بَيَانُ مَقُولَةِ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي البِدعَةِ


قال الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور بعد ذكره لجهود رؤساء وعلماء تونس في العناية بذكرى المولد النبوي الشريف: “وكم من لطف خفي حف بهذه البلاد لعله من بركات هذا الاعتناء”. (قصة المولد، ص١٢).

بَيَانُ مَقُولَةِ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي البِدعَةِ

المُقَدِّمَةُ

يَكثُرُ استِشهَادُ بَعضِ المُخَالِفِينَ بِمَقُولَةٍ يُنسَبُ فِيهَا إِلَى الإِمَامِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ:
«مَن ابتَدَعَ فِي الإِسلَامِ بِدعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً، فَقَد زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ».
وَيَفهَمُ بَعضُهُم مِن هَذِهِ العِبَارَةِ أَنَّ الإِمَامَ مَالِكًا يَذُمُّ جَمِيعَ المُحدَثَاتِ، حَتَّى مَا شَهِدَ لَهُ الشَّرعُ وَأَقَرَّهُ العُلَمَاءُ مِمَّا يُسَمَّى “البِدعَةَ الحَسَنَةَ”. وَيَتَّخِذُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِتَضلِيلِ مَن أَحيَا ذِكرَى المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ أَو فَعَلَ مَا شَابَهَهُ مِنَ القُرُبَاتِ.
وَفِي هَذَا البَحثِ بَيَانٌ مُفَصَّلٌ لِحَقِيقَةِ مَقُولَةِ الإِمَامِ مَالِكٍ، وَتَحقِيقٌ فِي أَلفَاظِهَا، وَتَفسِيرٌ لِمُرَادِهِ، مَعَ ذِكرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَم يُرِد بِنَفيِ البِدَعِ جَمِيعَهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ البِدعَةَ المُحَرَّمَةَ المُضِلَّةَ.

أَوَّلًا: نَصُّ المَقُولَةِ وَمَصَادِرُهَا
(1) رِوَايَةُ الشَّاطِبِيِّ
ذَكَرَ الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ (ت: 790هـ) فِي كِتَابِهِ الاعتصام، بِلَا إِسنَادٍ، أَنَّ الإِمَامَ مَالِكًا قَالَ:
«مَن ابتَدَعَ فِي الإِسلَامِ بِدعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً، فَقَد زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ، لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم} [المائدة:3]. فَمَا لَم يَكُن يَومَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ اليَومَ دِينًا» [الاعتصام (1/64-65)].

(2) الرِّوَايَةُ المُسنَدَةُ عِندَ ابنِ حَزمٍ
أَخرَجَ الإِمَامُ ابنُ حَزمٍ الظَّاهِرِيُّ (ت: 456هـ) فِي كِتَابِهِ الإحكام في أصول الأحكام بِإِسنَادِهِ عَن ابنِ المَاجِشُونِ أَنَّهُ قَالَ:
«قَالَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ: مَن أَحدَثَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ اليَومَ شَيئًا لَم يَكُن عَلَيهِ سَلَفُهَا، فَقَد زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم} [المائدة:3]، فَمَا لَم يَكُن يَومَئِذٍ دِينًا، لَا يَكُونُ اليَومَ دِينًا» [الإحكام لابن حزم (6/58)].
فَالرِّوَايَةُ المُسنَدَةُ عَن مَالِكٍ –عَلَى خِلَافِ مَا نَقَلَهُ الشَّاطِبِيُّ– لَيسَ فِيهَا لَفظُ: «يَرَاهَا حَسَنَةً».

ثَانِيًا: مَوقِفُ البَاحِثِينَ مِن لَفظَةِ «يَرَاهَا حَسَنَةً»

قَالَ الأُستَاذُ عَبدُ الوَهَّابِ مهِيَّة الحَزَائِرِيُّ: إِنَّ لَفظَةَ «يَرَاهَا حَسَنَةً» تُوهِمُ بَادِيَ الرَّأيِ أَنَّ مَالِكًا يُنكِرُ مَا يُسَمَّى بِالبِدعَةِ الحَسَنَةِ، وَالحَقُّ أَنَّهُ أَرَادَ مَن يَستَحسِنُ بِالهَوَى وَالرَّأيِ دُونَ شَرعٍ [البدعة الحسنة بين إقرار السلف وإنكار الخلف، ص: 119].

وَعَلَى فَرضِ صِحَّةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَستَقِيمُ إِلَّا بِهَذَا التَّفسِيرِ؛ إِذ إِنَّ استِحسَانَ المُبتَدِعِ لَا يُغَيِّرُ مِنَ الحَقِيقَةِ شَيئًا، وَلَو كَانَ المُرَادُ ذَمَّ جَمِيعِ المُحدَثَاتِ، لَسَقَطَت فَائِدَةُ ذِكرِ: «يَرَاهَا حَسَنَةً».

ثَالِثًا: شَوَاهِدُ عَلَى استِحسَانِ الإِمَامِ مَالِكٍ لِبَعضِ المُحدَثَاتِ
(1) الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِندَ العُطَاسِ
قَالَ القَاضِي أَبُو الوَلِيدِ البَاجِي (ت: 474هـ): سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّن عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ أَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: لَا أَنهَاهُ أَن يُصَلِّيَ عَلَيهِ؛ إِذَن أَقُولُ لَهُ: لَا تَذكُرِ اللهَ! [المنتقى (7/286)].
وَفَسَّرَ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ (ت: 520هـ) ذَلِكَ بِأَنَّ الفِعلَ قَد يَكُونُ مَكرُوهًا إِن فُعِلَ بِغَيرِ نِيَّةِ القُربَةِ، وَقَد يَكُونُ مُستَحسَنًا إِن فُعِلَ تَعظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ [البيان والتحصيل (18/578)].

(2) تَوقِيرُ المَدِينَةِ
ذَكَرَ القَاضِي ابنُ العَرَبِي (ت: 543هـ) أَنَّ الإِمَامَ مَالِكًا لَم يَكُن يَركَبُ دَابَّةً بِالمَدِينَةِ تَعظِيمًا لِتُربَتِهَا المُحتَوِيَةِ عَلَى جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ [أحكام القرآن (3/254)].

(3) ذِكرٌ مُحدَثٌ عِندَ دُخُولِ البَيتِ
كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيتَهُ قَالَ: «مَا شَاءَ اللهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»، وَقَد جَعَلَهُ شِعَارًا لِبَيتِهِ [ترتيب المدارك (1/130)].

(4) إِحيَاءُ أَوَّلِ لَيلَةٍ مِنَ الشَّهرِ
كَانَ يُحيِي أَوَّلَ لَيلَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَيُحيِي لَيلَةَ الجُمُعَةِ كَامِلَةً [ترتيب المدارك (2/50)].

(5) التَّوَضُّؤُ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
كَانَ لَا يُحَدِّثُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، مُعَظِّمًا لِشَأنِ السُّنَّةِ [ترتيب المدارك (2/15)].
فَهَذِهِ كُلُّهَا مِمَّا يُعَدُّ فِي عُرفِ المُخَالِفِينَ “بِدعَةً”، وَمَعَ ذَلِكَ فَعَلَهَا الإِمَامُ مَالِكٌ وَاستَحسَنَهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَم يُرِد بِمَقُولَتِهِ نَفيَ جَمِيعِ المُحدَثَاتِ.

رَابِعًا: نَقضُ اِستِدلَالِ المُخَالِفِينَ
إِنَّ مَن يَستَشهِدُ بِهَذِهِ المَقُولَةِ عَلَى تَكفِيرِ المُسلِمِينَ فِي إِحيَاءِ المَولِدِ، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ يَقَعُ فِي التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّهُ إِن أَخَذَ بِنَصِّ مَالِكٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَزِمَهُ تَكفِيرُ مَالِكٍ نَفسِهِ وَمَن بَعدَهُ مِنَ العُلَمَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا أُمُورًا مُحدَثَةً.
وَهَذَا كَمَا فَعَلَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَولِهِ عَنِ اجتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ فِي التَّرَاوِيحِ: «نِعمَ البِدعَةُ هَذِهِ» [البخاري، كتاب صلاة التراويح].

الخَاتِمَةُ
تَبَيَّنَ أَنَّ الرِّوَايَةَ المُسنَدَةَ عَن مَالِكٍ خَالِيَةٌ مِن لَفظِ: «يَرَاهَا حَسَنَةً»، وَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَيرُ ثَابِتَةٍ.
وَعَلَى فَرضِ صِحَّتِهَا، فَإِنَّ المُرَادَ بِهَا ذَمُّ مَن يَستَحسِنُ بِالهَوَى وَبِلَا دَلِيلٍ، لَا نَفيَ البِدَعِ المُستَحسَنَةِ الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّرعُ.
وَإِنَّ مَا نُسِبَ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مَفتَرًى عَلَيهِ، وَمَا رَوَاهُ الشَّاطِبِيُّ لَيسَ كِتَابًا فِي الحَدِيثِ وَلَا فِيهِ إِسنَادٌ.
وَإِذَا تَعَارَضَ قَولُ مَالِكٍ –عَلَى فَرضِ ثُبُوتِهِ– مَعَ قَولِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ الصَّرِيحِ: «نِعمَ البِدعَةُ هَذِهِ»، فَهَل يُترَكُ قَولُ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؟!
فَالثَّابِتُ إِذَن أَنَّ مَقُولَةَ الإِمَامِ مَالِكٍ –فِي أَصلِهَا– تُرِيدُ بَيَانَ بُطلَانِ البِدعَةِ المُحَرَّمَةِ الَّتِي تُخَالِفُ الأُصُولَ، وَلَيسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَحرِيمِ البِدعَةِ الحَسَنَةِ أَو إِبطَالِ إِقَامَةِ المَولِدِ النَّبَوِيِّ وَمَا أَشبَهَ.

لله تعالى صدقة جارية و صدقة عن روح المرحوم بإذن الله فتحي المهذبي