- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي المعروف بموفق الدين بن قدامة – الجزء الأول-
- حكم من ينسب لله الحرف والصوت
- كلام الله عز وجل
- كلام شيخ المالكية في زمانه أبي محمد بن إسحاق القَرَوِي في تنزيه الله
- نقض دعوى أن الحافظ ابن حجر قال عن كلام الله أنه بحرف وصوت
- بيان ما نقله ابن حجر عن الفخر الرازي أنه قال ان القول بأن الله يتكلم بكلام يقوم بمشيئته هو أصح الأقوال
- حديث إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة
- كتاب خلق أفعال العباد للبخاري
- كلام الحافظ ابن حجر حول نسبة الصوت لله
- بيان كلام الحافظ ابن حجر عن البخاري وقوله ان الله يتكلم كيف يشاء
- تفنيد الروايات المنسوبة للإمام أحمد أن الله يتكلم بحرف وصوت
أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي المعروف بموفق الدين بن قدامة – الجزء الأول-
هو موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة بن مقدام، العدوي، القرشي، المقدسي، الجَمَّاعيلي، ثم الدمشقي، الصالحي أحد أئمة وشيوخ المذهب الحنبلي، توفي سنة 620 هجري.
تتلمذ بن قدامة على ابن الجوزي وعبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، وغيرهما من مشائخ الحنابلة.
2- مؤلفاته
لابن قدامة عدة مؤلفات نذكر منها:
– المغني
-المقنع
-الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل
-كتاب التوابين
– لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد
– ذم التأويل
– روضة الناظر وجنة المناظر
– تحريم النظر في كتب الكلام
– الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم
– إثبات صفة العلو
– المناظرة في القرٱن
3- اظطرابه في علم الأصول
كان ابن قدامة علما من أعلام الفقه الحنبلي، لكنه كان مضطربا في علم أصول الدين، يقول بالتفويض تارة و بالتجسيم الصريح تارة أخرى.
قال الكوثري عنه: “وله أيضاً , الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم ، وفيه عجائب . فيكون اعترف فى أول خطوة أن الحق بيد المعتزلة وهو لا يشعر، فإذا كان حال الموفق هكذا فماذا يكون الحال من دونه”. انتهى
و قال أبو شامة المقدسي في مختصر الروضتين: “كان إماما من أئمة المسلمين علما من اعلام الدين في العلم و العمل صَنَّفَ كُتُباً كَثِيْرَةً حسانا في الفقه و غيره و لكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات و الكلام هو على الطريقة المشهورة عن اهل مذهبه فسبحان من لم يوضح الامر له فيها على جلالته في العلم و معرفته بمعاني الاخبار و الاثار”. انتهى
وأبو شامة هو شيخ النووي وأحد من تولى دار الحديث الأشرفية، مما يدل على مكانته العلمية بين علماء عصره.
قال ابن ناصر الدين عنه: ” حافظ ثقة، علامة مجتهد”
وقال ابن كثير: أخبرني الحافظ علم الدين البرزالي عن الشيخ تاج الدين الفزاري أنه كان يقول: ” بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة درجة الاجتهاد”.
وعليه فلا معنى لتعقيب الذهبي على أبي شامة في ما يتعلق بكلامه عن ابن قدامة، فالذهبي مجرد مقلد وليس بمجتهد.
4- كلامه في التفويض
أ- قال موفق الدين المقدسي في لمعة الاعتقاد في معرض كلامه عن النصوص التي توهم التشبيه: “وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرّض لمعناه”. انتهى
ونحو هذا نقله عنه تلميذه الرسعني في تفسيره.
وهذا عينه مذهب التفويض الذي يعتبره المشبخة شر المذاهب، فابن قدامة يذكر هنا أن ما ثبت من النصوص الصحيحة وأوهم ظاهره التشبيه، ينبغي إثباته لفظا وترك التعرّض لمعناه.
العجيب أن ابن تيمية نفسه وافقه في هذه القاعدة وقال في التدمرية: “القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه عز وجل فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه”. انتهى
وان كان ينبغي تقييد عبارة ابن تيمية بالقول: ” فما جاء في الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة المتفق على توثيق رواتها، وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه.
ب- وقال موفق الدين المقدسي أيضا في روضة الناظر وجنة المناظر، ما نصه: “والصحيح أن المتشابه: ما ورد في صفات الله سبحانه مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: “الرحمن على العرش استوى”، “بل يداه مبسوطتان”، “لما خلقت بيدي”، “ويبقى وجه ربك”، “تجري بأعيننا”، ونحوه”. انتهى
و قال أيضا في نفس الكتاب: “فإن قيل: فكيف يخاطب الله الخلق بما لا يعقلونه؟ أم كيف ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله؟ قلنا: يجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله؛ ليختبر طاعتهم، كما قال تعالى: “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين”، “وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم” الآية، “وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس”، وكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة مع أنه لا يعلم معناها”. انتهى
ج- وقال في ذم التأويل: ” الخامس: أن قولهم: “آمنا به كل من عند ربنا” كلام يشعر بالتفويض والتسليم لما لم يعلموه؛ لعلمهم بأنه من عند ربهم كما أن المحكم المعلوم معناه من عنده”. انتهى
وقال أيضًا في نفس الكتاب: “لا تعلم صفاته وأسماؤه إلا بالتوقيف، والتوقيف إنما ورد بأسماء الصفات دون كيفيتها وتفسيرها”. انتهى
فهنا ينفي الكيفية عن صفات رب العالمين وينكر تفسيرها أصلا.
وقال: ” فثبت بما ذكرناه من الوجوه أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن متّبعه من أهل الزيغ”. انتهى
د- وقال في تحريم النظر في كتب الكلام: “فإنه لا حاجة لنا إلى علم معنى ما أراد الله تعالى من صفاته جل وعز، فإنه لا يراد منها عمل، ولا يتعلّق بها تكليف سوى الإيمان بها. ويمكن الإيمان بها من غير علم معناها، فإن الإيمان بالجهل صحيح”. انتهى
وقال أيضا في نفس الكتاب: “وأما إيماننا بالآيات وأخبار الصفات فإنما هو إيمان بمجرد الألفاظ التي لا شكّ في صحتها ولا ريب في صدقها، وقائلها أعلم بمعناها، فآمنا بها على المعنى الذي أراد ربنا تبارك وتعالى”. انتهى
5- كلامه عن المرويات التي تثبت بها صفات الله عز وجل
قال موفق الدين المقدسي في كتابه ذم التأويل: “ينبغي أن يعلم أن الأخبار الصحيحة التي ثبتت بها صفات الله تعالى هي الأخبار الصحيحة الثابتة بنقل العدول الثقات التي قبلها السلف ونقلوها ولم ينكروها ولا تكلموا فيها، وأما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إما لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلة فيها لا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها، بل وجودها كعدمها، وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم. فمن كان من أهل المعرفة بذلك وجب عليه اتباع الصحيح واطّراح ما سواه، ومن كان عاميّا ففرضه تقليد العلماء وسؤالهم لقول الله تعالى: “فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، وإن أشكل عليه علم ذلك ولم يجد من يسأله فليقف وليقل: “آمنت بما قاله رسول الله”، ولا يثبت به شيئا، فإن كان هذا مما قاله رسول الله فقد آمن به، وإن لم يكن منه فما آمن به، ونظير هذا قول النبي: «ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم”، وليعلم أن من أثبت لله تعالى صفة بشيء من هذه الأحاديث الموضوعة فهو أشد حالا ممن تأوّل الأخبار الصحيحة، ودين الله تعالى هو بين الغالي فيه والمقصّر عنه “. انتهى
وكلامه صريح هنا في النهي عن الأخذ ببعض الأخبار التالفة كأثر الصدر والذراعين والأضراس والظهر و القعود و الجنب و الهرولة وغيرها مما تنسبه المجسمة لله عز و جل.
6-كلامه في التنزيه و ذم التجسيم
أ- قال ابن قدامة في خطبة كتابه الكافي: الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، عالم خفيات الأسرار، غافر الخطيئات والأوزار، الذي امتنع عن تمثيل الأفكار، وارتفع عن الوصف بالحد والمقدار”. انتهى
ب- قال في تحريم النظر في كتب الكلام: ” وإنما يحصل التشبيه والتجسيم ممن حمل صفات الله تعالى على صفات المخلوقين في المعنى، ونحن لا نعتقد ذلك ولا نَدين به، بل نعلم أن الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”. انتهى
وما قاله ابن قدامة موافق هنا لكلام أبي جعفر الطحاوي:” ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر “
مَعْنَاهُ مَنْ وَصَفَهُ تعالى بِأَىِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ كَالْجُلُوسِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ فَهُوَ كَافِرٌ. وبالتالي فقول المشبهة: ” نحن نثبت المعنى و نفوض الكيف” لا معنى له أصلا بل هو مناقض لكلام موفق الدين المقدسي
ج-قال في كتابه “ذم التأويل” نقلا عن الخطيب مقرا له: ” والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويُحتذَى في ذلك حذوَه ومثالَه، فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين عز وجل إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليدِ القدرةُ، ولا إنّ معنى السمعِ والبصرِ العلمُ، ولا نقول: إنها الجوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات الفعل، ونقول: إنما ورد إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لقوله تبارك وتعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ””. انتهى
فكلام ابن قدامة هنا مناقض تماما لكلام المشبهة، فهو مع انكاره مثلا تأويل اليد بالقدرة، الا أنه يصرح أن اثبات اليد لله عز وجل ليس على معنى الجارحة، و دون اثبات حد او كيفية لها، وهذا عكس ما يقوله الحشوية.
7- بيان اضطرابه في اثبات الصفات
– قال ابن قدامة في الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم: ” الاتفاق في أصل الحقيقة ليس بتشبيه، كما أن اتفاق البصر في أنه إدراك المبصرات، والسمع في أنه إدراك المسموعات، والعلم في أنه إدراك المعلومات ليس بتشبيه”. انتهى
وهذه القاعدة ليست عامة، وإن حاول ابن قدامة تخريجها مخرج القاعدة العامة في الصفات جميعها، مع أنها تتعلق فقط بصفات المعاني، فلو قيل ان الله متصف بالقدرة، وقيل أيضا فلان منتصف بالقدرة، فإن الاتفاق في اللفظ هنا لا يقتضي الاتفاق في المعنى. وأما الصفات الخبرية فلا تحمل على الحقيقة قطعا عند أهل السنة، لأنها تنسب لله عز وجل كصفة، في حين انها تنسب للمخلوق كجارحة، فلا تكون القاعدة متطردة على صفات المعاني و الصفات الخبرية.
وقد استدل ابن قدامة في كتابه “إثبات صفة العلو” بكلام ابن عبد البر الذي قال: “أهل السنة مجمعون على الإقرار بصفات الله الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز” .انتهى
فأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الثابتة لله تعالى وهي صفات المعاني الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، وأما الصفات الخبرية فإن علماء السلف لم يفسروها على الحقيقة، بدليل أنهم كانوا يمرونها بلا كيف و لا تفسير ويوكلون علمها لله عز و جل.
وقد أشار ابن قدامة لشىء من هذا التفصيل فقال في الصراط المستقيم: «وأما قولهم: إنكم فسرتم هذه الصفة -أي: الكلام- قلنا: إنما لا يجوز تفسير المتشابه الذي سكت عن تفسيره، وليس كذلك الكلام، فإنه من المعلوم بين الخلق لا شبهة فيه، وقد فسره الكتاب والسنة». انتهى
فصفة الكلام من صفات المعاني يصح تفسيرها على ما يليق بالله بأن يقال كلام الله أزلي أبدي ليس بمخلوق، ولا يشبه كلام خلقه، وقد تكلم الله حقيقة، وأما الصفات الخبرية التي ثبتت عن طريق المتشابه فإن مذهب ابن قدامة السكوت عن تفسيره.
وقال أيضا في ذم التأويل في معرض كلامه عن صفة الكلام: “أننا نحن فسرناه بحمله على حقيقته تفسيرًا جاء به الكتاب والسنة، وهم فسروه بما لم يرد به كتاب ولا سنة، ولا يوافق الحقيقة، ولا يجوز نسبته إلى الله تعالى”. انتهى
فأصل القاعدة التي أوردها ابن قدامة هنا صحيحة لا لبس فيها؛ فصفة الكلام، من صفات المعاني الثابتة لله عز وجل، والله موصوف بالكلام على الحقيقة لا على المجاز، وأما الخلاف، فالحقيقة عنده يلزم منها اثبات الحرف والصوت، وهذا مدفوع عند أهل السنة لأن كلام الله لا يشبه كلام المخلوقين والله يتكلم بلا حرف و لا صوت، فأن الحروف مخلوقة قطعا، ومن أثبت حروفا أزلية فقد أثبت الشريك لله عز وجل.
يتبع الجزء الثاني
روابط ذات علاقة:
حكم من نسب لله الحرف والصوت
https://m.facebook.com/…/a.3806839…/1367053050040104/…
– كلام الله عز وجل:
كلام شيخ المالكية في تنزيه الله عن الحرف والصوت
شبهة المجسمة حول الحافظ ابن حجر
https://m.facebook.com/…/a.3806839…/1127151890696889/…
حكم من ينسب لله الحرف والصوت
إن من يقف على نصوص فتاوى العزّ بن عبد السلام و يوسف الأرموي و الخطيب محمد بن إبراهيم الحموي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل التحقيق يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أنّ كلام الله حرف وصوت قائمان به تعالى.
فقد جاء في كتاب “نجم المهتدي ورجم المعتدي” للفخر بن المعلم القرشي سؤال عن حكم من يقول إن كلام الله القديم القائم بذاته حروف وأصوات.
– فكان جواب الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله كالآتي:” القرآن كلام الله صفة من صفاته قديم بقدمه، ليس بحروف ولا أصوات ومن زعم أن الوصف القديم هو عين أصوات القارئين وكتابة الكاتبين فقد ألحدَ في الدين وخالف إجماع المسلمين، بل إجماع العقلاء من غير أهل الدين، ولا يحل للعلماء كتمان الحق ولا ترك البدع سارية في المسلمين، ويجب على ولاة الأمر إعانة العلماء المنـزهين الموحدين، وقمع المبتدعة المشبهين المجسمين.ومن زعم أن المعجزة قديمة فقد جهل حقيقتها. ولا يحل لولاة الأمر تمكين أمثال هؤلاء من إفساد عقائد المسلمين، ويجب عليهم أن يلزموهم بتصحيح عقائدهم بمباحثة العلماء المعتبرين، فإن لم يفعلوا ألجئوا إلى ذلك بالحبس والضرب والتعزير، والله أعلم”. كتبه عبد العزيز بن عبد السلام .
وذكر ابن المعلم أيضا فتوى أخرى عن حكم الذين يقولون أن الله يتكلم بالحرف و الصوت و نص السؤال: “ما قولكم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني اللذين يعتقدان أن الله سبحانه يتكلم بحرف وصوت، تعالى الله عن ذلك، وأن أفعال العباد قديمة، هل تنفذ أحكامهم على أهل التوحيد وعامة المسلمين وهل تقبل شهادتهم على المسلمين أم لا؟”
فكان جواب الإمام يوسف الأرموي ما يلي: “ما نص عليهم أعلاه اقترفوا حوبة عظيمة يجب عليهم القفول عما اعتقدوه، وهم كفار عند أكثر المتكلمين وكيف يسوغ قبول أقوالهم؟ ويجب على مَنْ إليه الأمر إحضارهم واستتابتهم عمَّا هم عليه، فإن تابوا وإلا قتلوا، وحكمهم في الاستتابة حكم المرتد في إمهاله ثلاثة أيام ولا يقتل في الحال”.كتبه يوسف الأرموي
وذكر ابن المعلم استفتاء آخر صورته: ” ما قول الفقهاء الأئمة قادة علماء هذه الأمة أدام الله إرشادهم ووفق إصدارهم وإيرادهم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني؛ اللذين يعتقدان أن الله سبحانه متكلم بحرف وصوت، وأن أفعال العباد قديمة، هل تقبل شهادتهم على أهل الحق الموحدين الأشعرية، وهل تنفذ أحكام قضائهم على الأشعرية أم لا؟”
– فكان جواب الخطيب محمد بن إبراهيم الحموي ما نصه: ” من قال إن الله متكلم بحرف وصوت فقد قال قولاً يلزم منه أن الله جسم, ومن قال: إنه جسم فقد قال بحدوثه، ومن قال بحدوثه فقد كفر، والكافر لا تصح ولا تقبل شهادته، والله أعلم”. انتهى
– و كان جواب الشيخ محيى الدين محمد بن أبي بكر الفارسي: ” من قال إن الله سبحانه متكلم بالصوت والحرف فقد أثبت الجسمية وصار بقوله مجسماً، والمجسم كافر”. انتهى
و قد نقل الإمام العلامة محمد زاهد الكوثري هذه الأجوبة أيضا في تعليقه على “السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل” للإمام شيخ الإسلام العلامة تقي الدين السبكي.
– و قال الإمام الكوثري في الرد على النونية في الصحيفة 172 ما نصه: “بل من قال إن كلام معبوده حرف وصوت قائمان به فهو الذي نحت عجلاً جسداً له خوار, يحمل أشياعه على تعبّده”. انتهى
– و قال الامام المجتهد ابو ثور ابراهيم بن خالد المتوفى سنة 240 هجري ما نصه: “من قال إن كلام الله – اي المعنى القائم به- سبحانه مخلوق فقد كفر وزعم ان الله عز و جل حدث فيه شىء لم يكن”. انتهى رواه اللالكائي في الفصل المعقود لذكر اعتقاد ابي ثور وهو تصريح بتكفير من نسب قيام الحروف و الأصوات بالله تعالى.
– وقال الإمام الباقلاني في الإنصاف ما نصه: ” ثم يقال لهم: خبرونا: أيصح خروج حرف من غير مخارج ؟ فإن قالوا: لا. قلنا: فتقولون أن الباري تعالى عن قولكم ذو مخارج من شفة للفاء؛ وحلق للحاء؛ ولسان للثاء؛ وإن قالوا: نعم جسموا بإجماع المسلمين؛ وإن قالوا: لا تحتاج الحروف إلى مخارج؛ فقد كابروا الحس والعيان مع قولهم بصحة الخبر المروي بزعمهم، وذلك أن كلامه منه خرج، وكلامه عندهم حروف، فيجب على قولهم أن يكون خروجها من مخارج؛ وكل هذا القول كفر وضلال، وسفه وحمق وجهل عظيم”. انتهى
– وذكر اليافعي في “مرآة الجنان” عند ذكره لحوادث سنة 705هـ وما جرى فيها لابن تيمية: “وكان الذي ادّعى به عليه – أي: على ابن تيمية – بمصر أنّه يقول: إنّ الرحمن على العرش استوى حقيقة, وإنّه يتكلّم بحرف وصوت، ثمّ نودي بدمشق وغيرها: من كان على عقيدة ابن تيمية حلّ ماله ودمه”. انتهى
و نقل ابن أيبك الدواداري في حوادث عام 705 هـجري في الجزء 9 نص المرسوم الذي حذر فيه القضاة من عقيدة التجسيم ونصه: “ولما ثبت ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي، حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور-أي ابن تيمية -، ويُمنع من التصرف والظهور ومرسومنا هذا بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبيه في اعتقاد مثل ذلك، أو يغدو له في هذا القول متبعا، أو لهذه الألفاظ مستمعا، أو يسري في التشبيه مسراه، أو أن يفوه بجهة للعلو مخصصا أحدا كما فاه، أو يتحدث إنسان في صوت أو حرف، أو يوسع القول في ذات أو وصف، او يطلق لسانه بتجسيم ، أو يحيد عن الطريق المستقيم، أو يخرج عن رأي الأمة أو ينفرد عن علماء الأئمة، أو يحيز الله تعالى في جهة، أو يتعرض إلى حيث وكيف ، فليس لمعتقد هذا إلا السيف” انتهى. معناه أن معتقد ذلك كافر مرتد.
-وقال الإمام السنوسي في شرحه لعقيدته الكبرى ما نصه: أما العامة فأكثرهم ممن لا يعتني بحضور مجالس العلماء ومخالطة أهل الخير، يتحقق منهم اعتقاد التجسيم والجهة وتأثير الطبيعة، وكون فعل الله لغرض، وكون كلامه جل وعلا حرفاً وصوتاً، ومرة يتكلم ومرة يسكت كسائر البشر، ونحو ذلك من اعتقادات أهل الباطل، وبعض اعتقاداتهم أجمع العلماء على كفر معتقديها. انتهى
– بل ذكر الفخر الرازي في تفسيره ان القول بان كلام الله حرف وصوت هو عين كلام النصارى، ونص عبارته: “المسألة الثانية عشرة [الأصوات التي نقرأ بها ليس كلام الله] : زَعَمَتِ الْحَشْوِيَّةُ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الَّتِي نَسْمَعُهَا مِنْ هَذَا الْإِنْسَانِ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالْبَدِيهَةِ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الَّتِي نَسْمَعُهَا مِنْ هَذَا الْإِنْسَانِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِلِسَانِهِ وَأَصْوَاتِهِ، فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهَا عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَزِمَنَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ بِعَيْنِهَا قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَالَّةٌ فِي بَدَنِ هَذَا الْإِنْسَانِ، وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَيْضًا فَهَذَا عَيْنُ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى مِنْ أَنَّ أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ حَلَّتْ فِي ناسوت صريح، وزعموا أنها حَالَّةٌ فِي نَاسُوتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرُ زَائِلَةٍ عَنْهُ، وَهَذَا عَيْنُ مَا يَقُولُهُ الْحَشْوِيَّةِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَالٌّ فِي لِسَانِ هَذَا الْإِنْسَانِ/ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ زَائِلٍ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، إِلَّا أَنَّ النَّصَارَى قَالُوا بِهَذَا الْقَوْلِ فِي حَقِّ عِيسَى وَحْدَهُ، وَهَؤُلَاءِ الْحَمْقَى قَالُوا بِهَذَا الْقَوْلِ الْخَبِيثِ فِي حَقِّ كُلِّ النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ”. انتهى
– وقال سعيد فودة في شرحه على العقيدة الطحاوية عند قول الطحاوي ” ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر” قال: هذا نص صريح في تكفير المجسمة والمشبهة، والذين يشبهون الله تعالى بأحد من خلقه.وفيه رد مباشر على من قال من المجسمة بأن الله تعالى يتكلم بالصوت والحرف، وبأن كلامه عبارة عن حوادث متتالية يوجدها في ذاته، وهي عبارة عن أصوات وحروف، يوجدها الله تعالى بقدرته في نفسه، وكل منها حادث، لاحق لما قبله وسابق لما بعده، فهذا معنى من المعاني الثابتة للبشر، فمن أثبتها لله تعالى فإن الإمام الطحاوي ينص على كفره، هذا هو المفهوم من عبارته. انتهى
وهذا ما عليه شيخ المالكية أبي محمد القروي
https://www.facebook.com/share/p/HNSaeVnkTZF9eDND/?mibextid=xfxF2i
تنبيه: قال بعض العلماء لو قال شخص إن كلام الله صوت أزلي أبدي ليس فيه تعاقب الحروف فلا يُكَفَّر إن كان نيته كما قال. فليس هذا تجسيما. أما من جعله صوتا بحرف فهو كفر.
كلام الله عز وجل
ورد بعض شبه المجسمة
1- القول في كلام الله عز وجل عند أهل السنة
كلام الله سبحانه وتعالى القائم بذاته واحد لا تعدد فيه ولا يوصف بالتجزء ولا بالتركيب و لا يتعلق بمشيئته عز وجل، فلا يقال عن صفة الكلام أنها قديمة الجنس حادثة الأفراد كما يزعم الحشوية والمجسمة.
بل هو متكلم عز وجل بكلام أزلي لا يوصف بالحرف أو الصوت أو اللغة او التعاقب أو الابتداء أو الانتهاء، أو التفاضل، ولا يوصف بالتعدّد ولا بالتكثّر، إذ لا يفهم التكثّر إلاّ بالتركيب و كلامه تعالى غير مركّب. وهذا اعتقاد عامة أهل السنة والجماعة.
وهذا الأصل ذكره الإمام أبو حنيفة النعمان المتوفى سنة 150 هـجري في كتابه الفقه الأكبر، حيث قال : «ويتكلم لا ككلامنا ويسمع لا كسمعنا ونحن نتكلم بالآلات والحروف والله تعالى يتكلم بلا آلة ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غير مخلوق». انتهى
وقد قرره لاحقا عبد الله بن كلاب المتوفى سنة 241 هـجري، حيث قال: ” وإن الكلام ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا يتجزأ، ولا يتبعض، ولا يتغاير وإنه معنى واحد بالله تعالى”. انتهى
وأقره أيضا الإمام أبو الحسن الأشعري.
قال ابن عبد البرّ في التمهيد : القُرْآنَ عِنْدَنَا كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا يَدْخُلُ التَّفَاضُلُ فِي صِفَاتِهِ لِدُخُولِ النَّقْصِ فِي المَفْضُولِ مِنْهَا. انتهى
وهذا أيضا رأي بعض كبار الحنابلة و فضلائهم، فقد قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ” وسلك طريقة ابن كُلاب في الفرق بين الصفات اللازمة كالحياة و الصفات الاختيارية وأن الرب يقوم به الأول دون الثاني-كثير من المتأخرين، من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، كالتميميين أبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل التميمي، وابن ابنه رزق الله التميمي، وعلى عقيدة الفضل ـ التي ذكر أنها عقيدة أحمد ـ اعتمد أبو بكر البيهقي فيما ذكره من مناقب أحمد من الاعتقاد”. انتهى
و قد نقل الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، الملقب بابن القطان الاجماع على ما تقدم في كتابه الاقناع في مسائل الاجماع فقال: ” كلام الله باقٍ، وكلام غيره عرض لا يبقى. وأجمعوا على أن كلام الله عز وجل ليس بحروف ولا أصوات”. انتهى
وقال: “واتفق العقلاء على استحالة بقاء الأصوات مع اختلافهم في بقاء سائر الأعراض، فلا يتقرر إثبات صوت قديم أصلاً. واتفق أهل الحق على قدم كلام الله تعالى. واتفقت الأمة على وحدانيته تعالى، فلو قامت به أصوات متضادة لكان ذلك اجتماع المتضادات في الموجود الواحد. وجميع المسلمين سائرون إلى وجوب العلم بأن القرآن كلام الله تعالى. واتفق المسلمون أن القرآن من كلام الله. وأجمع أهل الحق والسنة والجماعة أن أمره الذي هو قوله وكلامه غيرمحدث ولا مخلوق”. انتهى
بل قال الحافظ أبو بكر بن سابق الصقلي المالكي في كتابه ” مسألة الشارع في القرءان”: و قد أجمع اهل السنة و سائر اهل البدع من الخوارج و القدرية على اختلاف مذاهبهم على انه لا يجوز ان يكون بذات الله كلام هو حروف و أصوات و على أن من قال إن كلام الله الموجود بذاته حروف و أصوات فهو كافر.” انتهى
2- الفرق بين صفة الكلام القائمة بذات الله واللفظ المنزل:
إن أهل السنة و بعض كبار المحدثين و الحنابلة يفرقون بين كلام الله الأزلي ويقولون عنه غير مخلوق، وبين اللفظ المنزل المكتوب بين دفتي المصحف.
فهذا هشام بن عبيد الله الرازي، الذي ترجم له الذهبي بقوله: “هشام بن عبيد الله الرازي السني، الفقيه، أحد أئمة السنة”، قال: “القرآن كلام الله غير مخلوق. فقال له رجل أليس الله يقول ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، فقال محدث إلينا وليس عند الله بمحدث”. انتهى
ونقله الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري فقال: “وأخرج بن أبي حاتم من طريق هشام بن عبيد الله الرازي أن رجلا من الجهمية احتج لزعمه أن القرآن مخلوق بهذه الآية فقال له هشام: محدث إلينا محدث إلى العباد وعن احمد بن إبراهيم الدورقي نحوه”. انتهى
ونقل ابن كثير في البداية والنهاية، عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل مثل ذلك، فقال : “ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: “ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون” -الأنبياء: 2- . قال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث”. انتهى
وهذا عينه كلام أهل السنة من الأشعرية، فهم يفرقون بين الكلام الأزلي القائم بذاته تعالى وبين اللفظ المنزل، و جميعه يقال له كلام الله.
لكن المجسمة يقومون بالتشنيع على الأشعرية في هذه المسألة، لأنه لا يعجبهم هذا التفصيل، وقد بين عوار كلامهم الشيخ عبد الله بن عودة بن عبد الله صوفان القدومي الحنبلي، حيث قال في “المنهج الأحمد في درء المثالب التي تنمى لمذهب الإمام أحمد” ما نصه: ” وأمّا من قال إن كلام الله تعالى معنى قديم قائم بذاته تعالى ، مُعبّر عنه بالعبارات التي نقرأها ونكتبها ونحفظها ، وهو قديم ، فليس من الكفر في شيء”. انتهى
وبعض هؤلاء المجسمة يزعمون أن الأشعرية يقولون أن القرٱن ليس كلام الله، بل هو كلام جبريل، وقد نقض قولهم ابن تيمية في مجموع الفتاوى فقال: “ويظن أن هذا قول الأشعري بناء على أن الكلام العربي لم يتكلم الله به عنده, وإنما كلامه معنى واحد قائم بذات الرب هو الأمر والخبر إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا , وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة, وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا , وهذا القول وإن كان قول ابن كلاب والقلانسي والأشعري ونحوهم فلم يقولوا إن الكلام العربي كلام جبريل، ومن حكا هذا عن الأشعري نفسه فهو مجازف”. انتهى
3- منع القول بأن كلام الله الذي هو صفة ذاته محدث، متعلق بمشيئته
القول بأن كلام الله مُحدث أو أنه يتعلق بمشيئته منعه علماء أهل السنة و أئمة الحديث:
– قال أبو بكر بن خزيمة: «القرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، ليس شيء من كلامه مخلوقا ولامفعولا ولامحدَثا، فمن زعم أن شيئا منه مخلوق أو محدَث أو زعم أن الكلام من صفة الفعل فهو جهمي ضال مبتدع، وأقول : لم يزل الله متكلِّماً، والكلام له صفة ذاتٍ”. انتهى
نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء.
– وقال الامام المجتهد ابو ثور ابراهيم بن خالد: من قال إن كلام الله – اي القائم به- سبحانه مخلوق فقد كفر وزعم ان الله عز و جل حدث فيه شىء لم يكن. انتهى رواه اللالكائي في الفصل المعقود لذكر اعتقاد ابي ثور
وهذا الأصل موافق لما جاء في مسائل ابن هانئ، حيث نقل عن الإمام أحمد أنه قال: “القرآن عِلمٌ من علم الله، فمن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر”. انتهى
فكما أن العلم قائم بذاته تعالى أزلي غير مخلوق و لا حادث، فالكلام أيضًا قائم بذاته، غير مخلوق و لا حادث. فلو تعلق كلامه تعالى بإرادته كما تزعم الكرامية لكان حادثا.
-قال أبو علي الهاشمي الحنبلي: “والقرآن كلام الله تعالى , وصفة من صفات ذاته, غير مخلوق ولا محدث”. انتهى نقله ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة.
وزعم بعض المشبهة أن كلام الله قديم النوع حادث الأفراد، وهي من أشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ولازم قوله أن كلامه القائم بذاته، بعضه أفضل من بعض.
وقد التزم ابن تيمية ذلك حتى قال بتفاضل صفات رب العالمين القائمة بذاته، ونص عبارته كما في مجموع الفتاوى: “الصفات تتفاضل من وجهين : أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدخل في كل الموصوف بها…..”. انتهى
فجعل القديم يتفاضل و يتمايز وبعضه أكمل من بعض، وهو من حيث لا يشعر قد هدم قاعدته: “القول في بعض صفات الله تعالى كالقول في البعض الآخر”
فلو كانت الصفات تتمايز فكيف يكون القول في بعضها كالقول في البعض الٱخر؟
وقد برأ الله أهل السنة الأشعرية من مثل هذه اللوازم الفاسدة باعتراف ابن تيمية نفسه حيث قال في مجموع الفتاوى: “وأما نقل هذا القول عن الأشعري وموافقيه فغلط عليهم؛ إذ كلام الله عندهم ليس له كل و لا بعض و لا يجوز أن يقال هل يفضل بعضه بعضا أو لا يفضل فامتناع التفاضل فيه عنده كامتناع التماثل , ولا يجوز أن يقال أنه متماثل ولا متفاضل إذ ذلك لا يكون إلا بين شيئين”. انتهى
و راجع الرابط التالي:
4- نقض شبهة أولى يذكرها المجسمة
حاول بعض المجسمة ايراد اعتراضات على قول الأشعرية بأن كلام الله واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، فقالوا : “ما ذهب إليه الأشاعرة في هذه المسألة أمر لا يقبله العقل ولا يسوغه الشرع، ، لأنه يؤول لاستواء الأمر والنهي والخبر والإنشاء، ويلزم منه أن :قل هو الله أحد هي بعينها :تبت يدا أبي لهب وتب ، ولا تقربوا الزنا؛ ثم قالوا عن هذا المعنى النفسي: إن عُبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة. ويلزم من هذا أن ما في القرآن من المعاني هو ما في التوراة والإنجيل، وهذا باطل يكفي في بطلانه مجرد تصوره”
و هذه الشبهة أجاب عنها بعض العلماء فقالوا: كلام اللّه تعالى هو صفة قائمة بذاته تتعلّق بكلّ ما يتعلّق به العلم من المتعلّقات، ولكنّ تعلّق العلم يكون تعلّق كشف، وأمّا تعلّق الكلام فإنّه يكون بياناً ودلالة لما كشف عنه العلم.
فكلام اللّه تعالى لا حدّ له من حيث إنّه متعلّق بما لا حدّ له، وهو نفس ما يتعلّق به العلم.
فالصّفة القائمة بالذّات لا توصف بالكثرة ولا بالقلّة، ولكن الموصوف بذلك هو تعلّقاتها، أي يقال: إنّ تعلّقات الكلام كثيرة.
وأمّا الكلمات اللّفظيّة التي أنزلها اللّه تعالى على رسله على هيئة كتب أو غير ذلك، فهذه لا يقال فيها: أنّها صفة من صفات اللّه، بل هي عبارة عن كلام الله الأزلي.
فكلام اللّه تعالى يطلق على أمرين، الأوّل: الصّفة القائمة بذاته تعالى، والثّاني: هو اللّفظ المنزّل على رسله، وهذا مع أنّه حادث ومخلوق، إلاّ أنّه يقال عنه أنّه كلام اللّه على هذه الجهة، وذلك من حيث هو دالّ على كلام اللّه تعالى، أي على بعض متعلّقات كلام اللّه تعالى الأزلي، المتعدّدة إضافاته وتعلّقاته.
فالذي أنزله اللّه تعالى على النبي محمّد عليه الصّلاة والسّلام هو عبارة عن كلامه تعالى الأزلي الذي لا يبتدأ ولا يختتم، ويدلّنا على بعض متعلّقات كلامه، ويسمّى القرآن، والذّكر والفرقان، فالقرٱن يعبر عن كلام اللّه تعالى الواحد الذي هو صفة ذاته غير المتعدّد ولا المتكثّر، وهو يدلّنا في الوقت نفسه على بعض متعلّقات هذه الصّفة، ولا يجوز أن يكون دالاّ على جميع متعلّقات كلامه الذاتي، فهذا باطل وغير لازم، لأنّ المنزل على سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ليس هو نفس الصّفة الأزلية حتّى يقال إنّه يجب أن يكون دالاّ على جميع المتعلّقات، بل هو معبّر عنها، ودالّ على بعض متعلّقاتها.
ونحن نجزم أنّ متعلّقات أيّ مدلولات الكتاب المنزل على سيّدنا محمّد محدودة، وهي ليست دالّة قطعاً على جميع معلومات اللّه تعالى.
فوجب إذن ألاّ يكون ما أنزله اللّه على نبيّه عليه السّلام هو نفس الصّفة لاستحالة ذلك. وكذلك يقال فيما أنزله اللّه تعالى على أنبيائه عليهم السّلام مثل موسى وعيسى، فما أنزل على موسى يسمّى توراة، وأنزله اللّه تعالى باللّغة العبريّة، وهو معبّر عن كلام اللّه الذاتي ودالّ على بعض متعلّقاته.
وكذلك الإنجيل الذي أنزله اللّه تعالى على عيسى عليه السّلام فهو معبّر عن كلام اللّه تعالى الذاتي ودالّ على بعض متعلّقات كلام اللّه تعالى الأزليّ. فكلّ هذه الكتب يقال عنها أنّها معبّرة عن كلام اللّه تعالى الأزليّ لأنّه واحد بالذّات لا يتعدّد، فلو قلنا إنّ ما يعبّر عنه القرآن غير ما يعبّر عنه الإنجيل، وكلّ منهما معبّر عن صفة الكلام القائمة باللّه تعالى، أي القائمة بذات اللّه تعالى، للزم أن تكون الصّفة القائمة بذاته تعالى متكثّرة متعدّدة ومركّبة من أجزاء، وكلّ هذا باطل، لأنّ ما كان كذلك فهو حادث ولا شكّ، والحادث لا يقوم بذات القديم، بخلاف المشبهة والكرامية.
ولكنّا نقول إنّ كلّ الكتب معبّرة عن الصّفة الواحدة القائمة بالذّات، ودالّة لنا على بعض ما تتعلّق به هذه الصّفة من المتعلّقات.
ومعلوم أنّه لا ينكر توحّد الصّفة وتكثّر التعلّقات، كما في القدرة والعلم مثلاً، فعلم اللّه تعالى واحد بالذّات ولكنّه متعلّق بما لا يتناهى من المتعلّقات، وهذا المعنى هو الذي يريده أهل الحقّ بقولهم إنّ كلام اللّه تعالى واحد قائم بذاته تعالى ليس من جنس الأصوات والحروف، فإن عبّر عنها بالعربيّة فقرآن، وبالسّريانيّة فإنجيل، وبالعبرانيّة فتوراة، والاختلاف إنّما هو في العبارات دون المسمّى.
5- نقض شبهة ثانية يذكرها المجسمة
قال ابن أبي العزِّ في شرحه على الطَّحاويَّة، ما نصه: “ويقال لِمَن قال: إنه معنى واحد: هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو بعضه؟ فإن قال: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر، وإن قال: بعضه، فقد قال: يتبعض وكذلك كل من كلمه الله، أو أنزل إليه شيئاً من كلامه . ولمَّا قال تعالى للملائكة”إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة” -البقرة:30- ولما قال لهم “اسْجُدُوا لِآدَمَ” -البقرة:34- وأمثال ذلك هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه، فهذا مكابرة، وإن قال بعضه فقد اعترف بتعدده”. انتهى
وقال سفر الحوالي في شرح كلام ابن أبي العزِّ: ” فيقال: ما الذي سمع موسى عليه السلام من ربه -عز وجل- لما كلمه؟ إن قالوا: سمع جميع كلام الله؛ لأنه معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، فهذا واضح البطلان؛ لأنه إنما سمع بعضه. وإن قالوا: سمع البعض.
قلنا: إذاً قد أقررتم أنتم بالتبعيض وبالتعدد، فقد ناقضتم أنفسكم، وهذا اعتراف منكم بأن قولكم: “إنه معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد قائم بالنفس” باطل، ثم نقول: هل سمع موسى عليه السلام كل ما في نفس الله سبحانه وتعالى، فإن قالوا نعم فهذا باطل؛ لأنه -سبحانه وتعالى- لا أحد يحيط بعلمه أبداً فعلمه -سبحانه وتعالى- فوق إدراك كل إنسان”. انتهى
والجواب على هذه الشبهة أن يقال: ان أهل الحق الأشعرية والماتريدية لا يقولون إنَّ سيدنا موسى عليه السلام قد سمع عين صفة الكلام القائمة بذات الله، إنما لهم قولان في هذه المسألة:
-أما الأشعرية ، فيقولون أن سيدنا موسى عليه السلام قد سمع بعض متعلَّقات صفة الكلام. فالله خلق في سيدنا موسى إدراكاً مباشرا لبعض ما تعلَّقت به صفة الكلام من دون واسطة حرف و صوت.
فلا إشكال من أيِّ وجه في أن نقول إنَّ سيدنا موسى قد سمع كلام الله ويراد بذلك بعض ما تعلَّقت به صفة الكلام.
ثم هل يقول هؤلاء المشبهة أن الله لما كلم موسى عليه السلام، سمع موسى القرٱن بما أنه سمع كلام الله الأزلي؟ أم أنه سمع بعض متعلقات الكلام الأزلي؟
قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في التحرير و التنوير:” أمّا تكليم الله تعالى بعض عباده من الملائكة أو البشر فهو إيجاد ما يعرِف منه الملَك أو الرسول أنّ الله يأمر أوْ ينهَى أو يخبر. فالتكليم تعلُّق لصفة الكلام بالمخاطب على جَعْل الكلام صفة مستقِلّة، أو تعلّق العِلم بإيصال المعلوم إلى المخاطب، أو تعلّق الإرادة بإبلاغ المراد إلى المخاطب. فالأشاعرة قالوا: تكليم الله عبده هو أن يخلق للعبد إدراكاً من جهة السمع يتحصّل به العلم بكلام الله دون حروف ولا أصوات.
وقال: “فعلى هذا القول لا يلزم أن يكون المسموع للرسول أو الملك حروفاً وأصواتاً بل هو علم يحصل له من جهة سمعه يتّصل بكلام الله، وهو تعلّق من تعلّقات صفة الكلام النفسي بالمكلِّم فيما لا يَزال، فذلك التعلّق حادث لا محالة كتعلّق الإرادة”. انتهى
-وأما الماتريدية فقالوا: الله تعالى متصف بكلام أزلي، ولما كلم الله موسى، خلق الله حرفا و صوتا يدل على مراد الله عز وجل.
ملاحظة: ابن عثيمين ذكر ان الكلام الذي في المصحف مخلوق- انظر الصورة-





كلام شيخ المالكية في زمانه أبي محمد بن إسحاق القَرَوِي في تنزيه الله
قال الفقيه المتكلّم شيخ المالكية في زمانه أبو محمد بن إسحاق القَرَوِي المتـوفى سنة 371 هـجري في رسالة في كلام الله ما نصه: “وأما الأصوات والحروف واللغات فمخلوقة، لم تكن ثم كانت، فمن زعم شيئاً من ذلك قديماً فقد ألحد وصار إلى قول الدهرية والمعتزلة و فارق الاسلام”. انتهى
في كلام هذا العالم المالكي دليل أن:
– كلام الله الذي هو صفة ذاته أزلي غير مخلوق
– أن الله منزه عن الحلول في الأماكن و الانتقال.
– كلام الله ليس حرفا و لا صوتا و لا لغة خلافا للمجسمة
– من نسب الحرف و الصوت لله فقد فارق الاسلام
ملاحظات:
1-ترجمة محمد بن اسحاق مذكورة في ترتيب المدارك
2- السلف: مالك بن أنس وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض وشريك القاضي وحفص بن غياث ووكيع بن الجراح وغيرهم، نصون على أن القرآن كلام الله تعالى، وصفة ذاته غير مخلوق، كما ذكر ذلك البيهقي في الأسماء والصفات ، ولم يقل أحد من السلف أن الكلام الإلهي صفة فعل كما يعتقد المشبهة.


نقض دعوى أن الحافظ ابن حجر قال عن كلام الله أنه بحرف وصوت
أ- الاقتباس الأول:
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: “قال ابن بطال: ” استدل البخاري بهذا على أن قول الله قديم لذاته قائم بصفاته لم يزل موجودا به ولا يزال كلامه لا يشبه المخلوقين خلافا للمعتزلة التي نفت كلام الله وللكلابية في قولهم هو كناية عن الفعل والتكوين وتمسكوا بقول العرب: “قلت بيدي هذا” أي حركتها واحتجوا بأن الكلام لا يعقل الا بأعضاء ولسان والباري منزه عن ذلك فرد عليهم البخاري بحديث الباب والآية وفيه انهم إذا ذهب عنهم الفزع قالوا لمن فوقهم: “ماذا قال ربكم” فدل ذلك على أنهم سمعوا قولا لم يفهموا معناه من أجل فزعهم فقالوا: “ماذا قال” ولم يقولوا ماذا خلق. وكذا أجابهم من فوقهم من الملائكة بقولهم قالوا الحق والحق أحد صفتي الذات التي لا يجوز عليها غيره لأنه لا يجوز على كلامه الباطل فلو كان خلقا أو فعلا لقالوا خلق خلقا انسانا أو غيره. فلما وصفوه بما يوصف به الكلام لم يجز ان يكون القول بمعنى التكوين”. انتهى
•التعقيب: ذكر هنا ابن حجر أن ابن بطال، أحد شراح البخاري، نقل عن البخاري أنه كان يعتقد بأن كلام الله قديم لقدم ذاته تعالى قائم به كسائر صفاته، وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين، أي أن كلام الله ليس بحرف وصوت وتعاقب أحرف.
ثم نقل ابن بطال مقالات المعتزلة والكلابية في مسألة صفة الكلام، وأنهم خالفوا ما ذكره البخاري بحسب رأيه. فذكر ان المعتزلة نفوا صفة الكلام عن الله تعالى، وهذا واضح من مقالاتهم. وأما الكلابية فنسب اليهم أنهم قالوا أن كلام الله هو كناية عن الفعل والتكوين. وهذا الذي نقله ابن بطال عن الكلابية باطل، لذلك تتبعه ابن حجر بقوله: “وهذا الذي نسبه للكلابية بعيد من كلامهم وانما هو كلام بعض المعتزلة فقد ذكر البخاري في خلق أفعال العباد عن أبي عبيد القاسم بن سلام ان المريسي قال في قوله تعالى “انما قولنا لشئ إذا أردناه ان نقول له كن فيكون” هو كقول العرب: “قالت السماء” فأمطرت، وقال الجدار هكذا، إذا مال، فمعناه قوله إذا أردناه، إذا كوناه. وتعقبه أبو عبيد بأنه أغلوطة، لان القائل إذا قال: “قالت السماء” لم يكن كلاما صحيحا حتى يقول “فأمطرت”، بخلاف من يقول:” قال الانسان” فإنه يفهم منه أنه قال كلاما، فلولا قوله: فأمطرت، لكان الكلام باطلا، لان السماء لا قول لها فإلى هذا أشار البخاري”. انتهى
ب- الاقتباس الثاني:
ثم قال ابن حجر: “قال البيهقي في كتاب الاعتقاد: القرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفات ذاته وليس شئ من صفات ذاته مخلوقا ولا محدثا ولا حادثا. قال تعالى: :انما قولنا لشئ إذا أردنا ان نقول له كن فيكون” فلو كان القرآن مخلوقا لكان مخلوقا بكن، ويستحيل ان يكون قول الله لشئ بقول لأنه يوجب قولا ثانيا، وثالثا فيتسلسل وهو فاسد. وقال الله تعالى:” الرحمن علم القرآن خلق الانسان” فخص القرآن بالتعليم لأنه كلامه وصفته وخص الانسان بالتخليق لأنه خلقه ومصنوعه ولولا ذلك لقال خلق القرآن والانسان. وقال الله تعالى: “وكلم الله موسى تكليما”، ولا يجوز ان يكون كلام المتكلم قائما بغيره، وقال تعالى: “وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا” الآية، فلو كان لا يوجد الا مخلوقا في شئ مخلوق لم يكن لاشتراط الوجوه المذكورة في الآية معنى، لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله فبطل قول الجهمية انه مخلوق في غير الله، ويلزمهم في قولهم إن الله خلق كلاما في شجرة كلم به موسى ان يكون من سمع كلام الله من ملك أو نبي أفضل في سماع الكلام من موسى ويلزمهم أن تكون الشجرة هي المتكلمة بما ذكر الله انه كلم به موسى وهو قوله “انني انا الله لا اله الا انا فاعبدني” وقد أنكر الله تعالى قول المشركين: ان هذا الا قول البشر، ولا يعترض بقوله تعالى: “انه لقول رسول كريم” لان معناه قول تلقاه عن رسول كريم كقوله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله، ولا بقوله انا جعلناه قرآنا عربيا لان معناه سميناه قرآنا، وهو كقوله: “وتجعلون رزقكم انكم تكذبون”. وقوله “ويجعلون لله ما يكرهون”وقوله: “ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث” فالمراد أن تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه وبهذا احتج الإمام أحمد”. انتهى
•التعقيب: ابن حجر نقل هنا كلام الحافظ البيهقي، -وهو رأس من رؤوس الأشاعرة- كالموافق له، وأن القرآن يطلق ويراد به كلام الله الذي هو صفة من صفات ذاته، وهو ليس بمخلوق ولا محدث ولا حادث. وذكر أن القرٱن يُطلق ويراد به أيضا اللفظ المنزل المكتوب في المصاحف، واحتج بكلام الامام أحمد حين قال: ان تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه”.
ج- الاقتباس الثالث: ثم قال ابن حجر : “وقال ابن حزم في الملل والنحل: أجمع أهل الاسلام على أن الله تعالى كلم موسى وعلى ان القرآن كلام الله وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف ثم اختلفوا فقالت المعتزلة ان كلام الله صفة فعل مخلوقة وانه كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة وقال أحمد ومن تبعه كلام الله هو علمه لم يزل وليس بمخلوق وقالت الأشعرية كلام الله صفة ذات لم يزل وليس بمخلوق وهو غير علم الله وليس لله الا كلام واحد. واحتج لأحمد بأن الدلائل القاطعة قامت على أن الله لا يشبهه شئ من خلقه بوجه من الوجوه فلما كان كلامنا غيرنا وكان مخلوقا وجب ان يكون كلامه سبحانه وتعالى ليس غيره وليس مخلوقا وأطال في الرد على المخالفين لذلك”. انتهى
•التعقيب: نسب ابن حزم للمعتزلة القول بان كلام الله صفة فعل مخلوقة وانه كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.
ونسب للإمام أحمد أحمد، أن كلام الله هو علمه لم يزل وليس بمخلوق. وهذا الكلام الذي نسبه للامام أحمد غير ثابت عنه. بل جعل ابن حزم هذا القول هو قول الامام أحمد وعامة أهل السنة، ولذلك قال ابن حجر: “واحتج لأحمد بأن الدلائل القاطعة قامت على أن الله لا يشبهه شئ من خلقه بوجه من الوجوه، فلما كان كلامنا غيرنا وكان مخلوقا وجب ان يكون كلامه سبحانه وتعالى ليس غيره”.
كما نسب ابن حزم للأشعرية القول بأن كلام الله صفة لذات الله قائمة به وليست بمخلوقة وهو غير علم الله وليس لله الا كلام واحد. وهو صريح مذهبهم.
د- الاقتباس الرابع: ثم قال ابن حجر: “وقال غيره: اختلفوا فقالت الجهمية والمعتزلة وبعض الزيدية والامامية وبعض الخوارج:” كلام الله مخلوق خلقه بمشيئته وقدرته في بعض الأجسام كالشجرة حين كلم موسى. وحقيقته قولهم إن الله لا يتكلم وان نسب إليه ذلك فبطريق المجاز.
وقالت المعتزلة: يتكلم حقيقة، لكن يخلق ذلك الكلام في غيره.
وقالت الكلابية: الكلام صفة واحدة قديمة العين لازمة لذات الله كالحياة وانه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وتكليمه لمن كلمه، انما هو خلق إدراك له يسمع به الكلام ونداءه لموسى لم يزل لكنه أسمعه ذلك النداء حين ناجاه ويحكى عن أبي منصور الماتريدي من الحنفية نحوه لكن قال: خلق صوتا حين ناداه فأسمعه كلامه، وزعم بعضهم ان هذا هو مراد السلف الذين قالوا إن القرآن ليس بمخلوق وأخذ بقول ابن كلاب، القابسي والأشعري وأتباعهما وقالوا إذا كان الكلام قديما لعينه لازما لذات الرب وثبت أنه ليس بمخلوق فالحروف ليست قديمة لأنها متعاقبة وما كان مسبوقا بغيره لم يكن قديما والكلام القديم معنى قائم بالذات لا يتعدد ولا يتجزأ بل هو معنى واحد ان عبر عنه بالعربية فهو قرآن أو بالعبرانية فهو توراة مثلا.
وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى أن القرآن العربي كلام الله وكذا التوراة وان الله لم يزل متكلما إذا شاء وانه تكلم بحروف القرآن وأسمع من شاء من الملائكة والأنبياء صوته وقالوا ان هذه الحروف والأصوات قديمة العين لازمة الذات ليس متعاقبا بل لم تزل قائمة بذاته مقترنة لا تسبق والتعاقب انما يكون في حق المخلوق بخلاف الخالق “. انتهى
•التعقيب: بعد أن ذكر ابن حجر ما قاله ابن حزم، نقل عن أحد المتكلمين مقالات الفرق الاسلامية، ويلاحظ كيف أنه نقل عن الجهمية وبعض المعتزلة قولهم بأن الله لا يتكلم، وهو يخلق الكلام بمشيئته وقدرته في بعض الأجسام. فهؤلاء معطلة، عطلوا صفات الذات.
ونقل عن بعض المعتزلة قولهم باثبات كلام لله تعالى، وقولهم بأنه يخلق الكلام في غيره.
ثم نقل هذا المتكلم المجهول عن الأشعرية والكلابية توافقهم في صفة الكلام،
وأن كلام الله واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، وهو قديم قائم بذاته، ليس حرفا ولاصوتا، و لا يتعلق بقدرته ومشيئته.
ونقل هذا المتكلم عن بعض الحنابلة – وليس جميعهم- القول بأنه كلام الله تابع لمشيئته، وانه يتكلم بحروف وأصوات قديمة لا تعاقب فيها.
والحق أن بعض الحنابلة قالوا أيضا بأن الله يتكلم بصوت قديم لا بحروف.
هـ- الاقتباس الخامس: ثم نقل ابن حجر عن أحد المتكلمين أنه قال: ” وذهب أكثر هؤلاء إلى أن الأصوات والحروف هي المسموعة من القارئين وأبي ذلك كثير منهم فقالوا ليست هي المسموعة من القارئين”. انتهى
•التعقيب: نقل ابن حجر عن أحد المتكلمين أن أكثر الحنابلة قالوا بأن الأصوات والحروف هي المسموعة من القارئين، وهذا فيه اشارة لمذهب بعض الحنابلة الذين وافقوا الأشعرية في نفي الصوت والحروف عن الله وأنها فقط المسموعة من القراء. وأنكر كثير منهم هذا القول، وهؤلاء أغلبهم الذين مالوا لمذهب التجسيم.
و- الاقتباس السادس: واصل ابن حجر نقل قول أحد المتكلمين الذي قال: “وذهب بعضهم إلى أنه متكلم بالقرآن العربي بمشيئته وقدرته بالحروف والأصوات القائمة بذاته وهو غير مخلوق، لكن الله لم يتكلم لامتناع وجود الحادث في الأزل فكلامه حادث في ذاته لا مُحدث. وذهب الكرامية إلى أنه حادث في ذاته ومحدث”. انتهى
•التعقيب السادس: ذكر بعض المتكلمين أن بعض الحنابلة ذهبوا للقول بأن الله تكلم بالقرٱن باللغة العربية بمشيئته وقدرته بالحروف والأصوات القائمة بذاته وهو غير مخلوق لكنه في الأزل لم يشأ الكلام، ثم تكلم بمشيئته فكلامه حادث والحادث هو ما وجد بعد العدم، بشرط كونه منفصلا عن ذات الله، فهؤلاء يقولون أن كلامه حادث الٱحاد، وليس بمحدث، والمحدث هو ما وجد بعد العدم، بشرط كونه متصلا بذات الله، أي أنه قديم النوع.
وذهبت الكرامية للقول بأن الله يتكلم بمعنى أنه يخلق في ذاته كلاما.
ز- الاقتباس السابع: تابع ابن حجر نقل كلام ذلك الشخص الذي قال: “وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلا وعقلا وأطال في تقرير ذلك والمحفوظ عن جمهور السلف ترك الخوض في ذلك والتعمق فيه والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله وانه غير مخلوق ثم السكوت عما وراء ذلك”. انتهى
•التعقيب السابع: والجواب على هذه الشبهة تحت الرابط التالي:
https://m.facebook.com/…/a.3806839…/1127151890696889/…
ت- الاقتباس الثامن: قال ابن حجر بعد ذلك:
الحديث الأول: “قوله وقال مسروق عن ابن مسعود إذا تكلم الله تبارك وتعالى بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا انه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق”…… “قوله سمع أهل السماوات” في رواية أبي داود وغيره سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، ولبعضهم الصفوان بدل الصفا وفي رواية الثوري الحديد بدل السلسلة وفي رواية شيبان بن عبد الرحمن عن منصور عند ابن أبي حاتم مثل صوت السلسلة وعنده من رواية عامر الشعبي عن ابن مسعود سمع من دونه صوتا كجر السلسلة ووقع في حديث النواس ابن سمعان عند ابن أبي حاتم إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة من خوف الله فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا وكذا وقع قوله ويخرون سجدا في رواية أبي مالك وكذا في رواية سفيان وابن نمير المشار إليها ووقع في رواية شعبة فيرون انه من أمر الساعة فيفزعون
•التعقيب: قال ابن حجر بعد ذلك:” قوله سمع أهل السماوات” في رواية أبي داود وغيره سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، ولبعضهم الصفوان بدل الصفا وفي رواية الثوري الحديد بدل السلسلة وفي رواية شيبان بن عبد الرحمن عن منصور عند ابن أبي حاتم مثل صوت السلسلة وعنده من رواية عامر الشعبي عن ابن مسعود سمع من دونه صوتا كجر السلسلة”؛ هذه الروايات أوردها ابن حجر كبعض الأدلة التي يحتج بها من يثبت الصوت لله، من غير أن يبدي رأيه في المسألة، إنما أراد حشد تلك المرويات من دون البحث في درجة صحتها.
و تفصيلها تحت الرابط التالي:
ث-الاقتباس التاسع: قال ابن حجر في الفتح: “الحديث الثاني (قوله ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس) بنون ومهملة مصغر هو الجهني كما تقدم في كتاب العلم وان الحديث الموقوف هناك طرف من هذا الحديث المرفوع وتقدم بيان الحكمة في إيراده هناك بصيغة الجزم وهنا بصيغة التمريض وساق هنا من الحديث بعضه وأخرجه بتمامه في الأدب المفرد وكذا أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني كلهم من طريق همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل انه سمع جابر بن عبد الله يقول فذكر القصة”. انتهى
•التعقيب: ذكر ابن حجر أن البخاري أورد حديثا مختلف في بعض رواته وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، لذلك روى حديثه البخاري بصيغة التمريض .
ح- الاقتباس العاشر: ” قال الحافظ ابن حجر في الفتح: “ونظر البخاري أدق من أن يعترض عليه بمثل هذا فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به لأنّ الإسناد حسن وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم به لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف- فيها ولو اعتضدت “. انتهى
•التعقيب: أي أن البخاري ذكر أول الحديث في كتاب العلم، بصيغة الجزم لأنه ليس- فيه ذكر الصوت، إنما فيه ذكر رحيل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أُتَيْس من المدينة إلى مصر. وأما هنا فقد أورده كاملا بصيغة التمريض لورود لفظ الصوت فيه.
قال الكوثري في تعليقاته على السيف الصقيل ردا على ابن قيم الجوزية: ” إنّ كان يريد حديث جابر عن عبد الله بن أنيس “يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب..” الحديث، فهو حديث ضعيف علَّقه البخاري بقوله: ويُذكر عن جابر؛ دلالة على أنه ليس من شرطه. ومداره على عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف باتفاق، وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد، وعنه قالوا إنه ممن لا يحتج به. وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في الحديث المذكور”. انتهى
خ- الاقتباس الحادي عشر: ثم قال ابن حجر عن رواية محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله : “قوله “فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب” حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف أي يأمر من ينادي واستبعده بعض من أثبت الصوت بأن في قوله:” يسمعه من بعد” إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم”. انتهى
•التعقيب: فابن حجر بين هنا أن قوله “فيناديهم بصوت” معناه عند بعض الأئمة: يأمر الله بعض الملائكة بالنداء و ذكر أن بعض الذين أثبتوا الصوت لله أنكروا هذا التأويل لأن في قوله “يسمعه من بعد” إشارة إلى أنه ليس من جنس كلام المخلوقات. فهنا نص واضح أن بعض القائلين بالصوت لله تعالى جازمون أن كلامه عز وجل ليس بمخلوق بخلاف القائلين بأنه بحرف و صوت فيلزم من كلامهم التعاقب و الحدوث في كلام الله إذ لا يعقل أن تكون الحروف قديمة بقدم الذات.
ذ- الاقتباس الثاني عشر: ثم قال ابن حجر : “قال – أي البخاري- فعلى هذا فصوته صفة من صفات ذاته لا تشبه صوت غيره إذ ليس يوجد شئ من صفاته من صفات المخلوقين هكذا قرره المصنف في كتاب خلق أفعال العباد”. انتهى
•التعقيب: ابن حجر لا يجزم بصحة نسبة هذا القول للبخاري و لا بصحة نسبة النسخ الرائجة للبخاري واكتفى بقول ” هَكَذَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ العباد” أي هذا ما وُجد في النسخ الرائجة من كتاب خلق أفعال العباد المنسوبة للبخاري، ولم يقل ابن حجر مثلا هذا ما وصلنا من البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، و إلا فقد قال ابن حجر قبل ذلك: “ونظر البخاري أدق من أن يعترض عليه بمثل هذا فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به لأنّ الإسناد حسن وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم به لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف- فيها ولو اعتضدت “. انتهى
وهذا الذي نقله ابن حجر عن الإمام البخاري لا يصح القطع بنسبته إليه لأن كتاب خلق أفعال العباد هو مسودة و ليس النسخة الأخيرة المنقحة التي كتبها الإمام البخاري.
راجع الرابط التالي:
ثم إن البخاري نقل خلاف هذا القول في عدة مواضع من صحيحه و الأئمة نقلوا عنه أيضا خلاف هذا، مما يدل أن هذا القول قاله البخاري إما تصحيحا لقول القائلين بالصوت دون الحرف في ما يتعلق بكلام الله، أو أنه كان يميل لهذا القول في كتاب خلق أفعال العباد ثم تراجع عن ذلك بعد تأليفه الصحيح و غيره.
وفي كل الحالات فإن البخاري لم يثبت في صحيحه نسبة الحرف لله تعالى.
س- الاقتباس الثالث عشر: ثم نقل الحافظ ابن حجر عن البيهقي أنه قال: “الكلام ما ينطق به المتكلم وهو مستقر في نفسه كما جاء في حديث عمر يعني في قصة السقيفة وقد تقدم سياقه في كتاب الحدود وفيه:” وكنت زورت في نفسي مقالة” وفي رواية: “هيأت في نفسي كلاما”، قال: “فسماه كلاما قبل التكلم به قال: فإن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات وإن كان غير ذي مخارج فهو بخلاف ذلك والباري عز وجل ليس بذي مخارج فلا يكون كلامه بحروف وأصوات، فإذا فهمه السامع تلاه بحروف وأصوات ثم ذكر حديث جابر عن عبد الله بن أنيس وقال اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديثه فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره كما في حديث ابن مسعود يعني الذي قبله وفي حديث أبي هريرة يعني الذي بعده ان الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتا، فيحتمل ان يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة وإذا احتمل ذلك لم يكن نصا في المسئلة وأشار في موضع آخر ان الراوي أراد فينادي نداء فعبر عنه بقوله بصوت”. انتهى
ثم قال ابن حجر: “وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمة ويلزم منه ان الله لم يسمع أحدا من ملائكته ورسله كلامه بل ألهمهم إياه وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنها التي عهد أنها ذات مخارج ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق سلمنا لكن نمنع القياس، المذكور وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الايمان به ثم اما التفويض واما التأويل وبالله التوفيق”. انتهى
•التعقيب: جواب هذه الشبهة تحت الرابط التالي:
https://m.facebook.com/…/a.3806839…/1128566390555439/…
ر- الاقتباس الرابع عشر: ثم قال الحافظ ابن حجر في الفتح: “قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه، فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود، وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا، فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة، وأشار- يعني البيهقي- في موضع ءاخر إلى أن الراوي أراد فينادي نداء فعبر عنه بصوت “. انتهى.
ف- الاقتباس الخامس عشر: الحديث الثالث: ……وفي حديث ابن عباس عند ابن خزيمة وابن مردويه كمر السلسلة على الصفوان فلا ينزل على أهل السماء الا صعقوا فإذا فزع عن قلوبهم إلى آخر الآية ثم يقول يكون العام كذا فيسمعه الجن وعند ابن مردويه من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما نزل جبريل بالوحي فزع أهل السماء لانحطاطه وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت الحديد على الصفا فيقولون يا جبريل بم أمرت الحديث…..وفي لفظ ينزل الامر إلى السماء الدنيا له وقعة كوقع السلسلة على الصخرة فيفزع له جميع أهل السماوات الحديث. فهذه الأحاديث ظاهرة جدا في أن ذلك وقع في الدنيا بخلاف قول من ذكرنا من المفسرين الذين أقدموا على الجزم بان الضمير للكفار وان ذلك يقع يوم القيامة مخالفين لما صح من الحديث النبوي من أجل خفاء معنى الغاية في قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم.
•التعقيب: هذه الروايات تدل صراحة أن الصوت ليس كلام الله، بل هو صوت يصاحب نزول جبريل بالوحب، لما جاء في الحديث: “لما نزل جبريل بالوحي فزع أهل السماء لانحطاطه وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت الحديد على الصفا” فلا يقول قائل أن جبريل نزل بكلام الله الذي هو صفة ذاته، أو أن صفته تعالى انفكت عنه.
بل أورد ابن حجر رواية أخرى و فيها أن الصوت يصاحب نزول الأمر، حيث جاء في الحديث: ” ينزل الامر إلى السماء الدنيا له وقعة كوقع السلسلة على الصخرة فيفزع له جميع أهل السماوات الحديث.
ق- الاقتباس السادس عشر: قال الحافظ ابن حجر: “الحديث الخامس حديث أبي سعيد في بعث النار ذكره مختصرا وقد مضى شرحه مستوفى في أواخر الرقاق وقوله يقول الله يا آدم في رواية التفسير يقول الله يوم القيامة يا آدم (قوله فينادي بصوت ان الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار) هذا آخر ما أورد منه من هذه الطريق أخرجه بتمامه في تفسير سورة الحج بالسند المذكور هنا”. انتهى
ثم قال: “ووقع فينادي مضبوطا للأكثر بكسر الدال وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول ولا محذور في رواية الجمهور فان قرينة قوله إن الله يأمرك تدل ظاهرا على أن المنادي ملك يأمره الله بان ينادي بذلك”. انتهى
•التعقيب: فهذا الحديث رواه البخاري موصولاً مسندًا، لكنه ليس صريحًا في إثبات الصوت كصفة لله فلا حجة فيه للصوتية. وقد بين الحافظ ابن حجر أن حديث: ” فينادي بصوت ان الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار” لا محذور فيها، لأن قرينة قوله: ” إن الله يأمرك” تدل ظاهرا على أن المُنادي ملك يأمره الله بان ينادي بذلك.
قال ابن الملقن في شرحه للبخاري عند حديث “فيناديهم بصوت”: «ومعنى: “فيناديهم” يأمر ملكا ينادي، أو يخلق صوتًا يسمعه الناس، وإلا فكلامه ليس بحرف ولا صوت. وفي رواية أبي ذر: “فينادَى” عَلَى ما لم يسم فاعله». انتهى
ونحوه قول الدماميني ـ وقاله العيني أيضا في شرحه على البخاري:«قال القاضي: والمعنى: يَجعل مَلَكاً ينادي، أو يخلق صوتاً يسمَعُه الناس، وأما كلامُ الله، فليس بحرف ولا صوت».
ونحوه قول عبد القادر الأسطواني في «أصل الزراري شرح صحيح البخاري – مخطوط» ، ومما جاء فيه: “وقوله: (فيناديهم) المعنى: يجعل ملكًا يناديهم أو يخلق صوتًا ليسمعه الناس، وأمَّا كلام الله؛ فليس بحرف ولا صوت”. انتهى
قال الكوثري في تعليقاته على السيف الصقيل ردا على ابن قيم الجوزية: وأما إن كان يريد حديث أبي سعيد الخدري (يقول الله يا آدم يقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك …) الحديث، فلفظ ينادَى فيه على صيغة المفعول جزماً بدليل “إن الله يأمرك” ولو كان على صيغة الفاعل لكان إني آمرك كما لا يخفى، على أن لفظ (صوت) انفرد به حفص بن غياث وخالفه وكيع وجرير وغيرهما فلم يذكروا الصوت. وسئل أحمد عن حفص هذا فقال: كان يخلط في حديثه، كما ذكره ابن الجوزي، فأين الحجة للناظم في مثله؟
على أن الناظم نفسه خرج في حادي الأرواح –وفي هامشه إعلام الموقعين، عن الدارقطني من حديث أبي موسى “يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت يسمعه أولهم وآخرهم إن الله وعدهم…” الحديث، وهذا يعين أن الإسناد مجازي على تقدير ثبوت الحديثين. فظهر بذلك أن الناظم متمسك في ذلك بالسراب؛ والمؤلف – أي السبكي- تساهل في الرد عليه؛ وفي “القواصم والعواصم” لابن العربي ما يقصم ظهر الناظم”. انتهى
ط- الاقتباس السابع عشر: قال ابن حجر في الفتح ما نصه: “واستدل البخاري في كتاب خلق أفعال العباد على أن الله يتكلم كيف شاء وان أصوات العباد مؤلفة حرفا حرفا فيها التطريب بالهمز والترجيع بحديث أم سلمة ثم ساقه من طريق يعلي بن مملك بفتح الميم واللام بينهما ميم ساكنة ثم كاف انه سأل أم سلمة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته فذكرت الحديث وفيه ونعتت قراءته فإذا قراءته حرفا حرفا وهذا أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما”. انتهى
•التعقيب
والجواب على هذه الشبهة تحت الرابط التالي:
https://m.facebook.com/…/a.3806839…/1127177564027655/…
ويدل على ما تقدم قول ابن حجر في ٱخر هذا الباب: “والذي يظهر ان غرضه -أي البخاري- ان كلام الله لا يختص بالقرآن فإنه ليس نوعا واحدا كما تقدم نقله عمن قاله وانه وإن كان غير مخلوق وهو صفة قائمة به فإنه يلقيه على من يشاء من عباده بحسب حاجتهم في الأحكام الشرعية وغيرها من مصالحهم وأحاديث الباب كالمصرحة بهذا المراد”. انتهى
ثم ان ابن بطال ذكر -كما نقل عنه الحافظ ابن حجر في أول هذا الباب- أن البخاري يعتقد أن كلام الله قديم لذاته قائم بصفاته لم يزل موجودا به ولا يزال كلامه لا يشبه المخلوقين.
ظ- الاقتباس الثامن عشر: قال الحافظ ابن حجر بعد ذلك: ” وأثبتت الحنابلة ان الله متكلم بحرف وصوت اما الحروف فللتصريح بها في ظاهر القرآن. واما الصوت فمن منع قال إن الصوت هو الهواء المنقطع المسموع من الحنجرة وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر وصفات الرب بخلاف ذلك فلا يلزم المحذور المذكور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه وانه يجوز ان يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه. وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت فقال لي أبي بل تكلم بصوت هذه الأحاديث تروى كما جاءت وذكر حديث ابن مسعود وغيره”. انتهى
•التعقيب: قوله: “وأثبتت الحنابلة ان الله متكلم بحرف وصوت اما الحروف فللتصريح بها في ظاهر القرآن”. هذا قول مجسمة الحنابلة منهم، وليس المنزهين منهم، والا فالقرٱن لا يصرح بالقول بأن الله يتكلم بحرف، وانما أخذوا بظاهر الٱيات ولم يحاولوا التوفيق بينها وبين الٱيات المحكمات وفق معاني اللغة العربية، فجعلوا كلام الله مركبا من حرف وصوت.
وأما قوله:”واما الصوت فمن منع قال: إن الصوت هو الهواء المنقطع المسموع من الحنجرة” فهذا كلام المنزهة نقله ابن حجر.
وأما قوله: ” وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر وصفات الرب بخلاف ذلك فلا يلزم المحذور المذكور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه وانه يجوز ان يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه”. انتهى
فهذا ليس كلام ابن حجر أيضا بل هو كلام من أثبت الصوت لله بدليل قوله: “وأجاب من أثبته”، وهو اعتراض فاسد فالسمع و البصر مثل الكلام أيضا، هي صفات واجبة لله تعالى قائمة بذاته و لا تنفك عنه، فلا يوصف الله بنقيضها. وأما الصوت فليس من الصفات الواجبة لله، ويلزم من اثباته اثبات الكيف، وهو كفر.
لكن قال بعض العلماء أن الشخص لو قال أن كلام الله صوت أزلي أبدي ليس فيه تعاقب الحروف فلا يُكَفَّر إن كان نيته كما قال. فليس هذا تجسيما. أما من جعله صوتا بحرف فهو كفر، ولا معنى لقوله أن تعاقب الحروف أزلي، او أن الله يتكلم بالحروف مع اعتقاد التنزيه، فهذا تناقض في الكلام.
قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي في الاقناع: «أجمعوا على أن كلام الله عز وجل ليس بحروف ولا أصوات، وأنه يقرأ بالحروف، ويسمع بالعبارات على أنه شيء قرئ بهذه العبارة المخصوصة على لغة مخصوصة، وقع الفهم به للسامع، فقيل له: عربي، ومنزل على لغة العرب». انتهى
وأما قوله: “وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت فقال لي أبي بل تكلم بصوت هذه الأحاديث تروى كما جاءت وذكر حديث ابن مسعود وغيره”. انتهى
فهو أيضا ليس كلام ابن حجر، بل هو تمام كلام من أثبت الصوت لله وهو صاحب الجواب الذي قال عنه ابن حجر : ” وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر وصفات الرب بخلاف ذلك فلا يلزم المحذور المذكور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه وانه يجوز ان يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه. وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل….”
وهذا الأثر مذكور في النسخ الرائجة لكتاب السنة المنسوب لعبد الله بن الإمام أحمد، و جواب هذه الشبهة تحت الرابط التالي:
https://m.facebook.com/…/a.3806839…/1367369550008454/…
ض-الاقتباس التاسع عشر: قال ابن حجر في الفتح:” في ٱخر هذا الباب: ” قال ابن بطال: أراد – أي البخاري- بهذه الترجمة وأحاديثها ما أراد في الأبواب قبلها ان كلام الله تعالى صفة قائمة به وانه لم يزل متكلما ولا يزال ثم أخذ في ذكر سبب نزول الآية والذي يظهر ان غرضه ان كلام الله لا يختص بالقرآن فإنه ليس نوعا واحدا كما تقدم نقله عمن قاله، وانه وإن كان غير مخلوق وهو صفة قائمة به فإنه يلقيه على من يشاء من عباده بحسب حاجتهم في الأحكام الشرعية وغيرها من مصالحهم وأحاديث الباب كالمصرحة بهذا المراد”. انتهى
•التعقيب: فهنا بيّن ابن حجر ، نقلا عن ابن بطال أن البخاري يعتقد أن كلام الله تعالى صفة قائمة به، وأنه يلقيه على من يشاء من عباده ورسله”. وهو معنى كلام البخاري “يتكلم كما شاء”، لا أن الله إذا شاء تكلم وان شاء لم يتكلم كما هو مذهب الحشوية، فجعلوا صفة الكلام تابعة لصفة المشيئة وقالوا بقيام الحوادث في ذات الله.
بيان ما نقله ابن حجر عن الفخر الرازي أنه قال ان القول بأن الله يتكلم بكلام يقوم بمشيئته هو أصح الأقوال
ينقل بعض المجسمة عن الحافظ ابن حجر أنه قال في الفتح: ” وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال : إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلا وعقلا ، وأطال في تقرير ذلك “. انتهى
والرد على هذه الشبهة أن يقال: هذا الكلام نقله ابن حجر عن شخص مجهول لم يذكر اسمه. فبعد أن نقل كلام ابن حزم في الملل و النحل قال الحافظ: ” وقال غيره” ثم ساق كلامه و فيه: وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية… “.
وفي ما يلي نص عبارة الحافظ ابن حجر في فتح الباري 13/455 حيث قال بعد أن ساق كلام ابن حزم: ” وقال غيره : “اختلفوا فقالت الجهمية والمعتزلة وبعض الزيدية والإمامية وبعض الخوارج : كلام الله مخلوق خلقه بمشيئته وقدرته في بعض الأجسام كالشجرة حين كلم موسى ، وحقيقته قولهم : إن الله لا يتكلم وإن نسب إليه ذلك فبطريق المجاز ، وقالت المعتزلة يتكلم حقيقة لكن يخلق ذلك الكلام في غيره وقالت الكلابية : الكلام صفة واحدة قديمة العين لازمة لذات الله كالحياة ، وأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وتكليمه لمن كلمه إنما هو خلق إدراك له يسمع به الكلام ونداؤه لموسى لم يزل لكنه أسمعه ذلك النداء حين ناجاه ويحكى عن أبي منصور الماتريدي من الحنفية نحوه لكن قال : خلق صوتا حين ناداه فأسمعه كلامه ، وزعم بعضهم أن هذا هو مراد السلف الذين قالوا : إن القرآن ليس بمخلوق ، وأخذ بقول ابن كلاب القابسي والأشعري وأتباعهما وقالوا : إذا كان الكلام قديما لعينه لازما لذات الرب وثبت أنه ليس بمخلوق فالحروف ليست قديمة ؛ لأنها متعاقبة ، وما كان مسبوقا بغيره لم يكن قديما ، والكلام القديم معنى قائم بالذات لا يتعدد ولا يتجزأ بل هو معنى واحد إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن أو بالعبرانية فهو توراة مثلا وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى أن القرآن العربي كلام الله وكذا التوراة ، وأن الله لم يزل متكلما إذا شاء وأنه تكلم بحروف القرآن وأسمع من شاء من الملائكة والأنبياء صوته ، وقالوا : إن هذه الحروف والأصوات قديمة العين لازمة الذات ليست متعاقبة بل لم تزل قائمة بذاته مقترنة لا تسبق والتعاقب إنما يكون في حق المخلوق بخلاف الخالق ، وذهب أكثر هؤلاء إلى أن الأصوات والحروف هي المسموعة من القارئين ، وأبى ذلك كثير منهم فقالوا ليست هي المسموعة من القارئين ، وذهب بعضهم إلى أنه متكلم بالقرآن العربي بمشيئته وقدرته بالحروف والأصوات القائمة بذاته وهو غير مخلوق لكنه في الأزل لم يتكلم لامتناع وجود الحادث في الأزل ، فكلامه حادث في ذاته لا محدث ، وذهب الكرامية إلى أنه حادث في ذاته ومحدث ، وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال : إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلا وعقلا ، وأطال في تقرير ذلك “. انتهى
فحتى قوله: ” وأطال في تقرير ذلك” هذا ليس من كلام ابن حجر، فهذا الغير هو الذي نقل الحافظ عنه الكلام المنسوب للإمام الرازي وهو الذي حرف كلام الفخر الرازي لأنه لا وجود له في كتاب المطالب العالية , لا في مباحث الكلام و لا في غيره من المباحث. بل الموجود عكسه فقد خصص الفخر الرازي في الجزء 2 صحيفة 106 فصلا مخصوص بعنوان “الفصل الخامس عشر : في بيان أن يمتنع كونه تعالى محلاً لغيره”. ومن قال خلاف ذلك فليأت به من كتاب المطالب.
وقد رد الحافظ ابن حجر هذا القول وقال:” والمحفوظ عن جمهور السلف ترك الخوض في ذلك والتعمق فيه ، والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله وأنه غير مخلوق ثم السكوت عما وراء ذلك ” انتهى
فهذا كلام الحافظ رحمه الله وليس فيه إقرار بالكلام المنسوب للرازي الذي نقله ذلك الشخص المجهول متصرفا فيه. ونقل ذلك الشخص المجهول عن الفخر الرازي غير دقيق لأنه أراد أن يثبت هذه الأشياء عليه ويظهره أنه يتبنى القول من قبله و الصحيح أن الفخر ينقل الأقوال من غير تقرير. ولا يبعد أن يكون ذلك الشخض الذي لم يذكر الحافظ اسمه هو ابن تيمية لأنه يشبه أسلوبه في سبك العبارات و ولأنه سبق أن نسب إلى الفخر الرازي مقالات لا تثبت عنه.
كما ينبغي الإشارةهنا إلى طريقة الفخر الرازي في “المطالب العالية” التي تخالف طريقته في سائر كتبه فإنه حاول عرض و سبر الأقوال والمذاهب بحياد وتجرد ودون ترجيح لأي منها في كثير من الأحيان. فسعى في هذا الكتاب إلى البحث والجمع والكشف أكثر مما هدف إلى إثبات عقيدة أهل السنة أو نصرتها.
كما ينبغي التنبيه أيضا أن الإمام قد ينقل وجها او حجة للفلاسفة أو المعتزلة بلسان أحدهم وحكايته له مع إيراد ما ذكروه في دفع حجج خصومهم من اهل السنة وإبطالها فيستغرق ذلك عشرة صفحات ويختلط الكلام في أثناءها فيظنه البعض كلامه وهو ليس كلامه ، فيجب التنبه جيدا عند قراءته حتى يعرف المعنى ويعرف إلى من ينسب الكلام. ومن أجل هذا انتقده بعض أهل العلم بأنه يورد الإشكالات ناجزة ويحلها نسيئة حتى ليخيل للقارئ أنه يقول بهذه النقول ، وليس كذلك ، لأنه قد نبه أكثر من مرة في المطالب إلى الرجوع إلى بعض كتبه كالمحصل وأصول الدين لمعرفة تفصيل المسألة لدى أهل السنة. فمذهبه في العقيدة كمتكلم أشعري سني قد سطره رحمه الله في عدة كتب أخرى كالأربعين والمعالم والمحصل و في ثنايا تفسيره للقرآن الكريم.
حديث إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة
1-ذكر روايات هذا الحديث والكلام عن المرفوع منها والموقوف.
ليعلم أولا أن “حديث إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا” قد اختلف العلماء في وقفه أو رفعه.
-فرواه بعضهم بالرفع من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم عن الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح عن مسروق عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن بطة من طريق راو عن أبي معاوية ومن طريق محاضر بن المورع ومن طريق وكيع ومن طريق راو آخر عن أبي معاوية بطريق الجمع عن الأعمش عن مسلم بن صُبيح به مرفوعا.
والرواية في الطرق المجموعة لا يحصل بها معرفة من روى الحديث بالرفع تحديدا هل كلهم أو بعضهم؟، لِما شاع عندهم من جمع الرواة في الرواية وهي للكل أو الأول أو الأخير منهم، وربما كان في صنيع ابن بطة في البدء بأحد الطريقين عن أبي معاوية والختم بالطريق الثاني عنه إشارةٌ إلى أن الذي روى الحديث بالرفع هو أبو معاوية.
ـ ورواه بالوقف: ابنُ خزيمة والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب البغدادي من بعض الطرق عن أبي معاوية، ومحمدُ بن نصر وابن خزيمة من طريقين عن وكيع، والدارميُّ في الرد على الجهمية وابن خزيمة واللالكائي من ثلاثة طرق عن شعبة، وأبو الشيخ في العظمة من طريق سفيان الثوري، وابنُ خزيمة من طريق عبد الله بن نمير، خمستهم عن الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح به موقوفا على ابن مسعود.
ورواه محمد بن نصر من طريق السدي عن أبي مالك عن مسروق به موقوفا.
فالطريق المرفوع معلول بالوقف على الصحابي، وهذا ما فعله الحافظ الدارقطني إذ قال في كتاب العلل: “رواه أصحاب أبي معاوية غيرَ من سمينا وأصحابُ الأعمش موقوفا، والموقوف هو المحفوظ”. انتهى
فهنا يثبت الحافظ الدارقطني أن الحديث لا يصح مرفوعا، إنما هو موقوف.
ثانيا: هذا الحديث رُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم، فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك؟، فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق”. انتهى
وهنا يظهر جليا أن الروايات قد اختلفت في جزء من الحديث:
-فرواه بعضهم بلفظ “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة”، بمعنى أن الصوت المسموع وقت تكلم الله تعالى بالوحي هو صوت السماء.
– ورواه بعضهم بلفظ “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة”، وهذه الرواية لا تُحدد مصدر الصوت. -ورواه بعضهم بلفظ “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء له صلصلة”، وفي هذه الرواية قد يفهم أن الصوت هو لله، أو هو صوت يتحصل مصاحبا للوحي.
– ورواه بعضهم بلفظ “إذا تكلم الله بالوحي سمع صوتَه أهلُ السماء”، وهذه الرواية فيها تصريح بنسبة الصوت لله عز و جل.
وفي ما يلي تفصيل لهذه المرويات:
أ-الحديث الأول بلفظ: “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة”
هذا الحديث رواه ابنُ حبان والخطيب البغدادي من طريقين عن علي بن الحسين ابن إشكاب، وأبو القاسم الأصبهاني في الحجة من طريق أحمد بن أبي سريج، والبيهقيُّ في الأسماء والصفات من طريق إسماعيل بن محمد الصفار عن سعدان بن نصر، ثلاثتهم عن أبي معاوية محمد بن خازم، وابنُ خزيمة عن سلم بن جنادة عن وكيع، وابنُ خزيمة عن محمد بن بشار عن محمد بن إبراهيم بن أبي عدي عن شعبة، ثلاثتهم أبو معاوية ووكيع وشعبة عن الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح عن مسروق عن عبد الله بن مسعود.
ورواه كذلك ابن خزيمة عن أبي موسى عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري عن منصور عن مسلم بن صُبيح به.
ورواه أبو داود في السنن وابنُ خزيمة في التوحيد من طرق مجموعة عن أبي معاوية عن الأعمش به.
ورواه ابن بطة من طريق علي بن حرب وأحمدَ ابنِ حنبل عن أبي معاوية ومن طريق محاضر بن المورع ووكيع، ثلاثتهم بطريق الجمع عن الأعمش عن مسلم بن صبيح به.
والطرق المجموعة لا يحصُل بها معرفة من روى الحديث بذلك اللفظ المروي من أولئك الرواة، لِما شاع عندهم من جمع الرواة في الرواية والاقتصار على لفظِ واحد منهم فيما إذا كانت ألفاظهم متقاربة.
وأما سند الحديث ففيه:
•سليمان بن مهران الأعمش كوفي ثقة قد يدلس الإسناد.
• أبو الضحى مسلم بن صُبيح كوفي ثقة.
• مسروق بن الأجدع كوفي ثقة.
• عبد الله بن مسعود صحابي جليل نزيل الكوفة مات فهذا الإسناد لا بأس به في هذا الحديث.
ب-الحديث الثاني بلفظ: “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة”
هذا الحديث رواه ابنُ خزيمة في التوحيد عن علي بن الحسين ابن إشكاب والآجريُّ وابن بطة من ثلاثة طرق أخرى عن ابن إشكاب، والخطيبُ البغدادي من طريق محمد بن عمرو بن البختري عن سعدان بن نصر، وابنُ بطة واللالكائيُّ من ثلاثة طرق أخرى، خمستهم عن أبي معاوية، ورواه محمدُ بن نصر عن إسحاق بن راهويه عن وكيع، وابنُ خزيمة من طريق محمد بن جعفر، واللالكائيُّ من طريق وهب بن جرير بن حازم، والدارميُّ في الرد على الجهمية عن محمد بن بشار عن محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، ثلاثتهم عن شعبة، ، وأبو الشيخ في العظمة عن محمد بن زكريا القرشي عن أبي حذيفة موسى بن مسعود عن سفيان الثوري، وابنُ خزيمة من طريق عبد الله بن نمير، خمستهم أبو معاوية ووكيع وشعبة وسفيان الثوري وعبد الله بن نمير عن الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله بن مسعود.
فهذا أيضا إسناده لا بأس به.
ج ـ الحديث الثالث بلفظ “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء له صلصلة”
هذا الحديث رواه عبد الله بن أحمد في السنة عن أبي معْمر عن جرير وابنِ نمير وأبي معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله أنه قال: “إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع أهل السماء له صلصلة كصلصلة الحديد على الصفا”. ورواه النجاد في كتاب الرد على من يقول القرآن مخلوق عن عبد الله بن أحمد به.
وأبو معمر الهُذلي إسماعيل بن إبراهيم بن معمر الهذلي هروي نزيل بغداد ثقة. لكن نسخة كتاب السنة الرائجة عن عبد الله بن الإمام أحمد فيها نظر في صحة نسبتها لعبد الله بن أحمد بن حنبل
راجع الروابط التالية:
https://m.facebook.com/…/a.3806839…/1409900695755339/…
وحتى على تقدير صحة كتاب السنة، فالصوت راجع لما يصاحب نزول الوحي من أحوال، ويشهد لذلك ما يلي:
-قال السيوطي في الدر المنثور: “وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ إذا نَزَلَ الوَحْيُ كانَ صَوْتُهُ كَوَقْعِ الحَدِيدِ عَلى الصَّفْوانِ فَيَصْعَقُ أهْلُ السَّماءِ”. انتهى
-روى محمد بن نصر عن إسحاق بن راهويه عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: “إن الله إذا ألقى الوحي سمع له أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان”.
وهذه الرواية في اسنادها لين
•عبيد الله بن موسى كوفي ثقة فيه لين.
• إسرائيل بن يونس كوفي ثقة فيه لين
• إسماعيل بن عبد الرحمن السدي كوفي ثقة فيه لين .
ومع ذلك فهي تصلح لتفسير الرواية السابقة
د ـ الحديث الرابع بلفظ: “إذا تكلم الله بالوحي سمع صوتَه أهلُ السماء”
رواه عبد الله بن أحمد في نسخة كتاب السنة المنسوبة إليه عن أبيه عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله أنه قال: “إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع صوتَه أهلُ السماء، فيخرون سجدا، حتى إذا فزع عن قلوبهم ـ قال سكن عن قلوبهم ـ نادى أهلُ السماء ماذا قال ربكم؟، قالوا الحق”. ورواه النجاد في كتاب الرد على من يقول القرآن مخلوق عن عبد الله بن أحمد به، ونقله السجزي في النسخة المنسوبة إليه من رسالة الرد على من أنكر الحرف والصوت عن عبد الله ابن أحمد به.
ورواه ابن بطة عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي عن الحسن بن عرفة عن المحاربي به.
و إسناد هذه الرواية ضعيف:
• عبد الرحمن بن محمد المحاربي: مختلف في توثيقه. قال عثمان بن سعيد الدارمي: “ليس بذاك ” وقال الساجي: ” صدوق يهم”. وكان يدلس الإسناد”، و زيادة على ذلك فهو لم يصرح بما يدل على السماع.
2-بيان درجة أسانيد الألفاظ الأربعة الواردة في هذا الحديث:
الروايات المتعددة عن الأعمش باللفظ الأول والثاني تؤكد ثبوت اللفظين عنه، أحدهما “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة”، والثاني مثله دون لفظة “للسماء”، فالظاهر أنه كان يقوله مرة هكذا ومرة هكذا، وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن اللفظ الأول صحيح ثابت عن الأعمش بزيادة هذه اللفظ.
وأما اللفظ الثالث “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء له صلصلة” فهذا مروي في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن الإمام أحمد، والنسخة الرائجة التي وصلتنا من الكتاب ليست ثابتة عن المؤلف، بل طرأ عليها تحريف وتبديل.
ورواه أحمد بن سلمان النجاد في كتاب الرد على من يقول القرآن مخلوق عن عبد الله بن أحمد به، وقد يُظن أن في روايته للحديث بهذا اللفظ تثبيتا لما جاء في نسخة كتاب السنة، وليس كذلك، لأن النجاد روايته لا تصل لمرتبة الاحتجاج، فقد قال فيه الإمام الدارقطني “حدَّث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله”، ورواية مَن هذا حاله لا يصح الاعتماد عليها، ويتأكد هذا بما قاله فيه الحافظ ابن عبدان، فقد سأل حمزة بن يوسف السهمي الإمامَ الحافظ أحمدَ بن عبدان الشيرازي المتوفى سنة 388 عن أحمد بن سلمان النجاد فقال: “لا يُدخل في الصحيح”.
وأما ما رواه محمد بن نصر من طريق أبي مالك عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال “إن الله إذا ألقى الوحي سمع له أهل السماوات صلصلة” فهو ليس بمعنى الرواية التي تتحدث عن صوت لكلام الله تماما، والسند فيه ثلاثة من الرواة كل واحد منهم ثقة فيه لين، فالسند لين.
وأما اللفظ الرابع المصرح بنسبة الصوت لله سبحانه وتعالى “إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع صوتَه أهلُ السماء” ففي سنده عبد الرحمن بن محمد المحاربي، وهو صدوق ثقة فيه لين، وكان يدلس الإسناد، ولم يصرح بالسماع، فالسند ضعيف.
3- ذكر شواهد رواية: “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة”
– الرواية الأولى: روى البخاري والحميدي والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في التوحيد وابن حبان واللالكائي من ثمانية طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير”.
ففي هذا الحديث أن الصوت هو صوت أجنحة الملائكة.
قال القرطبي في المفهم عند شرحه لقوله – عليه السلام – في بيان كيف يأتيه الوحي: “أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي … “. قال: “والذي عندي في هذا الحديث: أن هذا تشبيه لأصوات خفق أجنحة الملائكة، فيعني أنها متتابعة متلاحقة، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت، فإن كلامه تعالى ليس بحرف ولا صوت كما هو مبرهن عليه في موضعه فإن أراد هذا القائل: أن كلام الله تعالى القائم به صوت يسمع بحاسة الأذن فهو غلط فاحش، وما هذا اعتقاد أهل الحق، وإن أراد: أن الملائكة تسمع كلام ملك آخر يبلغهم عن الله بصوت فصحيح”. انتهى
-الرواية الثانية: “روى مسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي في الكبرى وابن حبان عن عبد الله بن عباس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ولكنْ ربنا تبارك وتعالى اسمه إذا قضى أمرا سبَّح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم؟، فيخبرونهم ماذا قال، فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا”.
وفي هذا الحديث ما يشير إلى أن أهل السماء يسبحون عند سماعهم صوت التسبيح من حملة العرش.
-الرواية الثالثة: روى محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة وابن أبي عاصم في السنة والطبري في التفسير وابن خزيمة في التوحيد والآجري والطبراني في مسند الشاميين، عن جماعة عن نُعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عبد الله بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السماواتِ منه رجفةٌ شديدة خوفا من الله، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجودا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد”.
وهذه الرواية فيها:
•نُعيم بن حماد مروزي: صدوق يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة
• الوليد بن مسلم الدمشقي: ثقة فيه لين، كثير التدليس والتسوية
وليس في هذه الروايات الثلاثة أن لكلام الله تعالى صوتا.
كتاب خلق أفعال العباد للبخاري
1- الكلام عن مخطوطات كتاب خلق أفعال العباد
كتاب خلق أفعال العباد للبخاري
هو كتاب ألفه الإمام البخاري، لكن هذه النسخ الرائجة منقولة عن مسودة غير منقحة:
قال الذهبي في السير في ترجمة البخاري: “وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم ، قلت لأبي عبد الله : تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف؟ فقال : لا يخفى علي جميع ما فيه . وسمعته يقول : صنفت جميع كتبي ثلاث مرات . وسمعته يقول : لو نشر بعض أسنادي، هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت ” التاريخ ” ، ولا عرفوه ، ثم قال : صنفته ثلاث مرات “. انتهى
و جاء في هدي الساري للحافظ ابن حجر أن البخاري قال: “صنفت جميع كتبي ثلاث مرات”. انتهى
فيفهم مما مضى أن البخاري كانت له على الأقل مسودات من كتبه لم تكتمل و لم تنقح و أيضا، نسخ أخرى مكتملة. يدل على ذلك صنيعه في كتابة صحيحه، فقد قال الإمام شهاب الدين القسطلاني في مقدمة إرشاد الساري 1/24 ردا على أبي الوليد الباجي: “وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث أن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبا مبوبا، فالعبرة بالرواية، لا بالمسودة التي ذُكر صفتها”.انتهى
وقال الحافظ في هدي الساري: “ولا ينافي هذا أيضاً ما تقدم لأنه يحمل على أنه كتبه في المسودّة وهنا حوّله من المسودّة إلى المُبيضة”. انتهى
وعليه فإن كتاب “خلق أفعال العباد و الرد على الجهمية و أصحاب التعطيل” المنسوب للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، لا يعدو أن يكون مطبوعا اعتمادا على المسودة و ليس على النسخة الأخيرة المنقحة، ففي هذا الكتاب الضعيف والتالف والصحيح و غيره.
بل هذا الكتاب فيه ما يهدم أصول المجسمة، فقد قال البخاري فيه : “القِرَاءَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ تَكَلَّم اللهُ بِالقُرْآنِ مِنْ قَبْلُ، وكَلَامُهُ قَبْلَ خَلْقِهِ. انتهى
فهذه الجملة قطعية الدلالة على أن الحافظ البخاري يُثبتُ قِدَم كلامِ الله تعالى قبل وجودِ الخَلْق، وأما المشبهة فهم يعتقدون أن الله يتكلم بعد إيجاد الخَلْق، وأن كلامَهُ حادثٌ في ذاته، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وهذا من أبطل الباطل عند السلف عموما والبخاري خصوصا.
وقال البخاري أيضا: “وفي هذا دليل على أنَّ كلام الله غير مخلوق وأنَّ ما سواه خَلْقٌ”.
ومما يدل على أن مخطوطة خلق أفعال العباد هي مجرد مسودة أنها تحتوي على نقول تخالف ما ذكره عنه العلماء،
فقد قال البيهقي في الأسماء و الصفات: “فإن البخاري كان يفرق بين التلاوة والمتلو ومسلم بن الحجاج رحمه الله كان يوافق البخاري في التفصيل “. انتهى
وذكر ابن مندة في مسألة الايمان ان البخاري كان يصحب الكرابيسي وأنه أخذ مسألة اللفظ عنه
و روى الذهبي في السير: “ان رجلا سأل محمد بن إسماعيل البخاري عن اللفظ بالقرآن؟ فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا”. انتهى
وقال: “وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول : لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه . فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ ، ونادى عليه ، ومنع الناس عنه ، انقطع عنه أكثر الناس غير مسلم . فقال الذهلي يوما : ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا . فأخذ مسلم رداء فوق عمامته ، وقام على رؤوس الناس ، وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه على ظهر جمال . وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه . قال : وسمعت محمد بن يوسف المؤذن ، سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول : حضرت مجلس محمد بن يحيى الذهلي ، فقال : ألا من قال : لفظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا . فقام مسلم بن الحجاج من المجلس . رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن محمد بن يعقوب ، فزاد : وتبعه أحمد بن سلمة .”. انتهى
وقال التاج السبكي في طبقات الشافعية الكبرى 2/ 12/ 13 – تحقيق عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي- ما نصه: “وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم، وهم المخطئون، والمجروح مصيب. قلت، ومن أمثلة ما قدمنا، قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ. فيالله والمسلمين، أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك، وهو حامل لواء الصناعة، ومقدم أهل السنة والجماعة. ثم يا ألله والمسلمين، أتجعل ممادحه مذام؟ فإن الحق في مسالة اللفظ معه، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى”. انتهى
وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: ” مع أن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب انما ينقله عن أهل ذلك الفن كأبى عبيدة والنضر بن شميل والفراء وغيرهم وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبى عبيد وأمثالهما وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسي وابن كلاب ونحوهما”. انتهى
فالبخاري وافق أهل السنة في قولهم ان اللفظ بالقرٱن مخلوق، لكنه لم يقل ” لفظي بالقرٱن مخلوق” لأن هذه العبارة اشتهرت عند منكري صفة الكلام القائمة بذات الله، فهؤلاء أطلقوها وأرادوا منها المعنى الفاسد، وهو نفيهم لكلام الله بخلاف أهل السنة الذين يميزون بين الكلام كصفة قائمة بذات الله، وبين اللفظ المنزل المحفوظ في الصدور والمكتوب على الرقوق.
ومما يؤيد أيضا ما ذكرناه وجود أحاديث في كتاب خلق أفعال العباد تتناقض مع بعضها البعض، مما يدل على أن الإمام البخاري قام بجمع الآثار فقط في المسودة و لم يقم بتنقيحها، و لعل النسخة الأخيرة المنقحة قد ضاعت كما ضاعت باقي المخطوطات.
ومن يراجع كتاب خلق أفعال العباد وتفريق الإمام البخاري بين التلاوة والمتلو يعلم علم يقين أن الإمام البخاري من أبرع المتكلمين والنظَّار في مسألة التلفظ بالقرٱن، فقد قال رحمه الله: وقد يقال فلان حسن القراءة وردئ القراءة ولا يقال حسن القرآن وردي القرآن وإنما نسب إلى العباد القراءة لا القرآن لأن القرآن كلام الرب جل ذكره والقراءة فعل العبد ولا يخفى معرفة هذا القدر إلا على من أعمى الله قلبه ولم يوفقه ولم يهده سبيل الرشاد وليس لأحد أن يشرع في أمر الله عز وجل بغير علم كما زعم بعضهم أن القرآن بألفاظنا وألفاظنا به شئ واحد والتلاوة هي المتلو والقرءة هي المقروء. انتهى
وقال: قال أبو عبد الله وإن ادعيت أنك تسمع الناس كلام الله كما أسمع الله كلامه لموسى قال له (إني أنا ربك) فهذا دعوى الربوبية إذا لم تميز بين قراءتك وبين كلام الله والقراءة فعل الخلق وهو طاعة الله والقرآن ليس هو فالقرآن قول الله عز وجل والقراءة والكتابة والحفظ للقرآن هو فعل الخلق لقوله بطاعة إنما هو الامر بالطاعة ودليله قوله وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث. انتهى
فمن وقف على خلاف ذلك في هذه المسألة أو وجد أن الإمام البخاري ينسب لله الحرف و الصوت علم أن تلك المسودة غير منقحة، بل كتبها البخاري لغرض جمع الآثار ثم تمحيصها.
2- رواج كتاب خلق أفعال العباد بين المجسمة
لقد راجت مسودة خلق أفعال العباد بين الناس بعد وفاة البخاري لا سيما بين المجسمة أتباع ابن تيمية، فقد ذكر الصفدي في ترجمته في أعيان العصر ما نصه: “ولما كان في سنة خمس وسبع مئة. تكلم الشافعية وغيرهم مع الشيخ تقي الدين بن تيمية وبحثوا معه في القصر الأبلق، وبحث معه صفي الدين الهندي ثم كمال الدين بن الزملكاني، وخرجوا، وانفصلت القضية، فلما كان بعد ذلك في يوم الإثنين ثاني عشري شهر رجب الفرد قرأ الشيخ جمال الدين المزي فصلاً في الردّ على الجهمية من كتاب أفعال العباد تصنيف البخاري، وكانت قراءته لذلك تحت قبة النسر في المجلس المعقود لقراءة الصحيح، فغضب لذلك بعض الفقهاء الحاضرين، وقالوا: نحن المقصودون بهذا، ورفعوا الأمر الى قاضي القضاة الشافعي، فطلبه، وحبسه، فبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن تيمية، فتألم لذلك، وأخرجه من الحبس بنفسه، وخرج الى القصر الأبلق، واجتمع هو وقاضي القضاة هناك وردّ عن المزي، وأثنى عليه، وغضب قاضي القضاة، وأعاد المزي الى الحبس بالقوصية، فبقي أياماً، ثم أُفرج عنه، ونادى الأفرم في دمشق أنه أي من تكلم في العقائد حلّ ماله ودمه. انتهى
و ينبغي التنبيه هنا أن المزي لم يسجن لمجرد قراءته الفصل المعقود في الردّ على الجهمية من كتاب أفعال العباد للإمام البخاري فحسب وإنما لأجل أنه تعدى أوامر السلطان الذي كان قد أصدر قرارا بمعاقبة كل من يساهم في اثارة الفتنة خاصة بين مجسمة الحنابلة و الأشاعرة مخافة تجدد المعارك بينهم. فلما تخطى المزي حرمة مجلس الأشاعرة المعقود لقراءة الصحيح و غمزهم بأنهم جهمية غضب بعض الفقهاء وقالوا: “نحن المقصودون بهذا” فرفعوا أمره للسلطان فسجنه بسبب ذلك.
العجيب أن المشبهة يتناقلون قصة المزي، وهو رجل متقلب الأهواء بنص ابن تيمية حيث قال له :” يا شيخ، بعتَ دينك بدنياك”
وهذا لما تولى المزي مشيخة دار الحديث، لأن شرط الواقف أن يكون شيخ الدار أشعريا، وكان المزي على عقيدة اب، فلما ثار الأشاعرة ألزموه بالإقرار بذلك فالتزم.
رواه قاضي شهبة في تاريخه.
3- رمي أبي عبدالله محمد بن الحسن الشيباني بالتجهم
كتاب خلق أفعال العباد للبخاري فيه اتهام لواحد من أكابر علماء السلف بالتجهم وهو محمد بن الحسن الشيباني.
كلام الحافظ ابن حجر حول نسبة الصوت لله
لقد بين الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري أن الصوت لا يصح نسبته لله عز وجل فقال في الجزء 1 صحيفة 174 ما نصه:” ونظر البخاري أدقّ من أن يعترض عليه بمثل هذا فإنّه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به لأن الإسناد حسن وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفا من المتن لم يجزم به – بل مرّضه – لأن لفظة الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت. ومن هنا يظهر شفوف علمه لدقة نظره وحسن تصرفه رحمه الله تعالى. انتهـى كلام الحافظ من الفتح.
1-أما ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح : ““قوله ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب“ حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف أي يأمر من ينادي فاستبعده من أثبت الصوت بأن في قوله يسمعه من بعد إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا وإذا سمع بعضهم بعضا لم يصعقوا“. قال: ”فعلى هذا فصوته سبحانه وتعالى صفة من صفات ذاته لا يشبه صوت غيره إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين قال وهكذا قرره المصنف يعني البخاري في كتابه خلق الأفعال“” انتهى
فقد بين الحافظ ابن حجر مذهب علماء أهل السنة وعبر عنه بأنه مذهب بعض الأئمة. ثم نقل بعد ذلك مذهب مجسمة الحنابلة وحججهم في اثبات الصوت فقال: ” فاستبعده من أثبت الصوت بأن في قوله يسمعه من بعد إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا وإذا سمع بعضهم بعضا لم يصعقوا” انتهى
ثم نقل عن بعض هؤلاء المجسمة مقالته في بيان رأيه وفيما نسبه للإمام البخاري, وقد صدر الحافظ ابن حجر كلامه بأداة الحكاية “قال”. فذلك الكلام هو لبعض مجسمة الحنابلة و ليس لابن حجر كما توهمه بعضهم بل هو مجرد ناقل. و نص عبارة ابن حجر: ” قال – أي ذلك المجسم -: فعلى هذا فصوته سبحانه وتعالى صفة من صفات ذاته لا يشبه صوت غيره إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين, قال: وهكذا قرره المصنف يعني البخاري في كتابه خلق الأفعال” انتهى
2- ثم ذكر الحافظ ابن حجر نقلا آخر عن بعض من يثبت أحاديث الصوت ويعبر عنه بأنه صوت غير قائم بذاته ونص عبارته: ” وقال غيره : معنى يناديهم يقول, وقوله بصوت أي مخلوق غير قائم بذاته, والحكمة في كونه خارقا لعادة الأصوات المخلوقة المعتادة التي يظهر التفاوت في سماعها بين البعيد والقريب هي أن يعلم أن المسموع كلام الله كما أن موسى لما كلمه الله كان يسمعه من جميع الجهات “. انتهى
ثم ذكر الحافظ ابن حجر كلام مصحح أحاديث الصوت في مناقشة الحافظ البيهقي ونص عبارته: ” وقال البيهقي : الكلام ما ينطق به المتكلم وهو مستقر في نفسه كما جاء في حديث عمر” ثم وضح الحافظ ابن حجر كلام البيهقي بقوله: ” يعني في قصة السقيفة ، وقد تقدم سياقه في كتاب الحدود ، وفيه : وكنت زورت في نفسي مقالة ، وفي رواية : هيأت في نفسي كلاما ” انتهى
ثم واصل ابن حجر نقل كلام البيهقي على لسان مثبت أحاديث الصوت ونص عبارته: ” قال : فسماه كلاما قبل التكلم به ، قال : فإن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات ، وإن كان غير ذي مخارج فهو بخلاف ذلك ، والباري عز وجل ليس بذي مخارج ، فلا يكون كلامه بحروف وأصوات ، فإذا فهمه السامع تلاه بحروف وأصوات. ثم ذكر حديث جابر عن عبد الله بن أنيس وقال : اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديثه فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره ، كما في حديث ابن مسعود يعني الذي قبله ، وفي حديث أبي هريرة يعني الذي بعده : أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتا فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة ، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصا في المسألة ، وأشار في موضع آخر أن الراوي أراد فينادي نداء فعبر عنه بقوله ” بصوت ” انتهى
ثم عقب ذلك الشخص الذي يثبت أحاديث الصوت على كلام البيهقي بقوله: ” وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمة ، ويلزم منه أن الله لم يسمع أحدا من ملائكته ورسله كلامه ، بل ألهمهم إياه وحاصل الاحتجاج للنفي : الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنها التي عهد أنها ذات مخارج, ولا يخفى ما فيه ؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق سلمنا ، لكن نمنع القياس المذكور . وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق ،واذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحـــيـــحــة وجب الإيمان به ، ثم إما التفويض وإما التأويل ، وبالله التوفيق” انتهى
فكل هذا الكلام هو لبعض من يصحح أحاديث الصوت و يصرح بأن الصوت غير قائم بذات الله وهو خارق للعادة خلقه الله من غير المخارج المعتادة لذلك فهو يوجب الإيمان به. ويرد كلامه أن القول بأن من الصوت ما هو قديم و منه ما هو حادث جمع بين متناقضين فهو كالقول بأن الله جسم لا كالأجسام و قد كفر الإمام أحمد قائل ذلك كما ذكر ذلك صاحب الخصال من الحنابلة.
والغريب كيف ينسب بعضهم هذا الكلام لابن حجر كابن النجار في شرح الكوكب المنير حيث قال: “وَلِهَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ صَحَّتْ الأَحَادِيثُ بِذَلِكَ – أي أحاديث الصوت -. فَمَا بَقِيَ إلاَّ التَّسْلِيمُ أَوْ التَّأْوِيلُ ، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَقُولَ: بِعَقْلِهِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ مُشْكِلَةٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا الْمَحْذُورُ الْعَظِيمُ. فَيَتْبَعُ قَوْلَ هَذَا، أَوْ قَوْلَ مَنْ اتَّبَعَ الأَحَادِيثَ عَلَى حُكْمِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اللاَّئِقَةِ بِجَلالِهِ وَعَظَمَتِهِ! بَلْ قَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ. وَإِذَا نَظَرَ الْمُنْصِفُ فِي كَلامِ الْعُلَمَاءِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ. وَاطَّلَعَ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَذَرَ الْقَائِلَ، وَأَحْجَمَ عَنِ الْمَقَالاتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَهَا فِي مُسْلِمٍ، وَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ”. انتهى
و كلامه لا يعتد به لأن الحافظ ابن حجر قد مرّض حديثا من جهة ورود لفظة الصوت فقال : ” وحيث ذكر – أي البخاري – طرفا من المتن لم يجزم به بل مرّضه لأن لفظة الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت”.انتهى فكيف يناقض نفسه و يقول ” واذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحـــيـــحــة وجب الإيمان به” ؟
بيان كلام الحافظ ابن حجر عن البخاري وقوله ان الله يتكلم كيف يشاء
قال الحافظ في الفتح 13 / 469 : ” واستدل البخاري في كتاب خلق أفعال العباد على أن الله يتكلم كيف شاء وأن أصوات العباد مؤلفة حرفا حرفا فيها التطريب – بالهمز – والترجيع ، بحديث أم سلمة ثم ساقه من طريق يعلى بن مملك بفتح الميم واللام بينهما ميم ساكنة ثم كاف ، أنه سأل أم سلمة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته فذكر الحديث ، وفيه ونعتت قراءته فإذا قراءته حرفا حرفا وهذا أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما” .انتهى
و الرد على هذه الشبهة أن يقال أن اسناد الكلام لله سبحانه و تعالى يكون في حالات على الحقيقة و في حالات على المجاز.
– أما على الحقيقة: فيكون كلامه سبحانه و تعالى بلا حرف و لا صوت و لا آلة. فقد كلم الله عز وجل سيدنا موسى على الحقيقة و أسمعه كلامه الأزلي الأبدي الذي لا يبتدأ و لا يختتم و لا يشبه كلام المخلوقين. فكلامه الذي هو صفة ذاته لا تعلق للمشيئة أو للقدرة به.
– و أما على المجاز: فيكون كلامه كما شاء سبحانه و تعالى إما عن طريق ملك ينادي و يبلغ عن الله أو عن طريق رسول يوحي إليه أو بخلق صوت يُسمعه لمن يشاء. فيكون اسناد الكلام إلى الله اسنادا مجازيا فلا يقال عنه هنا أنه صفة له عز وجل.
قال تعالى “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء” سورة الشورى
بعد هذا البيان نقول: هذا الكلام الذي نقله ابن حجر عن الإمام البخاري ليس على إطلاقه بل هو متعلق بالكلام المسند لله من باب المجاز بدليل أن الحافظ ساقه عند شرحه لحديث ” يقول الله يا آدم فيقول لبيك وسعديك فيُنادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار”. قال الحافظ ابن حجر: “فإن قرينة قوله ” إن الله يأمرك ” تدل ظاهرا على أن المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك”.انتهى
فهذا الكلام ليس هو كلام الله الذاتي و إنما هو كلام الملك الذي كان ينادي مخبرا عن الله عز و جل, فأسند الكلام لله من باب المجاز.فيكون معنى قول البخاري “أن الله يتكلم كيف شاء” أي أن الله يُسمع كلامه لخلقه كما يشاء: وقد شاء أن يسمعه لآدم عن طريق ملك ينادي بصوت ويبلغه أمره سبحانه و تعالى.
قال شيخ المجسمة ابن قيم الجوزية في كتابه ” مدارج السالكين” ما نصه: ” قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل, ولكن لا تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام ” انتهى
و قال الإمام الباقلاني في الإنصاف: “تارة يسمع من شاء كلامه بغير واسطة لكن من وراء حجاب , ونعني بالحجاب للخلق لا للحق كموسى عليه السلام، أسمعه كلامه بلا واسطة لكن حجبه عن النظر إليه، وتارة يسمع كلامه من شاء بواسطة مع عدم النظر والرؤية أيضاً من ملك, أو رسول”. انتهى
و قال ابن حمدان الحنبلي في “نهاية المبتدئين” في الصحيفة 28 ما نصه: ” قال ابن حامد وابن جلبة: يسمع من الله تعالى حقيقة والعبد القارئ مجازا، وتلاوة التالي لا تنفي حقيقة سماعنا كلامه تعالى منه بلا حركة منه ولا تشبيه، ومن العبد بحركة وإدارات الجوارح به”. انتهى
و في الجملة نقول: إن كان اسناد الكلام لله تعالى على الحقيقة فإن المشيئة لا تتعلق لها به. قال أبو الحسن ابن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527هجري في كتابه الإيضاح، في الصحيفة 451 ما نصه: “الكلامُ ليس من جملة المقدورات للبارئ، وإنما هو من جملة الصفات القديمة”. انتهى
و إن كان اسناد الكلام لله من باب المجاز فإن الله يُسمعه لخلقه كما شاء و متى شاء. وهذا مذهب البخاري الذي أشار إليه ابن حجر في الفتح ” 13/496 تحت فصل “باب قوله تعالى: “وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم” فقال ما نصه: ” فأنزل الله تعالى وما كنتم تستترون وقد تقدم شرحه في تفسير فصلت. قال ابن بطال غرض البخاري في هذا الباب إثبات السمع لله وأطال في تقرير ذلك، وقد تقدم في أوائل التوحيد في قوله “وكان الله سميعا بصيرا” والذي أقول إن غرضه في هذا الباب إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء. وهذا الحديث من أمثلة إنزال الآية بعد الآية على السبب الذي يقع في الأرض. وهذا ينفصل عنه من ذهب إلى أن الكلام صفة قائمة بذاته وأن الإنزال بحسب الوقائع من اللوح المحفوظ أو من السماء الدنيا”. انتهى
فمذهب البخاري أن الله عز و جل يبلغ القرآن لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم عن طريق واسطة وهو جبريل عليه السلام لا أنه يكلمه بكلامه الأزلي الذي هو صفة ذاته. فيكون اسناد الفعل لله من باب المجاز ومعناه أن الله أسمع كلامه لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم كما شاء عن طريق الملك جبريل و في الوقت الذي شاءه على اثر حادثة اجتماع بعض الأشخاص عند البيت و الجدال الذي وقع بينهم: هل أن الله يسمع كلامهم أو لا.
وهذا هو معنى قول الحافظ: “وهذا الحديث من أمثلة إنزال الآية بعد الآية على السبب الذي يقع في الأرض” انتهى
وأما قوله: ” وهذا ينفصل عنه من ذهب إلى أن الكلام صفة قائمة بذاته وأن الإنزال بحسب الوقائع من اللوح المحفوظ أو من السماء الدنيا” معناه أن الذي يثبت أن كلام الله صفة قائمة بذاته وأن الله لا يكلم خلقه إلا بكلامه الأزلي وينفي أن يكون كلامه عز وجل لهم في بعض الأحوال عن طريق واسطة فيجيب عن استدلاله بأن الآية نزل بها الملك من اللوح المحفوظ أو من بيت العزة، لا أنه سمعها من الله تعالى. ولكن الذي عليه البخاري و أهل السنة من الأشاعرة أن الله يخلق صوتا بنظم القرآن فيسمعه جبريل, وليس جبريل يسمعه من الله تعالى لأن كلام الله ليس حرفا و لا صوتا. ثم يأخذ جبريل هذا الصوت وهو صوت القرآن, يأخذه بأمر الله و يقرأه على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم. قال الله سبحانه و تعالى:”قل نزَّله روح القدس من ربك” ومع أن حروف القرآن مكتوبة في اللوح المحفوظ إلا أن سيدنا جبريل يُسمع سيدنا محمدا القرآن كما تلقاه هو من الصوت الذي خلقه الله و ليس مجرد أنه يرأى حروف القرآن ويقرأها من اللوح المحفوظ ثم يحملها إلى سيدنا محمد بل يسمع الرسول ما يتلقاه. قال الله تعالى:”إنه لقول رسول كريم” أي جبريل يقرأه على سيدنا محمد.
تفنيد الروايات المنسوبة للإمام أحمد أن الله يتكلم بحرف وصوت
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ محمد بن عبد العزيز رحمه الله في كتابه “إيضاح الكلام فيما جرى للعز بن عبدالسلام” في معرض كلامه عن عقيدة أبيه الإمام عز الدين بن عبد السلام تغمده الله برضوانه: “وأنه حي مريد سميع بصير عليم قدير متكلم بكلام أزلي، ليس بحرف ولا صوت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مداداً في الألواح والأوراق شكلاً ترمقه العيون والأحداق، كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد …..”
إلى أن قال:” وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف براء مما نسبوه إليهم واختلقوه عليهم، وكيف يظن بأحمد وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف الله تعالى قديم، وهذه الألفاظ والأشكال حادثة بضرورة العقل وصريح النقل”. انتهى
وفي ما يلي تفنيد لبعض تلك الروايات المنسوبة للإمام أحمد
:
1- جاء في كتاب العقيدة المنسوب للإمام أحمد بن حنبل إملاء أبي الفضل التميمي أن الإمام أحمد بن حنبل قال: “وأنّ الله تكلم بالصوت والحرف” انتهى
والجواب على هذه الشبهة أن يقال أن هذه العقيدة ليست كلها من كلام الإمام أحمد بن حنبل فبعضها غير ثابت عنه وهو من كلام بعض الأئمة بحسب ما بلغهم عن إمامهم. فقد قال المجسم ابن تيمية في مجموع الفتاوى 4/ 167-168 : “وله – يعني أبا الفضل التميمي- في هذا الباب مصنّف، ذكرَ فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه؛ ولم يذكر فيه ألفاظه، وإنما ذكر جُمَل الاعتقاد بلفظِ نفسه، وجعل يقول: ” وكان أبو عبد الله..”، وهو بمنزلة من يصنف كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه، وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده؛ فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة. ومن المعلوم: أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة؛ بحسب ما بلغه وفهمه وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده. فهذا أيضا من الأمور التي يكثر وجودها في بني آدم”. انتهى.
فمثل هذه المقالة في نسبة الحرف و الصوت لله تعالى لا يصح نسبتها للإمام أحمد خاصة و هي مخالفة لقوله تعالى: “ليس كمثله شئ” –الآية 11 سورة الشورى –
2- نقل المجسم ابن تيمية في درء التعارض جزء 2 صحيفة 38 – تحقيق المدعو محمد رشاد سالم- أن أبا بكر الخلال قال : “أخبرنا محمد بن علي بن بحر ، أنّ يعقوب بن بختان حدثهم أنّ أبا عبد الله سئل عمن زعم أنّ الله لم يتكلم بصوت ؟ فقال : بلى تكلم بصوت ، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها ” انتهى.
والرد على هذه الشبهة أن يقال أن السند بين ابن تيمية و الخلال منقطع, وقد ذكر هذا الأثر أيضا ابن أبي يعلى الحنبلي في طبقاته ونص عبارته: ” أَخْبَرَنَا ابن المبارك ، عَنْ إِبْرَاهِيم البرمكي ، عَنْ عبد العزيز ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخلال ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن بخنان ، قَالَ : سئل أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عمن زعم أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لم يتكلم بصوت ؟ قَالَ : بلى يتكلم سبحانه بصوت”. انتهى
وهذا السند جاء من طريق أبي اسحاق إبراهيم البرمكي المولود سنة 361 هجري عن أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام خلال المتوفى سنة 363 هجري. وأبو اسحاق البرمكي كانت له إجازة من غلام الخلال وهو دون السنتين، وهذه الإجازة لا يُعتد بها عند جمع كبير من أهل العلم. وعلى قول من يعتد بها فإن البرمكي ليس له نسخة يوثق بها من كتاب السنة. و لا يصح القول بأن غلام الخلال قد دفع بكتابه للبرمكي وهو صغير وأذن له بروايته عنه عندما يكبر، لأن الذهبي و الخطيب نصوا على الإجازة فقط دون المناولة.
و الظاهر أن نبعض المبتدعة من المجسمة قام بدفع نسخة سقيمة له و أوهموه بصحتها فرواها بعد ذلك بسلامة باطن
3- قال ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل جزء 2 صحيفة 39 ما نصه : “قال الخلاّل : وأنبأنا أبو بكر المروذي ، سمعت أبا عبد الله وقيل له : إنّ عبد الوهاب قد تكلم وقال : من زعم أنّ الله كلّم موسى بلا صـوت فهـو جهمي عـدو الله وعـدو الإسـلام . فتبسم أبو عبد الله وقال : ما أحسن ما قال ، عافاه الله” انتهى
والرد على هذه الشبهة أن يقال أن هذا الأثر غير ثابت عن الإمام أحمد لأن ابن تيمية لم يذكر سنده للخلال فيحكم عليه بالانقطاع. فإن قيل أن ابن تيمية اطلع على نسخة خطية من الكتاب المتداول في زمانه فالجواب عليه أن مجرد النقل من الكتب لا يُعد سندا معتبرا لأن احتمال الدس و التحريف وارد خاصة وأن ناسخ كتاب السنة للخلال هو “عبد الهادي بن عبد الملك بن القاسم” وهو مجهول كما ذكر ذلك محقق الكتاب عطية الزهراني في حاشية الصحيفة 59 حيث قال : ” لم أجد ترجمته”.
ثم إن سند كتاب السنة لأبي بكر الخلال فيه طفل يروي عن غلام الخلال. فالمخطوط كُتب عليه أنه من طريق أبي اسحاق البرمكي المولود سنة 361 هجري إجازة عن أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام خلال المتوفى سنة 363 هجري عن أبي بكر الخلال. فأبو اسحاق البرمكي له إجازة من غلام الخلال وهو دون السنتين، وهذه الإجازة لا يُعتد بها عند جمع كبير من أهل العلم. وعلى قول من يعتد بها فإن البرمكي ليس له نسخة يوثق بها من كتاب السنة. و لا يصح القول بأن غلام الخلال قد دفع بكتابه للبرمكي وهو صغير وأذن له بروايته عنه عندما يكبر، لأن الذهبي و الخطيب نصوا على الإجازة فقط دون المناولة. فالظاهر أن بعض المجسمة قام بدفع نسخة سقيمة له و أوهموه بصحتها فرواها بعد ذلك بسلامة باطن
4- جاء في كتاب السنة أن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : “” قلت لأبي : إنّ ههنا من يقول إنّ الله لا يتكلم بصوت ؟ فقال : يا بني ، هؤلاء جهمية كفار ، إنما يدورون على التعطيل” . انتهى
وذكره أيضا المجسم ابن تيمية في مجموع الفتاوى جزء 12 صحيفة 368.
وجاء فيه أيضا قوله أيضا: “وقال أبي رحمه الله : حديث ابن مسعود رضي الله عنه ” إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان ” قال أبي : وهذا الجهمية تنكره” انتهى
وجاء في الجزء 1 صحيفة 280 رقم 533 – طبعة رمادي للنشر / الدمام ط.4 سنة 1416هـ, 1996 رومي – أن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : “سألت أبي رحمه الله عن قوم يقولون : لما كلّم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت ؟ فقال : بلى إنّ ربك عز وجل تكلم بصوت ، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت “. انتهى
والرد على هذه الشبه أن يقال أن كتاب السنة لعبد الله بن حنبل وإن كان من تأليفه فإن المجسمة حرفوه و دسوا فيه خاصة و أن في سند هذا الكتاب إلى المؤلف راويان مجهولان لا توجد لهما ترجمة ، الأول أبو النصر محمد بن الحسن بن سليمان السمسار ، والثاني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خالد الهروي.
فإن قيل أن ابن رجب الحنبلي ذكر في كتابه “ذيل طبقات الحنابلة” هذه الرواية الأخيرة بسند آخر إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل فقال: “أَخْبَرَنَا الإمام عمي، أَخْبَرَنَا أبي، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن أحمد بن محمد بن عمر، حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن حنبل، قَالَ: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى عليه السلام لم يتكلم الله بصوت، فقال أبي رحمه الله: بل تكلم عزوجل بصوت. هذه الأحاديث نمرها كما جاءت قال أبي رحمه الله: حديث ابن مسعود إذا تكلم الله عزوجل سمع له صوت كمر السلسلة على الصفوان. قَالَ أبي: وهذه الجهمية تنكره” انتهى
فجواب ذلك أن يقال أن هذا الأثر أورده ابن رجب أثناء ترجمته لأبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني الذي سمع من أبيه أبي عمرو عبد الوهاب، وعمه: أبي القاسم عبد الرحمن. ثم قال ابن رجب: “وصنف – أي يحي بن عبد الوهاب – مناقب الإمام أحمد رضي الله عنه في مجلدٍ كبير، وفيه فوائد حسنة.وقال في أوله: ومن أعظم جهالاتهم- يعني المبتدعة- وغلوهم في مقالاتهم: وقوعهم في الإمام المرضي، إمام الأئمة، وكهف الأمة، ناصر الإسلام والسنة، ومن لم تر عين مثله علمًا وزهدًا، وديانة وأمانة”. انتهى
إلى أن ذكر ذلك الأثر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل الذي أورد أبو زكريا في كتابه مناقب الإمام أحمد.
وهذه الرواية بمثل هذا السند لا تثبت أيضا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل من وجوه:
– انقطاع السند بين ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هجري وبين أبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب الأصبهاني المتوفى سنة 511 هحري.
– ينبغي إثبات أن أَبا الحسن أحمد بن محمد بن عمر قد روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل المتوفى سنة 290 هجري وعاش إلى زمن أبي عمرو عبد الوهاب الذي ولد سنة 388 هجري.
-عم زكريا يحيى بن عبد الوهاب الذي يروي عنه و يطلق عليه لقب الإمام هو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق المتوفى سنة 470 هجري. والدليل على ذلك ما قال الذهبي في السير عند ترجمة أبي زكريا يحي بن عبد الوهاب: “وأكثر عن أبيه ، وعمه أبي القاسم” انتهى
و يدل على ذلك أيضا ما نقله عنه ابن رجب في نفس الكتاب بعد ذكره الأثر الآنف الذكر حيث قال: ” أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم عمي” انتهى وجاء في كتاب “الرد على من يقول الم حرف” لأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ما نصه :” كتب إلي الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده من أصبهان يخبرني أن عمه الإمام أبو القاسم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق بن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ أخبرهم قراءة عليه….” انتهى
وأبو القاسم عبد الرحمن اتهمه علماء عصره بالبدعة و هو في الرواية كحاطب ليل. فقد قال ابن تيمية في مجموع فتاويه: ” كذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن مَنْدَه مع أنه من أكثر الناس حديثـًا، لكن يروى شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف. وربما جمع بابًا وكل أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها. وهو يروى عن أبي علي الأهوازي. وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي فبنى على ذلك عقائد باطلة، وادعى أن الله يرى في الدنيا عيانًا. ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم. وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع، كما فعلت الخوارج”. انتهى
وقال الذهبي في السير: ” قال السمعاني : سألت إسماعيل بن محمد الحافظ ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، فسكت ، وتوقف ، فراجعته ، فقال : سمع الكثير ، وخالف أباه في مسائل ، وأعرض عنه مشايخ الوقت ، ما تركني أبي أن أسمع منه . كان أخوه خيرا منه” انتهى وقال الذهبي أيضا: “قال المؤيد ابن الإخوة : سمعت عبد اللطيف بن أبي سعد البغدادي ، “سمعت أبي ، سمعت صاعد بن سيار ، سمعت الإمام أبا إسماعيل الأنصاري يقول في عبد الرحمن بن منده : كانت مضرته أكثر من منفعته في الإسلام. قلت – أي الذهبي – : أطلق عبارات بدعه بعضهم بها ، الله يسامحه . وكان زعرا على من خالفه ، فيه خارجية ، وله محاسن ، وهو في تواليفه حاطب ليل ; يروي الغث والسمين ، وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين”. انتهى
وبذلك نرد على بعض المرويات المنسوبة للإمام أحمد أنه قال عن الله يتكلم بحرف و صوت.
