بيان وُقوع الدَّسِّ والتَّحريف والتَّصحيف
في كُتُب الإمام الباقلَّانيِّ
كان القاضي أبو بكر الباقلانيُّ ألمعيًّا يُضرب المَثَل بفهمه وذكائه ويُلَقَّبُ بسيف السُّنَّة ولسان الأُمَّة.
على أنَّ كثيرًا مِن مُصنَّفات الباقلَّانيِّ ضاعت كما ضاعت كُتُب غيره مِن العُلماء فلم يصل منها إلَّا نُسَخ يسيرة وقع في بعضها التَّصحيف والتَّحريف على أيدي الزَّنادقة والمُشبِّهة فلم تكُن بخطِّ المُصنِّف ولا حُفظ لها سند موثوق ولا قُوبِلت على أُصول صحيحة.
فقد عاش الباقلانيُّ في القرن الرَّابع الهجريِّ وتُوُفِّيَ أوَّلَ الخامس، وفي ذلك الزَّمان كان الدَّسُّ كثيرًا جدًّا في كُتُب العُلماء بل وكان الدَّسُّ يقع أحيانًا في كتاب العالِم في حياته قبل موته فيراه بأُمِّ عينه كما حصل مع الإمام الغزاليِّ في نيسابور.
ففي “فضائل الأنام مِن رسائل حُجَّة الإسلام” صحيفة 45 أنَّ الغزاليَّ رحمه الله قال: “هاج حسد الحُسَّاد ولم يجدوا أيَّ طعن مقبول غير أنَّهُم لبَّسوا الحقَّ بالباطل وغيَّروا كلمات مِن كتاب “المُنقذ مِن الضَّلال” وكتاب “مشكاة الأنوار” وأدخلوا فيها كلماتِ كُفر”. إلخ..
وقال الكوثريُّ في هامش “التَّبيين”: “مِن عادة الحشويَّة أنْ يترصَّدوا الفُرَص لإفناء أمثال هذه الكُتُب إمَّا بحرقها عِلانًا يوم يكون لهم شوكة وسُلطان وإمَّا بسرقتها مِن دُور الكُتُب أو بوضع موادَّ مُتلِفة فيها وإمَّا بتشويهها بطرح ما يُخالف عقولهم منها عند نسخها أو الكشط والشَّطب في نُسخها الأصليَّة”. انتهَى.
فالتَّصحيف والتَّحريف هُمَا السَّبب في أنَّنا نرَى في كُتُب الباقلَّانيِّ مسائلَ أنكرها العُلماء، على أنَّ بعضَهُم يُرجِع سبب وُجودها في كُتُبه إلى الدَّسِّ وهذا أرجح الآراء لِمَا سنجد فيما يُنقل عنه مِن تناقُض لا يُتَصَوَّر وُقوعُه مِن ألمعيٍّ يتوقَّد ذكاء كالإمام الباقلَّانيِّ.
فالمُجسِّمة مثلا، قد نقل الإمام أبو منصور البغداديُّ المتـوفى سنة 429هـجري الإجماع على كُفرهم في كتابه “الفَرق بين الفِرق” ثُمَّ قال: “فإنَّا نُكفِّرُهُم كما يُكفِّرون أهل السُّنَّة ولا تجوز الصَّلاة عليهم عندنا ولا الصَّلاة خلفَهُم” انتهَى.
ولعل مسألة كُفر المُجسِّمة من أكثر المسائل التي نقل عليها اجماع، كما في الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/J6LGGJE5tZKSpdsh/?mibextid=xfxF2i
والإجماع ينعقد باتِّفاق مُجتهدي الأُمَّة في عصر مِن العُصور، ولا يُنتقَض بعد ذلك وإن خالفه مَن خالفه، فلا يجوز الاغترار بما في بعض كُتُب الباقلَّانيِّ مِن عدم تكفير المُجسِّمة مثل ما يوجد في كتاب “اكفار المتأولين” فإنَّه قول لا يثبُت عنه بل، وفي مواضع أُخرَى من كتبه يُصرِّح الباقلَّانيُّ بتكفير المُجسِّمة.
وقد ردَّ البعضُ على الباقلَّانيِّ على تقدير ثُبوت ذلك عنه فيقول الإمام أبو إسحق الصَّفَّار الحنفيُّ الماتُريديُّ المتـوفى سنة 534 هـجري في “تلخيص الأدلَّة”: “وقد أخطأ هذا القائل في هذا القول؛ وقول أبي حنيفة بخلافه؛ وجميعُ الأشعريَّة خالفوا هذا الأشعريَّ فيما قال”. انتهَى.
وأمَّا أهل التحقيق فيستدلون على براءة الباقلَّانيِّ مِن القول الفاسد بقوله في “الإنصاف”: “أفتقولون إنَّ الله جسم وجوهر وعرَض؟ فإن قالوا نعم فقد أقرُّوا بصريح الكُفر للتَّشبيه” انتهَى
وبقوله عنهُم في “التَّمهيد”: “فإن مرُّوا على ذلك تركُوا التَّوحيد”. انتهَى
يعني كفروا كُفرًا صريحًا.
وقد تمسَّك بعض أدعياء العلم في زماننا ممَّن يتمظهرون بالأشعريَّة زُورًا بما دُسَّ على الباقلَّانيِّ مِن ترك تكفير المُجسِّم والعياذ بالله، فكون الباقلَّانيِّ أشعريًّا فهو لا يُخالف الأشاعرةَ، والأشاعرةُ يحكُمون بكُفر المُجسِّمة قولا واحدا. قال الإمام العلَّامة فخر الدِّين أحمد بن حسن الجاربرديُّ التبريزيُّ المُتوفَّى سنة 746 هجريَّة في كتابه “السِّراج الوهَّاج” ما نصه: “المُجسِّمة كُفَّار عند الأشاعرة”. انتهَى.
وقد أخطأ بعض المُصنِّفين عندما قالوا إنَّ الأشاعرة لا يحكُمون بكُفر المُجسِّم، فردَّ عليهمُ الإمام الزَّركشيُّ في “تشنيف المسامع” بقوله: “ونُقِلَ عن الأشعريَّة أنَّه يَفسُقُ وهذا النَّقل عن الأشعريَّة ليس بصحيح”. انتهَى
أي أنَّ الصَّحيح أنَّ الأشاعرة يُكفِّرون المُجسِّمة.
و هذا هو مذهب الإمام الأشعريِّ، فقد ثبت أنَّه قال في النَّوادر: “مَن اعتقد أنَّ الله جسم فهُو غير عارف بربِّه وإنَّه كافر به”. انتهَى
والأشعريَّة كُلُّهم مع إمامهم في هذه القضيَّة ولا يثبُت عنه أنَّه تراجع عن تكفير المُجسِّمة كما يزعُم بعض المُنحرفين الجهلة.
والسَّلف مُجمعون على تكفير المُجسِّم كما عبَّر عنهُمُ الطَّحاويُّ في عقيدته الَّتي ذكر أنَّها بيان عقيدة أهل السُّنَّة فقال: “ومَن وصف الله بمعنًى مِن معاني البشر فقد كفر مَن أبصر هذا اعتبر وعن مثل قول الكُفَّار انزجر وعلم أنَّه بصفاته ليس كالبشر”. انتهَى.
وكذلك يُنسَب للباقلَّانيِّ مسائلُ أُخرَى فيها تكذيب للقُرآن الكريم هُو عند التحقيق بريء منها، فلا نُثبتُها عليه إن لم تُوجد البيِّنة الشَّرعيَّة فلا يجوز إثباتُها عليه لمُجرَّد أنَّنا قرأناها في كتاب مخطوط أو مطبوع منسوب لأحد مِن العُلماء.
فمن ذلك ما جاء في “اليواقيت والجواهر” للشَّعرانيِّ مِن أنَّ الإمام الباقلَّانيِّ قال: “قَبول إيمانه” – أي فرعون- هُو الأقوَى مِن حيث الاستدلال ولم يرد لنا نصٌّ صريح أنَّه مات على كُفره” انتهَى
ونقل الشَّعرانيُّ عنه هذا الكلام نزلة أُخرَى في “الأجوبة المرضيَّة”.
وهذا لا يوجد في كُتُب الباقلَّانيِّ؛ بل هذا مخالف لقوله تعالى: ” فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ”.
والا فإنَّ النُّسَخ الَّتي لم تكُن مُقابَلة بيد ثقة على نُسخة قابلها ثقة وهكذا إلى أصل المُؤلِّف الَّذي كتبه بخطِّه أو كتبه ثقة بإملاء المُؤلِّف فقابله على المُؤلِّف لا تُعتبَر نُسَخًا صحيحة بل هي نُسخ سقيمة.
بل في في بعض كُتُب الباقلَّانيِّ تجويز بعثة الكافر ومُرتكب الكبيرة والعياذ بالله، وهذا ظاهر الدسّ على الباقلَّانيِّ.
وفي بعض كُتُب الباقلَّانيِّ أنَّه قال: “فأثبتَ لنفسه في نصِّ كتابه: الوجه والعينين” انتهَى
ومعلوم أنَّ لفظ التَّثنية غير وارد في القُرآن بخلاف الإفراد والجمع قال تعالَى: “وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي” وقال عزَّ وجلَّ: “وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا” أمَّا ذكر التَّثنية فبدعة وتحريف.
فإذا قرأنا لعالِم قولًا يُخالف الشَّرع فلا نُثبتُه عليه بلا بيِّنة فهذا المُؤرِّخ الصَّلاح الصَّفديُّ عندما وجد مسألة مُنكرة منسوبة للإمام الجُوينيِّ قال في الوافي بالوَفَيات: “أنا أُحاشي إمام الحرمَين عن القَول بهذه المسألة والَّذي أظنُّه أنَّها دُسَّت في كلامه”. إلخ..
وقد أشار القاضي عياض إلى عبارة أنكرها في بعض كُتُب الغزاليِّ، فقال ابن حجر الهيتميُّ: “وعبارتُه الَّتي أشار إليها القاضي “على تقدير كونها عبارتَه وإلَّا فقد دُسَّ عليه في كُتُبه عبارات حسَدًا”. إلخ.. فانظُر كيف لم يقطع أنَّها مِن كلامه رغم كونها في كتابه.
ملاحظة: في بيان مَن هُو المُجسِّم الحقيقيُّ
أ) إنَّ الكلام في تكفير المُجسِّم يُراد به الَّذي عرف معنَى الجسم ثُمَّ أضافه إلى الله تعالَى، فهذا الَّذي كفَّره الأشاعرة وكافَّة أهل الإسلام. وأمَّا مَن توهَّم لجهله أنَّ لفظ “الجسم” يعني مثلا “الموجود” وأضافه إلى الله تعالَى فهذا لا يُحكَم بكُفره لأنَّه لا يُدرك مدلول اللَّفظ.
ب) قال البغداديُّ في التَّبصرة البغداديَّة المُسمَّاة أُصول الدِّين: “وقد شاهدنا قومًا مِن الكرَّاميَّة لا يعرفون مِن الجسم إلَّا اسمه ولا يعرفون أنَّ خواصَّهم يقولون بحُدوث الحوادث في ذات الباري تعالَى فهؤُلاء يحِلُّ نكاحُهُم وذبائحُهُم والصَّلاة عليهم” انتهَى.
ج) وقال إمام الحرمين الجوينيُّ في الشَّامل: “اعلموا أرشدكُم الله أنَّ الخلاف في ذلك يدُور بيننا وبين فئتَين: إحداهُمَا تُخالف في اللَّفظ والإطلاق دون المعنى، والأُخرى تُخالف في المعنى. فأمَّا الَّذين خالفوا في الإطلاق دون المعنى فهُمُ الَّذين قالوا: المعنى بالجسم الوُجود أو القيام بالنَّفس” إلخ..
د) وقال البزدويُّ الحنفيُّ في أُصُول الدِّين له: “إلَّا أنَّ بعضهُم قالوا: نعني بالجسم الوُجود لا غير> انتهَى فهؤُلاء أي الَّذين لا يعرفون معنَى اللَّفظ ولا يُدركون مدلوله هُمُ الَّذين لا يحكُم الأشعريُّ بتكفيرهم”. انتهى
هـ) وعلى هذا يُحمَل توقُّف العُلماء أحيانًا في تكفير بعض مَن أضاف الجسم إلى الله ولذلك قال الكوثريُّ في مقالاته: “وإنَّ العزَّ بن عبد السَّلام يعذُر –في قواعده- مَن بَدَرَت منه كلمة مُوهِمة لكنَّه يُريد بذلك العاميَّ الَّذي تخفَى عليه مدلولات الألفاظ” إلخ.
روابط ذات علاقة:
الصفات الخبرية عند الامام الباقلاني
https://www.facebook.com/share/p/wxVMpLobZf8wsmP6/?mibextid=xfxF2i
حكم من نسب لله الحرف والصوت
https://www.facebook.com/share/b2ryQ9KmGoh33rkn/?mibextid=xfxF2i
