رد دعوى أن الفخر الرازي يصحح القول بحدوث حوادث لا أول لها.
ذكر الفخر الرازي في المطالب العالية تحت الفصل العاشر: “في ابطال التسلسل” عدة أدلة في نقض القول بالتسلسل وابطال القول بحوادث لها أول لها.
ثم شرع في نقد تلك الأدلة بأقوال خصومه فقال: ” فإن قيل السؤال على هذا الدليل من وجوه، الأول…..” . انتهى
وعدد اعتراضاتهم حتى قال: ” وخامسها، وهو وارد على الفلاسفة والمتكلمين معا وهو إن صحة حدوث الحوادث لا أول لها ، إذ لو حصلت لتلك الصحة أول ، لكان قبل ذلك المبدأ ممتنعا لعينه ثم انقلب ممكنا لعينه وهو محال فثبت انه لا أول للإمكان والصحة، وكان التسلسل حاصلا في ثبوت هذا الامكان”. انتهى
وهذا الكلام تلقفه بعض الحشوية وقالوا بأن الفخر الرازي يثبت صحة حدوث حوادث لا أول لها.
ومع أن الفخر الرازي قام بعد ذلك بالجواب على تلك الاعتراضات بقوله: ” والجواب على هذه التساؤلات، أما النقض الأول فجوابه…….وكذا الجواب عن مراتب الأعداد، ومراتب صحة حدوث الحوادث….”. انتهى
الا أن هؤلاء يصرون على نسبة تلك الأقوال إليه.
ثم إن هذا الاعتراض الذي أورده الرازي على لسان خصومه، هو في الأصل مبني على حجج غير عقلية اذ كيف يكون الشىء ممتنعا ومستحيلا لذاته ثم ينقلب ممكنا لذاته، وهذا قلب لحقائق الأمور ومعارضة للعقول.
وينبغي الوقوف على طريقة الرازي في كتابه المطالب العالية لفي تقرير نفي قيام الحوادث بذات الله، حيث قام بنقد أدلة نفاة قيام الحوادث بذاته عز وجل ليميز المتين منها من الضعيف حتى يمكنه بعد ذلك من تقرير المسألة بأرجح الأدلة. أما المشبهة فقد أخذوا عنه انتقاداته لتلك الأدلة لاثبات قيام الحوادث بذات الله، وفرق بين من ينتقد ليثبت الحق بأرجح الأدلة وبين من يثبت الباطل بأخص الشبهات.


نقولات ابن تيمية الخيالية عن الفخر الرازي
قال ابن تيمية في التسعينية في أثناء ردوده المزعومة على الأشاعرة: “واعتبِر بالرازي فإنه في مسألة حدوث الأجسام يذكر أدلة الطائفتين ويصرّح في آخر كتبه وآخر عمره وهو كتاب “المطالب العالية” بتكافؤ الأدلة وأن المسألة من محارات العقول”. انتهى
وبالرجوع إلى المطالب العالية نجد أن ما نسبه ابن تيمية للإمام الرازي هو في الأصل ما نسبه الإمام فخر الدين لجالينوس الذي قال في مرض موته: “اكتب عني أني ما عرفت أن العالَم محدَثٌ أو قديم”. انتهى
بل نجد أن ابن تيمية نسب مسألة تكافئ الأدلة في قدم العالم أو حدوثه، للإمام أبي الحسن الأشعري من غير أن يأتي بنقل واحد يحتج به على كلامه.
وأما قول الرازي بعد ذلك: “هذا من أدل الدلائل على أن الرجل كان منصفا طالبا للحق، فان الكلام في هذه المسألة قد بلغ في العسر والصعوبة إلى حيث تضمحل أكثر العقول فيه”:
أي أن جاليوس انصف نفسه في طلب الحق و الاجتهاد فيه، و قال لبعض تلاميذه: اكتب عني لم اعرف ان العالم محدث او قديم، أي اعترف بجهله رغم بحثه واجتهاده ولم يخف جهله عن تلاميذه. فالانصاف متعلق باعتراف جاليوس بجهله،و ليس بالتوقف و القول بتكافىء الأدلة. فالانصاف هو اعتراف الفلاسفة بتكافىء الأدلة وفق أصولهم، والا فالمسألة من أوضح المسائل عند المسلمين وقد قررها الرازي في كثير من كتبه.
وحاشا الإمام فخر الدين الذي قرر في جميع كتبه الكلامية والتفسيرية براهين حدوث العالَم وحتى في كتاب المطالب العالية ودفع كل الشُّبه الواردة على ذلك، أن يقول بتكافؤ الأدلة في تلك المسألة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: “كان الله ولم يكن شيء غيرُه”، بل هو كلام جالينوس قد نسبه ابن تيمية للفخر الرازي، والله المستعان


الفخر الرازي وشبهة ما يُنسب له بالقول بقيام الحوادث بذات الله ونسبة ذلك إلى الأشعرية
يزعم بعض المجسمة أن الفخر الرازي يصرح بقيام الحوادث بذات الله عز و جل و استدلوا بما قاله في المطالب العالية :
” البحث الأول : أنه هل يعقل أن يكون – يعني الله – محلا للحوادث ؟ قالوا : إن هذا قول لم يقل به أحد إلا الكرَّامية . وأنا أقول:” إن هذا قول قال به أكثر أرباب المذاهب: أما الأشعرية, فإنهم يدَّعون الفرار من هذا القول ، إلا أنه لازم عليهم من وجوه: الأول : أنه تعالى كان قادرا على إيجاد الجسم المعين من الأزل إلى الأبد ؛ فإذا خلق الجسم المعين ، يمتنع أن يقال: إنه بقي قادرا على إيجاده؛ لأن إيجاد الموجود محال، والمحال لا قدرة عليه ، فتعلُّق قادريته بإيجاد ذلك الجسم قد زال وفني”. انتهى
والجواب على هذه الشبهة أن يقال:
أولا: هذا الكلام أورده الفخر الرازي تحت “الفصل الخامس عشر بعنوان: “في بيان أن يمتنع كونه تعالى محلاً لغيره”. وهذا هو الأصل الذي عليه المعتمد المبين لما يليه من الكلام و الذي ينبغي أن يفهم في ضوءه كلام الفخر الرازي.
ثانيا: لا يسلم بصحة نسبة هذا الكلام للرازي، ففي بعض النسخ تحريف واضح و من يراجع نسخة هامش هذا الكلام يجد أنه مكتوب تحته على الهامش قبل كلمة: (وأنا أقول) ما نصه : “في (و) أي النسخة الثانية واو : الكرامية: قال الداعي إلى الله : وأنا أقول … الخ” . انتهى
أي في بعض النسخ الكلام منسوب للرازي و في نسخ أخرى أن القائل ليس الامام الفخر ولكنه شخص آخر أسمه الداعي إلى الله.
ثالثا: على تقدير صحة الكلام المنسوب للفخر الرازي فجواب ذلك أن يقال:
بدأ الفخر الرازي بعد تقرير استحالة قيام الحوادث بذات الله بمناقشة مبحث: “هل العقل السليم يقبل القول بأن الله عز وجل محلا للحوادث” و ليس مراده تصحيح هذه العبارة كما ظن بعضهم. فبدأ بذكر حجج كل فريق مع نقد كل حجة في حيادية تامة وموضوعية علمية، فمن ها هنا نقل أقوال الأشعرية وحججهم وانتقد تلك الحجج بنقود الخصوم ليظهر ضعفها من قوتها فيؤخذ القوي ويطرح الضعيف، تماما كما انتقد أقوال مخالفيهم بأقوالهم ونقودهم ، فيظن من لا يعرف أسلوبه أنه ينقض مذهب أهل السنة ويخالفه.
والحقيقة التي يغفل عنها هؤلاء أن الإمام في كتابه “المطالب العالية” كان يسعى إلى السبر والبحث في الأقوال والمذاهب دون ترجيح لأي منها في كثير من الأحيان على ما تقتضيه الموضوعية العلمية. فكان يورد أبحاثاً وإيرادات واعتراضات لا يقول بموجبها ولا تمثل حقيقة مذهبه.
قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان : ” وقد صرح في مقدمة “نهاية العقول”، أنَّه مُقَرِّرٌ مذهبَ خصمه تقريرًا لو أراد خصمُه تقريرَهُ لم يقدر على الزيادة على ذلك”. انتهى
وهذا كله من باب تكثير البحث وإعمال الفكر وشحذ الهمم لترتقي من حضيض التقليد إلى سمو البحث والنظر ورد الشبه وتقرير المذهب الحق كما أشار إلى ذلك في وصيته . فقد نقل محمد صالح الزركان في كتابه ” فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية “صحيفة 642 عن الفخر أنه قال: “وأما الكتب التي صنفتها واستكثرت فيها من إيراد السؤالات فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف القول السيئ فإني ما أردت إلا تكثير البحث وشحذ الخاطر، والاعتماد في الكل على الله تعالى”. انتهى
أما مذهبه في العقيدة كمتكلم أشعري سني فقد أبانه في عدة كتب كالأربعين والخمسين والمعالم والمحصل وغيرها…
فمن ذلك ما قاله في المحصل: “لا يجوز قيام الحوادث بذات الله تعالى خلافا للكرامية”. انتهى
وقال في كتابه الأربعين: “المسألة السابعة في أنه يستحيل قيام الحوادث بذات الله تعالى خلافا للكرامية”. انتهى
وقال في تفسيره 13/46 عند قوله تعالى: “لا أحب الآفلين ” – سورة الأنعام 76 – طبعة دار الكتب العلمية ما نصه: ” هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلا للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، وإلا لكان متغيرا، وحينئذ يحصل معنى الأفول وذلك محال” . انتهى
وقال رحمه الله في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين صحيفة 101 – طبعة الكليات الأزهرية – متكلما عن فرقة الكرامية الكفرة ما نصه: ” وفي الجملة فهم كلهم يعتقدون أن الله تعالى جسم وجوهر ومحل للحوادث”. انتهى
وقال رحمه الله في أساس التقديس ما نصه: ” ثبت في علم الأصول : أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب فإنه لا ينفك عن الحدث ، وما لا ينفك عن الحدث فهو محدث ، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب وجب أن يكون محدثا مخلوقا، والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك” انتهـى
و أما قوله:” أما الأشعرية, فإنهم يدَّعون الفرار من هذا القول ، إلا أنه لازم عليهم من وجوه”. انتهى
أي في الظاهر هو لازم عليهم أما في الحقيقة فليس بلازم عليهم و لا هم يلتزمونه. والفخر الرازي هنا يتكلم عن مسألة تعلق الصفات، ومن درس علم أصول الدين على طريقة متكلمي الأشاعرة يعلم يقينا أنهم يقولون في مسألة التعلق بتغير الإضافات فقط و التي هي عندهم أمور اعتبارية انتزاعية لا توصف بالحدوث ونسبتها لله عز وجل لا توجب تغيرا في ذاته و لا في صفاته. فإطلاق الرازي عليها اسم حوادث فيه مجاوزة لأن القول بالنسب و الإضافات في الأصل ينسب إليه كما أشار لذلك الإمام المقري في منظومته المسماة المنظومة المقرية:
واختلف الأشياخ في التعلق فقيل: نفسي لدى التحقق
أي طلب الصفات زائدا على قيامها بذات موصوف علا
إلى أن قال:
وقيل: نسبة و للفخر انتمى ذا القول و السعد ارتضاه فسما
فالحاصل أن الفخر الرازي يريد بكلامه ذلك وقوع التغيير في الإضافات المعبر عنها بمتعلَقات الصفات عند الأشاعرة لا تغيير الصفات القائمة بذات الله تعالى بدليل قوله في المطالب العالية جزء 2 صحيفة 108: ” أما القول بحدوث الصفات الإضافية فذاك أمر يجب الاعتراف به ولا يمكن إنكاره البتة”. انتهى
وبدليل أنه ألزم الكرّامية وحدهم من دون سائر الفرق بالقول بالتغيّر في ذات الله فقال في كتاب “الأربعين في أصول الدين ” جزء 1 صحيفة 170: “إذا عرفت هذا، فنقول: أما وقوع التغير في الإضافات، فلا خلاص عنه، وأما وقوع التغير في الصفات الحقيقية، فالكرامية يثبتونه، وسائر الطوائف ينكرونه. فظهر الفرق في هذا الباب بين مذهب الكرامية و غيرهم “. انتهى و نقله أيضا ابن تيمية في درء التعارض
و أما قوله: “الأول : أنه تعالى كان قادرا على إيجاد الجسم المعين من الأزل إلى الأبد ؛ فإذا خلق الجسم المعين ، يمتنع أن يقال: إنه بقي قادرا على إيجاده؛ لأن إيجاد الموجود محال، والمحال لا قدرة عليه ، فتعلُّق قادريته بإيجاد ذلك الجسم قد زال وفني”. انتهى
فجوابه أن يقال أن حدوث التغيّر في متعلَّقات الصفات عند الأشاعرة لا يستوجب حدوث التغيّر في ذات الله عز وجل. فوظيفة القدرة هي التأثير في الممكنات العقلية إيجادا و إعداما. و نسبتة القدرة للممكنات الموجودة كنسبتها للممكنات المعدومة على السوية. فترجيح وجود الممكن على عدمه أو ترجيح عدمه على وجوده هو بتأثير القدرة. وهو تأثير واجب لهذه الصفة في الأزل و فيما لا يزال ولا يتغير باختلاف الممكنات لأن تغيرها عدما أو وجودا لا يوجب تغيرا في الصفة.
رابعا: بالنسبة للنسخ التي فيها نسبة الكلام للإمام الرازي، فإن علماء الأشاعرة لم يقبلوا ذلك الكلام منه – على تقدير صحة نسبته إليه- فقد
قال صفي الدين الهندي في الرسالة التسعينية: “وما قال الإمام في هذا المقام أن أكثر العقلاء قالوا به وإن أنكروه باللسان وبينه بصور، فليس كذلك، لأن أكثر ما ذكر من تلك الأمور فإنما هي أمور متجددة لا مستحدثة، والمتجدد أعم من الحادث، ولا يلزم من وجود العام وجود الخاص، بل الخلاف فيه مع المجوس والكرامية”. انتهى
وقال التفتازاني في شرح المقاصد بعد أن حرر محل النزاع : “وبهذا يندفع ما ذكره الإمام الرازي من أن القول بكون الواجب محلاً للحوادث لازم على جميع الفرق وإن كانوا يتبرؤون منه……
ثم قال: وهم لا يقولون بوجود كل إضافة حتى يلزم اتصافه بموجودات حادثة على ما هو المتنازع، وهذه الشبهة هي العمدة في تمسك المجوزين فلا تكون واردة في محل النزاع”. انتهى
وقال ابن تيمية في درء التعارض: “وقد عارض بعضهم الرازي فيما ذكره من أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف فقال: المراد بالحادث: الموجود الذي وجد بعد العدم ذاتا كان أو صفة أما ما لا يوصف بالوجود – كالأعدام المتجددة والأحوال عند من يقول بها والإضافات عند من لا يقول: إنها وجودية – فلا يصدق عليها اسم الحادث وإن صدق عليها اسم المتجدد فلا يلزم من تجدد الإضافات والأحوال في ذات الباري أن تكون محلا للحوادث”. انتهى
رابط ذو علاقة:
نقض دعوى أن ابن حجر نسب للرازي أنه قال عن الله تعالى أنه متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته.
https://www.facebook.com/…/a.38068…/1127151890696889/…


بيان ما نقله ابن حجر عن الفخر الرازي أنه قال ان القول بأن الله يتكلم بكلام يقوم بمشيئته هو أصح الأقوال
ينقل بعض المجسمة عن الحافظ ابن حجر أنه قال في الفتح: ” وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال : إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلا وعقلا ، وأطال في تقرير ذلك “. انتهى
والرد على هذه الشبهة أن يقال: هذا الكلام نقله ابن حجر عن شخص مجهول لم يذكر اسمه. فبعد أن نقل كلام ابن حزم في الملل و النحل قال الحافظ: ” وقال غيره” ثم ساق كلامه و فيه: وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية… “.
وفي ما يلي نص عبارة الحافظ ابن حجر في فتح الباري 13/455 حيث قال بعد أن ساق كلام ابن حزم: ” وقال غيره : “اختلفوا فقالت الجهمية والمعتزلة وبعض الزيدية والإمامية وبعض الخوارج : كلام الله مخلوق خلقه بمشيئته وقدرته في بعض الأجسام كالشجرة حين كلم موسى ، وحقيقته قولهم : إن الله لا يتكلم وإن نسب إليه ذلك فبطريق المجاز ، وقالت المعتزلة يتكلم حقيقة لكن يخلق ذلك الكلام في غيره وقالت الكلابية : الكلام صفة واحدة قديمة العين لازمة لذات الله كالحياة ، وأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وتكليمه لمن كلمه إنما هو خلق إدراك له يسمع به الكلام ونداؤه لموسى لم يزل لكنه أسمعه ذلك النداء حين ناجاه ويحكى عن أبي منصور الماتريدي من الحنفية نحوه لكن قال : خلق صوتا حين ناداه فأسمعه كلامه ، وزعم بعضهم أن هذا هو مراد السلف الذين قالوا : إن القرآن ليس بمخلوق ، وأخذ بقول ابن كلاب القابسي والأشعري وأتباعهما وقالوا : إذا كان الكلام قديما لعينه لازما لذات الرب وثبت أنه ليس بمخلوق فالحروف ليست قديمة ؛ لأنها متعاقبة ، وما كان مسبوقا بغيره لم يكن قديما ، والكلام القديم معنى قائم بالذات لا يتعدد ولا يتجزأ بل هو معنى واحد إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن أو بالعبرانية فهو توراة مثلا وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى أن القرآن العربي كلام الله وكذا التوراة ، وأن الله لم يزل متكلما إذا شاء وأنه تكلم بحروف القرآن وأسمع من شاء من الملائكة والأنبياء صوته ، وقالوا : إن هذه الحروف والأصوات قديمة العين لازمة الذات ليست متعاقبة بل لم تزل قائمة بذاته مقترنة لا تسبق والتعاقب إنما يكون في حق المخلوق بخلاف الخالق ، وذهب أكثر هؤلاء إلى أن الأصوات والحروف هي المسموعة من القارئين ، وأبى ذلك كثير منهم فقالوا ليست هي المسموعة من القارئين ، وذهب بعضهم إلى أنه متكلم بالقرآن العربي بمشيئته وقدرته بالحروف والأصوات القائمة بذاته وهو غير مخلوق لكنه في الأزل لم يتكلم لامتناع وجود الحادث في الأزل ، فكلامه حادث في ذاته لا محدث ، وذهب الكرامية إلى أنه حادث في ذاته ومحدث ، وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال : إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلا وعقلا ، وأطال في تقرير ذلك “. انتهى
فحتى قوله: ” وأطال في تقرير ذلك” هذا ليس من كلام ابن حجر، فهذا الغير هو الذي نقل الحافظ عنه الكلام المنسوب للإمام الرازي وهو الذي حرف كلام الفخر الرازي لأنه لا وجود له في كتاب المطالب العالية , لا في مباحث الكلام و لا في غيره من المباحث. بل الموجود عكسه فقد خصص الفخر الرازي في الجزء 2 صحيفة 106 فصلا مخصوص بعنوان “الفصل الخامس عشر : في بيان أن يمتنع كونه تعالى محلاً لغيره”. ومن قال خلاف ذلك فليأت به من كتاب المطالب.
وقد رد الحافظ ابن حجر هذا القول وقال:” والمحفوظ عن جمهور السلف ترك الخوض في ذلك والتعمق فيه ، والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله وأنه غير مخلوق ثم السكوت عما وراء ذلك ” انتهى
فهذا كلام الحافظ رحمه الله وليس فيه إقرار بالكلام المنسوب للرازي الذي نقله ذلك الشخص المجهول متصرفا فيه. ونقل ذلك الشخص المجهول عن الفخر الرازي غير دقيق لأنه أراد أن يثبت هذه الأشياء عليه ويظهره أنه يتبنى القول من قبله و الصحيح أن الفخر ينقل الأقوال من غير تقرير. ولا يبعد أن يكون ذلك الشخض الذي لم يذكر الحافظ اسمه هو ابن تيمية لأنه يشبه أسلوبه في سبك العبارات و ولأنه سبق أن نسب إلى الفخر الرازي مقالات لا تثبت عنه.
كما ينبغي الإشارةهنا إلى طريقة الفخر الرازي في “المطالب العالية” التي تخالف طريقته في سائر كتبه فإنه حاول عرض و سبر الأقوال والمذاهب بحياد وتجرد ودون ترجيح لأي منها في كثير من الأحيان. فسعى في هذا الكتاب إلى البحث والجمع والكشف أكثر مما هدف إلى إثبات عقيدة أهل السنة أو نصرتها.
كما ينبغي التنبيه أيضا أن الإمام قد ينقل وجها او حجة للفلاسفة أو المعتزلة بلسان أحدهم وحكايته له مع إيراد ما ذكروه في دفع حجج خصومهم من اهل السنة وإبطالها فيستغرق ذلك عشرة صفحات ويختلط الكلام في أثناءها فيظنه البعض كلامه وهو ليس كلامه ، فيجب التنبه جيدا عند قراءته حتى يعرف المعنى ويعرف إلى من ينسب الكلام. ومن أجل هذا انتقده بعض أهل العلم بأنه يورد الإشكالات ناجزة ويحلها نسيئة حتى ليخيل للقارئ أنه يقول بهذه النقول ، وليس كذلك ، لأنه قد نبه أكثر من مرة في المطالب إلى الرجوع إلى بعض كتبه كالمحصل وأصول الدين لمعرفة تفصيل المسألة لدى أهل السنة. فمذهبه في العقيدة كمتكلم أشعري سني قد سطره رحمه الله في عدة كتب أخرى كالأربعين والمعالم والمحصل و في ثنايا تفسيره للقرآن الكريم.
