جهود الفخر الرازي في نقض شبهات الفلاسفة
كان الفخر الرازي كثيرا ما يباحث في مجالسه المسائل الفلسفية واصطلاحات الفلاسفة.
وقد قام بشرح بعض الكتب الفلسفية لابن سينا كالإشارات والتنبيهات، وعيون الحكمة.
كما تتبع مقالات الفلاسفة بالنقد والنقض كما في المحصل والمباحث المشرقية والمطالب العالية وغيرها.
و لم يكن الرازي مجرد شارح للفلاسفة اليونانيين، ولا مكررا لما قالوه بألفاظ عربية، بل كان شديد النقد لهم، وهو ما كان ليستطيع الرد عليهم لو لم يدرس فلسفتهم جيدا.
فمكنه ذلك من مهاجمة مختلف النظريات الأرسطية بعنف. وفي ذلك قال الذهبي في تاريخ الاسلام: “وقد خالف الفلاسفة الذين أخذ عنهم هذا الفن”. انتهى
وأما الصفدي فقد رد في الوافي بالوفيات على من حاول التشكيك في عقائد الرازي بسبب إيراده لشبه الفلاسفة في كتبه، لأنه زلزل قواعدهم ولأنه كلما ذكر لهم شبهة إلا وأردفها بنقد شديد، إما ليهدمها ويمحقها، وإما ليزلزل أركانها.
فالرازي رحمه الله من العلماء الذين قاوموا الفلسفة اليونانية من أجل حماية العقيدة الإسلامية من التشكيك والتشويه، مما جعله علما شامخا، كما ذكر ذلك محمد إقبال في كتابه تطور الفكر الفلسفي في إيران.
لذلك لقي الرازي معارضة عنيفة من أنصار الفلسفة اليونانية كالطوسي المتوفى سنة 672 هـجري.
والطوسي قد أشار في شرح المحصل إلى مخالفة الرازي لما هو مشهور عند الفلاسفة.
قال ابن خلدون في مقدمته في هذا الشأن: “ومن أراد الرد على الفلاسفة في عقائده فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب”. انتهى
وقد أولى صدر الدين الشيرازي المتوفى سنة 1059 هـجري، في ” الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة” اهتماما كبيرا بالمسائل التي رد فيها الرازي على الفلاسفة، غير أنه اتهمه بالمباهاة عندما يشعر بأنه قد زلزل قوانين الفلسفة وهدم أصولها، وهذا ليس بالأمر المعيب، ولا يصح قبوله عند من نرضى به ورفضه عند من نخاصمه.
وقد أقر ابن تيمية أن ما ألزم به الرازي الفلاسفة لا محيد عنه. لكنه طعن فيه لأن ما قرره الرازي مناقض للتجسيم الذي بنى عليه ابن تيمية عقائده. والعجيب ان ابن تيمية كان يقتبس من ردود الرازي في معرض ردوده على الفلاسفة من غير حتى الاشارة اليه، فهو عالة عليه في هذا الباب.
ولقد لقد كان الرازي يرد على الفلاسفة اليونانيين إما بصفة عامة بما يتفقون فيه كفلاسفة يمثلون نزعة فلسفية، وإما بصفة خاصة أي يرد على فيلسوف ما بحسب آرائه الخاصة. لذلك تنقسم هذه المسألة إلى قسمين:
أ-القسم الأول:
بالنسبة للردود العامة فإنه يخالف هؤلاء الفلاسفة في عدة مسائل منها:
-قولهم بأفضلية الملائكة على الأنبياء. إذ يرى خلافا لهم أن الأنبياء أفضل من الملائكة. لأن أفضل العبادات أشقها وعبادة الأنبياء مليئة بالمشاق، بينما عبادة الملائكة خالية منها.
-قولهم بقدم العالم واثبات النبوات. اذ يرى في مسألة النبوة خلافا لهم، أن إثباتها لا يستقيم مع القول بقدم العالم لأن هذا القول يقدح في ألوهية الله عز وجل، ومن اعتقد ذلك فلا سبيل له إلى الإقرار بالنبوة أصلا.
– قولهم بقدم الأجسام: وهؤلاء الفلاسفة، فريق منهم يرى أن الأجسام كانت متحركة في الأزل وهذا الفريق ينقسم إلى طائفتين، واحدة تقول بقدم العالم بمادته وصورته وبأزلية الحركة وأبديتها، والطائفة الثانية تقول بأن العالم يتكون من أجزاء غير متحركة، ولذلك فإن حركاتها مضطربة من الأزل إلى الأبد.
وأما الفريق الثاني: فهو يرى أن العالم قديم المادة ومحدث الصورة، بمعنى أن المادة المكونة للعالم أجزاء صغيرة، كانت ساكنة في الأزل ثم ركب الله تعالى منها العالم.
-قولهم ان الأجسام أزلية سواء كانت ساكنة أو متحركة. وقد خالفهم الفخر الرازي في ذلك وبين أن العالم ليس قديما. و قد حاول ابن تيمية الطعن في الحجج التي أقامها الرازي لنقض قول الفلاسفة بقدم العالم لأن ابن تيمية وافقهم في القول بقدم جنس العالم.
ب- القسم الثاني:
رد الفخر الرازي على بعض الفلاسفة على حدة، مثل:
– طاليس: الذي يقول عنه أنه جعل النفس جسما، وأرجعها إلى عنصر الماء.
– ديوجين: الذي يتفق معه في كون النفس جسما، ولكنه يختلف معه في كونها ماء.
– أنباذوقليس: الذي زعم أن الأجسام الأسطقسية تكونت بالاتفاق. وقد أجابه الرازي بأن الاتفاق يمكن حصوله في الأمور الطبيعية بالقياس إلى أفرادها ثم بين بطلان تلك الحجج.
– إقليدس: ويتعلق رده عليه ببعض النظريات الرياضية، كاشتغاله في المقالة الخامسة بإقامة البرهان على إثبات أن نسبة المقدارين المتساويين إلى مقدار ثابت متساوية، إن هذا الاشتغال في نظر الرازي ليس في محله لأن العلم بصحة هذه المسألة علم ضروري.
– أفلاطون وأرسطو: اللذان يتربعان على عرش الفلسفة اليونانية ويحتلان قمة هرمها. فأما ردوده على أرسطو فكثيرة جدا، ويرجع السبب في ذلك إلى عوامل منها:
إن مكانة أرسطو المرموقة بين الفلاسفة جعلت الرازي يعتقد أن الرد عليه ينسحب عليهم جميعا.
ومنها أن الرازي رأى الفلاسفة بعد أرسطو يعتقدون في كتبه اعتقادات عظيمة، ومنهم ابن سينا فحاول ضرب الرأس المدبر وبذل جهودا مضنية في سبيل إبطال تلك الكتب.
ومنها أنه لما كان إقبال الرازي على الفلسفة من أجل معرفة ما في كتب الفلاسفة للرد عليهم فليس من أجل ذاتها، وقد صرح في مناسبات كثيرة أنه صرف شطرا من عمره في سبيل معرفة كتب الفلاسفة لذلك سعى للرد عليهم بمصنفات كثيرة، ككتاب نهاية العقول، وكتاب المباحث المشرقية، وكتاب الملخص، وكتاب شرح الإشارات لابن سينا، وغيرها. وقد صرح في وصيته بأنه اختبر المناهج الكلامية وغيرها ولم يحصل منها على طائل ولا جدوى، إلا في طريقة القرآن.
– قالينوس: أكثر ردود الرازي عليه تتعلق بمسألة هل الدماغ معدن الإدراك والفهم أم القلب؟ وبين أن مصدر الإدراك والفهم هو القلب.
كما تعتبر ردود الرازي على المشائين الإسلاميين شاملة لأنه لم يستثن واحدا منهم، لا الفارابي (ت 393 هـ)، ولا ابن سينا (ت 428 هـ)، ولا أبا البركات البغدادي (ت 555 هـ).
وتتميز ردوده على ابن سينا بالصرامة وما قيل عن تأثره به بسبب ترديده لهذا الاسم الكبير في مصنفاته ولاهتمامه بالكتب التي شرحها له ككتاب الإشارات والتنبيهات، وعيون الحكمة، والقانون في الطب فهو أمر غير قائم على أساس صحيح. لكن ترديده لأقوال ابن سينا ليس كله من أجل بسط فلسفته واتباعه، ولكن من أجل مناقشة آرائه والرد عليها فالمنهجية تقضي عرض الآراء وحججها أولا ثم مناقشتها ثانيا ثم البت في صحتها أو فسادها ثالثا، وهذا مشاهد في معظم المواقع التي يذكره فيها. ولقد كان الرازي يرد على المشائية الإسلامية في أكثر المسائل الفلسفية الكبرى حيث لم يترك لها متنفسا، فهو يراقبها عن كثب ويحاول دائما قلعها من جذورها حتى لا يبقى لها منبت يمكن أن ترجع منه، لذلك فإنه لم يكتب لها المزيد من الانتشار بعد الرازي إلا بمقدار ما كانت منتشرة به أو أقل من ذلك.

حكم الفخر الرازي على أرسطو


محمد خليل هراس وانتقاده للقاعدة الفلسفية (قدم الجنس وحدوث الأفراد) التي أخذها ابن تيمية من أسلافه الكرامية.
تُعدّ مسألة قدم جنس العالم وحدوث أفراده من القواعد الفلسفية الإشكالية التي لا يطمئن إليها العقل السليم، كما صرّح بذلك محمد خليل هراس، أحد أبرز منظّري التيار الوهابي.
وتُظهر هذه القاعدة تداخلاً بين رؤى عقدية وفلسفية متباينة؛ إذ تلتقي من جهة مع معتقدات طائفة الكرامية، ومن جهة أخرى مع أطروحات بعض الفلاسفة القدماء، كأرسطو، الذي ذهب إلى القول بقدم العالم بجنسه وأفراده معًا.
أما ابن تيمية، فقد تبنّى شقًّا من هذه الرؤية، حيث وافق على قدم الجنس فقط، مع قوله بحدوث الأفراد. ويُظهر تحليل خطابه الكلامي أنّه بنى على هذه القاعدة الفلسفية عددًا من آرائه ومسائله في علم الكلام، كما أشار إلى ذلك هراس نفسه، مما يدلّ على الأثر العميق الذي أحدثه هذا الأصل الفلسفي في تشكيل منهجه العقدي.
وقد نقل المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي في كتاب «تشنيف المسامع» اتفاق المسلمين على كفر من يقول بأزلية نوع العالم، فقال بعد أن ذكر الفريقين من الفلاسفة: الفريق القائل بأزلية العالم بمادته وصورته، والفريق القائل بأن العالم أزلي المادة محدث الصورة: «ضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم». فابن تيمية يشمله هذا القول، فإنه قال بأزلية نوع العالم في خمسة من كتبه بل أكثر.
وهذه العقيدة الفاسدة، أي القول بقدم جنس العالم، اقتبسها ابن تيمية من كتاب مناهج الأدلة لابن رشد الفيلسوف.
فابن رشد الحفيد هو من القائلين بقدم العالم، ومن أبرز الشُّبهِ التي أوردها على إحدى مقدمات برهان حدوث العالَم، قوله: ” ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث مقدمة مشتركة الاسم، تفهم على معنى ما لا يخلو من جنس الحوادث، وعلى معنى ما لا يخلو من آحادها”. انتهى
ثم حاول ابن رشد الحفيد بيان أنّ ما لا يخلو من جنس الحوادث ليس بحادث، وأن ما لا يخلو من آحاد الحوادث حادثٌ، وكل مقصوده بذلك بيان أن العالم لا يخلو من جنس الحوادث فهو قديمٌ.
وقد عوّل ابن تيمية على هذه الشبهة الضعيفة، لإثبات عدم خلوّ ذات الله تعالى عن جنس الحوادث، فاستنسخ نظرية الفلاسفة وطبقها على الذات العلي.
وقد بيّن أساطين الفكر السُّني كالإمام الفخر الرازي والأيجي والشريف الجرجاني والشمس والكرماني والسعد التفتازاني والشمس الأصفهاني وغيرهم أن جنس الحوادث ليس سوى الآحاد، ورفعوا تلبيس الفلاسفة وبينوا بالقطع والبرهان أن ما لا يخلو من الحوادث مطلقا فهو حادث مفتقرٌ إلى مخصِّصٍ، والله تعالى واجب الوجود وصفاته أيضا واجبة الوجود يستحيل حدوثها، فبطلت النظريات الفلسفية القائلة بقِدَم العالَم، وبطلت النظريات التشبيهية القائلة بحدوث صفات الله تعالى وأنه جسم قديمٌ.
وكتاب مناهج الأدلة لابن رشد الفيسلوف قد ردّ عليه الإمام عبد العزيز بن بزيزة التونسي، وللأسف ردّه مفقود، ولكنه أشار إليه وإلى درر منه في شرحه على الإرشاد لإمام الحرمين.




