شرح القرافي لعبارات ابن أبي زيد القيرواني في العقيدة

شرح القرافي لعبارات ابن أبي زيد القيرواني في العقيدة

قال أبُو العبَّاس شِهابُ الدِّين أَحمدُ بنُ إدريسَ القَرافِيُّ المالكيُّ المتوفى سنة 684 هـجري في الذَّخيرة: ” قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: “اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ، وَإِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهِ”. وَقَالَ فِي “الرِّسَالَةِ”: “اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ”. وَهَذَا أَقْرَبُ لِلتَّأْوِيلِ مِنَ الْأَوَّلِ، أَيْ: بِغَيْرِ مُعِينٍ، بَلْ بِذَاتِهِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَغَيْرِهِ. وَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ بِالِاسْتِوَاءِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ، فَيَبْقَى غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

فَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ: إِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْجِهَةَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ إِذَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ النَّافِيَةِ لِلْجِهَةِ. وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ إِجْرَاءُ النُّصُوصِ كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَيَقُولُونَ: لَهَا مَعَانٍ لَا نُدْرِكُهَا، وَيَقُولُونَ: هَذَا اسْتِوَاءٌ لَا يُشْبِهُ الِاسْتِوَاءَاتِ، كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ. فَكَذَلِكَ يَكُونُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ دُونَ أَرْضِهِ: فَوْقِيَّةً لَا تُشْبِهُ الْفَوْقِيَّاتِ. وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَنَاصِبِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ”. انتهى

فهذه التَّوجيهات لِعبارات ابنِ أبي زَيد القَيرواني في مسألة الاستِواء صَدرت عن إمامٍ مالِكيٍّ أُصوليٍّ مُحقِّق، عارفٍ بأساليب أئمَّة المذهب المالِكي وعباراتِهم ومُصطلحاتِهم، ألا وهو الإمامُ القَرافيُّ، الَّذي عُرف بدِقَّة النَّظر الأُصولي، وقوَّة التَّحقيق الكلامي.

وقد رأى الإمامُ القَرافيُّ أنَّ عِبارة الإمام ابنِ أبي زَيدٍ القَيرواني في “الرِّسالة”: “اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ” ، هي أقرب للتَّأويل مِن عبارته في “الجامع”: ” اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ” ، إلَّا أنَّ هذا التَّرجيح لا يعني بِحالٍ أن تُحمل عبارته الأخيرة هذه على إثباتِ الجِهة الحِسِّيَّة لله تعالى؛ إذ إنَّ ذلك يَتعارض صَراحةً مع نُصوصه المُحكمة في نَفي لوازمِ الجِهة كالتَّجسيم وقِيام الحوادث.

ويَظهرُ مِن شرح الإمامِ القَرافيِّ لِعبارة الرِّسالة، أنَّ مُراد الإمامِ ابنِ أَبي زَيد القَيرواني بإضافته الاستِواء إلى الذَّات، إنَّما هو تَأكيد استِقلالِ الرَّبِّ في فِعله، وتَنزيهه عن الاستِعانة بمُعين أو واسطِة في استِوائه على العَرش، وهو يُشير بهذا إلى كمال القُدرة الإلهيَّة.

ولَمَّا كان العرش أعظم المخلوقات، فإنَّ استِواء الله عليه دالٌّ – بِطريق الأَولى – على استِوائه تعالى على سائِر ما دون العرش مِنَ المخلوقات.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ تَوجيه الإمام القَرافي لعبارة “الرِّسالة” راجعٌ إلى المعاني اللَّائقة بجلال الله تعالى، كالقَهر، والغَلبةِ، والملك، والسُّلطان، كما في قوله تعالى: ” وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ” – الأنعام: 18-

وهذا التَّفسير يَسري كذلك على عِبارة الإمام ابنِ أبي زَيد القَيرواني الأخرى الَّتي في “الجامع”؛ لأنَّ كلام الإمام يُفسِّر بعضه بعضاً، والأصل حمل ما أشكل منه على ما وضح.

وهكذا يتبيَّن أنَّ هذا التَّوجيه الَّذي اعتمدَه الإمامُ القَرافيُّ في فَهم كلامِ الإمامِ ابنِ أبي زَيد القَيرواني في الاستِواء، هو أميَل إلى التَّأويل التَّفصيلي المنضبط.

ويُسجِّل الإمام القَرافيُّ هنا استِدراكًا منهجيًّا على جماعة منَ المُجتَهدين؛ حيثُ تَوَهَّموا أنَّ مثل هذه الإطلاقات في كلام الإمامِ ابنِ أَبي زَيد القَيرواني، والحافظ ابنِ عبدِ البرِّ، تَتضمَّن إثبات الجِهة لله تعالى.

وقد غفل هؤلاء – كما بَيَّن الإمامُ نقلًا عن بعضِ الفُضلاء – عنِ المُحكمات الصَّريحة الواردة في كلام الإِمامَين في نَفي لوازم الجِهة، على غرار تَنزيه الله عن قِيام الحوادث، والتَّمكُّن في مكان، وسائِر ما يقتضيه التَّجسيم.

لأجل هذا كان هذا المسلك غَير سديد؛ لأنَّ المنهج العِلمي يَقضي بردِّ المُتشابه إلى المُحكم، لا العكس.

فلا يَجوز إذاً تَحميل هذه الإطلاقات الظّنِّيَّة ما يُعارض النُّصوص الصَّريحة الواضحة، لا سيِّما وأنَّ الإمامَين المذكورَين قد صرَّحا في غير مَوضع بتَنزيه الله تعالى عن لوازم الجِهة.

وعليه، فالصَّواب – عند هؤلاء الفُضلاء – أنَّ الإمامَ ابنَ أبي زَيد القَيرواني والحافظ ابن عبد البرِّ إنَّما يُثبتان لله تعالى فَوقيَّةً واستِواءً مُنَزَّهَين عن لَوازم الجِهة والمكان والحركة والحدود، من دُون خَوضٍ في تَعيين المعنى على وَجه التَّفصيل.

وهُو تَوجيه مُعتَبرٌ عند الإمامِ القَرافيِّ، وقد عبَّر عنه بقوله ” وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَنَاصِبِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ”.

لهذا فقد مال الإمامُ القَرافيُّ إلى الانتِصار لِمن بَرَّأ الإمامَ ابنِ أبي زَيد القَيرواني والحافظ ابن عبد البرِّ مِن القَول بالجِهة؛ اعتِمادًا على نُصوصهما المُحكمة في تَنزيه الله عن معاني الجِسميَّة، لا على تأويلات مُجتزَأة مِن أَلفاظ مُحتملة كما يَفعل التَّيميَّة المُجسِّمة.

وهذا هو التَّوجيه الثَّاني لكلام الإمامِ ابنِ أبي زَيد القَيرواني في الاستِواء، وهو أميَل إلى طريقة الإثبات مع التَّنزيه والتَّفويض.

رابط ذو علاقة:

https://www.facebook.com/share/p/1FP6f1pWdy/