مراجعة نقدية للروايات المتعلقة بأعداد الجواري والإماء خلال الفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا
أورد الدكتور محمد الطالبي في كتابه الدولة الأغلبية: التاريخ السياسي، جملة من الأرقام المبالغ فيها والمتضاربة حول أعداد الأسرى والجواري الذين نُقلوا إلى المشرق خلال الفتوحات الإسلامية لشمال إفريقيا. حيث ينقل أن عقبة بن نافع أسر 80 ألف عبد، وأن حسان بن النعمان أرسل 35 ألفًا، بينما أرسل موسى بن نصير خُمس 300 ألف عبد إلى الشرق، أي نحو 60 ألفًا، فضلًا عن “هدية” من ألف عبد.
ورغم اعتراف الطالبي نفسه بصعوبة الوثوق بهذه الأرقام، حيث قال: “ومن البديهي أنه لا يمكن الوثوق الآلي بالأرقام المتضاربة التي تقدمها لنا كتب التاريخ”، إلا أنه في الوقت ذاته قرر أن هذه الأرقام، رغم طابعها الخيالي، “تمدّنا بتقدير ثابت…”، وهنا يبرز التناقض المنهجي في كلام الطالبي؛ إذ كيف يُبنى “تقدير ثابت” على معطيات وصفها المؤلف ذاته بأنها “متضاربة” و”خيالية”؟
إن هذا التناقض يُفقد الحجة التاريخية تماسكها العلمي، ويثير تساؤلات جوهرية حول مناهج التحقق في التعامل مع الروايات التاريخية.
الأكثر إشكالًا أن الطالبي لا يُفصح عن معايير التوثيق التي اعتمدها في هذا السياق، في ظل غياب المصادر المعاصرة للأحداث. إذ إن الروايات التي يستند إليها لا تعود إلى فاعلين أو شهود عيان من زمن الفتوحات، بل إلى مؤلفين متأخرين نسبيًا، منهم:
– جورج ألفريد مارسيه Georges Alfred Marçais،
الذي توفي عام 1962، واستقى معلوماته من مصادر نقلت من المؤرخ البيزنطي ثيوفان المعترف، المولود سنة 758 ميلادي، أي بعد نحو قرن من الأحداث.
– ابن عذاري المراكشي الذي عاش في القرن 13 ميلادي
– عبد الله بن محمد المالكي القيرواني المتوفى بعد سنة 1061 ميلادي.
– ابن عبد الحكم المولود عام 187هـجري، وهو أيضًا كتب بعد أكثر من قرن عن الوقائع المدعاة.
هذه الفجوة الزمنية بين الحدث والمصدر تُضعف الحجية التاريخية للروايات، خاصة وأنها خلت من أسانيد واضحة، مما يفتح الباب لاحتمالات المبالغة أو التوظيف السياسي أو الطائفي.
فلا الطالبي ولا غيره يعلم مصادر تلك الأرقام، هل هم بعض يهود شمال افريقيا أو بعض النصارى، أو بعض البربر الناقمين على المسلمين أو حتى بعض الفرق الاسلامية المعادية للأمويين.
كما استشهد الطالبي بما نُقل عن الإمام الليث بن سعد حيث قال: ” وقد انبهر الليث بن سعد الذي كان يتزعم المنهج الشرقي في هذه الوقائع قائلاً: «لم يسمع قط بمثل سبايا موسى بن نصير في الإسلام”. انتهى
ويُقدّم هذه الرواية بوصفها تأكيدًا على كثافة السبي. إلا أن مصدر هذه الرواية أيضًا يعود إلى ابن عذاري، مما يضعف من موثوقيتها. كما أن صيغة “لم يُسمع قط” قد تُشير إلى انبهار فردي أكثر مما هي توثيق تاريخي دقيق.
وقال الطالبي أيضا: “ويؤيد عدد من الجزئيات في حياة موسى (يروى أنه كان يوزع المال بكثرة على أنصاره من البربر)، إن لزم الأمر، أن الليث لم يكن يبالغ قط”. انتهى
وهذا نقله أيضا على ابن عذاري كما في حاشية الصفحة.
وأضاف الطالبي قولًا نسبه لياقوت الحموي، حيث قال في كتابه: “كانت النسوة مطلوبات بصورة خاصة تقديرًا لجمالهن. روى ياقوت أنه كان يُقال عن البربر في الشرق ما يلي: تزوجوا نساءهم ولا تؤاخوا رجالهم. وقد كان يعمل بهذه النصيحة، لا أغنياء الأعيان فقط، الذين كانوا يملكون حرما عامرة جدا بل أيضًا الأمراء والخلفاء الذين كانوا لا يترددون عند الحاجة في مكاتبة ولاتهم بالقيروان في هذا الأمر”. انتهى
فقدم هذا الكلام بوصفه شاهدًا على رغبة أهل المشرق في نساء البربر. غير أن ياقوت نفسه ساق العبارة بصيغة التمريض، مما يُفقدها قوة الإسناد التاريخي. ثم إن هذا النص، حتى لو صح، يدل على الرغبة في الزواج من النساء البربريات لا اتخاذهن جواري، وهو ما يُخالف دلالة الاستشهاد الأصلي لدى الطالبي.
إن هذا الاستخدام الانتقائي والمفارق للمصادر التاريخية من قِبل الطالبي لا يُسعف أطروحته بقدر ما يضعها في سياق الرواية النمطية التي رسّخها بعض المستشرقين أو خصوم الفتوحات الإسلامية. وغياب النقد الداخلي لهذه المصادر، مع تجاهل السياقات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تحيط بالفتوحات، يؤدي إلى تكريس صورة نمطية عن المسلمين كمجرد غزاة يسعون خلف السبي والغنائم.
وعليه، فإن مراجعة مثل هذه الادعاءات يجب أن تخضع لضوابط البحث التاريخي الرصين، الذي يميّز بين الرواية الموثوقة وبين ما هو أقرب إلى الأدب الشعبي أو الخطاب الدعائي.
روابط ذات علاقة:
اكذوبة سبايا موسى بن نصير
https://www.facebook.com/share/p/161Rj2Yc1v/
رد شبهة ايماء أمازيغيات في قصور خلفاء المشرق
