جمع القرٱن و تدوينه زمن النبي صلى الله عليه وسلم

جمع القرٱن و تدوينه زمن النبي صلى الله عليه وسلم

القرآن كان مجموعا في زمن النبي صلى الله عليه و سلم كما دلت على ذلك بعض الروايات:

فقد جاء في صحيح البخاري الجزء الرابع كتاب الجهاد و السير ما نصه: ” حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.»

كما كان للنبي عليه الصلاة و السلام بعض الكتبة مثل زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان

جاء في سير أعلام النبلاء الجزء الثالث في ترجمة معاوية نقلا عن أبي عوانة عن أبي حمزة ، عن ابن عباس ، قال : “كنت ألعب مع الغلمان ، فدعاني النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال : ادع لي معاوية . وكان يكتب الوحي”. انتهى

و الهدف من الكتابة كان لأمرين:

-الأول هو انتشار المصاحف بين ايدي اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليكون مرجعا لهم في حفظهم بعد تلقيه بالسماع من النبي عليه الصلاة و السلام.

– الثاني: تمكن كتبة الوحي من رسم المصحف لأن الرسم توقيفي.

فإن قيل: هل كان كل الصحابة يذهبون بالقران الى بيوتهم بعد ان يُملى عليهم مقاطع من القران او سور كاملة ام كانوا يجمعون تلك المواد في مكان واحد ؟

فالجواب على ذلك أن يقال أنه لا توجد رواية ثابتة تدل على أن الصحابة كانوا يجمعون القرآن في مكان واحد بعد ان يكتبوه، بل الدلائل تشير فقط الى ان بعض كتبة الوحي كانوا يكتبون القرآن عند النبي بعد نزول الوحي عليه ثم يحتفظون بها لأنفسهم.

-روى الترمذي و الحاكم ان زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ” . انتهى أي: نجمعه لترتيب آياته من الرقاع.

واما دعوى وجود مكان واحد يتم فيه جمع الرقاع أو الحوامل البدائية للقرآن، زمن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك باطل. بل إن قصة جمع زيد بن ثابت للقرآن في زمن أبي بكر تؤكد أن القرآن لم يكن مجموعا كله في مكان واحد، حيث أنه جمعه من حوامل متفرقة.

والعجيب أن الباحث خالد بلكين تساءل لماذا لم يحتفظ النبي صلى الله عليه و سلم بتلك المواد أو الحوامل المكتوبة في حجرة له.

وهذا تساءل باطل لسببين :

– ان الحديث يذكر فقط حجرة مكونة من حصير، و هو البساط و هذا يسهل الدخول اليه و الخروج منه بل خلعه.

– ان الحجرة من حصير كان النبي صلى الله عليه وسلم يضعها في رمضان فقط في المسجد و ليس في كل الاوقات .

روى البخاري في صحيحه، تحت كتاب الاذان باب صلاة الليل: ” حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ، فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ». قَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا مُوسَى: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عَنْ بُسْرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. “. انتهى

وروى البخاري أيضا في الجزء التاسع تحت كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة: ” حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ يُحَدِّثُ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً، فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ.» . انتهى

وجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح الجزء الثالث، تحت كتاب الصلاة باب قيام شهر رمضان ما نصه: ” (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ) ، أَيْ: فِي رَمَضَانَ (حُجْرَةً) : بِالرَّاءِ، وَذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ الشَّيْخُ لِلْأَكْثَرِ بِالرَّاءِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالزَّايِ (فِي الْمَسْجِدِ) ، أَيْ: فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (مِنْ حَصِيرٍ) ، أَيْ: لِصَلَاتِهِ تَطَوُّعًا وَانْفِرَادِهِ لِلذِّكْرِ وَالْفِكْرِ تَضَرُّعًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: حَجَرَ عَلَى مَحَلِّهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ بِحَصِيرٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ لِمَا فِي الْخَلْوَةِ مِنَ الْأَسْرَارِ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْجِلْوَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ بِالنَّاسِ أَفْضَلُ مِنِ اعْتِزَالِهِمْ مَحَلُّهُ فِي اعْتِزَالِهِمُ الدَّائِمِ، أَمَّا الِاعْتِزَالُ عَنْهُمْ فِي أَوْقَاتٍ فَاضِلَةٍ أَوْ مِنْ شَأْنِهَا الِاعْتِزَالُ فِيهَا، وَلَا ضَرُورَةَ بِهِمْ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي وَقْتِ اعْتِزَالِهِ، وَإِنِ اضْطُرُّوا إِلَيْهِ أَمْكَنَهُمْ سُؤَالُهُ وَالْفَوْزُ بِمَآرِبِهِمْ مِنْهُ، أَوْ لِتَعْلِيمِهِمْ، إِيثَارَ الِاعْتِزَالِ فِي مِثْلِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْرُقَهُ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمُخَالَطَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ اهـ.

وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا، وَجَعَلَ الْحَصِيرَ لِيَحْجِزَهُ عَنِ النَّاسِ حَالَ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَالسَّآمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ دَخْلٌ أَبَدًا فِي مَسْأَلَةِ الِاعْتِزَالِ”. انتهى

وهذا لا يمنع أن يقال أن النبي صلى الله عليه و سلم قد عهد لكتبة مخصوصين بجمع القرآن وأن يحتفظ كل واحد منهم بما قام بجمعه حتى إذا نزلت آيات أخرى من سورة معينة يرشدهم لمكان وضعها.

روى عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول: “ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا”. رواه أحمد الحاكم، وحسنه الحافظ ابن حجر.

كما لا يمنع كون النبي صلى الله عليه و سلم كان له مصحف خاص به كتبه له بعض الصحابة، فقد جاء في الاحاد و المثاني لابن ابي عاصم، في الجزء الثالث ما نصه: ” حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، نا أَبُو مُحَيْرِزٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ ثَقِيفٍ فَقَالُوا لِي: احْفَظْ لَنَا مَتَاعَنَا وَرِكَابَنَا. فَقُلْتُ: عَلَى أَنَّكُمْ إِذَا فَرَغْتُمُ انْتَظَرْتُمُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ خَرَجُوا، «فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ مُصْحَفًا كَانَ عِنْدَهُ فَأَعْطَانِيهِ» قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ: هَذَا مِمَّا يُحْتَجُّ أَنَّ الْقُرْآنَ جُمِعَ فِي الْمَصَاحِفِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُسَافِرُوا بِالْمَصَاحِفِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» . وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَجْمُوعًا فِي الْمَصَاحِفِ”. انتهى

وأما الصحابة الذين قاموا بجمع القرآن فقد ورد ذكرهم في بعض المرويات:

– روى البخاري في صحيحه عن قتادة قال: “سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ”. انتهى

-روى عن أنس بن مالك أنه قال: “مَاتَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ”. انتهى

وهذه الأحاديث لا يراد بها الحصر الحقيقي وإنما يراد بها الحصر الاضافي في ما يتعلق بجمع القرٱن و كتابته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وليس المراد بالجمع هنا تدوينه في مصحف واحد بل تجميع الرقاع و اللخاف و غيرها من المواد التي كتب عليها القرٱن بين يدي النبي.

فتعدد ذكر الذين قاموا بجمع القرٱن زمن النبي يدحض دعوى ضياع بعضه و شبهة أكل الداجن لبعض الرقاع…..

واما قراءة القرٱن و حفظه، فنذكر في ما يلي بعض أسماء الصحابة الذين نقلت عنهم القراءات وهم كالتالي:

-عثمان بن عفان

-علي بن أبي طالب

-عبد الله بن مسعود

-أبي بن كعب

-زيد بن ثابت

-عبد الله بن عباس

-أبو موسى الأشعري

– أبو هريرة

-عمر بن الخطاب

-عبيد بن أبي نضلة.

الحسين بن علي

-أبو الدرداء

#سلسلة الرد على #خالد_بلكين