رد بعض الشبه حول المولد النبوي الشريف
الجزء الحادي عشر : قول سيدنا عمر: ” نعمت البدعة هذه”
كان الخليفة الثَّاني الفاروق عمر بن الخطاب أوَّل مَن جمع الصَّحابة الكرام على إمام واحد في صلاة التَّراويح، وقال: “نِعمت البدعة هذه” كما في البخاري وغيره، وهذه الكيفيَّة لم تُعهد في عهده صلى الله عليه وآله وسلَّم، ولا في عهد الخليفة الأوَّل أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه.
وأما ما قاله ابن رجب الحنبلي في الفتح :”وأما ما وقع في كلام السَّلف مِنِ استحسان بعض البدع، فإنَّما ذلك في البدع اللُّغوية، لا الشرعية ، فمِنْ ذلك قولُ عمر – رضي الله عنه – لمَّا جمعَ الناسَ في قيامِ رمضان على إمامٍ واحدٍ في المسجد، وخرج ورآهم يصلُّون كذلك فقال: “نعمت البدعةُ هذه”. انتهى
فهذا الكلام عين البدعة المذمومة، اذ لم يثبت هذا التعريف والقول بالبدعة اللغوية عن واحد من السلف، بل ثبت عنهم خلاف ذلك فقد قال الشافعي السلفي رضي الله عنه :المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة”. رواه البيهقي في مناقب الشافعي.
ومحاولة صرف كلام الفاروق إلى البدعة اللُّغوية لا يستقيم من جهة؛ لأن استحسانه كان لكيفيَّة في التَّعبُّد وهي “صلاة التَّراويح” لا غير؛ فالمقام إذن: مقام عبادة لا لغة، ثمَّ إنَّ الفاروق لم يخترع أصل صلاة التَّراويح؛ فكيف يقال أنَّه أراد البِدعة اللُّغوية – وهي ما اخترع على غير مثال سابق -؟! نعم؛ فقد كانت صلاة القيام في العهد النَّبوي؛ فهي ثابتة من حيث الأصل مغايرة فقط من حيث الكيفيَّة في العهد العُمَري.
فعَدُّ الوهابيَّة المجسِّمة عمل المَولد النَّبوي الشَّريف من جملة ذرائع الشِّرك، كلام ساقط ولا يصدر إلا من جهول أفَّاك، وينبغي الزامهم بطريقة تعامل الصَّحابة رضوان الله عليهم مع صلاة التَّراويح:
– فإذا كانت سُنَّة نبويَّة: فلمَ لم تُسنّ ابتداءً جمعا على إمام واحد مع أنَّهم كانوا يصلُّونها في العهد النَّبوي فرادى وجماعات متفرِّقة، لا على إمام واحد، ولا بتحديد عدد الرَّكعات، ولا كمِّيَّة الآي التي تقرأ في كلِّ ركعة..الخ كما ابتدأ في العهد العُمَري؟
– وإن لم تكن كذلك: فلمَ رضي الصَّحابة رضوان الله عليهم بإحداث سيِّدنا عمر رضي الله عنه لكيفيَّة لم تُعهد قبله، وليس لها أي دليل تفصيلي؟! لمَ لم يخاطبوه بقولهم: “لو كان خيراً لسبقونا إليه”؟
فقول عمر عن اجتماع الناس: ” إنْ كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة “، ظاهر في الكلام عن البدعة الشرعية فمن أين أتى هؤلاء بمصطلح “البدعة اللغوية”.؟
فهؤلاء المنكرون لمشروعية عمل المولد، وفق فهمهم المنكوس، أمام أحد خيارين كلاهما مُرٌّ:
– إمَّا الحكم بأنَّ الشَّرع لم يكتمل حتى استدرك عليه الفاروق عمر – رضي الله عنه – بكيفيَّة مُحدثَة لم تُعهد، وهذا يستلزم – وفق لغتهم – تكذيب القرآن: “اليومَ أكملتُ لكم دينَكم” الآية؛ ونسبة حقّ التَّشريع للفاروق عُمَر.
– وإمَّا اتِّهام الصَّحابة باستحسان البدع الضَّالَّة، فذهب بذلك شعارهم الكاذب “كتاب وسنَّة بفهم سلف الأمَّة” أدراج الرِّياح!
ملاحظة:
روى زيد بن ثابت أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اتَّخَذَ حُجْرَةً – قالَ: حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ مِن حَصِيرٍ – في رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بصَلَاتِهِ نَاسٌ مِن أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إليهِم فَقالَ: قدْ عَرَفْتُ الذي رَأَيْتُ مِن صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ في بُيُوتِكُمْ، فإنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلَّا المَكْتُوبَةَ”. انتهى
في هذا الحَديثِ يَروي زيدُ بنُ ثابتٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان قد اتَّخَذ حُجرةً في المسجدِ النبويِّ، بمعنى: حاجزًا بيْنَه وبيْنَ النَّاسِ، وكانت هذه الحُجرةُ مُحاطةً ومحدَّدةً بحَصيرٍ لِيَستُرَه، فجعَل الحَصيرَ كالحُجرةِ؛ لِيُصلِّيَ فيه التطوُّعَ، ولا يمُرَّ بيْنَ يدَيْهِ مارٌّ، ويَتوفَّرَ خُشوعُه، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي في هذه الحُجرةِ في رمضانَ قيامَ اللَّيلِ، وهو ما عُرِف بعْدُ بصلاةِ التَّراويحِ، فكان النَّاسُ يجتَمِعون ويُصَلُّون بصلاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مُقتدينَ به، فلمَّا رأى منهم ذلك جعَل يَقعُدُ، ولم يخرُجْ إليهم، وامتَنَع عن صلاةِ القيامِ في المسجِدِ في تلك الحُجرةِ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الناس وراء امام واحد في التراويح ولم يأمرهم بذلك كما هو واضح من الحديث بل هو أراد الانفراد فجاء بعض الناس يصلون بصلاته.
فلم يأت نص من الرسول في الأمر باجتماع الناس في صلاة التراويح وراءه أو وراء إمام هٱخر عينه لهم كما أمر عمر رضي الله عنه.
والدليل ان اجتماع الناس وراء النبي لم يكن بأمر أو توجيه منه، ما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: “أن رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ في المَسْجِدِ، فَصَلَّى بصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إليهِم رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قالَ: قدْ رَأَيْتُ الذي صَنَعْتُمْ ولَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ علَيْكُم وذلكَ في رَمَضَانَ”. انتهى
فان قيل ان الرسول خشي ان تفرض التراويح على الصحابة فجواب ذلك ان نفس الشيء حصل في صلاة قيام الليل
كما في صحيح مسلم عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة، أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها». انتهى
فهل يزعم هؤلاء ان صلاة الليل جماعة بدعة لان الرسول خشي ان تفرض عليهم؟
روابط ذات علاقة:
الجزء الأول: دعوى أن الفاطميين أول من احتفل بالمولد النبوي
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
الجزء الخامس
الجزء السادس
الجزء السابع
الجزء الثامن
الجزء التاسع:
الجزء العاشر: التحقيق في يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:
الجزء الحادي عشر



فكرتان اثنتان على ”الجزء الحادي عشر قول سيدنا عمر نعمت البدعة هذه – رد بعض الشبه حول المولد النبوي الشريف“
التعليقات مغلقة.