الفرقة الناجية هم الأشاعرة. و الماتوريدية ملحقون بهم لاتفاقهم في أصول العقائد
كذلك قال الشيخ محمد طاهر القَراخِي الأشعري الشافعي الداغستاني (المتوفى سنة 1297ھ)، العالم المحقق في كتاب “شرح المفروض على مؤدي الفروض” ما نصه : ” المعتقدات السُنية أي المنسوبة لأهل السنة، وهم الذين اعتقادهم على ما كان عليه اعتقاد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإمامُنا المقتدى به في نقل ذلك إلينا الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل من نسل أبي موسى الصحابي الأشعري “. انتهى
الرد على من ذم الأشعري
المنظومة الرائية المنسوبة لسعد بن علي الزنجاني المتوفى سنة 471هـجري
هو أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني الشافعي ولد سنة 380 هجري.
قال عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق : ” الحافظ شيخ الحرم الشريف”. انتهى
وقال تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي في طبقات الشافعية : ” الشيخ الحافظ الزاهد الورع”. انتهى
كان الزنجاني صوفيا زاهدا. قال السمعاني عنه في الأنساب 3/481 ما نصه:”كان الناس يتبركون به ” انتهى
وقد ثبت عن الزنجاني أنه مدح أبا بكر القفال الشاشي كما ذكر ذلك التاج السبكي في طبقاته في الجزء 6 صحيفة 71 حيث قال ما نصه: “قال أبو القاسم الزنجاني: كان أبو بكر الشاشي يتفقه معنا و كان يسمى الجنيد لدينه وورعه و علمه و زهده “. انتهى
و أبو بكر القفال الشاشي هو أشعري المعتقد وكان قد أقر فتوى أبي عبد الله الدامغاني الحنفي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي في أن الأشعرية هم أعيان أهل السنة كما هو مذكور في طبقات الشافعية الكبرى
و للزنجاني قصيدة تُنسب إليه تُعرف باسم “المنظومة الرائية في السنة” و “بمنظومة السنة” مطلعها
تمَسّكْ بحبْل اللَّهِ واتَّبِع الأثَرَ ودَعْ عَنكَ رأياً لا يلائمه خبَر
وَنَهْجَ الْهُـدَى فَالْـزَمْهُ وَاقْتَـدِ بِالأُلَـى هُـمُ شَهِـدُوا التَّنْـزِيـلَ عَلّـَكَ تَنْجَبـِرْ
ثم قال فيها:
وَجَاءَ ابْنُ كَرَّامٍ بِهُجْرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَدَمٌ فِي الْعِلْمِ لَكِنَّهُ جَسَرْ
وَسَقَّفَ هَذَا الأَشْعَرِيُّ كَلاَمَهُ وَأَرْبَـى عَلَى مَـنْ قَبْلَـهُ مِنْ ذَوِي الدَّبَرْ
فَمَا قَالَهُ قَدْ بَانَ لِلْحَقِّ ظَاهِراً وَمَـا فِي الْهُـدَى عَمْداً لِمَنْ مَـازَ وَادَّكَرْ
وقد نسب ابن القيم هذه القصيدة للزنجاني في اجتماع الجيوش وذكر منها البيت الأول.
و قال الذهبي:”له منظومة في قواعد أهل السنة” دون ذكر الأبيات.
وهذه القصيدة رويت من طريق “أبي عبد الله محمد بن عبد الله الهروي” عن “أبي محمد المبارك بن علي بن الحسين ابن الطباخ” عن “الشيخ أبي القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي” عن “أبي القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني”. كما هو مذكور في كتاب شرح المنظومة الرائية بتحقيق الوهابي عبد الرزاق البدر في الصحيفة 27.
وهذا السند فيه مجهول وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الهروي إذ لا يُعرف شخص يلقب بالهروي كان حيا في القرن السادس هجري. فقد جاء في شرح المنظومة الرائية أن الهروي هذا قرأ هذه المنظومة على الحافظ المبارك في الحرم في سنة 566 هجري. ولا يُتصور أنه أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي لأنه توفي سنة481 هجري.
والظاهر أن هذه القصيدة قد تلاعبت بها أقلام التحريف بما يوافق مذهب المجسمة من ذم للإمام أبي الحسن الأشعري و ورميه بالضلال وغير ذلك.
ويوجد لهذه المنظومة الرائية شرح ينسب أيضا للزنجاني. وقد نقل ابن قيم الجوزية جزء منه في كتابه المسمى اجتماع الجيوش ومما جاء فيه قوله:”والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السموات والأرض، وكان عرشه على الماء مخلوقاً قبل خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض على ما ورد به النص، ونطق به القرآن، وليس معنى استوائه أنه مَلَكه واستولى عليه، لأنه كان مستولياً عليه قبل ذلك،وهو أحدثه, لأنه مالك جميع الخلائق و مستول عليها, وليس معنى الاستواء أيضا أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه فإن كل ذلك ممتنع في وصفه جل ذكره ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه. وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ” سبِّح اسْمَ ربِّك الأعلى “- سورة الأعلى آية 1 – وأن لله علو الغلبة، والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو، لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن للّه علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة ” انتهـى كلام الزنجاني الذي نسبه له ابن القيم.
وهذا الكلام في نسبته لسعد بن علي الزنجاني شك كبير لأنه تفرد بنقله عنه ابن القيم إمام المجسمة. وتفرد ابن القيم بهذا الجزء من الشرح يوقع ريبة في النفس خاصة و أن ابن القيم ثبت عنه أنه كان ينسب للعلماء عبارات ليست من كلامهم كتلك الأبيات التي نسبها زورا وكَذِبًا لأبي الحسن الدارقطني في كتابه بدائع الفوائد 4/ 39-40 قال فيها:
ولا تـنـكـروا أنـه قـاعـد ولا تـنكـروا أنـه يـقـعـده
وقد طبع الشرح المنسوب للزنجاني باعتناء أحد المجسمة الوهابية وهو عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر أسماه”شرح المنظومة الرائية في السنة لأبي القاسم سعد بن علي بن محمد بن الحسين الزنجاني” – طبعة مكتبة دار المنهاج للنشر و التوزيع بالرياض – .
وقد نقل عبد الرزاق البدر في الصحيفة 16 ما قاله ابن القيم في “اجتماع الجيوش” وعلق عليه في أسفل الصحيفة بقوله:” هذا الجزء الذي أورده ابن القيم هنا غير موجود عندنا في الشرح, لأن الشرح الذي وقفنا عليه مبتور من أوله, ولعل هذا الموضع المنقول, هنا يتعلق بالموضع الذي فيه ذكرأسماء الله سبحانه, والله أعلم” انتهى
وأكد على ذلك في تعليق له في الصحيفة 18 فقال: “فهذه فائدة أوردها الزنجاني في شرحه لهذه المنظومة, وقد حُفظت بتوفيق الله عز وجل بنقل ابن القيم لها, اذ أنها غير موجودة في الجزء الذي معنا من شرح الزنجاني رحمه الله للمنظومة”.انتهى
ومما يقوي الشك في تلاعب الأيادي الآثمة بالنسخة الأصلية لشرح المنظومة بالزيادة و الحذف أن البيتين الذين فيهما ذم لأبي الحسن الأشعري ولطريقته تم اسقاطهما من النسخة الأصلية للشرح.
قال عبد الرزاق البدر الوهابي محقق شرح المنظومة الرائية: “سقط شرح هذين البيتين من الأصل”. انتهى
فاحتمال دس الأبيات التي فيها ذم للأشعري وارد خاصة مع عدم وجود الشرح لهما. كذلك وقع في شرح هذه المنظومة ذكر قصة مكذوبة عن ابن كلاب و أنه كان نصرانيا دخل إلى الاسلام لتحريف عقائد المسلمين. ومثل هذه الاكذوبة لا يتصور خفاؤها عن الزنجاني الذي كان إماما في الجرح و التعديل حافظا ثبتا كما قال عنه الذهبي.
وهذه القصة لا أصل لها كما ذكر ابن تيمية نفسه فقال في درء التعارض 6/155: ” وبهذا السبب وضعوا – أي الجهمية – على ابن كلاب حكاية راجت على بعض المنتسبين إلى السنة فذكروها في مثالبه, وهو أنه كان له أخت نصرانية, و أنها هجرته لما أسلم, وأنه قال لها: أنا أظهرت الاسلام لافسد على المسلمين دينهم, فرضيت عنه لأجل ذلك. “. انتهى
فكيف يكون الزنجاني من الذين لا يعلمون بطلان هذه القصة و هو في نفس الوقت إمام في الجرح و التعديل؟
و الأقرب أن الذين دسوا في منظومة الزنجاني و شرحه لهم تحامل كبير على الاشاعرة عموما و على ابن كلاب و أبي الحسن الأشعري خصوصا. فوجود مجهول في سند المنظومة وتلف الأوراق و سقوط الكلام من الأصل و تفرد ابن القيم بكلام الزنجاني وذكر قصص مكذوبة و غير ذلك يجعلنا نجزم أن هذه القصيدة وقع تحريف أبياتها وشرحها أيضا.
كتبه أبو عمر محمود الشيخ الأشعري


