الله وذلك لما ثبت عندهم من البرهان العقلي مع النقل على أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد وأنهم لا يخلقون، والمعتزلة يمنعون ذلك بناء على أن العبد عندهم خالق وأن الهداية لا يصح أن تنسب إلى الحق إلا بمعنى أنه أعان عليها بخلق القدرة وأن الله لا يضل أحدًا وأنه لو أضله لظلمه، وإنما الضّال أضلّ نفسه. والكتاب والسنّة مشحونان بالرد عليهم. قال تعالى ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ … *﴾ [سورة القصص] فسلبها عنه وأثبتها للبارئ وقال تعالى﴿… وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً … *﴾ [سورة الجاثية] وقال تعالى ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ … *﴾ [سورة البقرة] قال الأئمة: سدَّ عليهم أبواب الهداية فإنّ الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب بما يسمعه بأذنه أو يراه بعينه أو يعقله بقلبه. وقال تعالى ﴿ … وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا … *﴾ [سورة الكهف] والمعتزلة يتأوّلون ذلك على أنه يهدي ويضل بفعل الألطاف أو منعها، ثم إذا قيل لهم: منع الألطاف إما أن يوجب الضلال فيلزمكم المحذور كما لو كان هو الخالق له أو لا يوجبه فلا يؤثر، قالوا: منع اللطف واسطة بين ما ذكرتم وهو أنه مرجحٌ للضلال غير موجب له وإنما الموجب له اختيار العبد وفعله. وحينئذٍ يقال لهم: الموجب له على قولكم فعلُ المكلف وحده أو مع منع اللطف، الأول باطل لأنه إنما فعل شيئًا يرجح وقوعه فاستحال استقلاله به بعد ذلك فتعين الثاني وهو أن الموجب فعل العبد مع منع اللطف فيلزمكم إيقاع المقدور بين قادرين مستقلين.قال الزركشي [(531)]: «ومن غريب ما وقع في الآية الأخيرة أن الزمخشري لما رءاها قاصمةً لأصله قال قد قطع الله وَهم المجبرة بقوله ﴿ … وَاتَّبَعَ هَوَاهُ … *﴾ [سورة الكهف] يعني لما عطف بالواو ولم يعطف بالفاء وهو يعني بالمجبرة أهل السُّنة وهو في هذا متابع لابن جني فإنه ذكره في كتابه «المحتسب» وقال بأنَّ المطاوعة لا تكون إلا بالفاء نحو كسرته فانكسر قال: ومن هذا يتبين في قوله تعالى ﴿ … أَغْفَلْنَا … *﴾ أن المراد صادفنا قلبه غافلًا [(532)] كما يقال أبخلته وأجبنته وليس المعنى جعلناه غافلاً وإلا لقيل فاتبع هواه بالفاء، ونحن نقول قطع الله وَهْمَ القدرية بقوله { … وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ … *} [سورة الكهف] وبما تلوناه من الآي، والمعنى ولا تطع شقيًّا خلقنا له الإعراض واتّبع هو هواه بالإغفال، فالإضلال من الله واتّباع الهوى من العبد، ونقول لابن جنّي والزمخشري ليس اتباع الهوى مطاوعًا لأغفلنا بل المطاوع لأغفلنا غفل، وإن فعل المطاوعة لا يجب عطفه بالفاء اهـ.ـ[531] الأسماء والصفات (ص/151).
ـ[532] تشنيف المسامع (4/ 155).
فائدة
استدل أهل الحق بقوله تعالى ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ … *﴾ [سورة البقرة] على إبطال دعوى المعتزلة أنّ الضلال يخلقه العبد لنفسه، بناءً على تفسيرهم «الختمَ» بإعراض الكفار عن قبول الحق بوجوهٍ:
أحدها. دليل الوحدانية لله لاقتضائه أن لا حادث إلا بقدرة الله. فامتناع الذين ختم الله على قلوبهم عن قبول الحق من جملة الحوادث فوجب انتظامه في سلك متعلَّقات القدرة العامة التعلق بجميع الممكنات.والثاني. أن فيه مخالفة الدليل النقلي كقوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ … *﴾ [سورة الزمر] ﴿… هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ … *﴾ [سورة فاطر] وهذه الآية أيضًا فإنَّ الختم فيها مسند إلى الله فإذا ثبت أن الدليل العقلي على وفق ما دلت عليه وجب إبقاؤه على ظاهره بل لو وردت على خلاف ذلك ظاهرًا لوجب تأويلها بالدليل العقلي جمعًا بين العقل والنقل.
والثالث. أنَّ فيه الفرار من نسبة ما اعتقدوه تنزيهًا لله على زعمهم عما ظنوا أنه نسبةٌ للظلم إليه فوقعوا في القول بأن الشيطان يخلق الختم والكافر يخلقه لنفسه.
قال البيهقي [(533)] في قوله تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا … *﴾ [سورة الأنعام]: «وهذه الآية كما هي حجةٌ في الهداية والإضلال فهي حجةٌ في خلق الهداية والضلال لأنه قال يشرح ويجعل» اهـ.
والرابع. أن فيه الغلط باعتقاد أن جميع ما يقبح من العبد فعله يقبح من الله خلقه قالوا فلما كان المنع من قبول الحق قبيحًا في الشاهد أي بالنسبة للعبد كان قبيحًا بالنسبة إلى الله.والخامس. أنّ فيه اعتقاد أن ذلك لو فرض وجوده بقدرة الله تعالى لكان ظلمًا وهو منزهٌ عنه، فيقال لهم: ومن الظلم الجهل بحقيقة الظلم وفيه أنهم فروا من اعتقاد نسبة الظلم إلى الله فتورطوا فيه إلى أعناقهم لأنهم قالوا لو كان امتناعهم عن قبول الحق بخلق الله تعالى لكان ظلمًا، فيقال لهم وقد قام البرهان على أنه بخلق الله. فإن قالوا كيف يخلق فيهم الامتناع عن قبول الحق ثم يعاقبهم على ذلك أليس هذا قبيحًا في حق العباد أن يعاقب أحدهم غيره على ما لم يعمله؟ قيل لهم ويقبح أيضًا في حق العبد أن يمكن الإنسان عبده من القبائح والفواحش بمرأى منه ومسمعٍ ثم يعاقبه مع القدرة على ردعه ومنعه من الأول وأنتم معاشر القدرية تزعمون أن القدرة التي بها يخلق العبد الفواحش لنفسه مخلوقة لله على علم منه عزَّ وجلَّ أنَّ العبد يخلق بها لنفسه ذلك، فهو على هذا بمثابة إعطاء سيف باتر لفاجر يعلم أنه يقطع به السبيل ويسبي به الحريم وذلك من العبد قبيح جزمًا. فسيقولون أجل إنه لقبيح منه ولكن هناك حكمة استأثر الله بعلمها فرقت بين العبد وبين الله فحسن من الله تمكين عبده من الفواحش مع القدرة على أن لا يقع منه شىء وليس ذلك بحسن من العبد.وفي هذا الموطن تتزلزل أقدامهم وتتنكس أعلامهم إذ لاحت لهم قواطع البراهين فيقال: ما المانع أن تكون تلك الأفعال مخلوقة لله تعالى ويعاقب العبد عليها لمصلحة وحكمة استأثر الله بها، أليس كان السلامة لكم التسليم من الابتداء إلى خالقكم وتلقي حجة الله عليكم بالقبول فإن نازعت أحدكم النفس وحادثته الهواجس ورغب في مستند من حيث النظر يأنس به من مفاوز الفكر فليُخْطِرْ بباله ما عُلِمَ عند كل عاقل من التمييز بين الحركة الاختيارية والقسرية فلا يجد عنده في هذه التفرقة ريبًا فإذا استشعر ذلك فليتنبه فقد لطف به إلى أن انحرف من مضايق الجبر فارًّا أن يُلوح به شيطان الضلال إلى مهامه الاعتزال فليمسك نفسه دونها بزمام دليل الوحدانية على أن لا خالق إلا الله، فإذا وقف لم يقف إلا على الصراط المستقيم والطريقة المثلى مارًّا عليها في أسرع من البرق الخاطف والريح العاصف. قاله بعض المالكية.
ـ[533] رواه البيهقي في القضاء والقدر (ص/214).
