- 1- ضوابط الحكم على المخالفين في الصفات
- الرد على تصويب ترك المجسم لابن حجر العسقلاني
- الإمام أبو الحسن الأشعري و المجسمة و الرد على ن زعم أنه تراجع عن إكفارهم
- تذبذب سعيد فودة في هذه المسألة
- 6- العز بن عبد السلام لم يشذ عن اجماع أهل السنة في تكفير الجهوي والمجسم، ولا خالف إمام مذهبه أبي الحسن الأشعري
- التحذير من فتوى منسوبة إلى سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام المتوفى سنة 660 هجري في مسألة الاستواء
- رد بعض الشبهات حول العز بن عبد السلام في ترك اكفار المجسم – الجزء الأول-
- رد شبهات عن العز بن عبد السلام في ترك اكفار المجسم و بيان أن لازم المذهب مذهب
- اللازم البيّن واللازم الخفيّ
- مقالات من علماء في حكم التجسيم :
- تحقيق حول من هم أهل القبلة
- مدار الحكم على من وصف الله بالجسمية أو الجهة
الحكم على المخالفين في الصفات
من نسب صفة النقص لله فإن كلامه يُفسر بلازمه كما قال الحافظ السيوطي في الإتقان و نص عبارته: “وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : كُلُّ صِفَةٍ يَسْتَحِيلُ حَقِيقَتُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى تُفَسَّرُ بِلَازِمِهَا”. انتهى
وعليه فإن نسبة الجهة و الجسمية لله في حق الله تفسر بلوازمها كالافتقار و الحدوث وكل ذلك مُؤداه كفر قائله.
ولعل أكثر من فصل في قاعدة اكفار المجسم باللزوم هم المالكية. فبينوا أن من قال عن الله أنه جسم, يلزم من كلامه أن الله محتاج و أنه حادث,و نصوا أيضا على أن من قال أن الله يتنقل و يتحول ويشغل حيّزا من فراغ أن كلامه يلزم منه أنه سبحانه و تعالى مفتقر إلى الأماكن وذلك يؤول أيضا إلى التجسيم وهو كفر.
كذلك الذي يثبت الجهة الحسية لله فأنه يلزم من كلامه نسبة التحيز والجسمية لله.
1- ضوابط الحكم على المخالفين في الصفات
ضوابط الحكم على المخالفين في الصفات تكلم فيها الأصوليون وفصلوها وبينوا دقائقها:
– قال ﺍﻟﻐﺰﺍﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﺼﻔﻰ: ” ﻭﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻔﺮ ﺑﻪ، ﻗﻠﻨﺎ ﺍﻟﺨﻄﺐ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻃﻮﻳﻞ ﻭﻗﺪ ﺃﺷﺮﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﺷﻲﺀ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﻓﺼﻞ ﺍﻟﺘﻔﺮﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺍﻟﺰﻧﺪﻗﺔ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺬﻛﺮﻩ ﺍﻵﻥ ﺃﻧﻪ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻗﺴﺎﻡ: ﺍﻷﻭﻝ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻧﻔﺲ ﺍﻋﺘﻘﺎﺩﻩ ﻛﻔﺮﺍ ﻛﺈﻧﻜﺎﺭ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﻭﺻﻔﺎﺗﻪ ﻭﺟﺤﺪ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ. ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻣﺎ ﻳﻤﻨﻌﻪ ﺍﻋﺘﻘﺎﺩﻩ ﻣﻦ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﺎﻟﺼﺎﻧﻊ ﻭﺻﻔﺎﺗﻪ ﻭﺗﺼﺪﻳﻖ ﺭﺳﻠﻪ ﻭﻳﻠﺰﻣﻪ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ. ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﻣﺎ ﻭﺭﺩ ﺍﻟﺘﻮﻗﻴﻒ ﺑﺄﻧﻪ ﻻ ﻳﺼﺪﺭ ﺇﻻ ﻣﻦ ﻛﺎﻓﺮ ﻛﻌﺒﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻭﺍﻟﺴﺠﻮﺩ ﻟﻠﺼﻨﻢ ﻭﺟﺤﺪ ﺳﻮﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺗﻜﺬﻳﺐ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻭﺍﺳﺘﺤﻼﻝ ﺍﻟﺰﻧﺎ ﻭﺍﻟﺨﻤﺮ ﻭﺗﺮﻙ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺑﺎﻟﺠﻤﻠﺔ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﻣﺎ ﻋﺮﻑ ﺑﺎﻟﺘﻮﺍﺗﺮ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ”. انتهى
– ﻗﺎﻝ ﺷﻬﺎﺏ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻘﺮﺍﻓﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﻭﻕ ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: “ﻭﻣﻦ ﺃﻗﺪﻡ ﻣﻊ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﻓﻘﺪ ﺃﺛﻢ ﺧﺼﻮﺻﺎً ﻓﻲ ﺍﻹﻋﺘﻘﺎﺩﺍﺕ ﻓﺈﻥ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺸﺮﻉ ﻗﺪ ﺷﺪﺩ ﻓﻲ ﻋﻘﺎﺋﺪ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺗﺸﺪﻳﺪﺍً ﻋﻈﻴﻤﺎً ﺑﺤﻴﺚ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻮ ﺑﺬﻝ ﺟﻬﺪﻩ ﻭﺍﺳﺘﻔﺮﻍ ﻭﺳﻌﻪ ﻓﻲ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﺻﻔﺔ ﻣﻦ ﺻﻔﺎﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺷﻰﺀ ﻳﺠﺐ ﺍﻋﺘﻘﺎﺩﻩ ﻣﻦ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﻳﺎﻧﺎﺕ ﻭﻟﻢ ﻳﺮﺗﻔﻊ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺠﻬﻞ، ﻓﺈﻧﻪ ﺁﺛﻢ ﻛﺎﻓﺮ ﺑﺘﺮﻙ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﻋﺘﻘﺎﺩ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﻳﺨﻠﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺬﺍﻫﺐ ﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﺃﻭﺻﻞ ﺍﻹﺟﺘﻬﺎﺩَ ﺣﺪَﻩ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻟﻢ ﻳُﻌﺬﺭ”. ﺍﻧﺘﻬﻰ
وهذا كله موافق لما نقله الإمام أبو بكر بن فورك في كتاب “مقالات الإمام الأشعري” أن الأشعري قال ما نصه: “الجهل بصفة من صفات الله كفر”. انتهى
ثم إن الحكم على المخالفين في العقائد مبني على أمور منها: جهلهم بالله وبصفاته.
وصفات الله عند الأصوليون تنقسم إلى:
أ- الصفات النفسية: كصفة الوجود، وهذا يكفر الجاهل به قولا واحدا. فمن أنكر وجود الله لا يكون مسلما من أصله.
ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻘﺮﺍﻓﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻟﺬﺧﻴﺮﺓ ﺻﺤﻴﻔﺔ 28 ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: ﺍﻟﻜُﻔﺮ ﻫﻮ ﺍﻧﺘﻬﺎﻙ ﺧﺎﺹ ﻟﺤُﺮﻣﺔ ﺍﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺔ ﺇﻣﺎ ﺑﺎﻟﺠﻬﻞ ﺑﻮﺟﻮﺩﻩ ﺃﻭ ﺻﻔﺎﺗﻪ. ﺍﻧﺘﻬﻰ
ب- الصفات السلبية: هي صفات لا تدل على معنى وجودي ، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله عز وجل، كالقدم ، والبقاء ، والوحدانية ، والمخالفة للخلق ، والغنى المطلق، أي القيام بذاته تعالى .
وهذه الصفات يكفر الجاهل بها بلا خلاف. فمن قال عن الله مخلوق، أو أنه يفنى، أو له شريك في الألوهية، أو أنه يشبه خلقه بوجه من الوجوه كالتحيز والجسمية، أو زعم أن الله يحتاج لخلقه لا يكون من الموحدين.
من هنا نقف على فساد قول من قال أن من أنكر شيئا متعلقا بمخالفة الله للحوادث، لم يُنكر الله، لأنه أثبت أصل الألوهية وأخطأ في وجه من كمالاتها. فحكم على من نسب الحد أو الحركة أو الجهة أو الجسمية لله بالإيمان والعياذ بالله.
وهذا الكلام باطل لأن الألوهية لا تثبت لمن ماثل الحوادث بوجه من الوجوه. فمن أثبت وجود إله و زعم أنه يتحرك فكأنه أثبت الندّ لله عز وجل وعبد من تجوز عليه الحركة تارة والسكون تارة أخرى وهذا من صفات الحوادث، فلا يكون أصل الألوهية متحققا من أصله، وهذا من الإلحاد في ذات الله وصفاته كما ذكر ذلك الشيخ إسماعيل حقي بن مصطفى الخلوتي البروسوي، في روح البيان في تفسير القرآن، عند تفسير قوله تعالى: ” وتجعلون له أندادا” حيث قال: “والحاصل: أن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله – ﷺ – بأن ينكر عليهم أمرين: الأول: كفرهم بالله بإلحادهم في ذاته وصفاته، كالتجسم واتخاذ الصاحبة والولد والقول بأنه لا يقدر على إحياء الموتى ، وأنه لا يبعث البشر رسلاً “. انتهى
وأما الخلاف في تكفير المجسم فهو متعلق باللفظ دون المعنى، فمن أطلق على الله كلمة جسم، وكان يفهم منها: القائم بذاته أو الموجود، فهذا الذي جرى الخلاف في تكفيره.
قال الجُوينيُّ في الشَّامل: ” الخلاف في ذلك يدُور بيننا وبين فئتَين: إحداهُمَا تُخالف في اللَّفظ والإطلاق دون المعنَى والأُخرى تُخالف في المعنَى. فأمَّا الَّذين خالفوا في الإطلاق دون المعنَى فهُمُ الَّذين قالوا: المعنَى بالجسم الوُجود أو القيام بالنَّفس” انتهى
ج- الصفات المعنوية: الصفات المعنوية هي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني ككونه تعالى قادرا، مريدا ، عالما حيا ، سميعا بصيرا ، متكلما.
وليعلم ان معظم المعتزلة أثبتوا لله عز وجل كونه عالما وكونه قادرا وكونه حيا….، ولم يثبتوا صفات زائدة على الذات، وبذلك أثبتوا لله أحوالا؛ هو كونه عالما وكونه قادرا وكونه حيا….دون إثبات الصفات.
وهؤلاء المُعتَزِلَةُ يقولون أيضا عَنِ اللهِ تَعَالَى: “سَمِيعٌ بِذَاتِهِ بَصِيرٌ بِذَاتِهِ عَلِيمٌ بِذَاتِهِ” وَهُم يَكفُرُونَ بِهَذَا القَولِ لِأَنَّهُم يَقصِدُونَ بِهِ نَفيَ سَمعِ اللهِ وَبَصَرِهِ وَعِلمِهِ.
ومن العلماء من ذكر أن بعض المعتزلة يَعنُونَ بذلك مَنعَ زِيَادَةِ الصِّفَةِ على الذات لَا أَصلَ الصِّفَةِ، فلم يحكم بكفرهم لأَنَّهُم يُثبِتُونَ الصِّفَةَ وَيَنفُونَ تَعَدُّدَ القَدِيمِ.
وَضَلَالُ المُعتَزِلَةِ فِي الصِّفَاتِ راجع لتحريفهم مَعنَى قَولِ أَهلِ السُّنَّة وَالجَمَاعَةِ: ” الصِّفَةُ لَيسَت عَينَ الذَّاتِ وَلَا غَيرُ الذَّاتِ” فَزَعمُوا أَنَّ قَولَنَا: ” الصِّفَةُ لَيسَت عَينَ الذَّاتِ” يَتَضَمَّنُ القَولَ بِتَعَدُّدِ القَدِيمِ وَكَذَبُوا بَل مَعنَاهُ أَنَّ مَفهُومَ الصِّفَةِ غَيرُ مَفهُومِ الذَّاتِ فَمَا يُفهَمُ مِنَ القُدرَةِ يَختَلِفُ عَمَّا يُفهَمُ مِنَ الذَّاتِ وَنَقُولُ: “نَعبُدُ اللهَ” لَا نَقُولُ نَعبُدُ السَّمعَ أَوِ البَصَرَ وَقَولُنَا: “وَلَا غَيرُ الذَّاتِ” مَعنَاهُ أَنَّهَا لَا تَنفَكُّ عَنِ اللهِ تَعَالَى.
فهؤلاء العلماء قالوا أن المعتزلة الذين أثبتوا الصفات المعنوية ولم ينكروا أصل الصفات، جهلهم لا يستلزم انتفاء المعرفة كليا.
وأما الأشاعرة فهم يثبتون لله عز وجل جل كونه عالما وأن له صفة زائدة على الذات هي صفة العلم، فهو عالم بعلم، ولهم على ذلك أدلة عقلية ونقلية، فأثبتوا لله كونه عالما قادرا سميعا بصيرا وصفة العلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك.
د- الصفات المعاني: صفات المعاني هي القدرة، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام
وهي صفات قائمة بذات الله، لازمة له لزوما لا يقبل الانفكاك، فهو حيّ بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة.
و الصفات المعاني خالف فيها بعض الفرق المنتسبين للاسلام، فمنهم من أنكرها دفعا لتعدد القدماء بزعمهم كالمعتزلة، وبعضهم أثبتها لكنه خالف في تعلقاتها كالمشبهة.
وهذه الصفات شدد علماء أهل السنة في حكم منكرها :
• القدرة
صفة القدرة ثابتة بنص القرآن، منها قوله تعالى: ان الله هو الرازق ذو القوة المتين – الذاريات:58-
– ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺟﺮﻳﺮ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ “ﺍﻟﺘﺒﺼﻴﺮ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺪﻳﻦ” ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: “ﻟﻦ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺃﺣﺪٌ ﺃﻥ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﺇﻧﻪ ﺑﺎﻟﻠﻪ [ﻋﺎﺭﻑٌ] ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺇﺫﺍ ﻗﺎﺭﻧﻬﺎ ﺍﻹﻗﺮﺍﺭ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﺳﺘﻮﺟﺐ ﺑﻪ ﺍﺳﻢ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﺃﻥ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﺇﻧﻪ ﻣﺆﻣﻦٌ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻳﻌﻠﻢ ﺑﺄﻥ ﺭﺑﻪ ﺻﺎﻧﻊ ﻛﻞ ﺷﻲﺀٍ ﻭﻣﺪﺑﺮﻩ، ﻣﻨﻔﺮﺩﺍً ﺑﺬﻟﻚ ﺩﻭﻥ ﺷﺮﻳﻚٍ ﻭﻻ ﻇﻬﻴﺮٍ، ﻭﺃﻧﻪ ﺍﻟﺼﻤﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻴﺲ ﻛﻤﺜﻠﻪ ﺷﻲﺀٌ: ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺣﺎﻁ ﺑﻜﻞ ﺷﻲﺀ ﻋﻠﻤﻪ، ﻭﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻌﺠﺰﻩ ﺷﻲﺀٌ ﺃﺭﺍﺩﻩ، ﻭﺍﻟﻤﺘﻜﻠﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻜﻮﺕ. ﻭﺃﻥ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻟﻪ ﻋﻠﻤﺎً ﻻ ﻳﺸﺒﻬﻪ ﻋﻠﻮﻡ ﺧﻠﻘﻪ، ﻭﻗﺪﺭﺓً ﻻ ﺗﺸﺒﻬﻬﺎ ﻗﺪﺭﺓ ﻋﺒﺎﺩﻩ، ﻭﻛﻼﻣﺎً ﻻ ﻳﺸﺒﻬﻪ ﻛﻼﻡ ﺷﻲﺀ ﺳﻮﺍﻩ”. ﺍﻧﺘﻬﻰ
وهذا الكلام ثابت عن الطبري، نقله عنه ﺍﻟﺒﺮﺯﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﻠﺪ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ﻣﻦ ﻧﻮﺍﺯﻟﻪ ﺻﺤﻴﻔﺔ 277-278 ، حيث قال ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: ﻓﺄﻣﺎ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﺻﻔﺔ ﻣﻦ ﺻﻔﺎﺗﻪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﺟﺤﺪﻫﺎ ﻣﺴﺘﺒﺼﺮﺍ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻛﻘﻮﻟﻪ: ﻟﻴﺲ ﺑﻌﺎﻟﻢ ﻭ ﻻ ﻗﺎﺩﺭ ﻭ ﻻ ﻣﺮﻳﺪ ﻭ ﻻ ﻣﺘﻜﻠﻢ ﻭ ﺷﺒﻪ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﻮﺍﺟﺒﺔ ﻟﻪ. ﻓﻘﺪ ﻧﺺ ﺃﻳﻤﺘﻨﺎ ﻋﻠﻰ
ﺍﻻﺟﻤﺎﻉ ﻋﻠﻰ ﻛﻔﺮ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﻮﺻﻒ ﺑﻬﺎ ﻭ ﺃﻋﺮﺍﻩ ﻋﻨﻬﺎ. ﻭ ﻋﻠﻴﻪ ﺣﻤﻞ ﻗﻮﻝ ﺳﺤﻨﻮﻥ. ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﻟﻴﺲ ﻟﻠﻪ ﻛﻼﻡ ﺇﻧﻪ ﻛﺎﻓﺮ ﻭﻫﻮ ﻻ ﻳﻜﻔﺮ ﺍﻟﻤﺘﺄﻭﻟﻴﻦ ﻛﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﻟﻪ. ﻭﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﻞ ﺻﻔﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﻓﻌﻦ ﺃﺑﻲ ﺟﻌﻔﺮ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ ﻭ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﻧﻪ ﻛﻔﺮ. ﺍﻧﺘﻬﻰ
– ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﺑﻦ ﻋﺮﻓﻪ ﻋﻨﺪ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ”ﻭَﻣِﻤَّﺎ ﺭَﺯَﻗْﻨَﺎﻫُﻢْ ﻳُﻨﻔِﻘُﻮﻥَ”. ﻣﺎﻧﺼﻪ: ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﻄﻴﺔ : ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ : ﺇﻥ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺷﺎﻛﺎ ﻗﻂ ﻓﻲ ﺇﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻃﻠﺐ ﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻨﺔ ، ﻭﻗﺎﻝ ﺁﺧﺮﻭﻥ : ﺇﻧﻪ ﺷﻚ ﻓﻲ ﻗﺪﺭﺓ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ( ﻓﻲ ) ﺇﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ ( ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺁﻳﺔ ﺃﺭﺟﻰ ﻋﻨﺪﻱ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ .- ﻗﺎﻝ- ﺍﺑﻦ ﻋﺮﻓﺔ : ﻫﺬﺍ ﻛﻼﻡ ﻻ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﺎﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ . ﻭﺣﻤﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﻳﻠﺰﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺗﺄﻭﻳﻠﻪ”. انتهى
– ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﻭ ﺍﻟﺘﺤﺼﻴﻞ ﻻﺑﻲ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ ﺑﻦ ﺭﺷﺪ القرطبي ﺗﺤﺖ ﻣﺴﺄﻟﺔ “ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﻳﺔ ﻭﺣﻜﻤﻬﻢ ” ﻛﻼﻡ ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺭﺷﺪ ﻭ ﻧﺼﻪ: ” ﻓﺎﻟﻘﺪﺭﻳﺔ ﻋﻨﺪ ﻋﺎﻣﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻛﻔﺎﺭ ﻷﻧﻬﻢ ﻧﺴﺒﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻭﺍﻟﺠﻬﻞ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻬﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻢ ﻳُﻘﺪّﺭ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﻭﻻ ﺍﻟﺸﺮ ﻭﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺟﺎﺭٍ ﻓﻲ ﺧﻠﻘﻪ ﻭﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﺑﻐﻴﺮ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﻻ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ، ﻓﻨﻔﻮﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻭﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﻧﺴﺒﻮﻫﺎ ﻷﻧﻔﺴﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﻃﻮﺍﻏﻴﺘﻬﻢ : ﺇﻧﻪ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻃﻔﻞ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﺟﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻭﺍﻟﻨﺎﺭ ﻟﻜﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﻮﺻﻮﻓﺎ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻃﺮﺣﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻭﺇﺑﻠﻴﺲ ﻣﻮﺻﻮﻓﺎ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻃﺮﺣﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ ، ﻭﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﻳﻮﺻﻒ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ . ﻭﺯﻋﻤﻮﺍ ﺃﻥ ﺧﻼﻑ ﻫﺬﺍ ﻛﻔﺮٌ ﻭﺷﺮﻙٌ”. انتهى
– ﻗﺎﻝ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺑﺪﺭ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﺰﺭﻛﺸﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ “ﺗﺸﻨﻴﻒ ﺍﻟﻤﺴﺎﻣﻊ” ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺻﺤﻴﻔﺔ 265 ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: ﻟﻚ ﺃﻥ ﺗﺴﺄﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ، ﺃﻋﻨﻲ ﻣﺬﻫﺐ ﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ ، ﻭﻣﺎ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺃﻭ ﻧﻔﻰ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﺼﻔﺔ، ﻭﻭﺟﻬﻪ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻭﻫﻮ ﻋﺎﻟﻢ ﻗﺎﺩﺭ ﺛﺒﺖ ﺑﺎﻟﻨﺺ ﻭﻋﻠﻢ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺩﻳﻨﺎً ، ﻭﺇﺛﺒﺎﺕ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻻ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺛﺒﻮﺗﻬﺎ ﺑﺎﻟﻨﺺ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﺜﺒﺖ ﺑﺎﻟﺪﻟﻴﻞ ، ﻭﻟﻴﺲ ﻛﺬﻟﻚ ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻋﺪﻫﺎ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻣﻤﺎ ﺛﺒﺖ ﺑﺎﻟﺼﻴﻐﺔ ﻷﻥ ﻋﺎﻟﻤﺎً ﻟﻢ ﻳﻮﺿﻊ ﺇﻻ ﻟﻤﻦ ﻟﻪ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻻ ﻟﻤﻦ ﺃﺩﺭﻙ ﻓﻘﻂ ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﺎﺑﺖ ﺑﻨﺺ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ. ﻭﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺟﺮﻯ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ ﺍﺑﻦ ﺭﺷﺪ ﻓﻘﺎﻝ: ” ﻻ ﻓﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﻗﺎﻝ : ﻟﻴﺲ ﻟﻠﻪ ﻋﻠﻢ ، ﻭﻣﻦ ﻗﺎﻝ : ﻟﻴﺲ ﺑﻌﺎﻟﻢ. ﺍﻧﺘﻬﻰ
وراجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1BUcmpUyKk/
وأما المشبهة فقد جوزوا تعلق القدرة بواجب الوجود وبالمستحيل العقلي فضلّوا في هذه المسألة .
• العلم
صفة العلم ثابتة بنص القرآن، منها قوله تعالى: “لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه “- النساء: 166-
– قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : “ناظروا القدرية بالعلم ، فإن أقروا به خصموا ، وإن أنكروا كفروا “.
وهو منقول عن كثير من السلف كما ذكر ذلك ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم.
– ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺟﺮﻳﺮ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ “ﺍﻟﺘﺒﺼﻴﺮ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺪﻳﻦ” ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: ﻗﺪ ﺩﻟﻠﻨﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻣﻀﻰ ﻗﺒﻞ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺑﻨﺎ ﻫﺬﺍ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺴﻊ ﺃﺣﺪﺍ ﺑﻠﻎ ﺣﺪ ﺍﻟﺘﻜﻠﻴﻒ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻠﻪ –ﺟﻞ ﺫﻛﺮﻩ – ﻋﺎﻟﻢ ﻟﻪ ﻋﻠﻢ ، ﻭﻗﺎﺩﺭ ﻟﻪ ﻗﺪﺭﺓ ، ﻭﻣﺘﻜﻠﻢ ﻟﻪ ﻛﻼﻡ ، ﻭﻋﺰﻳﺰ ﻟﻪ ﻋﺰﺓ ، ﻭﺃﻧﻪ ﺧﺎﻟﻖ . ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﻣﺤﺪﺙ ﺇﻻ ﻣﺼﻨﻮﻉ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﻭﻗﻠﻨﺎ : ﻣﻦ ﺟﻬﻞ ﺫﻟﻚ ﻓﻬﻮ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻛﺎﻓﺮ”. انتهى
– ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺭﻳﺎﺽ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ، ﺍﻟﺠﺰﺀ 2 ﺻﺤﻴﻔﺔ 73 ﺃﻥ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺪﺍﺩ ﻗﺎﻝ: ” ﺇﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻻ ﻳﻌﺪﻭ ﺇﺣﺪﻯ ﻣﻨﺰﻟﺘﻴﻦ: ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﻔﺔ ﻓﻌﻞ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﻤﻦ ﺷﻚّ ﻓﻲ ﺧَﻠْﻖِ ﺫﻟﻚ ﻓﻬﻮ ﻛﺎﻓِﺮ. ﻭﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﻔﺔ ﺫﺍﺕ ﻛﻌِﻠْﻢِ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻗﺪﺭﺗﻪ، ﻭﻣﻦ ﺷﻚ ﻓﻠﻢ ﻳَﺪْﺭِ ﺫﻟﻚ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﺃﻭ ﻏﻴﺮ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﻓﻬﻮ ﻛﺎﻓﺮ .ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ ﻻ ﻳﻌﺪﻭ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺰﻟﺘﻴﻦ، ﻓﺎﻟﻮﺍﻗﻒ ﺷﺎﻫﺪ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﺗﺎﺭﻙ ﻟﻠﻘﻮﻝ ﺍﻟﺤﻖ ﺣﺘﻤﺎ”. ﺍﻧﺘﻬﻰ
و ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺪﺍﺩ ﻫﻮ ﺻﺎﺣﺐ ﺳُﺤْﻨُﻮﻥ ﻭ ﺃﺣﺪ ﺍﻷﺋﻤﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻬﺪﻳﻦ. ﻗﺎﻝ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ: “ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺤﺪﺍﺩ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺷﻴﺦ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ.
– ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺠﻮﻳﻨﻲ ﻓﻲ ﺃﺟﻮﺑﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺌﻠﺔ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﺼﻘﻠﻲ: “ﻓﻤﺬﻫﺐ ﺷﻴﺨﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺎﻓﻲ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻧﺎﻓﻲ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ، ﻭﻗﺪ ﺃﺟﻤﻌﺖ ﺍﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﻛﻮﻥ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﻋﺎﻟﻤﺎً ﻗﺎﺩﺭﺍً ﺣﻴﺎً ﻓﻬﻮ ﻛﺎﻓﺮ، ﻭﻧﻔﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﻧﻔﻲ ﻛﻮﻧﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﺎﻟﻤﺎً. ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺍﺭﺗﻀﺎﻩ ﺷﻴﺨﻨﺎ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ. ﺍﻧﺘﻬﻰ
ﻭﻣﺮﺍﺩ ﺍﻟﺠﻮﻳﻨﻲ” ﺑﺸﻴﺨﻨﺎ” ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺍﻷﺷﻌﺮﻱ
– ﻗﺎﻝ ابن المعلم القرشي في “ﻧﺠﻢ ﺍﻟﻤﻬﺘﺪﻱ ﻭﺭﺟﻢ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ” ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: “ﻋﻦ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﻗﻀﻰ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻧﺠﻢ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻟﻤﺴﻤﻰ “ﻛﻔﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﺒﻴﻪ ﻓﻲ ﺷﺮﺡ ﺍﻟﺘﻨﺒﻴﻪ” ﻓﻲ ﻗﻮﻝ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺃﺑﻲ ﺇﺳﺤﻖ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﺑﺎﺏ ﺻﻔﺔ ﺍﻷﺋﻤﺔ ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺧﻠﻒ ﻛﺎﻓﺮ ﻷﻧﻪ ﻻ ﺻﻼﺓ ﻟﻪ ﻭﻛﻴﻒ ﻳﻘﺘﺪﻯ ﺑﻪ ﻗﺎﻝ: ﻭﻫﺬﺍ ﻳَﻨﻈِﻢ ﻣَﻦ ﻛﻔﺮﻩ ﻣﺠﻤﻊ ﻋﻠﻴﻪ -ﺃﻱ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻏﻴﺮ ﻣﻨﺘﺴﺒﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﻣﻠﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻛﺎﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭﺍﻟﻨﺼﺎﺭﻯ ﻭﺍﻟﻤﺠﻮﺱ- ﻭﻣﻦ ﻛﻔﺮﻧﺎﻩ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ ﻛﺎﻟﻘﺎﺋﻠﻴﻦ ﺑﺨﻠﻖ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺑﺄﻧﻪ ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﺍﻟﻤﻌﺪﻭﻣﺎﺕ ﻗﺒﻞ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ ﻭﻣﻦ ﻻ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭ ﻭﻛﺬﺍ ﻣﻦ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺟﺎﻟﺲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺵ ﻛﻤﺎ ﺣﻜﺎﻩ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺣﺴﻴﻦ ﻫﻨﺎ ﻋﻦ ﻧﺺ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ” ﺍنتهـى
– ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﻤﻈﻔﺮ ﺍﻷﺳﻔﺮﺍﻳﻴﻨﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ” ﺍﻟﺘﺒﺼﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺗﻤﻴﻴﺰ ﺍﻟﻔﺮﻗﺔ ﺍﻟﻨﺎﺟﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺍﻟﻬﺎﻟﻜﻴﻦ” ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: ” ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻳﻜﻔﺮﻭﻧﻬﻢ ﻟﻘﻮﻟﻬﻢ ﺑﺄﻥ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺣﺎﺩﺙ ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺣﺘﻰ ﻳﻜﻮﻥ ﻭﺃﻥ ﻛﻼﻣﻪ ﺣﺎﺩﺙ. ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﺃﻳﻀﺎ ﻳﻜﻔﺮﻭﻥ ﻟﻘﻮﻟﻬﻢ ﺑﺨﻠﻖ ﺍﻷﻓﻌﺎﻝ”. انتهى
– ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺷﺮﺡ ﺍﺑﻦ ﺑﻄﺎﻝ ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: “ﻓﻤﻦ ﺩﻓﻊ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺒﺎﺭﻯ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﺬﻯ ﻫﻮ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻓﻰ ﻛﻮﻧﻪ ﻋﺎﻟﻤًﺎ، ﻭﺯﻋﻢ ﺃﻧﻪ ﻋﺎﻟﻢ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻻ ﺑﻌﻠﻢ ﻓﻘﺪ ﺭﺩ ﻧﺼﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺬﻯ ﻫﻮ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻓﻰ ﻛﻮﻧﻪ ﻋﺎﻟﻤًﺎ ﻭﻻ ﺧﻼﻑ ﺑﻴﻦ ﺭﺩ ﻧﺼﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺫﻭ ﻋﻠﻢ ﻭﺑﻴﻦ ﻧﺼﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻋﺎﻟﻢ، ﻓﺎﻟﻨﺎﻓي ﻟﻌﻠﻤﻪ ﻛﺎﻟﻨﺎﻓي ﻟﻜﻮﻧﻪ ﻋﺎﻟﻤًﺎ، ﻭﺍﺟﺘﻤﻌﺖ ﺍﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﻛﻮﻧﻪ ﻋﺎﻟﻤًﺎ ﻓﻬﻮ ﻛﺎﻓﺮ، ﻓﻴﻨﺒﻐﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﻛﻮﻧﻪ ﺫﺍ ﻋﻠﻢ ﻛﺎﻓﺮًﺍ؛ ﺇﺫ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﺃﺣﺪ ﺍﻷﻣﺮﻳﻦ ﻛﻤﻦ ﻧﻔﻰ ﺍﻵﺧﺮ، ﻭﺍﻟﻘﻮﻝ ﻓﻰ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﻬﺬﺍ ﻛﺎﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺑﻪ ﻓﻰ ﺟﻤﻴﻊ ﺻﻔﺎﺗﻪ”. ﺍنتهى
– ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻤﺤﺪﺙ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻣﺤﻤﺪ ﺃﻧﻮﺭ ﺷﺎﻩ ﺍﻟﻜﺸﻤﻴﺮﻱ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ “ﺇﻛﻔﺎﺭ ﺍﻟﻤﻠﺤﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻦ” ما نصه: “ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺎﻟﻤﺒﺘﺪﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻜﻔﺮ ﺑﺒﺪﻋﺘﻪ، ﻭﻗﺪ ﻳﻌﺒﺮ ﻋﻨﻪ ﺑﺎﻟﻤﺬﻧﺐ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ، ﻛﻤﺎ ﺃﺷﺎﺭ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻤﺼﻨﻒ ﺳﺎﺑﻘﺎً ﺑﻘﻮﻟﻪ: “ﻭﻟﻠﻨﻬﻲ ﻋﻦ ﺗﻜﻔﻴﺮ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ” ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻮﺍﻓﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻡ، ﻛﺤﺪﻭﺙ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺣﺸﺮ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻳﺼﺪﺭ ﻋﻨﻪ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻗﻄﻌﺎً ﻣﻦ ﺍﻋﺘﻘﺎﺩ ﺭﺍﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺇﻟﻪ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﺃﻭ ﺇﻟﻰ ﺣﻠﻮﻟﻪ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﺃﻭ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﻧﺒﻮﺓ ﻣﺤﻤﺪ – ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ – ﺃﻭ ﺫﻣﻪ ﺃﻭ ﺍﺳﺘﺨﻔﺎﻓﻪ، ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺨﺎﻟﻒ ﻓﻲ ﺃﺻﻮﻝ ﺳﻮﺍﻫﺎ ﻣﻤﺎ ﻻ ﻧﺰﺍﻉ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻴﻪ ﻭﺍﺣﺪ، ﻛﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ، ﻭﺧﻠﻖ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ، ﻭﻋﻤﻮﻡ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻭﻗﺪﻡ ﺍﻟﻜﻼﻡ، ﻭﻟﻌﻞ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺃﺷﺎﺭ ﺍﻟﻤﺼﻨﻒ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﺎﺿﻴﺎً ﺑﻘﻮﻟﻪ: ﺇﺫ ﺗﻤﺴﻜﻪ ﺑﺎﻟﻘﺮﺁﻥ ﺃﻭ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻘﻞ، ﺇﺫ ﻻ ﺧﻼﻑ ﻓﻲ ﺗﻜﻔﻴﺮ ﺍﻟﻤﺨﺎﻟﻒ ﻓﻲ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻣﻦ ﺣﺪﻭﺙ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺣﺸﺮ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ، ﻭﻧﻔﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﺎﻟﺠﺰﻳﺌﺎﺕ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﻇﺐ ﻃﻮﻝ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺎﻋﺎﺕ”. انتهى
ومن هنا يعلم أن من أنكر علم الله بالجزئيات أو علمه بالأشياء قبل حدوثها، كفر، وفارق الملة.
وليعلم أن الخلاف الواقع في تكفير منكري الصفات، متعلق في من أنكر أن تكون صفات المعاني زائدة على الذات مع اثبات أصل الصفة.
فمن أنكر مثلا أن تكون صفة العلم زائدة على الذات. هذا الذي وقع الخلاف في تكفيره، فقال بعض العلماء عن مثله أنه لا يكفر لأن عنده نقص في معرفة الله. أصل المعرفة متحقق، لكن كمالات المعرفة عنده غير متحققة، فهو مبتدع. وأما الذي أنكر أصل الصفة، أو أثبت ضدها فهو كافر بلا خلاف.
• الإرادة
– ﻗﺎﻝ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﻴﻬﻘﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻟﺴﻨﻦ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﺗﺤﺖ ﺑﺎﺏ ﻣﺎ ﺗﺮﺩ ﺑﻪ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﺃﻫﻞ ﺍﻷﻫﻮﺍﺀ ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: ” ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﺃﺻﺤﺎﺑﻨﺎ ﻫﻮ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﻣﻦ ﺃﻇﻬﺮ ﻣﻨﻬﻢ ﻧﻔي ﺻﻔﺎﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻭﺭﺩ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺑﻬﺎ ﻭﺩﻟﺖ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻔﻴﻀﺔ ﻣﻊ ﺇﺟﻤﺎﻉ ﺳﻠﻒ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺛﺒﺎﺗﻬﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﺸﻴﺌﺔ ﻭﺇﻥ ﺍﻷﻓﻌﺎﻝ ﻛﻠﻬﺎ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﺨﻠﻮﻗﺔ ﻓﻘﺪ ﺟﺎﺀﺕ ﺍﻷﺧﺒﺎﺭ ﺑﺘﻜﻔﻴﺮ ﻣﻨﻜﺮﻳﻬﺎ ﻭﺗﺒﺮﺃ ﺳﻠﻒ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﻣﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞ ﺍﻷﻫﻮﺍﺀ ﻓﻴﻬﺎ”. انتهى
– ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺃﺑﻲ ﺷﻜﻮﺭ ﺍﻟﺴﺎﻟﻤﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﺍﻟﻜﺒﺸﻲ ﺍﻟﺤﻨﻔﻲ – ﻛﺎﻥ ﺣﻴﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﺍﻟﻬﺠﺮﻱ- ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ” ﺍﻟﺘﻤﻬﻴﺪ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: “ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺪﺭﻳﺔ، ﺇﻋﻠﻢ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻘﺪﺭﻳﺔ ﺯﻋﻤﻮﺍ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻴﺎﺱ ﺍﻟﻌﻘﻠﻲ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻧﺼﺎً ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻘﻴﺎﺱ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻜﺮﻭﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﺑﺎﻟﺸﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ ” ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻮّﺽ ﺃﻣﻮﺭ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﻭﻣﻠّﻜﻬﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺗﺨﻠﻴﻘﺎً ﻭﻓﻌﻼً ﻭﺑﻴّﻦ ﻟﻬﻢ ﺍﻷﻣﺮ ﻭﺍﻟﻨﻬﻲ ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﺘﺨﻠﻴﻖ ﻭﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻭﺍﻟﻤﺸﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭ ﻓﻲ ﺃﻓﻌﺎﻟﻬﻢ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﺣﻜﻴﻤﺎً ﻋﺎﺩﻻً ﻓﻲ ﺗﻌﺬﻳﺒﻬﻢ”، ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻨﻬﻢ ﻛﻔﺮ ﻷﻧﻬﻢ ﺃﺛﺒﺘﻮﺍ ﺧﺎﻟﻘﺎً ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.
– ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻣﺤﻤﺪ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻷَﻭْﺟَﻠﻲ – ﻛﺎﻥ ﺣﻴﺎ ﺳﻨﺔ 1092 ﻫﺠﺮﻱ- ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺷﺮﺡ ﺳﺒﻚ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﻣﺎ ﻧﺼﻪ: ” ﻭ ﺍﺫﺍ ﺍﻧﺘﻔﺖ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻋﻨﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻴﺼﻴﺮ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﻣﻮﻻﻧﺎ – ﺟﻞ ﻭﻋﻼ – ﻓﺎﻋﻼ ﺑﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻞ ﺍﻭ ﺍﻟﻄﺒﻊ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺎﻃﻞ، ﺍﺫ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻓﻌﻠﻪ ﺑﺎﻟﺘﻌﻠﻴﻞ ﺍﻭ ﺍﻟﻄﺒﻊ ﻟﺰﻡ ﻗﺪﻡ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻣﻌﺎ، ﻭﺍﻗﺘﺮﺍﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﺑﻮﺟﻮﺩﻩ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﻴﻠﺰﻡ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﻗﺪﻡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻫﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺏ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻟﻜﻞ ﻣﺎ ﺳﻮﺍﻩ، ﻭﻳﻠﺰﻡ ﺃﻳﻀﺎً ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﻮﺍﺟﺒﺔ ﻟﻤﻮﻻﻧﺎ- ﺟﻞ ﻭ ﻋﺰ – ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻭ ﺍﻻﺭﺍﺩﺓ ﻭ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻭ ﺫﻟﻚ ﻛﻔﺮ ﺻٌﺮﺍﺡ” . ﺍﻧﺘﻬﻰ
يُستفاد مما تقدّم أن من أنكر الصفات الواجبة لله تعالى أو تردّد في إثباتها، لم يعرف الله عزّ وجلّ المعرفة اللائقة بجلاله. وكذلك من نسب إلى الله الحدّ أو قيام الحوادث به أو وصفه بالجسمية، فقد جهل حقيقة ذاته وصفاته، ويُحكم على هذا الاعتقاد بالكفر.
وأما الخلاف بين أهل السنة في مسألة الجهل بالصفات فهو متعلق ببعض الاستثناءات وتفصيل ذلك كما يلي:
– من أثبت أصل الصفة وأنكر زيادة الصفة على الذات، فهذا تحقق فيه أنه مثبت للصفة لكن جهل بعض كمالاتها، وتوهم أن إثباتها يقتضي تعدد القدماء، فهذا الذي منع بعضهم الحكم عليه بالكفر.
– من خالف في اللَّفظ والإطلاق دون المعنَى كالَّذين قالوا: معنَى الجسم هو الوُجود أو القيام بالنَّفس، فهذا يحكم على فهمه للعبارة، لا مجرد إطلاقه.
وعلى هذا المعنى يحمل كلام الإمام النووي في شرح مسلم، حيث قال: ” وقالت طائفة: هذا رجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة. قال القاضي: وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري، وقاله أبو الحسن الأشعري أولاً. وقال الآخرون: لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، وعليه استقر قوله؛ لأنه لم يعتقد بذلك اعتقاداً يقطع بصوابه، ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من يعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلاً”. انتهى
فالذي جهل بعض كمالات صفات الله تعالى، كمن أثبت أصل الصفة وأنكر زيادتها على الذات، فهو محلّ خلاف بين العلماء في حكم تكفيره. فقد ذهب الإمام ابن جرير الطبري إلى تكفير كل من أخطأ في باب الصفات الإلهية، وهو القول الذي تبنّاه أبو الحسن الأشعري في مرحلته الأولى، حيث كان يحكم بكفر المخالف من غير تفصيل.
غير أنّ فريقًا آخر من العلماء رأى أنّ الجهل بكمالات الصفات لا يوجب الكفر، ولا يُخرج صاحبه عن دائرة الإيمان، ما دام قد أثبت أصل الصفة ولم يجحدها،ولم يأت بنقيضها، وإلى هذا القول رجع أبو الحسن الأشعري في مرحلته المتأخرة، واستقرّ عليه رأيه. فالتفصيل عنده مرتبط بنوع مخالفة أهل الأهواء، حيث أنه ميّز بين من أنكر الصفات جملةً – فحكم بكفره – وبين من جهل تفاصيلها دون جحدها. ثم إنّ كثيرًا من الناس يثبتون الصفات الإلهية ويعتقدون معانيها في الجملة، غير أنهم يجهلون الألفاظ التي يتداولونها في حديثهم عنها.
2- طريقة الأشاعرة في التعامل مع المخالفين في أصول الدين.
يتّضح من تتبّع منهج الأشاعرة في التعامل مع المخالفين في أصول الدين أنّ لهم طريقتين متميزتين في هذا الباب.
الطريقة الأولى: اعتمدها فريق من علماء الأشاعرة، وهي الحكم بتكفير كل من خالف معتقد أهل السنّة والجماعة في أصول العقيدة، دون تفصيل أو تمييز بين درجات المخالفة، كمدرسة أبي إسحاق الإسفراييني ومن تبعه، وهذه المدرسة هي الأقلّ انتشارًا بين أهل السنّة.
الطريقة الثانية: انتهجها فريق آخر، فاختاروا منهج التفصيل، ففرّقوا بين من بلغت بدعته حدّ الكفر وبين من لم تبلغ ذلك. فحكموا بتكفير من قال بقولٍ يستلزم الكفر، كالمجسّمة والجهْمية والمعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله استقلالاً، بينما لم يُكفّروا من كانت بدعته دون ذلك الحدّ.
غير أنّ بعض المنتسبين إلى المشيخة شوّهوا الطريقة الثانية، و زعموا أن الطريقة الثانية مفادها أن الأشاعرة لا يكفّرون المخالفين في أصول الدين مطلقًا.
وهذا الادعاء يترتّب عليه لوازم باطلة، كترك تكفير من نسب الجوارح إلى الله تعالى، أو من قال إنّ له يدًا من لحم ودم، أو من عبد الإمام عليّ رضي الله عنه، أو أنكر الحشر والبعث والحساب.
كما زعم هؤلاء أنّ أبا الحسن الأشعري لا يُكفّر أحدًا من أهل القبلة على الإطلاق، وأنه كان في بداياته يميل إلى تكفير المبتدعة ثم تراجع عن ذلك فعدّهم منحرفين فقط في معرفة الله، لا كفّارًا.
وهذا القول مردود عقلاً ونقلاً، إذ الثابت أنّ الأشعري يرى أنّ “أهل القبلة” هم من وافقوا أهل الحق في المعنى وإن اختلفت عباراتهم في بعض المسائل.
ومن خلال تتبّع ما نقله عنه تلاميذه، نتبيّن أنّ الأشعري صار يميل إلى منهج التفصيل، وصار يحكم على كل مخالف بحسب مقالته: فمن وصلت به بدعته إلى حدّ الكفر حُكم بكفره، ومن لم تبلغ مقالته ذلك الحدّ لم يُكفّر، وإن عُدّ من أهل البدع.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1FjPb99GHG/
الرد على تصويب ترك المجسم لابن حجر العسقلاني
الإمام أبو الحسن الأشعري و المجسمة و الرد على ن زعم أنه تراجع عن إكفارهم
إمام أهل السنة و الجماعة أبو الحسن الأشعري (المُتوفى سنة 324 هجري) قال فيما نقله الإمام الشيخ أبو بكر بن فورك في كتاب “مقالات الإمام الأشعري” ما نصه: “الجهل بصفة من صفات الله كفر”. انتهى
ولا شك أن نسبة الجسمية لله هو جهل بصفات رب العالمين، لأن من صفاته سبحانه و تعالى تنزهه عن مشابهة خلقه.
و قال رضي الله عنه في كتابه النوادر: “من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه لانه كافر به”. انتهى
هذا وقد نقل أصحابه و تلاميذه عنه أنه كان يقول بكفر المجسمة. فقد قال الإمام أبو منصور البغداديّ في تفسير الأسماء و الصّفات ما نصّه:” إعلم أن أصحابنا وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة والغلاة من الخوارج والنجارية والمرجئة والجهمية والمشبهة فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملاتهم في عقود البياعات والإجارات والرهون وسائر المعاوضات دون الأنكحة ومواريثهم والصلاة خلفهم وأكل ذبائحهم فلا يحل شيء من ذلك إلا الموارثة ففيها خلاف بين أصحابنا ، فمنهم من قال مالهم لأقربائهم المسلمين لأن قطع الميراث بين المسلم والكافر إنما هو في الكافر الذي لا يعد في الملة، ولأنّ خلاف القدريّ و الجهميّ و النّجاريّ و المجسّم لأهل السّنّة و الجماعة أعظم من خلاف النّصارى و اليهود و المجوس.” انتهى
و أبو منصور البغدادي هو إمام الأشعرية والشافعية في عصره، كما قال الهيتمي. وهو حافظ فقيه من العلماء الثقات. ومراده “بأصحابنا” :الإمام الأشعري و أتباعه فإنه كان رأسا من رؤوس الأشاعرة.
وقال رحمه الله: “وأما أصحابنا فإن شيخنا أبا الحسن الأشعري وأكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل السنة والجماعة قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفرًا أو أدّتْه إلى كفر”. انتهى
وجاء في مجرد مقالات الأشعري لابن فورك ما نصه: ” اعتقاد من اعتقد ان البارئ اجزاء متصلة و أبعاض متلاصقة كفرٌ به، وجهل لان البارئ سبحانه شئ واحد و ليس باثنين وهو غير الأبعاض المتصلة و الأجزاء المتلاصقة”. انتهى
و نقل الفقيه الحنفي ملاّ علي القاري في كتابه “شرح المشكاة” (3/300) ما نصه: قال جمع من السلف والخلف إن معتقِد الجهة (أي في حق الله) كافر كما صرح به العراقيّ وقال إنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني” انتهى
و قال تاج الدين السبكي في كتابه معيد النعم و مبيد النقم صحيفة 62 ما نصه: و بالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة. انتهى
وعقيدة أبو جعفر الطحاوي فيها تكفير من وصف الله بمعنى من معاني البشر وهذا دليل على أن أبا الحسن أشعري كان على تكفير المجسمة و المشبهة ولم يرجع عن ذلك.
و قال الشيخ العلامة كمال الدين البياضي الحنفي (المُتوفى سنة 1098 هـجري) في شرح كلام الإمام أبي حنيفة ما نصه: الثانية: اكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن اطلقه، واختاره الإمام الأشعري، فقال في النوادر: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه لانه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي القاسم الأنصاري”اهـ.
أما ما يدعيه الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن المجسمة من رجوع الإمام الأشعري عن تكفير كل أهل القبلة بلا استثناء فهو وهم منهم وهو ليس على اطلاقه, وبيان ذلك سيأتي لاحقا, و هذا الادعاء مدفوع بما نقله عنه أكابر علماء الأمة من تكفيره لمن قال كلاما صريحا في الكفر.
قال السبكي الابن في طبقاته ما نصه: لا خلاف عند الأشعري وأصحابه بل وسائر المسلمين أن من تلفظ بالكفر أو فعل أفعال الكفر أنه كافر بالله العظيم مخلد في النار وإن عرف بقلبه. انتهى
و قال الإمام محمد بن خليل السكوني الإشبيلي في كتابه “أربعون مسألة في أصول الدين” مانصّه : المسألة الرابعة : من مات وهو لم يعلم ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى ، هل هو هالك أو ناج ؟ قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى : “الناس على قسمين عالم وجاهل ، فالعالم ناج والجاهل هالك”.انتهى
ونقل الشيخ أبو بكر بن فورك في كتابه “مقالات الإمام الأشعري” أنه قال: “الجهل بصفة من صفات الله كفر”. انتهى
فهل خفي عن هؤلاء العلماء الأعلام تراجع الأشعري عن تكفير جميع أهل القبلة؟
ومعاذ الله أن لا يكفِّر الإمام الأشعري من قال بأن الله يفنى ولا يبقى منه إلا وجهه كما قال بيان بن سمعان. ومعاذ الله أن لا يفكِّر الإمام الأشعري من قال ألزموني بما شئتم إلا اللحية والفرج كما قال دواد الجواربي. ومعاذ الله أن لا يكفِّر الإمام الأشعري من قال بأن الجبل أكبر من الله حجمًا كما قال هشام بن الحكم. وكل هؤلاء يدّعون الإسلام ويقولون لا إله إلا الله و يزعمون الصلاة تجاه القبلة.
أما ما نسبه العز بن عبد السلام للإمام الأشعري في قواعده في الجزء 1 صحيفة 202 من قال : قد رجع الأشعري رحمه الله عند موته عن تكفير أهل القبلة , لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات . انتهى
فيجاب عليه من طُرق:
1- أنه خلاف ما أثبته عنه العلماء من نصوص في إكفار المجسم و الجاهل بصفات الله, كما نقل ذلك ابن فورك في كتابه “مقالات الإمام الأشعري” أنه قال: “الجهل بصفة من صفات الله كفر”. انتهى
2- أنه ليس على إطلاقه: وقد بين ذلك الإمام الجرجاني في شرح المواقف فقال ما نصه: اعلم أن عدم تكفير أهل القبلة – أي بذنب – موافق لكلام الأشعري و الفقهاء لكن إذا فتشنا عقائدهم وجدنا فيها ما يوجب الكفر قطعا مما يقدح في الألوهية أو النبوة. انتهى
3- أن الكلام المنقول عن الأشعري فيه تضارب: ففي رواية ابن عبد السلام قال ” قد رجع الأشعري رحمه الله عند موته عن تكفير أهل القبلة” معناه أنه كان يكفر أهل القبلة ثم رجع عن ذلك. و في الرواية التي نقلها الشيخ أبو طاهر القزويني في كتابه “سراج العقول” عن”السرخسي قال: لـما حضرت الأشعري الوفاة في داري ببغداد قال لي:”اجمع أصحابي”، فجمعتهم فقال:”اشهدوا علي أني لا أقول بتكفير أحد من عوام أهل القبلة؛ لأني رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمهم. اهـ
ففيه زيادة “عوام” و هو استثناء لعوام أهل القبلة فقط دون علماءهم.
و في رواية عند الإمام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (1/148) قال:” أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي بنيسابور قال سمعت الأستاذ أبا القسم عبد الملك بن هوازن القشيري يقول سمعت الأستاذ الشهيد أبا علي الحسن بن علي الدقاق رحمه الله يقول: سمعت أبا علي زاهر بن أحمد الفقيه رحمه الله يقول مات أبو الحسن الأشعري رحمه الله ورأسه في حجري وكان يقول شيئا في حال نزعه من داخل حلقه فأدنيت إليه رأسي وأصغيت إلى ما كان يقرع سمعي فكان يقول لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا. انتهى
و في رواية البيهقي قال “اشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة” معناه بذنب من المعاصي. وهذا التفسير نص عليه الكثير من العلماء وبينوا أنه ليس على اطلاقه كما قال الإمام فخر الدين الرَّازي في كتابه “مَعَالِم أصول الدِّين” صحيفة 132 و نص عبارته : “المَسْألة العشرون: المُختار عندنا أنَّه لا يُكَفِّرُ أحَد مِنْ أهْل القِبلَة إلَّا بدليل مُفصَّل بَلْ الأقرب أنَّ المُجَسِّمَة كُفَّار لأنَّهم اعْتقدوا أنَّ كُلّ ما لا يكون مُتحيِّزاً ولا في جهة فليْس بمَوْجود، ونحْنُ نعْتقِدُ أنَّ كُلّ مُتحَيِّز فهو مُحْدَثٌ وخالِقهُ مَوْجود لَيْس بمُتحَيّز ولا في جهَة فالمُجَسِّمَة نَفَوا ذات الشىْء الذي هو الإلَه فيلزمهم الكُفر”.
وعلى هذا التفصيل يُحمل القول المنسوب للإمام أبو الحسن الأشعري وليس مراده بذلك أن كل من يقول الشهادتين لا يكفر مع اعتقاده بعض الاعتقادات الكفرية فإن هذا الإطلاق بعيد من مراده.
قال المحدث الشيخ محمد أنور شاه الكشميري في كتابه “إكفار الملحدين في ضروريات الدين”: أعلم أن المراد بأهل القبلة: الذين اتفقوا على ما هو من ضروريات الدين. كحدوث العالم، وحشر الأجساد، وعلم الله تعالى بالكليات والجزيئات، وما أشبه ذلك من المسائل المهات، فمن واظب طول عمره على الطاعات والعبادات مع اعتقاد قدم العالم ونفي الحشر أو نفي علمه سبحانه بالحزئيات لا يكون من أهل القبلة، وإن المراد بعدم تكفير أحد من أهل القبلة عند أهل السنة: أنه لا يكفر ما لم يوجد شيء من إمارات الكفر وعلاماته، ولم يصدر عنه شيء من موجباته إن غلا فيه -أي في هواه – حتى وجب إكفاره به لا يعتبر خلافه ووفاقه أيضاً، لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لها بالعصمة وإن صلى إلى القبلة واعتقد نفسه مسلماً، لأن الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة، بل عن المؤمنين، وهو كافر وإن كان لا يدري أنه كافر. ونحوه في “الكشف شرح البردوى” من الإجماع، و”الإحكام” للآمدى من المسألة السادسة منه: لا خلاف في كفر المخالف في ضروريات الإسلام وإن كان من أهل القبلة المواظب طول عمره على الطاعات. كما في “شرح التحرير”. “رد المختار” من الإمامة ومن جحود الوتر أيضاً ثم قال (أي صاحب “البحر”) : والحاصل أن المذهب عدم تكفير أحد من المخالفين فيما ليس من الأصول المعلومة من الدين ضرورة. فافهم
4- ينبغي حمل هذه العبارة على من قال بخلق القرآن ففي كتاب “السنن الكبرى” للبيهقي. قال مانصه: (أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الرحمن السلمي قالا سمعنا أبا محمد جعفر بن محمد بن الحارث يقول سمعت أبا زكريا يحيى بن زكريا يقول سمعت المزني يقول القرآن كلام الله غير مخلوق (أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو محمد المزني قال سمعت يوسف بن موسى المروروذي سنة خمس وتسعين ومائتين يقول كنا عند أبي إبراهيم المزني بمصر جماعة من أهل الخراسان وكنا نجتمع عنده بالليل فنلقى المسألة فيما بيننا ويقوم للصلاة فإذا سلم التفت إلينا فيقول أرأيتم لو قيل لكم كذا وكذا بماذا تجيبونهم ويعود إلى صلاته فقمنا ليلة من الليالي فتقدمت انا وأصحاب لنا إليه فقلنا نحن قوم من أهل خراسان وقد نشأ عندنا قوم يقولون القرآن مخلوق ولسنا ممن يخوض في الكلام ولا نستفتيك في هذه المسألة الا لديننا ولمن عندنا لنخبرهم عنك بما تجيبنا فيه فقال القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال إن القرآن مخلوق فهو كافر (قال الشيخ رحمه الله) فهذا مذهب أئمتنا رحمهم الله في هؤلاء المبتدعة الذين حرموا التوفيق وتركوا ظاهر الكتاب والسنة بآرائهم المزخرفة وتأويلا تهم المستنكرة وقد سمعت أبا حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ يقول سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول لما قرب حضور أجل أبى الحسن الأشعري رحمه الله في دارى ببغداد دعاني فقال اشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة لان الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا اختلاف العبارات. انتهى
فيتبين من نص البيهقي أن الإمام أبا الحسن الأشعري خص قوله ” لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة لان الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا اختلاف العبارات” بمسألة خلق القرآن وكلامه محمول على الذين قالوا بخلق القرآن و لا يعنون بكلامهم كلام الله الذاتي بل مرادهم اللفظ المنزل الذي هو مخلوق. فهؤلاء يطلقون القول بخلق القرآن و مرادهم اللفظ المنزل, وهو حرام اطلاقه لأنه سوء أدب مع السلف و ليس كفرا. أما من يقول القرآن مخلوق و مراده بالقرآن كلام الله الأزلي فلا شك أن الإمام الأشعري يكفره لأنه جهل صفة من صفات الخالق وقد نقل أبو بكر بن فورك في كتابه “مقالات الإمام الأشعري” أن أبا الحسن قال: “الجهل بصفة من صفات الله كفر”.
وقال الباقلاني في الانصاف ما نصه: إن قال قائل وما الكفر عندكم؟ قيل له: هو ضد الإيمان وهو الجهل بالله عز و جل و التكذيب به, الساتر لقلب الانسان عن العلم به . انتهى
ومما يُؤيد ذلك ما رواه الإمام ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري. و لأهميته ارتأينا أن نسوقه كاملا لتوضيح السياق. قال رحمه الله في الصحيفة 409 ما نصه: ثم ذكر ابن أبي زيد تشنيع علي بن أحمد البغدادي على الأشعري في مسئلة اللفظ ثم قال ابن أبي زيد في الرد على البغدادي: والقارىء إذا تلا كتاب الله لو جاز أن يقال أن كلام هذا القارىء كلام الله على الحقيقة لفسد هذا لأن كلام القارىء محدث ويفنى كلامه ويزول وكلام الله ليس بمحدث ولا يفنى وهو صفة من صفاته وصفته لا تكون صفة لغيره وهذا قول محمد بن اسماعيل البخاري وداود الأصبهاني وغيرهما ممن تكلم في هذا وكلام محمد بن سحنون إمام المغرب وكلام سعيد بن محمد بن الحداد وكان من المتكلمين من أهل السنة وممن يرد على الجهمية. ثم ذكر حكاية أحمد ابن حنبل رحمه الله مع أبي طالب التي أخبرنا بها الشيخان أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي وأبو الحسن عبيد الله بن محمد بن احمد البيهقي, قالا ثنا ابو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي قال ثنا ابو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن ابي عمر قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال سمعت أبا بكر محمد بن اسحق يقول سمعت أبا محمد فوران يقول جاءني صالح بن أحمد وأبو بكر المروروذي عندي فدعاني إلى ابي عبد الله وقال لي إنه قد بلغ أن ابا طالب قد حكى عنه إنه يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق فقوموا إليه فقمت واتبعني صالح وأبو بكر. فدار صالح من بابه فدخلنا على أبي عبد الله ووافانا صالح من بابه فإذا أبو عبد الله غضبان شديد الغضب يتبين الغضب في وجهه فقال لأبي بكر إذهب جئني بأبي طالب فجاء أبو طالب وجعلت أسكن أبا عبد الله قبل مجيء أبي طالب وأقول له حرمة فقعد بين يديه وهو يرعد متغير الوجه فقال له أبو عبد الله حكيت عني أني قلت لفظي بالقرآن غير
مخلوق قال إنما حكيت عن نفسي فقال له لا تحك هذا عنك ولا عني فما سمعت عالما يقول هذا وقال له القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف, فقلت لأبي طالب وأبو عبد الله يسمع: أن كنت حكيت هذا لاحد فأذهب حتى تخبره أن ابا عبد الله قد نهى عن هذا. قال ابن ابي زيد: وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل به يقتدي وقد أنكر هذا وما انكر أبو عبد الله أنكرناه, فكيف يسعك أن تكفر رجلا مسلما بهذا ولا سيما رجل مشهور إنه يرد على أهل البدع وعلى القدرية الجهمية متمسك بالسنن مع قول من قاله معه من البخاري وغيره فلو ذكرت أمرا يجب تكفير قائله عند أهل السنة كان لك ذلك لأن لا تعتقد أنا نقلد في معنى التوحيد والاعتقادات الأشعري خاصة ولكن لا يحل لنا أن نكفره أو نبدعه إلا بأمر لا شك فيه عند العلماء وإذا رأينا من فروع أقاويله شيئا ينفرد به تركناه ولا نهجم بالتضليل والتبديع بما فيه الريب وكل قائل مسؤول عن قوله وما مثال تشنيع هذا المعتزلي الغليظ الفظ على أبي الحسن رحمه الله في مسئلة اللفظ إلا كتشنيع رافضي على رجل من أهل السنة بتنقصه لمروان وهو يستجيز لنفسه لعن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لأن هذا المعتزلي وأهل مذهبه يدينون بخلق القرآن فكيف يشنع على من يرى خلق الألفاظ به والألحان. ولكنه لما لم يتجاسر على إظهار ما كان يضمره ويدعو إليه منه موه على اهل المغرب بما ظنه يكون سببا لنفورهم عنه فلم يلتفتوا للاستضلاعهم بالعلم إلى تمويهه ووجهوا قول الأشعري في اللفظ على احسن وجوهه فان قلد الأهوازي المعتزلة وأطلق القول بتكفيره لشدة جهله فإن الأشعري كان لا يرى تكفيره ولا تكفير أحد من أهل القبلة – أي بذنب – لسعة فضله وقد تقدمت عنه في ذلك حكاية زاهر بن أحمد وهي الحكاية التي ينبغي أن يصار إليها في التكفير ويعمد لأنه القول الأخير الذي مات عليه وأكثر المحققين من أصحابه ذهب إليه, فأما الأصحاب فانهم مع اختلافهم في بعض المسائل مجمعون على ترك تكفير بعضهم بعضا بخلاف من عداهم من سائر الطوائف وجميع الفرق فانهم حين اختلفت بهم مستشنعات الأهواء والطرق كفر بعضهم بعضا ورأى تبريه ممن خالفه فرضا وظهرت منهم إمارات المعاداة والتباغض كما عرف من فرق المعتزلة والخوارج والروافض وما ذلك إلا من أمر الله عزوجل عليهم وإحسانه في الائتلاف مع وجود الإختلاف إليهم. انتهى.
فالأشعري رحمه الله كان يحكم بكفر جميع أهل الأهواء من غير تفصيل لكن الامام ابن عساكر أكد أن القول الأخير الذي مات عليه هو التفصيل بحسب مقالاتهم و ترك اكفار من لم تصل بهم بدعتهم إلى حد الكفر. فالمعتزلة الذين كانوا يقولون أن القرآن مخلوق و يقصدون به اللفظ المنزل تراجع رحمه الله عن اكفارهم, و أما الذين يطلقون هذه العبارة و يقصدون بها كلام الله الذي هو صفة ذاته فالأشعري حاكم بكفرهم لم يتراجع قط عن ذلك. قال ابن عساكر في تبيين كذب المفتري عن الأشعري أنه قال: فإن كثيرا من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على أرائهم تأويلا لم ينزل الله به سلطانا ولا أوضح به برهانا ولا نقلوه عن رسول رب العالمين ولا عن السلف المتقدمين فخالفوا رواية الصحابة عن نبي الله صلى الله عليه و سلم في رؤية الله بالأبصار وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين وجحدوا عذاب القبر وان الكفار في قبورهم يعذبون وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا إن هذا إلا قول البشر فزعموا أن القرآن كقول البشر. انتهى
فلو كان هؤلاء فسقة فقط لما قال عنهم الأشعري أنهم اخوان المشركين.
5- هؤلاء المحرفون الذين يزعمون الانتساب لمذهب الأشعري من جملة تمويهاتهم أنهم يقولون: ” من قال أن الله جسم لا كالأجسام لا يكفر أما إذا قال الله جسم كالأجسام فهو كافر” وهو مع كونه باطلا يلزم منه التناقض في أقوالهم لأنهم متمسكون برجوع الأشعري عن إكفار أهل القبلة مطلقا. فعلم أنهم تائهون اقتفوا نهج أحبابهم المشبهة فكلاهما زعم أن الأشعري ترجع عما ذهب إليه, وذلك لنصرة مذهبه الفاسد.
فأهل الأهواء الذين تأولوا في القطعيات و نسبوا الجسمية لله سبحانه و تعالى وكذلك الذين نفوا صفات الله الواجبة له إجماعا ليسوا معذورين عند جمهور أهل السنة الأشاعرة فيُحكم عليهم جميعا بالكفر.
قال الإمام الجويني في كتاب “التلخيص” ما نصه: وكذلك من كفر من أهل القبلة وصدر منه ما يوجب تكفيره فهو مردود الشهادة وإن كان من المتأولين المنتمين إلى أهل القبلة وذهب بعض العلماء إلى ان من بدر منه الفسق وهو متأول ظان أنه مباح فذلك لا يوجب رد شهادته إذا كان مشهرا بالصدق وتوقي الخلف وذلك نحو قتل الخوارج الناس واستحلالهم الأموال والدماء على اعتقاد الإباحة مع استشهادهم بتوقي الخلف ومصيرهم إلى أنه كفر، والمختار عندنا رد شهادتهم لكفرهم وما يبدر منهم من فسقهم وإن اعتقدوه حسنا ، والذي يحقق ذلك اتفاق الأمة على أن تأويلهم وظنهم وحسابهم لا يعذرهم فيما يبدر منهم ولكن اعتقاد الحسن فيما أجمع المسلمون على قبحه إذا انضم إلى القبيح كانا قبيحين منضمين لا يقدر انفصال أحدهما من الآخر إجماعا واتفاقا وكذلك القول في الكفر وتأويله ولو ساغ أن يعذر المأولون ساغ أن يعذر أهل الملل. انتهى
6- العز بن عبد السلام لم يشذ عن اجماع أهل السنة في تكفير الجهوي والمجسم، ولا خالف إمام مذهبه أبي الحسن الأشعري
راجع الرابط التالي
https://www.facebook.com/share/1AFt9cEize/
لكن ينبغي التنبيه أن العز بن عبد السلام نسبت إليه عدة فتاوى مكذوبة.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1BvGnTG2bB/
ثم إن ما يُنسب للعز ابن عبد السلام على تقدير صحته فقد تعقبه فيه الكثير من العلماء.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/1EU5U8Pj1E/
والأرجح أنه مدسوس عليه
وراجع الرابط التالي أيضا:
https://www.facebook.com/share/p/19xiEeprFN/
تذبذب سعيد فودة في هذه المسألة
بعد كل هذا البيان ننقل ما قاله بعض أدعياء العلم في هذا الزمان وهو سعيد فودة في مقالة له بعنوان “تحرير كلام أئمة أهل السنة-المتقدمين والمتأخرين في الحكم على أهل الأهواء والبدع” كان قد كتبها في المنتدى المسمى بمنتدى الأصليين, ونص عبارته: “الإمام الأشعري مات على القول بعدم تكفير أحد من أهل القبلة، وأهل القبلة يندرج فيهم أهل الأهواء من المعتزلة والمشبهة وغيرهم، وإن فصل علماء الأشاعرة في هذا الإطلاق كما سنورده، فبعضهم استثنى المجسم الصريح والقائل بعدم علم الله تعالى بما سيكون ونحو ذلك لأنه لا يقال عليه إنه تأويل وشبهة ، بل انحراف عن النص الصريح. وسنفصل في أقوالهم في ذلك لاحقا إن شاء الله تعالى. وقد قرر الإمام ابن عساكر أن هذا القول قد ذهب إليه أكثر المحققين من أصحابه، أي من أصحاب الإمام الأشعري. ويفهم من هذا أن الإمام الأشعري كان يذهب قبل ذلك إلى تكفير بعض أهل القبلة من أهل الأهواء الذين ذكرناهم، وهذا ما يفهم من قول ابن عساكر:” وقد تقدمت عنه في ذلك حكاية زاهر بن أحمد وهي الحكاية التي ينبغي أن يصار إليها في التكفير ويعمد لأنه القول الأخير الذي مات عليه وأكثر المحققين من أصحابه ذهب إليه.”اهـ، فمعنى ذلك أنه كان يذهب إلى خلاف ذلك من قبل. ويؤخذ أيضا من قول ابن عساكر أن بعض أصحاب الإمام الأشعري، وبعض المحققين منهم من ذهب إلى تكفير أهل الأهواء أو بعضهم، فأخذ بقول الإمام الأشعري السابق. إذن هذا نص صريح في أن للإمام الأشعري قولين، الأول هو التكفير والثاني عدم التكفير، بل التبديع، ويفهم التبديع من لعنه للمعتزلة في الرواية التي سقناها سابقا عنه رحمه الله تعالى، وهي قوله:” لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا”اهـ. فأقل ما يكون عليه اللعن التبديع، ولما نفى التكفير، ثبت التبديع لهم، ولا يصح تسويتهم بأهل السنة في الاعتقاد وحقيته، ثم إن هذا الكلام لم يأخذه بعض العلماء على إطلاقه، بل قيدوه كما سنرى. انتهى
وهذا الكلام الذي قاله نعقب عليه في ثلاث نقاط:
أولا: هذا الكلام فيه رد على أتباعه الذين صاروا ينشرون بين الناس أن الأشعري لا يكفر أحدا على الاطلاق.
ثانيا: زعم أن الإمام الأشعري مات على القول بعدم تكفير أحد من أهل القبلة من أهل الأهواء بعد أن كان يذهب إلى تكفيرهم ثم قال أن هذا الكلام لم يأخذه بعض العلماء على إطلاقه، بل قيدوه.
ثالثا: زعم أن للإمام للأشعري قولين في الحكم على أهل الأهواء و لو كانت مقالاتهم كفرية: الأول هو التكفير والثاني عدم التكفير، بل التبديع فقط. وهو كلام باطل لأن ما يُنقل من قولين عن أئمة الأشعرية في الحكم على أهل الأهواء مرادهم به أن بعضهم مال إلى اكفارهم بلا استثناء و بعضهم الآخر مال إلى التفصيل في الحكم عليهم. فمن وصلت بدعته إلى حد الكفر كفروه و إلا حكموا بتفسيقه دون تكفيره
قال الزركشي : وأطلق الآمدي في التكفير حكاية قولين، ثم قال: والحق التفصيل وهو إن كان من البدع المضللة والأقوال الممكنة يرجع إلى اعتقاد وجود غير الله تعالى وحلوله في بعض الأشخاص، كالنسبة لبعض غلاة الشيعة، أو إلى إنكار الرسالة أو إلى استباحة المحرمات فلا نعرف خلافا بين المسلمين في التكفير به، وأما ما عدا ذلك من المقالات المختلفة فلا يمتنع أن يكون معتقدها مبتدعا غير كافر. انتهى
فكلام سعيد فودة هذا متدافع أوله مع أخره, فهو يحمل قول الأشعري: ” اشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة” على اطلاقه و بلا تقييد بحادثة معينة. ثم يقول في نفس المقال: “من قال: إن الله ليس بعالم، كفر بإجماع الأمة على تكفيره” فهل عنده الأشعري داخل في هذا الاجماع أم خارج عنه باعتبار أنه تاب بزعمه. ثم إن ما قاله سعيد فودة, إذا أضفنا له ما نقله عن بعض العلماء من تفصيل لهذه العبارة و ما نسبه من قولين للامام الأشعري في الحكم على أهل الأهواء, صار كلامه مظطربا لأنه يؤول إلى اثبات أقوال متناقضة في قضية واحدة.
فعنده الذي يقول مثلا عن الله أنه جسم. بحسب خلاصة سعيد فودة الفاسدة هذا القول له عدة أحكام:
الحكم الأول: أنه ليس بكفر مطلقا لأن الأشعري قال : ” لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة ” بل لو قال الله له جسم من لحم و دم لا يكون كفرا عنده.
الحكم الثاني: التفصيل و الاستثناء: وهو كما زعم سعيد فودة:التجسيم الصريح كفر و غير الصريح كالذي يقول الله جسم لا كالأجسام فهو ليس بكفر.
الحكم الثالث: في المسألة قولين قول أن هذه العبارة كفر و قول أنها ليست كفرا.
وهذا الكلام ليس من التحقيق في شئ. أهل السنة و الجماعة يقولون هذه الرواية إن صحت عن الأشعري فهي متعلقة بمسألة خلق القرآن كما في سنن البيهقي و يُحمل اطلاقه للعبارة على هذا المحمل لوجود القرينة, لا أن يُحمل كلام الأشعري على اطلاقه ثم تُعرض له بعد ذلك استثناءات.
ثم إن أهل السنة في حكمهم على أهل الأهواء قسمين: قسم منهم كان يحكم باكفار جميع أهل الأهواء بلا استثناء. و قسم مال إلى التفصيل, فمن ثبتت عنده قضية كفرية حكموا بكفره و من ثبتت عنده قضية دون ذلك فسقوه فقط. و لعل الأشعري رحمه الله كان من القسم الأول الذين يحكمون بكفر جميع أهل الأهواء بلا استثناء ثم مال في آخر حياته إلى التفصيل. أما على مقتضى كلام سعيد فودة فإن الإمام الأشعري كان يقول بتكفير من تلبس بمسألة كفرية ثم تراجع بعد ذلك و العياذ بالله وصار يقول بترك تكفيره. هذا الكلام باطل عن الأشعري.
فقول الأشعري “لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة” ليس مراده بذلك أنه لا يكفر أحدا حتى لو كانت القضية كفرية أو أن هناك قولين في المسألة كما يدعي هذا الرجل بل مراده بذلك كل بدعة لم تصل إلى حد الكفر. و يشهد لذلك ما قاله الزركشي في شرحه لقول الإمام تاج الدين السبكي”ولا نكفر أحدا من أهل القبلة”: وقد قال والد المصنف – تقي الدين السبكي- رحمهما الله تعالى يعني هذه العبارة: “إنا لا نكفر بالذنوب التي هي المعاصي كالزنا والسرقة وشرب الخمر خلافا للخوارج حيث كفروهم، أما تكفير بعض المبتدعة بعقيدة تقتضي كفره حيث يقضي الحال القطع بذلك أو ترجيحه، فلا يدخل في ذلك، وهو خارج بقولنا: بذنب” انتهى
و ما أشبه كلام هؤلاء المتعصبين الذين قالوا: “تراجع الأشعري عن التكفير مطلقا” بكلام علي بن حزم الظاهري الذي نقل بزعمه عن الأشاعرة ما لا يتسنى معه القول بتكفير أحد أصلا ، فقد قال في الفصل في الملل والأهواء والنحل ما نصه: وأما الأشعرية فقالوا : إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم ، وإعلان التكذيب لهما باللسان بلا تقية ولا حكاية ، والإقرار بأنه يدين بذلك ليس شئ من ذلك كفرا. انتهى
وقد رد السبكي الابن على ابن حزم فقال عن كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل ما نصه ” وكتابه هذا الملل والنحل من شر الكتب وما برح المحققون من أصحابنا ينهون عن النظر فيه لما فيه من الإزراء بأهل السنة ونسبة الأقوال السخيفة إليهم من غير تثبت عنهم والتشنيع عليهم بما لم يقولوه وقد أفرط في كتابه هذا في الغض من شيخ السنة أبي الحسن الأشعري وكاد يصرح بتكفيره في غير موضع وصرح بنسبته إلى البدعة في كثير من المواضع وما هو عنده إلا كواحد من المبتدعة والذي تحققته بعد البحث الشديد أنه لا يعرفه ولا بلغه بالنقل الصحيح معتقده وإنما بلغته عنه أقوال نقلها الكاذبون عليه فصدقها بمجرد سماعه إياها وتعدى إلى آخر كلامه
*****
6- العز بن عبد السلام لم يشذ عن اجماع أهل السنة في تكفير الجهوي والمجسم، ولا خالف إمام مذهبه أبي الحسن الأشعري
قال العز بن عبد السلام في كتابه مقاصد الصلاة صحيفة 21 ما نصه: و الشرك يطلق باعتبارات:
احدهما اﻹﺷﺮاك ﻓﻲ اﻷﻟﻮهية : وﻧﻔيه ﺑﺎﻻﻋﺘﺮاف أنه ﻻ إله ﺳﻮاه، ﻓﺘﺒﺮأ ﻣﻦ ذﻟﻚ ﻣﻦ اﻟﻨﺼﺎرى وﻋﺒﺪة اﻷوﺛﺎن
اﻟﺜﺎﻧﻲ: اﻹﺷﺮاك ﺑﺎﻟﺘﺸبيه: وﻧﻔيه ﺑﺎﻻﻋﺘﺮاف ﺑﺄن ” ليس كمثله شئ وهو السميع العليم” ، ﻓﺘﺒﺮأ ﺑﺬﻟﻚ ﻣﻦ اﻟﺤﺸﻮية وأﺿﺮاﺑهم. انتهى
و قال العز بن عبد السلام في رسالته للسلطان الأشرف: ومذهبنا: أن كلام الله سبحانه قديم أزلي قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، كما لا يشبه ذاته ذات الخلق، ولا يتصور في شيء من صفاته أن تفارق ذاته؛ إذ لو فارقته لصار ناقصا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا! وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، وصفة الله القديمة ليست بمداد للكاتبين، ولا ألفاظ اللافظين، ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدين، وخرج عن عقائد المسلمين، بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي “وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون “[الأنبياء:112]. انتهى
نقله الإمام تاج الدين السّبكي في طبقات الشافعية الكبرى في ترجمة سلطان العلماء.
وقال العز بن عبد السلام في فتاويه :”القرءان كلام الله صفة من صفاته قديم بقدمه ليس بحرف ولا أصوات ومن زعم أن الوصف القديم هو عين أصوات القارئين وكتابة الكاتبين فقد ألحد في الدين وخالف إجماع المسلمين بل إجماع العقلاء من غير أهل الدين، ولا يحل للعلماء كتمان الحق ولا ترك البدع سارية في المسلمين ويجب على ولاة الأمور إعانة العلماء المنزهين الموحدين، وقمع المبتدعة المشبهين المجسمين، ومن زعم أن المعجزة قديمة فقد جهل حقيقتها، ولا يحل لولاة الأمور تمكين أمثال هؤلاء من إفساد عقائد المسلمين ويجب عليهم أن يلزموهم بتصحيح عقائدهم بمباحثة العلماء المعتبرين، فإن لم يفعلوا ألجئوا إلى ذلك بالحبس والضرب والتعزير والله اعلم” انتهـى
هذا وقد نسب الحافظ الكبير ملاّ علي القاري في شرحه على الفقه الأكبر (انظر صحيفة 333 طبعة دار البشائر). للعزّ ابن عبد السّلام أنه نقل في كتابه “حل الرموز” في علم التصوف تفسير ما قاله الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأبسط: “من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر, وكذا من قال إنه على العرش, و لا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض” قال ابن عبد السلام: ” لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا, ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه” انتهى
وقد ارتضى ملاّ علي القاري من العز بن عبد السلام هذا التفسير وقال ” ولا شك أن ابن عبد السلام من أجلّ العلماء وأوثقهم، فيجب الاعتماد على نقله”. انتهى
وليس بمستبعد أن يكون هذا الكتاب من تأليف سلطان العلماء فقد قال ابن السبكي في طبقاته (8/ 214-215) ما نصه: “وقد كان الشيخ عز الدين لبس خرقة التصوف من الشيخ السُّهروردي، وأخذ عنه، وذُكر أنه كان يقرأ بين يديه “رسالة القشيري” .ثم قال ابن السبكي: “وقد كان الشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف وتصانيفه قاضية بذلك”.
و حتى على تقدير أن كتاب حل الرموز لم تثبت نسبته لسلطان العلماء وأنه للشيخ عز الدين المقدسي فهذا لا يُعكر علينا المسألة لأن الطّحاويّ نقل الإجماع على كفر المجسّم و الجهوي قبل ولادة ابن عبد السلام بنحو 300 سنة و الإجماع منعقد بأهل السّلف فقد قال الطّحاويّ هذا ذكر بيان عقيدة أهل السّنة و الجماعة أي هذا إجماع ثمّ قال: “و من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر”. و الإجماع إذا انعقد لا يصح و لا يجوز مخالفته وهو حجة كما قال العز بن عبد السلام في كتابه ﺗﻔسير اﻟﻘﺮآن اﻟﻌظيم جزء 2 صحيفة 567 – ﺗﺤقيق اﻟﺸﺎﻣسي ونص عبارته: ﻗﻮله صلى الله عليه وسلم: “وإنﱠ ﻣﻦ أﻣﺘﻲ ﻗﻮﻣًﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻖﱢ ﺣﺘﻰ ينزل عيسى. وفيها دليل ﻋﻠﻰ أن إﺟﻤﺎع ﻛﻞ ﻋﺼﺮ ﺣﺠﺔ”.
التحذير من فتوى منسوبة إلى سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام المتوفى سنة 660 هجري في مسألة الاستواء
تُنسب إلى الإمام العزّ بن عبد السلام فتوى في مسألة الاستواء، أوردها الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هجري بخط يده ونقلها عنه بعض الباحثين، جاء فيها أنّه سُئل: «من قال: من أنكر أن الله استوى على العرش فهو كافر»، فأجاب: «نعم، من اعتقد ذلك فهو كافر، لأن الله تعالى نصّ في كتابه على الاستواء في مواضع عدة، منها قوله سبحانه: ﴿ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2، طه: 5، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4]. أما من زعم أنّ المراد بالاستواء الاستقرار على نحو استقرار الأجسام، فقد وقع الخلاف في تكفيره. ومن أولّه بتأويل صحيح في لغة العرب، يليق بجلال الله تعالى، فهو مصيب. وكذلك من قال: أؤمن بأن الله استوى على العرش كما أخبر، ولا أعلم حقيقة المراد بذلك، لكني أنفي عنه استقرار الأجسام، فهو أيضًا مصيب، ولا يجوز تكفيره».
غير أنّ هذه النسبة إلى العزّ بن عبد السلام تفتقر إلى الإسناد الصحيح، ولا يثبت عنه صدورها، إذ إنّ ابن حجر نقلها بعد وفاة العزّ بأكثر من قرن ونصف. وتزداد خطورة الأمر في تضمين هذه الفتوى المزعومة دعوى وجود خلاف في تكفير من يفسّر الاستواء باستقرار الأجسام، وهي دعوى باطلة، إذ إنّ تكفير المجسّم الذي يصرّح بالتشبيه قولا واحدا محلّ إجماع، ولا يُعرف فيه خلاف معتبر، لأن عبارة «كما تستقر الأجسام» تستلزم التشبيه الصريح، وهو مناقض للتنزيه.
وقد صرّح العزّ بن عبد السلام نفسه في مواضع متعددة من مؤلفاته بتكفير المجسّمة، ومن ذلك ما ورد في كتابه مقاصد الصلاة صحيفة 21 حيث قال:
«والشرك يطلق باعتبارات: أحدها: الإشراك في الألوهية، ونفيه بالإقرار بأنه لا إله سواه، فيتبرأ بذلك من النصارى وعبدة الأوثان.
والثاني: الإشراك بالتشبيه، ونفيه بالإقرار بأنه ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، فيتبرأ بذلك من الحشوية وأضرابهم».
وعليه، فالفتوى المذكورة موضوعة على سلطان العلماء، ويجب التحذير من الاستدلال بها أو نسبتها إليه دون تحقق علمي موثّق.

رد بعض الشبهات حول العز بن عبد السلام في ترك اكفار المجسم – الجزء الأول-
الشبهة الأولى: بيان ما يُنقل عن العز بن عبد السلام من تركه تكفير الجهوي
ما قاله العز بن عبد السلام في قواعده من ترك تكفير الجهوي نقله عنه غير واحد من العلماء: كالشيخ محمد بن خليفة الأبي التونسي المتوفى سنة 728 هـجري، حيث قال في تقييده عن شيخ الإسلام بالمغرب الإمام ابن عرفة في أول سورة طه ما نصه: “واختار عز الدين ابن عبد السلام عدم تكفير من يقول بالجهة.” انتهى
وكذلك نقله عن ابن عبد السلام الشيخ ابن عرفة المتوفى سنة 803 هجري و تلميذه أبو العباس البسيلي التونسي المُتوفى سنة 830 هجري فقد قال في تقييده على ابن عرفة ايضا: “واختار الشيخ عز الدين عدم تكفير من يقول بالجهة, ونسب القول بالتجسيم لابن تيمية من فقهاء المشرق. انتهى
وكذلك نقل كلام ابن عبد السلام، الامام البرزلي المتوفى سنة 844 هجري و الشربيني المتوفى سنة 977 هجري و الرملي المتوفى سنة 1004 هجري و غيرهم من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم كاللقاني و غيره. وكل هؤلاء مع نقلهم لكلام ابن عبد السلام فهم لم يعتمدوا رأيه ولا أقروه على ذلك لأن كثيرا من الفقهاء تجدهم ينقلون في كتبهم حتى مقالات الفرق المخالفة ولا يعقبون عليها.
ثم هؤلاء العلماء ليسوا معاصرين للعز ابن عبد السلام، فنسبتهم لتلك المقالة إليه لا تثبت بصفة قطعية و يكون اعتمادهم فقط على ما وجدوه في مخطوط كتاب القواعد، و امكانية الدس فيه واردة جدا لكثرة اعداء سلطان العلماء في حياته و بعد مماته. بل لم يثبت عن واحد من تلاميذ العز بن عبد السلام كابن دقيق العيد وشهاب الدين القرافي و أحمد بن فرح الأشبيلي وشرف الدين الدمياطي و أبو شامة وغيرهم أنهم نقلوا عنه تلك المقالة.
ثم هذا الكلام المنسوب للعز بن عبد السلام – ان صح عنه – فهو مخالف لكلام شيخه الآمدي في كتابه “الإحكام” عند كلامه على شروط الرواية و نص عبارته: “الشرط الثاني أن يكون مسلما، وذلك لأن الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الإسلامية كاليهودي والنصراني ونحوه أو هو منتم إليها كالمجسم” انتهـى
وقد عقب الشيخ محمد زاهد الكوثري في مقالاته في الصحيفة 261 على كلام العز فقال: “نعم يعد ابن عبد السلام في قواعده الكبرى العامي معذورا في الكلمة الموهمة لكن ناقشه المقبلي في ذلك, وعلى كل حال لا يرضى هؤلاء – أي مشبهة عصره – أن يعدوا من العامة ليعذروا في كلماتهم الشاطحة, وقد ملأت مؤلفاتهم البقاع, فلا محيص في عدهم واعين لما نطقوا به, فتعيين إلزامهم بما يترتب على تلك التقولات في نظر أهل البرهان الصحيح”. انتهى
فيلاحظ أن الكوثري يرد كلام العز إلى أمرين:
– الأول: حصر الأمر الذي أفتى به العز في الكلمة الموهمة.
– الثاني: فهم المعنى من تلك الكلمات الموهمة.
فكلام العز يتعلق بمن تلفظ الكلمة و لم يدري معناها بدليل قوله في قواعد الأحكام (2/102) ما نصه: “فصل فيمن نطق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه: فإذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو أيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو صلح أو إبراء لم يؤاخذ بشئ من ذلك, لأنه لم يلتزم مقتضاه و لم يقصد إليه, وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بشئ من ذلك لأنه لم يرده. انتهى
أما أولئك المنتسبين للأشعرية صاروا يعتذرون لعوام المجسمة و علمائهم بظاهر كلام ابن عبد السلام. فما وافقت أقوالهم نصوص العلماء في إكفار الجهوي و لا وافقوا كلام العز الذي خص كلامه بالعوام الذي يطلقون كلاما موهما لا يفهمون معناه.
و يُؤيد كلامنا ما قاله الشيخ محمد الخضر الشنقيطي المالكي في كتاب “إستحالة المعية بالذات و ما يضاهيها من متشابه الصفات” صحيفة 319 لما تكلم عن الجارية التي ضربها سيدها ونص كلامه: وقد قال في الفتح ان وجه ثبوت إيمانها ( أي الجارية) بذلك القول هو أن من أتى بلفظ يدل على التجسيم لا يكون به مؤمنا إلا ان كان عاميا لا يفقه معنى التجسيم فيكتفي منه بذلك كما في قصة الجارية. انتهى
فلاحظوا يرحمكم الله قوله: “إلا ان كان عاميا لا يفقه معنى التجسيم” قيد في ترك تكفير العامي الذي لا يفقه معنى كلمة جسم و يظن أن لها معنى آخر كالوجود مثلا.
وليس في كل مرة يسلم العامي من التكفير فقد قال الإمام السنوسي في شرحه لعقيدته الكبرى ما نصه: أما العامة فأكثرهم ممن لا يعتني بحضور مجالس العلماء ومخالطة أهل الخير، يتحقق منهم اعتقاد التجسيم والجهة وتأثير الطبيعة، وكون فعل الله لغرض، وكون كلامه جل وعلا حرفاً وصوتاً، ومرة يتكلم ومرة يسكت كسائر البشر، ونحو ذلك من اعتقادات أهل الباطل، وبعض اعتقاداتهم أجمع العلماء على كفر معتقديها. انتهى
ولله در ابن عرفة حيث أنكر في كتابه الشامل في علم الكلام على من نسب القول بالجهة إلى بعض العلماء وعده كفرا فقال: ” نقل عياض في آخر كتاب الصلاة من “الإكمال” ما نصه: الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى “ءامنتم من في السماء” أولها من قال باثبات الجهة فوق له تعالى, من غير تحديد و لا تكييف من دهماء المحدثين و الفقهاء و بعض المتكلمين من الأشعريين و المشبهة بمعنى “على”. فعزا ما جعله الإمام ملزوما للكفر إلى من ذكر من الأشعرية و غيرهم, ما أدري على من اعتمد في نقله هذا. و قد اغتر بعض الجهلة ممن يرى يدا لنفسه مشاركة في العلوم في قوله بالجهة لله تعالى. انتهى
أما اليوم فقد كثُر هؤلاء الجهلة ممن يرون لأنفسهم أيادي مُشاركة في العلوم فصاروا يعتذرون للعوام و لمن ينتسب للمشيخة من القائليين بالجهة في حق الله.
وفيما يلي ذكر بعض العلماء الذين ردوا على العز بن عبد السلام:
أ- الإمام البلقيني: قال الرملي في حاشيته 1/ 219 ما نصه: وقال ابن عبد السلام في القواعد : إنه الأصح (أي ترك تكفير الجهوي) بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب (الرملي) وكتب أيضا. قال البلقيني الصحيح , أو الصواب خلاف ما قال. انتهى
والبلقيني رحمه الله كان من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي. قال عنه الزبيدي في تاج العروس عند شرحه لكلمة “بلقن” ما نصه: منها علامة الدنيا صاحبنا سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان (أي البلقيني)
ب- الشيخ صالح بن مهدي المقبلي: نقل الإمام محمد زاهد الكوثري في مقالاته صحيفة 261 ما نصه: “نعم يعد ابن عبد السلام في قواعده الكبرى العامي معذورا في الكلمة الموهمة لكن ناقشه المقبلي “. انتهى
وقال في الصحيفة 267 ما نصه: ” وإن العز بن عبد السلام يعذر –في قواعده- من بدرت منه كلمة موهمة لكنه يريد بذلك العامي الذي تخفى عليه مدلولات الألفاظ، وتعلو على مداركه دقائق علم أصول الدين، ويتهيب الولوج في هذه المضايق، لا من ألّف وقام يدعو الناس إلى عقيدة التجسيم بهذه الصراحة، فيجب إلزامه مقتضى كلامه بدون توقف,بل يقول القرطبي المفسر في التذكار إن المجسم عابد صنم. و المقبلي يرد على ابن عبد السلام رأيه و يقول إنه رأي منه لا دليل عليه و ليس أحد يعذر فيما يوجب الكفر”. انتهى
ج- الشيخ الأصولي الحافظ عبد الله الهرري، حيث اعتبر أن ذلك مما دُس عليه. لكن أنكر عليه الشيخ سعيد فودة وقال: “فكيف تجرأ هذا المتجرئ على ادعاء الدسِّ هكذا بلا برهان ولا بينة” وعقب على ذلك بقوله: ” وإن هذا الفعل يفتح باب التشكيك في كتب الإسلام على سبيل العموم” وزعم أن كلام العز قرأه كبار العلماء ومنهم تلامذته والقريبون من زمانه كالقرافي”. انتهى
وما قاله الهرري له حظ من النظر، فهو رحمه الله اعتبر تلك المقالة مما دُس على سلطان العلماء لأنه مناقض لما قاله في بعض كتبه من اكفار للمجسم. وإلا فقد نُسب لابن عبّاس و ابن الجوزيّ و الزّبيديّ وغيرهم مُؤلّفات ليست من تصانيفهم، ودُس على الغزالي في كتبه كما ذكر ذلك السكوني، ودُس على الأشعري كما ذكره الكوثري، ودُس على ابن العربي أيضا كما بينه الشعراني؟
أليس ثبت أن المجسمة أرادوا للعز بن عبد السلام الشر في حياته و كادوا له عند السلطان، فماذا سيثنيهم للدس عليه بعد مماته انتقاما منه ولاظهار موافقته لمعتقدهم الفاسد خاصة و قد ذاع صيته في الآفاق؟
وبعد كل هذا نقول: إن ادعاء الدس أهون من الدس نفسه و تحريف كلام العلماء. فقد علق سعيد فودة على كتاب “أَجــْوبــــَـةُ إمـَـــامِ الـحَــرَمَيـــــنِ الـجُــوَيـــْنـِــيّ على أَسئـلــةِ. الإمــَامِ عَــبــْدِ الـحَــقِّ الصّــقِـلّـي ” الذي اعتنى بضبط نصه “جلال علي الجهاني”. وصدرا الكتاب بعنوان عجيب وهو قولهم:” اثبات سمة العارفين لمن قال ان الله تعالى جسم لا كالأجسام”.
بينما العنوان المطبوع في المعيار المعرب جزء 11 صحيفة 231 نصه كالتالي: “اعتقاد البعض ان الله عظيم كالاجسام العظيمة”.
وهذه مغالطة كبيرة، حيث كان العنوان مناقضا تماما لمضمون كلام إمام الحرمين.
د- النووي و ابن أبي جمرة المالكي: تعقب النووي وابن أبي جمرة كلام العز بن عبد السلام و قيدا كلامه و ضبطا قيود المسألة على وفق قواعد الشرع. فقد قال الشيخ إبراهيم اللقاني: “فائدة: قال عز الدين ابن عبد السلام: معتقد الجهة لا يكفر. وقيده النووي بكونه من العامة، وابن أبي جمرة بعسر فهمهم نفيها، والله أعلم”. انتهى
ومعنى قول اللقاني:”قيده” أي ما تركه على اطلاقه. و مراد النووي بالعامي هنا الذي لا يفهم المعنى من الكلمة التي تلفظ بها . قال أهل الحق: من لم يعلم معنى الجهة في اللغة و الشرع لعُجْمَةٍ في لسانه أو شدةِ جهل بلغة العرب و بمدلولات العبارات فظن أن معناها العظمة و اعتقد أنه إذا قال إن الله في جهة فوق كان معنى ذلك أنه أعلى من كل شىءٍ قدراً، و لم يرد بذلك المكان و لا الحيّزَ، و لا عرف أنّ هذا ما يعنيه لفظه فلا يُكفَّر، و لكنّه يُزجر عن هذا الكلام و يُمنع منه و يُنهى عنه أشدّ النهي فإنه لا يجوز وصف الله الا بما وصف به نفسه سبحانه أي إلا بما ثبتتْ نسبته إليه سبحانه قرءانا او سنّةً او إجماعاً، ووظيفة الجاهل التعلّم لا التصدّر للتكلم.
فالنووي رحمه الله لما علم من مراد العز بن عبد السلام تركه تكفير من أطلق لفظ الجهة في حق الله وهو غير فاهم لمعناها قيد كلامه بكونه من العامة. و يؤكد ذلك ما قاله العز في قواعد الأحكام (2/102): “فصل فيمن نطق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه: فإذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو أيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو صلح أو إبراء لم يؤاخذ بشئ من ذلك, لأنه لم يلتزم مقتضاه و لم يقصد إليه, وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بشئ من ذلك لأنه لم يرده. انتهى
فعند الإمام النووي: غير العامي ممن له إحاطة بمعاني الألفاظ إذا أطلق كلمة الجهة الحسية في حق الله يكفر لأن الجهة تفيد المكان و الحيز.
أما ابن أبي جمرة فقد جعل مراد العز بن عبد السلام متعلقا ببعض العبارات الموهمة للجهة كقول العامي “الله فوق العرش” أو “على العرش” أو “ربي فوق” وقصده بذلك فوقية قهر و استعلاء. فالعامي يعسر عليه نفي معاني هذه الألفاظ عن الله وان كان ظاهرها يوهم الجهة لأنه جازم بأن ما قاله موافق لظواهر النصوص وأن ما يعتقده هو نفي التشبيه و التحيز عن الله, لذلك عبر الإمام ابن أبي جمرة عن هذا القيد بقوله ” بعسر فهمهم نفيها”. وإلا فلا معنى لقول اللقاني: “قيده”.
والشيخ ابن أبي جمرة الأندلسي كان من كبار المالكية توفي سنة 599هـجري، كان فقيهاً حافظاَ من العارفين بأحكام المذهب المالكي، وقد قال في كتابه بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مالها وما عليها – شرح مختصر البخاري- في شرح الحديث الثالث صفحة 35 من الجزء الاول بعد ذكره للمبتدعة وذكر القدرية والجبرية، ما نصه: “ومنهم المجسمة لأنهم يقولون بالجسم والحلول ومعتقد هذا لايصح منه الايمان بعموم اللفظ المذكور في الحديث لانه لا يصح الايمان بمقتضى لفظ الحديث حتى يصح الايمان به عز وجل بمقتضى ما اخبر به عن نفسه حيث يقول {ليس كمثله شئ} وشئ يطلق على القليل والكثير وعلى كل الاشياء فمن خصص هذا العموم وهو قوله {ليس كمثله شئ} لم يصح منه الايمان بعموم لفظ الحديث وان ادعاه لان من لا يعرف معبوده كيف يصح له الايمان به وذلك محال“. انتهى
وبهذه القيود الدقيقة ينبغي أيضا فهم ما قاله الشيخ ابراهيم اللقاني المتوفى سنة 1041 هجري في تقريب البعيد، في معرض كلامه عن التقليد الرديء، و نص عبارته: “والتقليد الرديء منه ما هو مختلف في كفر صاحبه، كتقليد عامة المعتزلة والمرجئة والمجسمة لقدمائهم فيما أتوا به من آراء عقدية منافية لحقائق الأمور، والأرجح عدم كفرهم لمخالفتهم في أمور نظرية ليست معلومة من الدين بالضرورة، تحتاج إلى أنظار دقيقة في بعض الأحيان، وإن بدت إلى البعض أنها من حكم الضروري، ولقد أحسن العز بن عبد السلام حين أفتى بعدم تكفير ملتزم الجهة على الله تعالى”. انتهى
فكلام الشيخ ابراهيم اللقاني هنا يتعلق ببعض عوام الناس المنتسبين للفرق الضالة كالمعتزلة والمجسمة، لا اطلاق الحكم على الدعاة منهم لبدعهم.
وهؤلاء الصنف من العوام هم الذين اختلف علماء أهل السنة في كفرهم، وقد رجح الشيخ اللقاني عدم كفرهم تبعا للعز بن عبد السلام، لعدم فهمهم معاني ما يطلقونه من ألفاظ يلزم منها نسبة الجهة في حق الله، كقول بعضهم مثلا: ” الله في السماء”، فاذا تمت مراجعتهم في مقالاتهم، أنكروا نسبة التحيز في حق الله، وأنكروا ان يكون محصورا أو محمولا، وهذه من المسائل التي تحتاج إلى أنظار دقيقة.
وهذا هو اللُبس الذي وقع فيه بعض الناس فتاهوا في هذه المسألة فلم يعرفوا الفارق بين من ينطق بلفظ “الجسم” أو “جهة فوق” وهو فاهم لمعناها و بين من ينطق بها وهو لا يفهم المعنى أو يظن أن هذين اللفظين تردان في لسان العرب بمعنيين, أحدهما المعنى الكفري الفاسد و الآخر المعنى الذي يوافق العقيدة السليمة. فصاروا يطلقون القول بإيمان كل من نسب الجهة الحسية لله .
فهؤلاء الذين تلقفوا كلام العز بن عبد السلام و جردوه من قيوده ضلوا وأضلوا غيرهم و حكموا باسلام من نسب الجهة الحسية لله ولم يفرقوا بين العامي الذي لا يفهم ما يتلفظ به و بين رؤوس المجسمة الذين ينسبون عن اختيار الجهة لله.
هـ- الأمير الصنعاني: عقب على الكلام الذي يُنسب للعز بن عبد السلام فقال في كتابه ” إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة ” تحقيق محمد صبحي بن حسن حلاق دار ابن حزم ط 1 لعام 1999 – 1420 ص ” 87 إلى 91 ما نصه :” ذكر هذا الدليل -أي تحقيق نفي الجسمية أو تجويزها على الله من قوم موسى الذين عبدوا العجل – ابن عبد السلام في قواعده ، و تابعه -أي تعقبه- العلامة المقبلي فنقله في مؤلفاته حتى نقله في المنار (1/ 68-69) في بحث الشك ، و كنا نراه كلاما حسنا برهة من الدهر – أي كلام ابن عبد السلام- ثم ظهر لنا اختلاله فانه يقال عليه:العجل قد خالف الذات الشريفة في كل صفة من صفات الجسمية و في كل صفة من الصفات العلية بل شاهده بنو اسرائيل يُصنع من حلي القبط و علموه محدثا صنعه السامري جسما محدثا لا يعلم غيبا و لا شهادة و لا يملك ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا و بالجملة علموه على خلاف ما عليه الرب تعالى في كل صفة وقد كانوا مسلمين قبل ذلك, فان كانوا حال اسلامهم جاهلين كونه تعالى غير محدث كما كانوا جاهلين كونه غير جسم و جاهلين كونه على كل شئ قدير و جاهلين كونه عالم الغيب و الشهادة و جاهلين كونه المالك لكل نفع وضر فأي اسلام عندهم و اي رب عرفوه و آمنوا به ؟….” إلى آخره.
وفي الأخير نقول من يصمُّ أذنه عن سماع الحقيقة و يجتزئ ما يوافق هوى نفسه لا ينفع معه ألف دليل.
*******
رد شبهات عن العز بن عبد السلام في ترك اكفار المجسم و بيان أن لازم المذهب مذهب
– الجزء الثاني –
الشبهة الأولى:
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/TTQHJkgcyAhGaycV/?mibextid=xfxF2i
الشبهة الثانية:
يستشهد بعض أدعياء العلم بكلام منسوب للعزّ ابن عبد السّلام ونصه:” مَن كذب على الله من أهل القِبْلة معتقدًا أنه متصفٌ بما اعتقَدَهُ لم يكفر بذلك على الأصح؛ لأنه غير مستهزئ ولا مستهين، بل هو معتقِدٌ أنه موقّـِرٌ معَظـِّـمٌ.” انتهـى.
وجواب ذلك أن ما أورده العزّ بن عبد السلام ـ إن صحّ نسبة الكلام إليه ـ ليس على إطلاقه بل مقيد بحسب حال الشّخص و حال اللفظ الذي أطلقه على الله، وفهمه للعبارة.
قال العز في قواعد الأحكام (2/102): “فصل فيمن نطق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه: فإذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو أيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو صلح أو إبراء لم يؤاخذ بشئ من ذلك, لأنه لم يلتزم مقتضاه و لم يقصد إليه, وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بشئ من ذلك لأنه لم يرده. انتهى
و قال العز في فتاويه في الصحيفة 103بتحقيق مصطفى عاشور ما نصه: “ولا يجزئ الظن فيما يجب اعتقاده؛ لان الظان مجوز للنقص على الله بخلاف المعتقد، فإنه غير مجوز لنقيض اعتقاده”. انتهى
فإذا كان الظن لا يجزأ فيما يجب اعتقاده لأن فيه تجويز للنقص على الله فكيف بالذي يكذب؟
ونُذكر هؤلاء بما قاله العز بن عبد السلام في قواعده ج2/ص402: “لا يجوز إيرادُ الإشكالات القوية بمحضر من العامة؛ لأنه تسبُّبٌ إلى إضلالهم وتشكيكهم، وكذلك لا يتفوّه بالعلوم الدقيقة عند من يَقْصُر فَهْمُه عنها، فيؤدي ذلك إلى ضلالته، وما كل سرٍّ يذاعُ، ولا كل خبر يشاعُ”. انتهى
و هؤلاء المتصدرين للمشيخة قد أضلوا كثيرا من الناس و حرفوا كلام سلطان العلماء، والله حسيب من يحرف دينه.
الشبهة الثالثة:
قال عز الدين بن عبد السلام في قواعد الأحكام:”الشّرعُ إنما عفا عن المجسِّمة لغلبة التجسيم على الناس، وأنهم لا يفهمون موجودًا في غير جهة”. انتهى
والرد على هذه الشبهة بأن يقال: هذا مما دُس عليه لا شك و مناقض لما قاله من اكفار للمجسمة كما في كتابه مقاصد الصلاة صحيفة 21.
ثم كيف يصح نسبة هذا الكلام لسلطان العلماء و هو الذي قال: “فأصول الدين ليس فيها مذاهب، فإن الأصل واحد، والخلاف في الفروع، ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله”. نقله التاج السبكي في طبقاته عند ترجمته للعز بن عبد السلام.
و لا حجة لأحد في التهوين من أمر التجسيم بهذا النقل فقد قال الكوثري في كتابه ” نظرة عابرة على من ينكر نزول عيسى عليه السلام قبل الآخرة ما نصه: “على أن ابن عبد السلام له شطحات تسربت إليه من مطالعة بعض كتب ابن حزم التي أتى بها محي الدين بن عربي إلى الشام, فلا تزيد تلك الشطحات على أن تكون وهلة منه, فلا يصح اتخاذها حُجة, بل نرجو الله سبحانه أن يسامحه عليها”. انتهى
فالكوثري هنا كلامه شديد في العز بن عبد السلام كما لا يخفى، فإما أن العز قال ذلك فعلا أول أمره ثم تراجع عنه، و إما أنه مدسوس عليه كما سبق بيانه.
بل قال الكوثري في مقالات صحيفة 267 في الرد على ابن عبد السلام ما نصه: “بل يقول القرطبي المفسر في التذكار إن المجسم عابد صنم. و المقبلي يرد على ابن عبد السلام رأيه و يقول إنه رأي منه لا دليل عليه و ليس أحد يعذر فيما يوجب الكفر”. انتهى
ونص عبارة الشيخ صالح بن مهدي المقبلي المتوفى سنة 1108 هجري كما في كتابه “العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء و المشائخ”: “قال ابن عبد السلام أن الله عفا عن المجسمة اعتقاد التجسيم لغلبة الطباع, لا يكاد يخرج عن طبع موجود لا داخل العالم و لا خارجه ونحو ذلك مما استقل به العقل قال ولذا لو اعتقدوا ما ليس كذلك مثل الحلول لم يُعف , واستدل على العفو بمعاملة السلف و ما قال مع الإنصاف ليس بأبعد مما قالوا خلا أنه بتً القول بأن الله عفا وهم بنوا القول بأن ذلك حرام بل كفر”.
إلى أن قال: “و أما العفو فليس للازم من معاملتهم التي هي حكم شرعي لزوم حكم آخر هو إيمانهم حقا مع ما قد اقتحموا و قالوا على الله ما لا يعلمون لأنه ليس كلامنا في الساكت بل في المجسم الذي جرى على ظاهر الآيات و الأحاديث. انتهى
ثم كيف يُقال أن الشرع عفا عن المجسمة و الرسول صلى الله عليه و سلم جاء لابطال عقائد أهل الجاهلية الذين كانوا يعبدون أجساما وهي الأصنام التي كانوا يصنعونها ولم يعتذر لهم لأجل ذلك, بل حاربهم و حكم بكفرهم. وحتى أولئك الذين كانوا يعبدون أجراما سماوية تختص بجهة فوق كذلك النجم الذي يسمونه “الشعرى” ما اعتذر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل حكم بكفرهم و دعاهم لعبادة الله الذي ليس كمثله شئ.
قال الإمام سراج الدين ابن الملقن المتوفى سنة 804هـجري في شرحه على صحيح البخاري: قد تقرّر في نفوس البشر أنه لا يجوزُ التجسيم على البارئ تعالى. كما في التوضيح، جزء 32، صحيفة 114.
وقال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله في القبس شرح الموطأ 1 / 288 – 289): “إن الله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزاً كما لا يدنو إلى شيء بمسافة ولا يغيب بعلمه عن شيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغير والاستحالات، إله في الأرض إله في السماوات. وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل” انتهـى
وقال الصنعاني في ايقاظ الفكرة صحيفة 98 ما نصه: وأقول: لا شك في أن الجهة محدثة, وأن البارئ تعالى قد كان و لا مكان, وقد وسع المؤمن الإيمان بذلك, كما وسع أنه تعالى كان و لا زمان, و جاء أنه لا تصحبه الأوقات, فما الذي ينقله عن ذلك. وقد أقر عقله القاصر بأن الله تعالى كان موجودا و لا جهة, بل واجب إيمانه بذلك, فكيف تنقله الظواهر عن اليقين الذي أذعن له عقله؟. انتهى
و قد أوضح الشيخ عبد الحميد ابن باديس المالكي أن الرسول صلى الله عليه و سلم جاء بعقيدة التنزيه ودعى الناس إليها و أن الشرع لم يعف عن المجسمة. ونص عبارته: وكان من سبيل محمد – صلى الله عليه وآله وسلّم – أنّه يدعو الخلق إلى الله وينـزّهه عن كل ما نسبه إليه الـمُبطلون وتَخيّله الـمُتخيَّلون، وهو معنى قوله “وَ سُبْحَانَ اللهِ “. فهو يدعوهم إلى الله الذي عرفوا وجوده بفطرتِهم و عرفوا أنّه هو خالق الكون وخالقهم، لا يسمِّيه إلا بِما سَمَّى به نفسه، ولا يَصفه إلا بِما وصف به نفسه، و يعرِّفهم بآثار قدرته ومواقع رحمته ومظاهر حكمته وآيات ربوبيَّته وألوهيَّته ووحدانيَّته في جلاله وسلطانه وينـزّهه عن الـمُشابَهة والـمُماثلة لشيءٍ من مَـخلوقاته، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله. و هذا التنـزيه وإن كان داخلا في الدّعوة إلى الله, فإنّه خُصِّص بالذِّكر لعظم شأنه، فإنّه ما عرف الله من شبَّهَه بِخلقه أو نسب إليه ما لا يليق بِجلاله أو أشرك به سواه. و إنّ ضلال أكثر الخلق جاءهم من هذه النّاحية، فمن أعظم وجوه الدَّعوة وألزمها تنـزيه الله – تعالى – عن الشَّبيه والشَّريك وكلّ ما لا يليق. والـمُسلمون الـمُتَّبعون لنبيِّهم ـ صلى الله عليه و سلّم ـ في الدّعوة إلى الله على بصيرة متَّبعون له في هذا التنـزيه عقداً وقولاً وعملاً وإعلاناً ودعوة. انتهى
انظر كتاب “ابن باديس حياته وآثاره”، جمع و دراسة عمّار طالبي، الجزء الأوّل صفحة 178ـ179، طبعة دار الغرب الإسلامي.
ثم ليتأمل هؤلاء ما قاله العز بن عبد السلام في قواعده: الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُلُوبِ أَنْوَاعٌ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ : مَعْرِفَةُ ذَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَا يَجِبُ لَهَا مِنْ الْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَانْتِفَاءِ الْجَوْهَرِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ وَالْجِسْمِيَّةِ. انتهى
إلى أن قال: النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ: اعْتِقَادُ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ ، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْعِلْمِ بتفصيل الدليل فِي حَقِّ الْخَاصَّةِ . انتهى
فالعز بن عبد السلام جعل اعتقاد جميع ما ذكره من الأنواع بما فيه من التنزيه عن الجسمية نوعا من انواع الحقوق الواجبة لله تبارك و تعالى على جميع العباد .ثُمَّ أفاد أنَّ المسامحة في ذلك الشأن في حقّ العوامّ بشرط السلامة من الخوض في المتشابه وبشرط السلامة من إثبات لوازم الجسم التي لا يجوز للعوام خوض مزالقها. فمن غادر شواطئ التنزيه و تقحم الخوض في المتشابه و أثبت الصورة و الثقل و القعود و نحوها من لوازم الجسم فليس لهُ في دين الله عذراً .
فالعاقل المنصف بعد أن لاحظ كل هذا التناقض في كلام العز بن عبد السلام وردود العلماء عليه وتعقب مقالاته, يجزم بلا تردد أن ذلك لا يليق بعالم لُقب بسلطان العلماء، و لا يبعد أن يكون من قبيل الدس عليه
الشبهة الرابعة:
قال العز بن عبد السلام في قواعده 1/202 : “فإن قيل : يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه ” وتعالى ” في جهة كونه حادثا قلنا : لازم المذهب ليس بمذهب , لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة وجازمون بأنه قديم أزلي ليس بمحدث ” انتهـى
وهذا الكلام هو بخلاف كلام أئمة الاسلام وهو مجانب للصواب لذلك نجزم بأنه مدسوس أيضا على العز بن عبد السلام. كيف يصح نسبة هذا الكلام لسلطان العلماء وقد قال:” “فأصول الدين ليس فيها مذاهب، فإن الأصل واحد، والخلاف في الفروع، ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله”. نقله التاج السبكي في طبقاته عند ترجمته للعز بن عبد السلام.
فلازِمَ المَذهَب ليس بمذهَب في اللازم الخفي وليس في اللازم الظاهر و البَيِّن.
قال الشيخ حسن العطار في حاشيته على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/426) ما نصه: «لازِمَ المَذهَب لا يُعَدُّ مَذهَبا إلا أَن يكونَ لازما بَيِّنا فَإِنَّهُ يُعَدُّ» انتهـى. وقال في موضع آخر: «(مهمّتان) الأولى: قولهم لازم المذهب ليس بمذهب، مقيّد بما إذا لم يكن لازما بينا. انتهـى
وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعقيبه على قول السبكي في كتاب السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل (ص/33) : «وهذا يستوجب القول بقدم العالم» ، بقوله: « وما يقال من أن لازم المذهب ليس بمذهب إنما هو فيما إذا كان اللزوم غير بيّن، فاللازم البيّن لمذهب العاقل مذهب له، وأما من يقول بملزوم مع نفيه للازمه البيّن فلا يعد هذا اللازم مذهبا له، لكن يسقطه هذا النفي من مرتبة العقلاء إلى درك الأنعام، وهذا هو التحقيق في لازم المذهب، فيدور أمر القائل بما يستلزم الكفر لزوما بيّنا بين أن يكون كافرا أو حمارا”.انتهـى
وقال الحافظ السيوطي في الإتقان ما نصه :”وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : كُلُّ صِفَةٍ يَسْتَحِيلُ حَقِيقَتُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى تُفَسَّرُ بِلَازِمِهَا”. انتهى
وقد أبطل ابن عرفة المالكي التونسي في كتابه الشامل في علم الكلام ما ذهب إليه العز بن عبد السلام فقال ما نصه: ” تأمل ما تقدم من جعل “الإرشاد” القول بالجهة ملزوما للكفر. انتهى
و قال الشيخ الزرقاني المالكي في كتاب ” مناهل العرفان ” عند قوله تعالى “ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات” ما نصه: وليت شعري إذا لم نؤوله بعلو مرتبة الربوبية فماذا نريد منه وهل بقي بعد ذلك شيء غير العلو الحسي الذي يستلزم الجهة والتحيز ولا يمكن نفي ذلك اللازم عنه متى أردنا العلو الحسي فإن نفي التحيز عن العلو الحسي غير معقول ولا معنى للاستلزام إلا هذا”.
ثم قال: “والمتتبع لكلامهم يجد فيه العبارات الصريحة في إثبات الجهة لله تعالى وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى وهو واضح لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية ولا يتأتى غير هذا فإن سمعت منهم سوى ذلك فهو قول متناقض وكلامهم لا معنى له”. انتهى
وقال ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح: قال النووي في شرح مسلم في هذا الحديث (حديث النزول) وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها، مذهبان مشهوران فمذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين الإيمان بحقيقتها على ما يليق به تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن سائر سمات الحدوث، والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي إنما يتأول على ما يليق بها بحسب بواطنها، فعليه الخبر مؤول بتأويلين أي المذكورين وبكلامه وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم، يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان، تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ”. انتهى
روابط ذات علاقة:
ذكر 28 اجماعا في الحكم بكفر المجسمة
https://www.facebook.com/share/bHMSSG6ZqKutVYTA/?mibextid=xfxF2i
اللازم البين واللازم الخفي
https://www.facebook.com/share/PQTcGPguZwxonk7V/?mibextid=xfxF2i
اكفار المجسمة باللزوم
https://www.facebook.com/share/codq8psGFTjXPBre/?mibextid=xfxF2i
حكم من ينسب لله الحرف والصوت
https://www.facebook.com/share/6cygiJbYEqu3CJB2/?mibextid=xfxF2i
التحذير من ترك اكفار المجسم
https://www.facebook.com/share/kQUXu388paLyjECB/?mibextid=xfxF2i
حكم المجسمة عند الأشعري
https://www.facebook.com/share/p/fidiHKpQ6dWTKohn/?mibextid=xfxF2i
بيان وقوع الدس والتحريف في كتاب الامام الباقلاني
https://www.facebook.com/share/p/v5WiEpuRkATkAmXM/?mibextid=xfxF2i
مقالات العز بن عبد السلام في المجسم والجهوي
https://www.facebook.com/share/JrHxipFRnMNiiCrn/?mibextid=xfxF2i
عضد الدين الايجي
https://www.facebook.com/share/p/k4TxHFrwWFTiR5CP/
اكفار عبد الكريم القشيري للمجسمة
https://www.facebook.com/share/bV5FR56D2DN3f2W1/
مقالات علماء تونس في حكم المجسم والجهوي
https://www.facebook.com/share/B6w5JgU6iN5QnmNx/?mibextid=xfxF2i
اللازم البيّن واللازم الخفيّ
قال الحافظ العراقي في «الغيث الهامع شرح جمع الجوامع» في كتاب الاجتهاد: «وقوله {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} تتمته في التنزيل {…وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} فأول هذه الآية تنزيه وءاخرها إثبات وصدرها رد على المجسمة وعجزها رد على المعطلة والنكتة في نفي التشبيه أولا أنه لو بدأ بذكر السميع والبصير لأوهم التشبيه فاستفيد من الابتداء بنفي التشبيه أنه لا يشابهه في السمع والبصر غيره» اهـ.
فمن شبَّه الله بخلقه يكون مجسمًا والمجسم كافر كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: «المجسم كافر»، نقله عنه السيوطي في «الأشباه والنظائر» ثم قال السيوطي: «الأول: ما نكفره قطعًا» وعدَّ منهم «المجسمة والقائل بقِدم العالم» اهـ. وقد أطلق النووي في «المجموع» تكفير المجسمة وذلك في كتاب الصلاة في باب صفة الأئمة. وقال ابن حجر في المنهاج القويم: واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك». أي جديرون بالحكم عليهم بالكفر.
وقد قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي المالكي في «شرح عقيدة مالك الصغير»[(579)]: «ولا يجوز أن يُثبت له الكيفية – أي لله -، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيِّز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم، وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام» اهـ.
ونقل مُلاّ علي القاري في كتابه «المرقاة في شرح المشكاة» الإجماع على تكفير من وصف الله بصفة من صفات خلقه، فقال: «وتعالى عن صفات المخلوقين من الطلوع والنزول». ثم قال: «(كل ليلة إلى السماء الدنيا) قال ابن حجر أي ينزل أمره ورحمته أو ملائكته وهذا تأويل الإمام مالك وغيره». ثم قال بعد ذِكر مذهب السلف والمتكلمين: «يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يُحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره». ثم قال: «وقد علمت أن مالكًا والأوزاعي وهما من كبار السلف أوّلا الحديث تأويلا تفصيليًا». ثم قال: «بل قال جمع معهم – أي مع السلف – ومن الخلف أن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي وقال إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني وقد اتفق سائر الفرق على تأويل نحو {…وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ… *} اهـ.
وقال الشيخ تقي الدين الحصني في كتابه «دفع شبه من شبه وتمرد»[(580)]: «الكيف من صفات الحدث وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة» اهـ.
وقال الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين»[(581)]: «وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث، فإذًا العالم كله حادث. وعلى هذا إجماع المسلمين بل كل الملل، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفته الإجماع القطعي» اهـ. يتَّضح لك أن من قال بأزلية شىء من العالم فهو كافر بالإجماع القطعي، وهذا ينطبق على المجسم لأن الجسم حادث مخلوق، فمن قال أو اعتقد الجسمية في الله فقد قال بأزلية الأجسام أي بأزلية الحوادث وبحدوث الأزلي، وهذا جَمعٌ بين كفريتين، لأن من قال بأزلية الأجسام يكون جعل لله شريكًا، ومن قال بأن الله جسم جعل هذا الجسم هو الله وقال إن هذا الجسم أزلي.
ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن الإمام أحمد أنه قال بتكفير من قال: «الله جسم لا كالأجسام» ذكر ذلك المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في «تشنيف المسامع» وقال: ونقل عن الأشعرية أنه يُفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» اهـ.
وعلى هذا إمام أهل السنة الإمام أبو الحسن الأشعري فقد قال في «النوادر»: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به» اهـ.
الشيخ مصطفى الحمامي أحد علماء الأزهر وخطيب المسجد الزينبي سابقًا في كتابه «غوث العباد ببيان الرشاد»، وهو مُقرَّظ من علماء ومشايخ الأزهر: يوسف الدجوي من هيئة كبار العلماء، محمد الببلاوي خطيب المسجد الحسيني ونقيب الأشراف بالديار المصرية، محمود أبو دقيقة مدرس بتخصص الأزهر، محمد عبد الفتاح العناني المدرس بكلية الشريعة الإسلامية، محمد محمد البحيري من علماء الأزهر الشافعية بالقسم الثانوي، السيد محمد بن محمد زباره اليمني أمير القصر السعيد بصنعاء اليمن، محمد حبيب الله الشنقيطي خادم العلم بالحرمين الشريفين، دسوقي عبد الله العربي من هيئة العلماء، محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية بالآستانة سابقا، محمد حفني بلال وكيل مسجد السيدة زينب في القاهرة وأحد علماء المالكية، في ص94 في شرحه للآية {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} يقول: «تعالى ربنا أن يكون جسمًا: قال الله تعالى وهو أصدق القائلين {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} ذلك قوله تعالى عن نفسه في كتابه الكريم، وهو نفي عام ينطق في صراحة ليس بعدها صراحة أنه تعالى لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو تعالى شيئًا من هذا العالم علويه وسفليه»، ثم قال : «إذن هو عز وجل منزه عن المادة وكل خصائص المادة. ومن هنا أُخِذ القول المعروف (كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك). إذن العقول معقولة عقلا تامًا عن أن تحوم حول هذا الحمى المقدس بأكثر مما وصف تعالى به نفسه، الذي منه قوله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} هذا أصل قاطع لا نزاع فيه يرجع إليه كل نص جاء في شريعتنا يوهم ظاهره خلاف ذلك. إذن للاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} معنى يليق بربنا عز وجل خلاف ما يوهمه ظاهر اللفظ، وهو مما لا خلاف فيه بين أئمة الهدى من أول هذه الأمة إلى اليوم». ثم قال: «ذكر الشيخ العزّ بن عبد السلام (660هـ) في كتاب «حلّ الرموز»، أنه قال الإمام أبو حنيفة: من قال لا أعرف الله تعالى في السماء هو أم في الأرض كفر، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانًا، ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مُشَبِّه» اهـ.
وقال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في «شرح لمع الأدلة» ما نصه[(582)]: «قوله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} [سورة الشورى] ، نفى عن نفسه مشابهة العالم إياه، ففي التحيز بجهة من الجهات مشابـهة الأجسام والجواهر، وفي التمكن في مكان مماثلة للجواهر المتمكنة في الأمكنة، ففي وصفه بالجهات قول بالانحصار فيها، وفي القول بالتمكن في المكان إثبات الحاجة إلى المكان، وفي كل ذلك إيـجاب حدوثه وإزالة قِدَمه، وذلك كله محال في حق القديـم. ومن تلك النصوص قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} [سورة الإخلاص] والكفو: المساوي والمماثل، فنفى عن نفسه المماثلة والمساواة، ومنها قوله تعالى: {…سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ *} [سورة الطور] فوجب تنزيهه عن صفات الخلق. ومنها قوله تعالى: {…وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ… *} [سورة محمد] فوجب إثبات تعاليه عن كل ما يفتقر إليه الخلق من الاتصاف بالمكان والجهة. ومنها قوله تعالى: {…إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ *} [سورة العنكبوت] فأثبت لنفسه الاستغناء عن جميع العالمين والجهات والأمكنة من أجزاء العالم، فوجب إثبات تعاليه واستغنائه عن العالمين وعن كل وصف من صفات المحدَثين» اهـ.
روى الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده إلى الجنيد بن محمد البغدادي رضي الله عنه وهو سيد الطائفة الصوفية أنه قال: «التوحيد إفراد القديم من المحدث». أي تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
وروى الحافظ ابن عساكر في كتابه «تاريخ دمشق» عن ذي النون المصري إبراهيم بن ثوبان المتوفى سنة 245هـ أنه قال: «مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك»، أي لايشبه ذلك، وهو مأخوذ من معنى {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} .
قال المفسر الرازي في «التفسير الكبير» ما نصه[(583)]: «ثم قال تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} وهذه الآية فيها مسائل: المسألة الأولى: احتج علماء التوحيد قديمًا وحديثًا بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسمًا مركبًا من الأعضاء والأجزاء وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا لو كان جسمًا لكان مثلاً لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} . ثم قال: «واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه «بالتوحيد»، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل» اهـ.
وهو الذي تحبه الوهابية كثيرا وتنقل من كتابه لأنه وافق هواهم في حمل الآيات والأحاديث المتشابهات على ظواهرها، فشبَّه اللهَ بخلقه وكذَّب قولَه {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} ، وقد أصاب وصدق الرازي حيث قال عن كتاب ابن خزيمة المسمى بـ «كتاب التوحيد» كذبًا وزورًا، أنه كتاب الشرك، لأن المجسمة المشبَّهة أشركوا بربهم، عبدوا جسمًا تخيَّلوه قاعدًا فوق العرش لا وجود له، ولم يعبدوا الله. أما إمام المجسمة ابن تيمية ففي كتابه المسمى «بيان تلبيس الجهمية» يقول[(584)]: «من المتشابه، قوله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *}» اهـ.
ففي كتابه[(585)] هذا المسمى «بيان تلبيس الجهمية» يفتري ابن تيمية على الله وعلى سيدنا موسى وعلى ابن عباس، ويتناقض ويُكذِّبُ الآية {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} ، وينسُبُ لله الصورة فيقول : «وقول ابن عباس في ما يذكره عن الله تعالى – أنه قال لموسى – تعمد إلى خلق من خلقي، خلقتُهم على صورتي فتقول لهم: اشربوا يا حمير» اهـ. والعياذ بالله من مسخ القلوب.
وأيضًا يقول ابن تيمية مستشهدًا بكلام اليهود في التوراة المحرَّفة[(586)]: «فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها (سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها)»، ثم يقول «ثم إن هذا مما لا غرض لأهل الكتاب في افترائه على الأنبياء».اهـ. انظروا كيف يحتج بكفر أهل الكتاب الصريح ويدافع عنهم لأنه وافقهم في نفس العقيدة من نسبة الصورة والأعضاء والجوارح والجسم إلى الله.
ويقول ابن تيمية[(587)]: «عُلِمَ أن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون» اهـ. والعياذ بالله من الكذب على الله وعلى المسلمين، لا يستحي من الله ولا من الناس، ومرادُه أن الله تعالى يُشبِه خلقَه من بعض الوجوه ليؤيَّدَ عقيدَته الكفرية مِن وصف الله بالجسمية والقعود والجلوس، ولذلك قال في قوله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} «إنها آية متشابهة»، لأنه أراد أن يُقَرِّرَ تشبيهَ اللهِ بخلقِه من بعض الوجوه، وقد تغافل ابن تيمية أنه إذا جوَّزَ على الله تعالى الشَّبَهَ من بعض الوجوه فقد جوَّزَ عليه الشَّبه من كل الوجوه، وأجاز عليه الجوع والمرض والفناء والزوال، وتعالى الله وتنزه وتقدس عن كفر ابن تيمية وأتباعه، ويقول[(588)]: «ما لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه لا شىء». ويقول[(589)] في معرض ذَمِّهِ لعقيدة المسلمين المنزِّهين لله عن مشابهته لمخلوقاته: «وأنكروا أن يشبه الأشياء بوجه من الوجوه، فأنكروا وجوده». وأيضًا يفتري على دين الله فيقول[(590)]: «ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين، ولا الأكابر من أتباع التابعين، ذم المشبهة، وذم التشبيه، أو نفي مذهب التشبيه ونحو ذلك» اهـ. والعياذ بالله من التشبيه والتجسيم ومن موافقة اليهود في المعتقد.
أما قوله بالجسمية في حق الله تعالى فقد ذكر ذلك في كتابه «شرح حديث النزول» يقول[(591)]: «وأما الشرع فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع» اهـ.
وقال في الموافقة ما نصه[(592)]: «وكذلك قوله {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [سورة الشورى] ، وقوله {…هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا *} [سورة مريم] ، ونحو ذلك فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه من الوجوه بل ولا على نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسما بوجه من الوجوه» اهـ.
وقال في الموافقة أيضا مفتريًا على الإمام أحمد ما نصه[(593)]: «وأما ذكر التجسيم وذم المجسمة فهذا لا يُعرف في كلام أحد من السلف والأئمة كما لا يُعرف في كلامهم أيضا القول بأن الله جسم أو ليس بجسم، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم كما ذكره أحمد في كتاب الرد على الجهمية» اهـ.
وقال في المنهاج ما نصه[(594)]: «أما ما ذكره من لفظ الجسم وما يتبع ذلك فإن هذا اللفظ لم ينطق به في صفات الله لا كتاب ولا سنة لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم لا أهل البيت ولا غيرهم» اهـ.
وقال في «مجموع الفتاوى» ما نصه[(595)]: «ثم لفظ التجسيم لا يوجد في كلام أحد من السلف لا نفيًا ولا إثباتًا، فكيف يحل أن يقال: مذهب السلف نفي التجسيم أو إثباته» اهـ.
وقال في كتابه المسمى «بيان تلبيس الجهمية» ما نصه[(596)]: «وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا، فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهل وضلال» اهـ.
ويكفي في تبرئة أئمة الحديث ما نقله أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها في كتابه «اعتقاد الإمام أحمد»[(597)]، عن أحمد قال: «وأنكر أحمد على من يقول بالجسم وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طولٍ وعرضٍ وسمكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله – أي منزه عن ذلك كله -، فلم يجُز أن يُسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل». اهـ، ونقله الحافظ البيهقي عنه في مناقب أحمد وغيرُه.
وهذا الذي صرح به أحمد من تنزيهه الله عن هذه الأشياء الستة هو ما قال به الأشاعرة والماتريدية وهم أهل السنة الموافقون لأحمد وغيره من السلف في أصول المعتقد، فليعلم الفاهم أن نفي الجسم عن الله جاء به السلف، فظهر أن ما ادعاه ابن تيمية أن السلف لم يتكلموا في نفي الجسم عن الله غير صحيح، وأنه كذب محض والكذب ديدنه، فينبغي استحضار ما قاله الإمام أحمد فإنه ينفع في نفي تمويه ابن تيمية وغيره ممن يدعون السلفية والحديث.
وهذا البيهقي من رؤوس أهل الحديث يقول في كتاب «الأسماء والصفات»[(598)]، في باب ما جاء في العرش والكرسي عقب إيراده حديث: «أتدرون ما هذه التي فوقكم» ما نصه: «والذي روي فيءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة والباطن فلا يصح كونه في مكان، واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي: (أنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء»، وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان» اهـ.
وقال أبو الثناء اللامشي في «التمهيد لقواعد التوحيد» ما نصه[(599)]: «وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجوهر فلا يُتصور أن يكون جسمًا أيضا لأن الجسم اسم للمتركِّب عن الأجزاء، يقال: «هذا أجسمُ من ذلك» أي أكثر تركُّبًا منه، وتركب الجسم بدون الجوهرية وهي الأجزاء التي لا تتجزأ لا تتصور، ولأن الجسم لا يُتصور إلا على شكل من الأشكال، ووجوده على جميع الأشكال لا يُتصور أن يكون إذ الفرد لا يُتصور أن يكون مطوَّلا ومدورًا ومثلثًا ومربعًا، ووجوده على واحد من هذه الأشكال مع مساواة غيره إياه في صفات المدح والذم لا يكون إلا بتخصيص مخصص، وذلك من أمارات الحدث، ولأنه لو كان جسمًا لوقعت المشابهة والمماثلة بينه وبين سائر الأجسام في الجسمية، وقد قال الله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} [سورة الشورى] » اهـ.
لقد صرَّح إمام المجسمة ابن تيمية بالدفاع عن عقيدة التجسيم وبموافقة اليهود في معتقداتهم، وافترى على دين الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة والآل، فقد نسي ابن تيمية أو تناسى أنه كفَّر المشبِّهة في كتابه المسمى «رسالة الفتوى الحموية الكبرى» تليها «الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله تعالى» مطبعة المدني، الطبعة السادسة ص4 بقوله أن المشبَّهة والمجسِّمة كفار، فلماذا هذا التناقض والتذبذب والكذب على الناس؟!! ما أبعده عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعن منهج السلف الصالح الذين كانوا حربًا على فرق الضلال أمثال ابن تيمية وأتباعه.
جرت عادة العلماء إن سمعوا بمسألة تذاغ على خلاف المذهب الذي يعتقدون حقيته أن يبينوا للناس القول الحق وينصروه بكلام علمي لكل ذي لب وفهم سليم ولا يرى في الرد العلمي أنه ناتج عن تكبر أو عن رد للحق على قائله بل هو بيان المسألة على الوجه الذي يعتقد صاحبه أنه الحق فإن كان الحق كما يقول فمن الله، وإن كان فيما يقوله خطأ فحري به أن يتراجع.
وظهر لك أيها الطالب للحق أن مدار الحكم على من وصف الله بالجسمية أو الجهة فأكفر هؤلاء العلماء كما رأيت فيما تقدم من النقول من زعم أن البارئ جسم متركب مؤلف محدود، أما من لم يدرك معنى الجسم في لغة العرب، ظنا منه أن معناه مقصور في اللغة على الموجود مثلا، إن كان حاله في ذلك أنه كالأعجمي، ولم يصفه مع ذلك بمعانى الأجسام، فلم يكفروه أي مع كونه سماه جسما.
ومما يبين ذلك ما قاله الإمام أبي المعالي الجويني في رسائل أجاب بها أبو محمد الصقلي في كتاب المعيار المعرب ما نصه: « أنّ من اعتقد أن الرب عظيم بالذات، على معنى كثرة الأجزاء وتركيبها في تأليفها، وأنه عز وجل مختص ببعض الجهات والمحاذات، وأن الأجسام المحدودة والأجرام المتقررة بأقطارها وآثارها تقابله في بعض جهاته، فهو غير عالم بالله رب العالمين.
فإنه علق معتقده بموجود ليس بإله، بل هو على صفات المخترعات وسمات المحدثات، فقد اعتقد موجودًا غير الإله، واعتقد الإلهية [فيه]، فينزل منزلة من يعتقد أن الأصنام آلهة!!
فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره، وقد ارتضاه القاضي في “نقض النقض”».
تأمل أخي القارئ إلى الآتي: قوله: «فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره » اهـ.
وقوله وقد ارتضاه القاضي يقصد الإمام الباقلاني في نفض النقض هو كتاب له فيدلك أيضا على صحة ما ذكرنا عن الباقلاني في المقال السابق وأنه ليس له إلا قول واحد في إكفار المجسم وانظر قوله (وهو الذي لا يصح غيره) تجده نصًا في بطلان كل قول ينفي التكفير عن المجسم الذي يعتقد الجسمية بمعنى التراكب والأجزاء في الله.
على أن لإمام الحرمين الجويني كتب أخرى يؤكد ما قلناه هنا ومنها كتابه الإرشاد، وفيه ما نصه: «وكل ما حاذى الأجسام لم يخل من أن يكون مساويا لأقدارها، أو لأقدار بعضها، أو يحاذيها منه بعضه، وكل أصل قاد إلى تقدير الإله أو تبعيضه فهو كفر صراح» اهـ.
ليس ذلك فحسب، بل إنك تقرأ في نفس المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب ما نصه: قال أحمد الونشريسي: «وسئل سيدي أحمد بن عيسى فقيه بجاية عمن نشأ بين ظهراني المسلمين وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلي ويصوم، إلا أنه لا يعرف ما انطوت عليه الكلمة العليا فيما يعتقده لعدم معرفته بها إلخ ……. ثم قال: فقد وصل إلي ما كتبتموه مما فهمتم من فتوى الشيخين أبي العباس بن إدريس وأبي العباس أحمد بن عيسى فيمن يقول لا إله إلا الله ولم يدر ما انطوت عليه أن فتوى سيدي أحمد بن إدريس نصها من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن حقا، فمقتضى هذا الفهم من جواب الشيخ أن من نطق بالشهادة يجزئه نطقه وإن جهل معناه وما انطوت عليه الكلمة من مدلولها، فاعلم أن هذا الفهم عن الشيخ رحمه الله باطل لا يصح، فإنه لا يلزم منه أن من قال ذلك وهو معتقد في الإله تعالى شبه المخلوقات، وصورة من صور الموجودات، أن يكون مؤمنا حقا. وقد وجدنا من الجهلة من هو كذلك وكتب إلينا بذلك وأشباهه. ومن اعتقد ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد نص أئمتنا على ذلك وعلى غيره مما هو كفر بإجماع، فلا يصح ذلك عن الشيخ أصلا ولا يصح أن يختلف في هذا أو شبهه. وفي هذا أجاب سيدي أحمد بن عيسى. وقد تحدثت أنا مع سيدي أحمد بن إدريس وذكرت له ما يقول صاحبنا فوافق عليه وقال هذا حق لا يقال غيره» اهـ.
وهو إجماع كما مر بك في هذا الكتاب، والإجماع قطعي، وهو أسلم من تخبط وتوهم المشبه المجسم الجهوي.
وقال الحافظ الفقيه اللغوي مرتضى الزبيدي في شرحه على الإحياء، ما نصه: «من جعل الله تعالى مقدرا بمقدار كفر» اهـ.
وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره أضواء البيان عند قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} «ومن اعتقد أن وصف الله تعالى يشابه صفات الخلق فهو مشبه ملحد ضال» اهـ.
ويقول الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه في البرهان المؤيد: «صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة، فإن ذلك من أصول الكفر» اهـ.
ثم يقال لهم :
أ) وصف الله بالجسم أو بصفات الجسم تكذيب أم تصديق للآية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ؟. إنه – قطعا – تكذيب.
ب) وتكذيب النص القرءاني أليس كفرا بالإجماع؟.
ج) وصفات الجسمية من دلائل الحدوث، فوصف الله بها، أو ببعضها لا يكون إلا وصفا لله بما هو دالٌّ على الحدوث، فلا يكون إذا وصف الله بها إلا تنقيصا في حقه تعالى، وذلك أي نسبة النقص والحدوث إلى الله تعالى كفر لا شَكَّ فيه.
ويكفي في الرد على الخلاف المزعوم بأن تعلم أن ما في المنهج القويم لابن حجر الهيتمي «القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك»اهـ.
وقد تقدم النقل عن جمهرة من الأعلام الذين لهذا الإجماع، فلا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي في تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» اهـ.
وهو عين ما نبه إليه البرزلي المالكي بقوله في الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي: «وأنكر عليه شيخنا الإمام نقله عن بعض الأشعرية إنكارا شديدا»، وقال: «لم يقله أحد منهم فيما علمته واستقريته من كتبهم» اهـ، وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.
وهو منسجم تماما مع ما قاله تقي الدين الحصني في كفاية الأخيار: «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة، قلت (تقي الدين الحصني): وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرآن ، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }، وفي هذه الآية رد على الفرقتين» اهـ.
وقد قال العلامة فخر الدين أحمد بن حسن الجاربردي التبريزي (المتوفى سنة 746 هجرية) في السراج الوهاج: «اعلم أنه قال الأصوليون شرطه الإسلام. وإنما عدل المصنف إلى هذه العبارة لأن المجسمة كفار عند الأشاعرة» اهـ.
فأنت تلاحظ هنا الإطلاق، ولو كان الكلام موجبا للتخصيص لخصص، وانظر إلى من نسب الحكم بتكفير المجسم، نسبه إلى الأصوليين، ويكفيك ذلك دلالة.
وإذا وضح ما ذكرناه لك فإنه من المفيد أن نقف معا على ما يكشف اللبس الذي وقع فيه بعض الناس، من الضياع في أمر الفارق بين من ينطق بهذا اللفظ وهو فاهم لمعناه وبين من ينطق به وهو لا يفهم المعنى أو يظن أن لفظة جسم أو جهة فوق ترد في لسان العرب بمعنيين، أحدهما المعنى الكفري الفاسد، والآخر المعنى الذي يوافق العقيدة السليمة، كما مر بك قريبا، على أنه تجدر الإشارة أن أغلب الناس اليوم ممن ينتسب للعربية يفهمون معنى الجسم والجهة إجمالا، وعليه يأتي كلام بعض المشايخ إجماليا بما يؤدي للاضطراب في فهم كلامهم، وكان الأولى بمن يقرأ كلامهم أن يحرص على تلقيه وفهمه من أهل العلم لا أن يتجاسر على هذا الأمر الخطير الذي يؤدي به إلى التناقض في القول تارة بتكفير معتقد الحجم أو الجهة في حق الله، وتارة بأنه لا يكفر بمجرد إطلاق هذا اللفظ على الله، ووجه حل ذلك التناقض أن يقال: إن قائل هذا اللفظ إما أنه يعي ويفهم ما يقول، وإما أنه لا يعي ولا يفهم ما يقول.
وهذا عينه نقله الشيخ ابن حجر الهيتمي، الذي قال بعد جمع نقول في هذه المسئلة في الفتاوى الحديثية ما نصه: «إذا تقرر هذا، فقائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة فوق إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يُسلك به مسلك المرتدين إن كان مظهرًا لذلك»اهـ.
فقول ابن حجر: «إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر»، كاف في تأكيد هذا المعنى مهما حاول بعض الناس اليوم أن يدوروا حول هذه المسئلة دوران التائه في تيه بني اسرائيل في سينا حين خالفوا أمر الله ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.
بل يحسم هذه القضية ما قاله القرطبي في تفسيره ونصه: «وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام، وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام. ثم إن قولهم متناقض، فإن قولهم: جسم أو نور، حكم عليه بحقيقة ذلك، وقولهم: لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور، وذلك متناقض، وتحقيقه في علم الكلام، والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها» اهـ.
وبناء على ما تقدم من بيان أن لفظ الجسم والجهة صريح في إفادته معنى تشبيه الله بخلقه كما تقدم وأن قائل هذه الألفاظ داخل تحت حكم المكذب للنصوص القطعية تواترا ودلالة من القرآن والسنة، بالإضافة لإنكار الحكم العقلي القاطع على تنـزيه الله عن مشابهة الخلق ومن ذلك تنـزيهه سبحانه عن الجسمية والمكان والجهة، فهو منكر لضروري من ضروريات الدين وقطعياته فلا يكون معدودا من المسلمين.
فلم يبق إلا النظر في فهم هذا القائل لهذا اللفظ، فإما أنه يفهم المعنى الفاسد حين تكلم به، وإما أنه لا يفهم ما يقول، ويحتمل أن يقال: إن من سمى الله بالجسم يظن أن معناه موجود أو قائم بالنفس أي مستغن عن غيره أو هو كمعنى شىء عنده أي متحقق الوجود، وهو وإن كان وهما من مطلقه على الله، لكنه إن لم يصرح بوصف الله بصفات الجسم وكان صادق الدعوى فيما يدعيه من ظنه ما تقدم بيانه في فهمه لمعنى الجسم، فهو كالأعجمي الذي لا يفهم ما يقول، وإلا بأن فهم ما يقول لكنه ادعى هذا المعنى للفظة الجسم أي ابتكره فلا عذر له، وهو بذلك متستر يخفي عقيدة التجسيم لا غير.
وفي هذا قال الأستاذ أبو منصور التميمي البغدادي رحمه الله في أصول الدين: «وقد شاهدنا قوما من عوام الكرامية لا يعرفون من الجسم إلا اسمه، ولا يعرفون أن خواصهم يقولون بحدوث الحوادث في ذات الله البارئ تعالى، فهؤلاء -أي عوامهم- يحل نكاحهم وذبائحهم والصلاة عليهم»اهـ.
ويساعدنا على هذا البيان ما قاله إمام الحرمين الجويني في الشامل في أصول الدين: «وغلت طائفة من المثبتين، فاقتربوا من التشبيه، واعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم صنعه وفعله. فذهب ذاهبون إلى أن الرب سبحانه وتعالى جسم، ثم اختلفت مذاهب هؤلاء فزعم بعضهم أن معنى الجسم: الوجود، وأن المعنى بقولنا: إن الله جسم، أنه موجود. وصار آخرون إلى أن الجسم هو القائم بالنفس، وقد مال إلى هذين المذهبين طائفة من الكرامية. وذهب بعض المجسمة إلى وصف الرب تعالى بحقيقة أحكام الأجسام، وصار إلى أنه متركب متألف من جوارح وأبعاض، تعالى الله عن قولهم» اهـ.
وقال في موضع آخر: «القول في الجسم ومعناه. اختلف الناس في حقيقة الجسم وحده. فالذي صار إليه الفلاسفة: أن الجسم هو الطويل العريض العميق، وإلى ذلك صار معظم المعتزلة. وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارات ومحصول جميعها واحد. فقال بعضهم: الجسم هو الذهاب في الجهات، وعنى بالذهاب فيها ما قدمناه من جهة العرض والطول والعمق. وقال بعضهم: الجسم هو الذي له الأبعاد الثلاثة، وفسر الأبعاد بما قدمناه. وذهب الصالحي إلى: أن الجسم هو القائم بنفسه. وذهب هشام في آخر أقواله إلى أن الجسم إذا سمي به الإله تعالى وقيل: هو جسم لا كالأجسام، فالمراد به أنه شىء لا كالأشياء.
واختلفت مذاهب الكرامية في الجسم، فذهب شرذمة منهم إلى أن الجسم: هو الموجود. وصار آخرون إلى أن الجسم: هو القائم بالنفس، وذهب الأكثرون منهم إلى أن الجسم: هو الذي يماس غيره من إحدى جهاته. وهؤلاء افترقوا فصار صائرون منهم إلى تجويز المماسة من جهة تحت ومنعها من سائر الجهات.
وذهب آخرون إلى تجويز المماسة من سائر الجهات، وألزم هؤلاء تجويز ذلك ليكون القديم محاطا بالأجسام، فالتزموا ذلك، ولم يكترثوا به.
والذي صار إليه أهل الحق أن: الجسم هو المؤلف والمتألف. والدليل على ما صرنا إليه أن نقول: وجدنا أهل اللسان إذا راموا الإنباء عن مفاضلة بين شخصين في الضخامة والعبالة وكثرة الأجزاء يقولون: هذا أجسم من هذا، فقد علمنا قطعا أنهم قصدوا بإطلاق هذه اللفظة التعرض لتفاضل بين الذاتين، ثم نظرنا في جملة صفات الذات وتتبعناها سبرا وتقسيما، فعلمنا أنهم لم يريدوا بالأجسم التفاضل في معنى، عدا كثرة الأجزاء والتأليف فيها» اهـ.
إلى أن قال: «وأما من قال: الجسم هو القائم بالنفس، فكل ما قدمناه رد عليه، إذ الجسم مما يسوغ التفاضل في معناه، وليس كذلك القائم بالنفس. وبقريب من ذلك نرد على هشام في تسميته وتفسيره الجسم بالشىء، ونزيده وجها آخر فنقول: أقصى ما تصير إليه أن الرب جسم لا كالأجسام، بمعنى أنه شىء لا كالأشياء، فيلزمك على طرد ذلك تسمية الأعراض أجساما من حيث كانت أشياء، هو يمنع تسمية العرض جسما، فإن اعترف بذلك، فقد نقض مذهبه، وإن أبى وامتنع من تسمية الأعراض أشياء فقد جحد اللغة، وراغم آيا من كتاب الله منها: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ}. والمراد بذلك تبديلهم وتحويلهم، وهو من أفعالهم وأفعال المحدثين أعراض. وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} إلى غير ذلك من الآيات. ووجه جحده اللغة واضح، فإن من أنكر تسمية اللون والأصوات أشياء، فقد راغم. ويتسرع إلى الرد عليه أقل من شدا طرفا من كلام العرب، وهذا سبيل الرد على الكرامية إذا زعموا أن الجسم: هو الموجود» اهـ.
وقال الحافظ البيهقي في شعب الإيمان: «فإن قال قائل فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟
قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر، فلما لم يلزم ذلك لم يلزم هذا، وبعد فإن الشىء سمة لكل موجود، وقد سمى الله سبحانه وتعالى نفسه شيئا، قال الله عز وجل: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ} لم يسم نفسه جسما، ولا سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتفق المسلمون عليه، ونحن فلا نسمي الله عز وجل باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه ، قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ »اهـ.
وقد اختصر هذا البحث الآمدي في أبكار الأفكار فقال ما نصه: «المسئلة الثانية في أن البارئ تعالى ليس بجسم. مذهب أهل الحق: إن البارئ تعالى ليس بجسم، وذهب بعض الجهال: إلى أنه جسم. ثم اختلفوا: وذهب بعض الكرامية: إلى أنه جسم، بمعنى أنه موجود. وذهب بعضهم: إلى أنه جسم، بمعنى أنه قائم بنفسه. وذهب بعض المجسمة: إلى أنه جسم حقيقة، وأنه متصف بأحكام الأجسام (وأنه متصف بصفات الجسمية). ثم إن منهم من قال: إنه مركب من لحم ودم، كمقاتل بن سليمان، وغيره. ومنهم من قال: إنه نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله سبعة أشبار بشبر نفسه. ومن المجسمة من غالى وقال: إنه على صورة إنسان. لكن منهم من قال: على صورة شاب أمرد جعد قطط. ومنهم من قال: إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، تعالى الله عن قول المبطلين» اهـ.
فإذا تبين ذلك كله عرف السبب في عدم حكم بعض العلماء بالكفر على من استجاز إطلاق لفظة الجسم على الله سبحانه، وإلا فإن الإجماع منعقد على تكفير من أفصح بوصف الله بالتركيب والحجم أو وصف الله بالجسمية وهو مدرك لمعناه الحقيقي في اللغة، فإنه لا تأويل لكلامه بالمرة، لا خلاف بينهم في هذا الحكم، فإن إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى باختيار من قائله أي من غير إكراه مع العلم بما فيه من النقص استخفاف.
يوضح هذا ما قاله أبو المعين النسفي في التمهيد، ونصه: «ومن أطلق اسم الجسم على الله تعالى وعنى به القائم بالذات لا المتركب كما ذهب إليه الكرامية أخزاهم الله، وهو إحدى الراويتين عن هشام بن الحكم، فالخلاف بيننا وبينه في الاسم دون المعنى وهو مخطئ. لما أنه في اللّغة اسم للمتركب، فمن أطلق اسم الجسم ولم يرد به معنى التركب فقد أمال الاسم عن موجبه لغة إلى غير موجبه، وهو معنى الإلحاد ، ولو جاز ذا لجاز لغيره أن يسميه رجلا، ويقول: عنيت به القائِم بالذات وكذا في كل اسم مستنكر، وتجويزه خروج عن الدين ، والامتناع عنه تناقض» اهـ.
وقال الفقيه المتكلم ابن المعلم القرشي في نجم المهتدي ورجم المعتدي: «إن قسما من القائلين بالتحيز بالجهة أطلقوا الجسمية ومنعوا التأليف والتركيب، وقالوا: «عنيت بكونه جسما وجوده، وهؤلاء كفروا» اهـ. وإنما كفرهم لفهمهم ما تعطيه هذه اللفظة من التأليف والتركيب.
ومع ذلك فقد قال الدواني في شرحه للعقائد العضدية: «ومنهم من تستر بالبلكفة، فقال هو جسم لا كالأجسام» ….. ثم قال «ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم، وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية»اهـ.
وفي قوله: «ومنهم من تستر بالبلكفة»، تنبيه على حال هؤلاء القوم من أنهم ادعوا أنهم يظنون أن لفظة جسم معناه الموجود أو القائم بنفسه، لاحظ قوله: «وهكذا ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم» اهـ، فنبه العلماء أنه إن كان هذا هو حالهم حقيقة لا ادعاء كاذبا فإنهم لا يكفرون، معتبرين حالهم بأنهم في هذا كالأعاجم، أي هذا إن كانوا صادقين في دعواهم هذه، كما مر بيانه، لا أنهم يفهمون ما يراد من كلمة الجسم في لسان العرب ومع ذلك يبتكرون لها معنى آخر، وهو الموجود ونحوه، فليتنبه لهذا القيد فإنه دقيق.
ولا يجوز في مثل هذا الأمر الخطير والشأن الجلل أن يتناقض كلام أهل العلم، وإنما ينـزّل على المعنى الذي كشفناه وبيناه، وإلا فهو قول بعدم تكفير من وصف الله بصفة من صفات الخلق كالتركيب والتأليف والصورة ونسبة الجهة إليه سبحانه وهو الكفر الصراح المتفق على اعتباره كفرا بين أهل الإسلام قاطبة وهو قول متهافت ينقض بعضه بعضا، ولا ينصره صاحب فهم بدين الله تعالى، وهدي الكتاب والسنة، وما جرى عليه أعلام الأمة من التصريح بكفر المجسم لمعارضته ومصادمته لمعنى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.} وصريح ما عليه العقل.
فنسأل الله لنا ولكم الهداية والعصمة من الغي والضلال، والحمد لله رب العالمين
مقالات من علماء في حكم التجسيم :
تحقيق حول من هم أهل القبلة
وهي القاعدة المقررة عند أهل السنة والجماعة قاطبة: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»[(771)] اهـ.
لكن هذه العبارة تحتاج إلى تبيين، فقد علم بما لا يقبل التردد أن الشخص قد ينطق باللفظ الكفري أو يفعل الفعل الكفري أو يعتقد الكفر ويحكم بخروجه من الإسلام، وأنه لا يعد في دائرة أهل الإيمان، سواء أنكر ضروريا من ضروريات الدين أم استخف بالشرع أم بالله أم الرسول، وهذا مما علم من دين المسلمين ضرورة، وإذا كان الأمر كذلك فما هو المراد من هذه العبارة: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»؟.
الجواب: أن من عقائد أهل السنة والجماعة المتّفق عليها أنه لا يكفّر مسلم بذنب إن لم يستحلّه، وإنّما يكفر الذي يستحلّه أي على الوجه المقرر عند أهل العلم، فإنّ المسألة يَدخلها تفصيل، فإنّه إن استحل معصية معلوما حكمها من الدين بالضرورة كأكل لحم الخنـزير والرشوة فهو كفرٌ أي خروج من الإسلام، قال أبو إسحاق الشيرازي: «ما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة، كالصلوات المفروضة، والزكوات الواجبة، وتحريم الزنا واللواط وشرب الخمر وغير ذلك، فمن خالف في شىء من ذلك بعد العلم فهو كافر لأن ذلك معلوم من دين الله تعالى ضرورة، فمن خالف فيه فقد كذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في خبرهما فحكم بكفره»[(772)] اهـ.
وإن لم يكن حكمه كذلك أي معلوما من الدّين بالضّرورة لم يكفر مستحلّها إلا أن يكون من باب ردّ النص الشّرعي بأن علم بورود الشّرع بتحريمها فعاند فاستحلّها، لأن ردّ النصوص كفرٌ، كما قاله النسفي في عقيدته المشهورة[(773)] وغيره.
و الأحكام نوعان : نوع يتعلق بالعقيدة، ونوع يتعلق بالأحكام الفرعية. فأما الأحكام الفرعية فقد بينت آنفا وجه الحكم في منكرها أو مستحلها، وأما في المخالف في العقيدة من أهل البدع فقد قال الشيخ محمود القونوي النسفي عند قول الطحاوي: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب»[(774)] ما نصه: «إشارة إلى تكفيره بفساد اعتقاده كفساد اعتقاد المجسمة والمشبهة والقدرية ونحوهم»[(775)] اهـ.
ويؤيد هذا ما في اللمع للشيرازي أيضا حيث قال: «والأحكام ضربان عقلي وشرعي، فأما العقلي: فهو كحدوث العالم وإثبات الصانع وإثبات النبوة وغير ذلك من أصول الديانات، والحق في هذه المسائل واحد وما عداه باطل، وحكي عن عبيد الله ابن الحسن العنبري أنه قال: كل مجتهد في الأصول مصيب[(776)]، ومن الناس من حمل هذا القول منه على أنه إنما أراد في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة، ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل كالرؤية وخلق الأفعال والتجسيم وما أشبه ذلك دون ما يرجع إلى الاختلاف بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان، والدليل على فساد قوله هو أن هذه الأقوال المخالفة للحق من التجسيم ونفي الصفات لا يجوز ورود الشرع بها، فلا يجوز أن يكون المخالف فيها مصيبا كالقول بالتثليث وتكذيب الرسل»[(777)] اهـ.
وقال السيوطي بهذا المعنى: «ضابط منكر المجمع عليه أقسام:
أحدها: ما نكفره قطعا، وهو ما فيه نص، وعلم من الدين بالضرورة بأن كان من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام، كالصلاة والزكاة والصوم والحج وتحريم الزنا ونحوه.
الثاني: ما لا نكفره قطعا ، وهو ما لا يعرفه إلا الخواص، ولا نص فيه، كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف (أي قبل الوقوف بعرفات).
الثالث: ما يكفر به على الأصح، وهو المشهور المنصوص عليه الذي لم يبلغ رتبة الضرورة، كحل البيع، وكذا غير المنصوص على ما صححه النووي.
الرابع: ما لا على الأصح وهو ما فيه نص لكنه خفي غير مشهور كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب»[(778)] اهـ.
قال الغزالي: «أما إذا كفر ببدعته فعند ذلك لا يعتبر خلافه، وإن كان يصلي إلى القبلة، ويعتقد نفسه مسلما، لأن الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة بل عن المؤمنين وهو كافر، وإن كان لا يدري أنه كافر ، نعم لو قال بالتشبيه والتجسيم وكفرناه فلا يستدل على بطلان مذهبه بإجماع مخالفيه على بطلان التجسيم، مصيرا إلى أنهم كل الأمة دونه، لأن كونهم كل الأمة موقوف على إخراج هذا من الأمة، والإخراج من الأمة موقوف على دليل التكفير، فلا يجوز أن يكون دليل تكفيره ما هو موقوف على تكفيره فيؤدي إلى إثبات الشىء بنفسه، نعم بعد أن كفرناه بدليل عقلي لو خالف في مسألة أخرى لم يلتفت إليه، فلو تاب وهو مصر على المخالفة في تلك المسألة التي أجمعوا عليها في حال كفره فلا يلتفت إلى خلافه بعد الإسلام لأنه مسبوق بإجماع كل الأمة، وكان المجمعون في ذلك الوقت كل الأمة دونه، فصار كما لو خالف كافر كافة الأمة ثم أسلم وهو مصر على ذلك الخلاف فإن ذلك لا يلتفت إليه إلا على قول من يشترط انقراض العصر في الإجماع» [(779)] اهـ.
وقال شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني شارحا عبارة: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة»، ما نصه: «أقول هذا كلام قد اشتهر بين الناس، ونقل عن الأئمة مثل الشافعي وأبي حنيفة، وليس على إطلاقه؛ إذ المجسم كافر، وإن صام وصلى.
والحاصل: أن كل ما كان وجوده معتبرا في حصول الإيمان نافيه كافر، وإن قال بالتوحيد وصام وصلى»[(780)] اهـ. وهو كلام قوي منبه على ما تجده متفرقا في مجموع ما سبق ويأتي في هذه المسئلة. وليعلم أن قائل هذا الكلام هو ممن تولى تعليم السلطان محمد الفاتح، وولي القضاء في أيامه.
وقال المحدث الشيخ محمد أنور شاه الكشميري: «أهل القبلة في اصطلاح المتكلمين من يصدق بضروريات الدين أي الأمور التي علم ثبوتها في الشرع واشتهر، فمن أنكر شيئا من الضروريات كحدوث العالم وحشر الأجساد وعلم الله سبحانه بالجزئيات وفرضية الصلاة والصوم لم يكن من أهل القبلة، ولو كان مجتهدا بالطاعات، وكذلك من باشر شيئا من أمارات التكذيب كسجود للصنم والاستهانة بأمر شرعي والاستهزاء عليه فليس من أهل القبلة، ومعنى عدم تكفير أهل القبلة أن لا يكفر بارتكاب المعاصي، ولا بإنكار الأمور الخفية غير المشهورة، هـذا ما حققه المحققون فاحفظه»[(781)] اهـ.
وقال الكشميري في خاتمة رسالته إكفار الملحدين: «وبالجملة قولهم: «لا نكفر أحدا من أهل القبلة» كلام مجمل باق على عمومه، لكن له تفصيل طويل، والشأن في معرفة من هو من أهل القبلة ومن ليس منهم» [(782)] اهـ. ثم ذكر تقسيم الكفر إلى أربعة أقسام فقال: «الأول: كفر الجهل. والثاني: كفر الجحود والعناد. والثالث: كفر الشك. والرابع: كفر التأويل، إلى أن قال: ولما كان التوجه إلى القبلة من خواص معنى الإيمان سواء كان شاملة أو غير شاملة عبروا عن الإيمان بأهل القبلة، كما ورد في الحديث: «نهيت عن قتل المصلين»[(783)]، والمراد المؤمنين، مع أن نص القرآن على أن أهل القبلة هم المصدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع ما علم مجيئه به، وهو قوله تعالى: {…وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ… *} [(784)]، فليتأمل»[(785)] اهـ.
ويؤكد هذا ما قاله أبو بكر الإسماعيلي: «ويقولون (أي أهل السنة): إن أحدا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين لو ارتكب ذنبا أو ذنوبا كثيرة صغائر أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، قال تعالى: {…وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ… *} [(786)][(787)] اهـ.
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «ومذهب أهل الحق من السلف والخلف أنه لا يكفر أحد من المسلمين بذنب أو ذنوب من الكبائر، فقد ارتكبت الذنوب الكبائر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء فلم يعاملوا المجرمين معاملة المرتدين عن الدين، والقول بتكفير العصاة خطر على الدين لأنه يؤول إلى انحلال جامعة الإسلام، ويهون على المذنب الانسلاخ من الإسلام منشدًا «أنا الغريق فما خوفي من البلل»[(788)] اهـ.
وإذا تبين وتقرر ذلك، يطرأ هنا سؤال: ما هو كلام أهل العلم في أقوال ومذاهب أهل البدع من الفرق المنتسبة للإسلام ، خاصة أن في الكتب الكثير مما قد يظهر فيه الاضطراب والتضارب والتناقض لغير المحقق؟
الجواب: نقل السيوطي هذا المعنى فقال: «قاعدة: قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثنى من ذلك المجسم ومنكر علم الجزئيات، وقال بعضهم: المبتدعة أقسام:
الأول: ما نكفره قطعا كقاذف عائشة رضي الله عنها، ومنكر علم الجزئيات، وحشر الأجساد، والمجسمة والقائل بقدم العالم.
الثاني: ما لا نكفره قطعا، كالقائل بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وعلي على أبي بكر.
الثالث والرابع: ما فيه خلاف، والأصح التكفير أو عدمه، كالقائل بخلق القرآن، صحح البلقيني التكفير، والأكثرون عدمه[(789)]، وساب الشيخين، صحح المحاملي التكفير، والأكثرون عدمه»[(790)] اهـ.
وقد لخص هذا المبحث أبو البقاء الكفوي، فقال: «وعدم إكفار أهل القبلة موافق لكلام الأشعري والفقهاء، لاعتقادهم أن ما ذهبوا إليه هو الدين الحق، وتمسكهم في ذلك بنوع دليل من الكتاب والسنة، وتأويله على وفق هواهم، لكن إذا فتشنا عقائد فرقهم[(791)] الإسلاميين[(792)] وجدنا فيها ما يوجب الكفر قطعا، فلا نكفر أهل القبلة ما لم يأت بما يوجب الكفر. وهذا من قبيل قوله تعالى: {…إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا… *} [(793)]، مع أن الكفر غير مغفور، ومختار جمهور أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين عدم إكفار أهل القبلة من المبتدعة المؤولة في غير الضروريات، لكون التأويل شبهة، كما هو المسطور في أكثر المعتبرات، وأما منكر شىء من ضروريات الدين فلا نزاع في إكفاره، وإنما النـزاع في إكفار منكر القطعي بالتأويل»[(794)] اهـ.
إلى أن قال: «وخرق الإجماع القطعي الذي صار من ضروريات الدين كفر، ولا نزاع في إكفار منكر شىء من ضروريات الدين، وإنما النـزاع في إكفار منكر القطعي بالتأويل، فقد ذهب إليه كثير من أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين، ومختار جمهور أهل السنة منها عدم إكفار أهل القبلة من المبتدعة المؤولة في غير الضروريات، لكون التأويل شبهة ، كما في خزانة الجرجاني والمحيط البرهاني وأحكام الرازي وأصول البزدوي، ورواه الكرخي والحاكم الشهيد عن الإمام أبي حنيفة، والجرجاني عن الحسن بن زياد وشارح المواقف والمقاصد والآمدي عن الشافعي والأشعري، لا مطلقا» [(795)] اهـ.
وقال السخاوي في أثناء كلامه عمن تقبل روايته ومن لا: «هذا كله في البدع غير المكفرة، وأما المكفرة وفي بعضها ما لا شك في التكفير به، كمنكري العلم بالمعدوم القائلين ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو بالجزئيات، والمجسمين تجسيما صريحا ، والقائلين بحلول الإلهية في علي رضي الله عنه أو غيره»[(796)] اهـ.
وقال ابن أمير الحاج: «والمراد بالمبتدع الذي لم يكفر ببدعته، وقد يعبر عنه بالمذنب من أهل القبلة، كما أشار إليه المصنف سابقا بقوله: «وللنهي عن تكفير أهل القبلة» هو الموافق على ما هو من ضروريات الإسلام، كحدوث العالم، وحشر الأجساد، من غير أن يصدر عنه شىء من موجبات الكفر قطعًا من اعتقاد راجع إلى وجود إله غير الله تعالى، أو إلى حلوله في بعض أشخاص الناس، أو إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أو ذمه أو استخفاف به، ونحو ذلك المخالف في أصول سواها مما لا نزاع أن الحق فيه واحدٌ كمسألة الصفات وخلق الأعمال وعموم الإرادة وقدم الكلام، ولعل إلى هذا أشار المصنف رحمه الله تعالى ماضيًا بقوله: «إذ تمسكه بالقرءان أو الحديث أو العقل، إذ لا خلاف في تكفير المخالف في ضروريات الإسلام من القبلة المواظب طول العمر على الطاعات، وكذا المتلبس بشىء من موجبات الكفر ينبغي أن يكون كافرا بلا خلاف، وحينئذٍ ينبغي تكفير الخطابية لما قدمناه عنهم في فصل شرائط الراوي، وقد ظهر من هذا أن عدم تكفير أهل القبلة بذنب ليس على عمومه إلا أن يحمل الذنب على ما ليس بكفر فيخرج المكفّر به، كما أشار إليه السبكيّ»[(797)] اهـ.
وقال الشيخ محمد أنور شاه الكشميري: «واعلم أن أصل هذه المسألة – مسألة عدم تكفير أهل القبلة – مأخوذة مما رواه أبو داود رحمه الله في الجهاد: عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان: الكفُّ عمّن قال لا إله إلا الله، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل» [(798)] الحديث.
والمراد بالذنب فيه على عرف الشريعة غير الكفر، وكذلك هذه الجملة في عبارة الأئمة كالإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وغيره كالإمام الشافعي رحمة الله عليه، كما نقله في اليواقيت مقيدة بالذنب، فجاء الناظرون أو الجاهلون أو الملحدون فوضعوها في غير موضعها، وأصل هذه الأحاديث في إطاعة الأمير، والنهي عن الخروج ما صلوا، كما عند مسلم وغيره، وهو مقيد عنده وعند آخرين بقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» [(799)]، وهو المراد بما عند البخاري وغيره عن أنس: «من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلمُ، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم» [(800)] اهـ.
قلت (الكشميري): وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» دلالة على أن تلك الرؤية إلى الرائين، فلينظروا فيما بينهم وبين الله، ولا يجب عليهم تعجيزه بحيث يحصر لسانه ولا ينطلق بتأويل، بل إنما يجب أن يكون عندهم من الله فيه برهان لا غير.
ووقع عند الطبراني فيه كما في الفتح: «كفرا صُراحا» [(801)]، بصاد مهملة مضمومة ثم راء، فدل على أن التأويل في الصريح لا يقبل ، وقال في الفتح: قوله: «عندكم من الله فيه برهان» أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل[(802)]. فدل أنه يجوز التكفير بناء على خبر واحد وإن لم يكن متواترا، وكيف لا وهم يكفرون بما عدده الفقهاء من موجبات الكفر، أفلا يكفرون بما في حديث صحيح لم يقم على تأويله دليل، ودل أيضا أن أهل القبلة يجوز تكفيرهم وإن لم يخرجوا عن القبلة، وأنه قد يلزم الكفر بلا التزام وبدون أن يريد تبديل الملة، وإلا لم يحتج الرائي إلى برهان، فهم – كما في حديث آخر عند البخاري -: «من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وهم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» [(803)]. قال القابسي كما في الفتح: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون، وحمله الحافظ رحمه الله تعالى على الخوارج[(804)][(805)] اهـ.
وقال: «كان وضع هذه الرسالة في أن التصرف في ضروريات الدين والتأول فيها وتحويلها إلى غير ما كانت عليه، وإخراجها عن صورة ما تواترت عليه كفر، فإن ما تواتر لفظا أو معنى وكان مكشوف المراد، فقد تواتر مراده، فتأويله رد للشريعة القطعية، وهو كفر بواح، وإن لم يكذب صاحب الشرع وإنه ليس فيه إلا الاستتابة، ومن زعم أنه لا بد من إلقاء اليقين في قلبه وإثلاج صدره، فإذا عاند بعد ذلك فقد كفر وإلا فلا، فإن ذلك الزاعم لم يضع للدين حقيقة تارة، وإنما جعله يدور مع الخيال كيفما دار، وهذا باطل قطعا، فإن الأمر فيما ثبت ضرورة مفروغ منه، فمن ءامن به فقد دان بدين له، ومن أنكره فقد كفر وإن لم يقصد الكفر، وإنما الدور مع الظن في المحل المجتهد فيه لا في غيره»[(806)] اهـ.
تنبيه مهم: ثم ها هنا عبارة أخرى تحتاج للبيان والوقوف عليها، وهي قول الإمام الشافعي رضي الله عنه: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية»[(807)].
وينبغي لفهم هذه العبارة على وجهها أن ندرك المراد منها، لا أن تحمل على عمومها، بل الذي ينبغي التنبيه عليه إلى أنها كقول: «لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله».
والأهواء جمع هوى، وهو البدعة الاعتقادية، فكل من خالف أهل السنة في الاعتقاد فهو من أهل الأهواء، فقول الشافعي: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية» معناه أن المخالفين في العقيدة لأهل السنة لا يكفرون إلا من يعتقد عقيدة كفرية منهم، وأما من لم يُعْلَم منه ذلك فلا يكفر بل يعد مسلمًا مع انتسابه إلى بعض هذه الفرق المخالفة لأهل السنة، وأما الخطابية فمقالتهم ظاهرة وهي أنهم يجيزون الشهادة بالكذب لمن كان على مذهبه أي أن يشهد له عند الحكام فلما كان قضية الخطابية أمرًا واحدًا ظاهرًا وهو استحلال الشهادة بالكذب استثنى الشافعي بإطلاق رد شهادتهم بلا تفصيل، فينبغي أن تفهم المقالتان على هذا الوجه.
قال الحافظ سراج الدين البلقيني تعقيبا على كلام للنووي: «فائدة: الصحيح أو الصواب خلاف ما قال المصنف، وقول الإمام الشافعي رضي الله عنه محمول على من ذُكر عنه أنه من أهل الأهواء، ولم تثبت عليه قضية معينة تقتضي كفره، وهذا نص عام، ونص نصًّا خاصًّا على تكفير من قال بخلق القرءان والقول بالخاص هو المقدم.
وأما الصلاة خلف المعتزلة فهو محمول على ما قدمته من أنه لم يثبت عن المقتدين بهم ما يكفرهم»[(808)][(809)] اهـ.
ثم ذكر قول النووي: «وقد تأول البيهقي وغيره من أصحابنا المحققين ما جاء عن الشافعي وغيره من العلماء من تكفير القائلين بخلق القرءان على كفران النعم لا كفر الخروج عن الملة»، ثم قال أي البلقيني: «فائدة: هذا التأويل لا يصح لأن الذي أفتى الشافعي رضي الله عنه بكفره بذلك هو حفص الفرد، وقد قال: أراد الشافعي ضرب عنقي، وهذا هو الذي فهمه أصحابه الكبار، وهو الحق وبه الفتوى خلاف ما قال المصنف»[(810)] اهـ يعني بقوله المصنف النووي.
وحاصل كلام الحافظ البلقيني أن قول الشافعي: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية» اهـ، ليس معناه أن كل فرد من أهل الأهواء على اختلاف أهوائهم مسلم تصح الصلاة خلفه إنما مراده من لم تثبت في حقه قضية تقتضي كفره لأنه ليس كل منتسب إلى كل فرقة من فرق أهل الأهواء يعتقد كل معتقداتهم، بل إن منهم من يعتقد كل معتقداتهم، ومنهم من يعتقد بعض معتقداتهم من الضلال التي هي دون الكفر، وأن تأويل البيهقي لتلك المقالة غير صحيح لأن كبار أصحاب الشافعي لم يقولوا بذلك وأن هذا التأويل يرده قول الربيع الذي حضر مناظرة الشافعي لحفص الفرد وتكفيره له، وقول حفص الفرد: «أراد الشافعي ضرب عنقي»، دليل على فساد ذلك التأويل .
ثم هناك روايتان لكلام الشافعي إحداهما رواية من طريق عبد الرحمـن ابن أبي حاتم عن الربيع فيها التصريح أن الشافعيّ كفره[(811)].
ثم أيد البلقيني أن العبرة بنص الشافعي الخاص، وهو تكفيره لحفص الفرد على النص الآخر الذي هو عام، وأيّد ذلك بالقاعدة المقررة عند الأصوليين أنه إذا تعارض الخاص والعام قدم الخاص.
وقد حكى القاضي حسين عن نص الشافعي أنه قال: «وهذا منتظم من كفره مجمع عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة، كالقائلين بخلق القرآن، وبأنه لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش » [(812)] اهـ. وهذا نص خاص أيضا، يؤكد ما ذكرناه.
ونقل السيوطي هذا المعنى فقال: «قاعدة: قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثنى من ذلك المجسم ومنكر علم الجزئيات» [(813)] اهـ.
وعليه فمن المهم معرفة المراد بهاتين المقالتين قول بعض الأئمة: «لا نكفر أهل القبلة»، وقول الشافعي: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية»، فهاتان العبارتان كثير من الناس لم يفهموا المراد منهما، فظنوا أن الخوارج والمرجئة والمعتزلة وكلّ من خالفوا أهل السنة في العقيدة لا يكفّرون، وهذا الظن باطل، بل المراد بالمقالتين أن من لم تثبت في حقه قضية تقتضي كفره من مقالات أهل الأهواء فهو مسلم، أما من ثبت في حقه القول بمقالة تقتضي كفره فهو كافر، وذلك لأن بعضهم يوافقهم في شىء ويخالفهم في شىء مع انتسابه إليهم وشهرته بذلك، فلذلك جرت عادةُ كثير من المؤلفين في الحديث أنّ فلانًا روى عن فلان القدري، وأن فلانًا روى عن فلان المرجئ، ونحو ذلك، لأنه ما عرفَ عنه إلا الانتساب إليهم، ولم يعرف منه مقالة معينة من مقالاتهم الكفرية.
فما رواه الربيع من أنّ الشافعيّ روى عن فلان وهو قدري، فهو محمول على أنه لم يكن من القدرية الذين يعتقدون كفرياتهم، لأن بعض القدرية لا يعتقد مقالاتهم الكفرية، إنما يوافقهم في بعض الأمور. فتحمل رواية الشافعي عن هذا الرجل على هذا الباب، لأنه ثبت عن الربيع أنّ الشافعي كفر القدري، فيحمل تكفيره على من يقول بمقالاتهم الكفرية، وروايته عن هذا الراوي الذي ذكره الربيع على أنه من الصنف الآخر، أي من الذين لا يعلم فيهم الشافعي تلك المقالات الكفرية، وبهذا يتفق كلام الشافعي في التكفير وروايته عن بعضهم لأنه من المعروف بين أهل الأهواء أن بعضهم لا يعتقد جميع مقالات طائفته، إنما يعتقد بعضها وينتسب إليهم. وقد ذكر أبو حامد الشافعيّ كفر القدرية، كما حكاه صاحب البيان العمراني اليمني.
قال العمراني في البيان: «مسئلة: «قال الشافعيّ رحمه الله: «ولا ترد شهادة أحد من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقيه بتصديقه وقبول يمينه، ولشهادة من يرى أن كذبه شرك بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفس بقبولها ممن يخفف المأثم في ذلك» ، فنص بهذا على قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية. وقال في «الأم»: «ذهب الناس في تأويل القرءان والأحاديث والقياس، أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تَطولُ حكايته، فكان ذلك منهـم متقادمًا عن السلف وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلم أن أحدًا ممن سلف من هذه الأمة يُقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردّ شهادة أحد بتأويل، وإن خطأه وضلله ورءاه استحل منه ما حرم عليه، ولا رد شهادةُ أحد بشىء من التأويل كان له وجه يحتمله ، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول» اهـ، فكذلك أهلُ الأهواء ، وجملة ذلك أنه لا خلاف بين أصحابنا في أن شهادة الخطابية غير مقبولة، وهم أصحاب أبي الخطاب الكوفي، يعتقدون أن الكذب لا يجوز، فإذا ذكر بعضهم لبعض أن له على رجل حقًا حلّفه، وصدقه على ذلك، وشهد له بالحق الذي حلفه عليه لأنهم يشهدون بقول المدعي».
إلى أن قال: قال الشيخ أبو حامد: «أهل الأهواء على ثلاثة ضروب: ضرب نخطئهم ولا نفسقهم فهم الذين اختلفوا في الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد، مثل أصحاب مالك وأبي حنيفة، وغيرهما من أهل العلم الذين يخالفون في نكاح المتعة، وهو النكاح بلا وليّ ولا شهود وغير ذلك، فهؤلاء لا نفسقهم ولا نرد شهادتهم[(814)]. قال: وهذا الضرب هو الذي أراد الشافعي رحمه الله بأهل الأهواء الذين لم ترد شهادتهم دون غيرهم، لأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة في الفروع، وخطأ بعضهم بعضًا وأغلظ بعضهم على بعض في القول في الخطإ في ذلك، ولم يرد بعضهم شهادة بعض.
وأما الضرب الذين نفسقهم ولا نكفرهم فهم الروافض، الذين يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، والخوارج الذين يسبون عثمان وعليًّا رضي الله عنهما، فلا تقبل شهادتهم لأنهم يذهبون إلى شىء لا يسوغ فيه الاجتهاد، فهم معاندون مقطوع بخطئهم وفسقهم فلم تقبل شهادتهم، هذا خلاف قول القفال.
وأما الضرب الذين نكفرهم فهم القدرية الذين يقولون إنهم يخلقون أفعالهم استقلالاً دون الله، – أي مع قولهم إن الله أعطاهم القدرة عليها، فهم يرون أنهم يخلقون استقلالاً فيكفرون، ولو قالوا خلقنا فعلنا بقدرة أعطانا الله إياها – ومن يقول بخلق القرءان، – يعني من يقول: إن الله ليس له كلام صفة له إلا ما يخلقه في غيره -، ويقولون: إنّ الله لا يرى يوم القيامة، والجهمية النافون عن الله تعالى الصفات، لأن الشافعي رحمه الله تعالى قال في مواضع من كتبه: من قال بخلق القرءان فهو كافر، وإذا حكم بكفرهم فلا معنى لقبول شهادتهم.
والدليل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، فإذا مرضوا فلا تعودوهم، وإذا ماتوا فلا تَشهَدوهم»[(815)]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سب نبيًّا فقد كفر، ومن سب[(816)] صاحب نبي فقد فسق» . وروي عن عمر أنه قال: «لا تُجالِسوا القدرية» [(817)]، وأقل ما في هذا أن لا تقبل شهادتهم. وقال علي رضي الله عنه: «ما حكّمتُ مخلوقًا وإنما حكّمت القرءان»[(818)]، وكـان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، ولأن هذه المسائل قد نصب الله تعالى عليها أدلة، إذا تأملها المتأمل حصل له العلم بها فنسبوا في مخالفتها إلى العناد، كما ينسب المخالف في التوحيد”. انتهى كلام أبي حامد.
وقال أبو إسحاق في «الشرح»: «من قدَّم عليًّا على أبي بكر وعمر في الإمامة فُسّق ، لأنه خالف الإجماع. ومن فضّل عليًّا على أبي بكر وعمر وعثمان أو فضل بعضهم على بعض لم أفسقه وأقبل شهادته.
وأما قبول الشافعي رحمه الله لشهادة من يرى كذبه شركًا بالله فهم الخوارج، لأنهم يرون الكذب معصية وكفرًا تجب به النار. ولم يرد به أن شهادتهم تقبل وإنما أراد أن شهادتهم لا ترد لذلك، لأن ذلك أدعى إلى قبول شهادتهم، وإنما ترد شهادتهم لقولهم بخلق القرءان وأنهم يخلقون أفعالهم وغير ذلك»[(819)] انتهى.
ومراده بقوله: «من سب صاحب نبي فقد فسق» من كان من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن كان على سيرتهم، أما من ليس كذلك فليس مرادًا بهذا الحديث، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في صحابي خطب فقال في خطبته: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى». فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «بئس الخطيب أنت، قل ومن يعصِ الله ورسوله فقد غوى». هذا حديث صحيح رواه مسلم[(820)]. فقد قال الرسولُ هذا الكلام لهذا الحديث بسبب الكلام الفاسد المكروه، وهو قول ذلك الخطيب: «ومن يعصهما»، حيث جمع بين الله والرسول في ضمير واحد ، وذلك لأن هذا الجمع يوهم التسوية بين الله ورسوله .
وقول من قال من الأئمة: «لا نكفر أهل القبلة»، مرادهم من كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الكعبة قبلته لا نكفره بما يرتكبه من الذنوب أي ما لم يعلم منه ما يثبت الكفر في حقه، وليس مرادهم بذلك أن كل من يقول الشهادتين لا يكفر مع اعتقاده بعض الاعتقادات الكفرية، فإن هذا الإطلاق بعيد من مرادهم في هذه العبارة لأن كثيرًا ممن يقول الشهادتين وينتسب إلى الإسلام ويظن نفسه مسلمًا كفروا كفريات صريحة لا يتردد فيها عالم ولا جاهل، كقول البيانية: إن الله يفنى يوم القيامة كله إلا وجهه، أخطأوا في فهم هذه الآية: {…كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ… *} [(821)]، فظنوا أن الله له وجه مركب على البدن كالبشر وغيرهم من الملائكة والبهائم لأنهم أجسام مركب عليها وجه يكون أعلى البدن فقالوا أي البيانية إن الله يوم القيامة يفنى كله إلا الوجه[(822)]. وهؤلاء كانوا يقولون الشهادتين ويصومون ويصلون كغيرهم فهل يجوز ترك تكفيرهم لأنهم يقولون بألسنتهم لا إلـه إلا الله ويستقبلون قبلتنا بل يجب تكفيرهم. وكذلك من كان على مثل هذا ممن يعتقدون في الله أنه جسم مركب، وقد اغتر كثير ممن لا قدم له في فهم كلام العلماء فقال بترك تكفير كل من يقول لا إله إلا الله بلا فرق بين فرقة وفرقة وبين فرد وفرد ءاخر منهم.
وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي التميمي: «اعلم أن تكفير كل زعيم من زعماء المعتزلة واجب» [(823)] اهـ وذلك لأنهم عشرون فرقة، وزعماء هذه الفرق يعتقدون الكفر، وأما الأفراد المنتسبون إليهم فمنهم من يعتقد الكفر الذي عندهم، ومنهم من لا يوافقهم إنما يعتقد غير مقالاتهم التي هي كفر فيسمي الناس هذا معتزليًّا وهذا معتزليًّا. فإنّ من المعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء من ينتسب إليهم ولا يعتقد كل مقالاتهم الكفرية، وإنما يعتقد بعض مقالاتهم التي هي دون الكفر كالمعتزلي الذي وافقهم في نفي رؤية الله في الآخرة فإنّ هذا متأول لا يكفر.
وقال البغدادي في كتاب تفسير الأسماء والصفات، في الفصل الحادي عشر: في حكم الدار التي عليها أهل السنة والجماعة، والدار التي غلب عليها أهل الأهواء :
« فإن قيل: ما معنى وصف الدار بأنها دار إيمان وإسلام؟..
قيل: معناه أن كل أحد ممن وجدناه فيها حكمنا له بأنه مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وحكمنا لولده بحكمه.
وإن وجدنا في دار الإسلام ميتا غسلناه، وكفناه، وصلينا عليه، ودفناه في مقابر المسلمين من غير بحث في حاله، إلا رجلا عرفنا منه الكفر الذي لا يقر عليه بإقراره، أو بإظهاره زي أهله، فإنه لا يجوز مناكحته، وأكل ذبيحته، ولم تجز الصلاة حينئذ، ولا دفنه في مقابر المسلمين . وكذلك حكم من وجدناه لقيطا من هذه الدار من الأطفال لم يعرف من ولده، يجري عليه أحكام المسلمين. وكذلك القول في كل موضع وصفناه بأنها دار كفر، فمعناه الحكم على كل من فيه بأنه كافر، لا يصلي عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وحكم أطفالهم كحكمهم، إلا أن يكون فيهم من عرف إسلامه بعينه، فيكون حكمه حكم المسلمين» [(824)].
وقال في موضع آخر: «الفصل الثاني عشر في بيان تنفيذ أحكام أهل الأهواء، وبيان حكمها في الإجماع والاختلاف، وبيان أنه لا طاعة لهم ولا يصح منهم عبادة:
أجمع أصحابنا على أن المعتزلة والنجارية والجهمية والغلاة من الروافض والخوارج والجسمية لا اعتبار بخلافهم في مسائل الفقه، وإن اعتبر خلافهم في مسائل الكلام. هذا قول الشافعي رضي الله عنه في أهل الأهواء، وكذلك رواه أشهب عن مالك، والعباس بن الوليد عن الأوزاعي، ومحمد بن جرير الطبري، وإسناد له عن سفيان، وحكاه ابن جرير بإسناده عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن، وجماعة من أصحاب أبي حنيفة، وحكاه أبو ثور في أصوله عن جميع الأئمة من التابعين، وهم الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وعمر ابن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة، والأسود، ومحمد بن سيرين، وشريح القاضي، والزهري، وأقرانهم. واختلف فقهاء الأمة في قبول شهادتهم، فقال مالك بإبطال شهادة المعتزلة، وسائر أهل الأهواء، وقال الشافعي، وأبو حنيفة رضي الله عنهما بقبول شهادات أهل الأهواء إلا الخطابية فإنها ترى الشهادة بالزور، وإشارة الشافعي رضي الله عنه في كتاب القياس إلى رجوعه عن قبول شهادات المعتزلة، وهذا هو الأصح على قياس مذهبه . فأما الكلام في قضاء أهل البدع، وأحكام قضائهم، فإن الشافعي رضي الله عنه قال في الخوارج وأهل البغي إذا غلبوا على بلد، فأخذوا صدقات أهلها، وأقاموا عليهم الحدود: إنها لا تعاد فيهم، ولا يرد من قضاء قاضيهم، إلا ما يرد به قضاء قاضٍ غيرهم، وقال في موضع ءاخر: إذا كان غير مأمون برأيه على استحلال دم، ومال لم ينفذ قضاؤه، ولم يقبل كتابه، فيجب على هذا الأصل أن يرد قضاء من قال من المعتزلة بقتل مخالفيه غيلة، واستحلال أموالهم. فأما الصدقات التي أخذوها، والحدود التي أقاموها، فلا خلاف على مذهبه في أنها لا تعاد ثانية، فأما أهل الذمة إذا ادعوا أن الخوارج، وأهل البغي قد أخذوا منهم الجزية فلا يقبل قولهم فيها، إلا ببينة عادلة من المسلمين. وقال مالك، وأحمد بن حنبل بإبطال قضايا أهل الأهواء من الخوارج والغلاة والمعتزلة، كما أبطلا شهاداتهم. وبه قال داود، وأكثر أهل الظاهر، وزاد على ذلك داود قوله في الزكاة التي أخذوها: إنها لا تجزئ عن فروض أصحابها، وأوجب على الإمام قضاء قاضي أهل البغي. وخالفه ابنه أبو بكر في ذلك، فأجاز قضاء قاضي أهل البغي، دون قضاء قاضي المعتزلة، وأهل الأهواء. وأما الكلام في طاعات المعتزلة، وسائر أهل الأهواء الضالة، فإن أهل السنة والجماعة يجتمعون على أن الأهواء المؤدية إلى الكفر لا يصح منهم طاعة لله عز وجل، ما يفعلونه من صلاة، وصوم، وزكاة، وحج لأن الله عز وجل أمر عباده بإيقاع هذه العبادة على شرط مقارنة كاعتقاد صحيح العدل والتوحيد، وبشرط أن يراد بها التقرب إلى الله عز وجل، مع اعتقاد صفة الإله على ما هو عليه، ولا يجوز أن يقصده بالطاعة من لا يعرفه، وقد بينا قبل هذا أن المعتزلة، وسائر أهل البدع الضالة، غير عارفين بالله عز وجل، لاعتقادهم فيه خلاف ما هي عليه في عدله، وحكمته. وليس شىء من الطاعات يصح وقوعها طاعة من العبد لله عز وجل من غير قصد منه إلى التقرب به، إلا طاعة واحدة وهي النظر والاستدلال الواقع من المكلف عند توجه التكليف عليه، فإنه قبل نظره واستدلاله لا يكون عارفا بالله عز وجل، فلا يصح منه التقرب إلى الله عز وجل، لأنه أمره بها وما بعدها من العبادات، فلا يكون طاعة لله عز وجل إلا ممن عرفه سبحانه، وقصد بفعله التقرب إليه، وأهل البدع خارجون عن معرفة الله، وطاعته، فخرجوا من أجل ذلك عن الإيمان، وعن عماد أهل الإسلام، والحمد لله على العصمة من البدعة والله تعالى أعلم» [(825)].
وقال أيضًا: «وأما أهل الأهواء من الجارودية والهشامية والنجارية والجهمية والإمامية الذين كفروا أخيار الصحابة، والقدرية المعتزلة، والبكرية المنسوبة إلى بكر ابن أخت عبد الواحد، والضرارية والمشبهة كلها، والخوارج فإنا نكفرهم كما يكفرون أهل السنة ، ولا تجوز الصلاة عليهم عندنا، ولا الصلاة خلفهم ، واختلف أصحابنا في التوارث منهم، فقال: بعضهم نرثهم ولا يرثوننا، وبناه على قول معاذ بن جبل: «إن المسلم يرث من الكافر والكافر لا يرث من المسلم»، والصحيح عندنا أن أموالهم فئ لا توارث بينهم وبين السني، وقد روى أن شيخنا أبا عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي لم يأخذ من ميراث أبيه شيئا، لأن أباه كان قدريا… إلى أن قال: وروى يحيى بن أكثم أن أبا يوسف سئل عن المعتزلة فقال: هم الزنادقة . وأشار الشافعي في كتاب الشهادات إلى جواز شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، الذين أجازوا شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم، وأشار في كتاب القياس إلى رجوعه عن قبول شهادة المعتزلة وسائر أهل الأهواء ورد مالك شهادة أهل الأهواء في رواية أشهب عن ابن القاسم والحارث بن مسكين عن مالك أنه قال في المعتزلة: زنادقة لا يستتابون بل يقتلون»[(826)] اهـ.
وقال أيضًا: «فأما أصحابنا فإنهم وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة والغلاة من الخوارج والنجارية والجهمية والمشبهة فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملتهم في عقود البياعات والإجارات والرهون وسائر المعاوضات دون الأنكحة، فأما مناكحتهم وموارثتهم والصلاة عليهم وأكل ذبائحهم فلا يحل شىء من ذلك إلا الموارثة ففيها خلاف بين أصحابنا، فمنهم من قال: إن مالهم لأقربائهم من المسلمين، لأن قطع الميراث بين المسلم والكافر إنما هو في الكافر الذي لا يعد في الملة، ولأن خلاف القدري والجهمي والنجاريّ والمجسم لأهل السنة والجماعة أعظم من خلاف النصارى لليهودي والمجوسي، وقد أجمع الشافعي وأبو حنيفة على وقوع التوارث بينهم مع اختلاف أديانهم، وكذلك التوارث بين المسلم وبين الكافر من أهل الأهواء دون الكافر الخارج عن الملة بجحده بالله عزّ وجل أو برسوله أو بكتابه، وهم يقولون في القرامطة والباطنية وفي الغلاة القائلين بالتناسخ وبالغلط في الوحي حكمُهم حكم الخارج عن الملة وعن حكم الذمة فلا تحل موارثتهم، ويكون ما خلّفوه فيئًا للمسلمين. ومنهم من قال إن حكم أهل الأهواء حكم المرتدين، لا يرثون ولا يورثون، ولا يرث بعضهم من بعض، وحكي عن محمد ابن الحنفية وجماعة من التابعين أنهم قالوا بتوريث المسلم من أهل الأهواء، ولم يورثوا أهل الأهواء من المسلمين، وكذلك قالوا في المسلم والكافر إن المسلم يرث من الكافر والكافر لا يرث من المسلم، وإلى هذا القول ذهب شيخ أهل الحديث إسحاق بن راهويه، ورواه هو بإسناده عن معاذ بن جبل، وروى غيره مثل ذلك عن مسروق وسعيد بن المسيّب، وأنهم قالوا: الإسلام يزيد ولا ينقص. وقال قوم من التابعين: لا يرث أهل السنة من أهل الأهواء، ولا يرث بعضهم من بعض، وكل أهل مذهب يكفر أهل مذهب ءاخر فلا توارث بينهما، وكذلك كل صنف من أهل الكفر يكفر صنفًا ءاخر منهم فهما ملتان لا يتوارثان، وبه قال الزهري وربيعة والنخعي والحسن بن صالح بن حي وأحمد بن حنبل، وقال قوم: أموال أهل الأهواء لأهل بدعتهم فلا يرث منهم أهل السنة، وكذلك قالوا في مال المرتد إذا مات إنه لأهل الدين الذي ارتد إليه دون المسلمين، وبه قال قتادة وبعض أهل الظاهر»[(827)] اهـ.
فهذه عبارات الإمام أبي منصور فكن على ذكر منها، وفي ضمنها فوائد يحتاج مطالعها إلى التنبيه:
* منها أن المعتزلة كفار بشرط أن يكون هذا المعتزلي يعتقد أصول مقالاتهم، وهي إثبات الخلق بمعنى الإحداث من العدم للعبد بقدرة أعطاه الله إياها، وأنه كان قادرا على خلقها قبل أن يعطيه القدرة عليها، فلما أعطاه القدرة عليها صار عاجزا، والقول بأن الله لم يرد ما يقع من العباد من المعاصي والمكروهات، إلا ما يقع منهم من الحسن.
* ومنها أن كلام الشافعي بقبول شهادة أهل الأهواء بالمعنى الشامل للمعتزلة وغيرها محمول على أنه أراد من لم يقل منهم بما يؤدي إلى الكفر، لأنه ليس كل منتسب إليهم يعتقد عقيدة الآخرين، لأن الواحد قد ينتسب إلى المعتزلة والكرامية[(828)] وغيرهم من أهل البدع المشتملة على الكفر، من غير أن يشارك الآخرين في تلك المسائل المؤدية إلى الكفر كما ذكر أبو منصور أنه لقي أناسا من الكرامية لا يعرفون عقائدهم إنما يتعلقون بالاسم، وكذلك في المعتزلة أناس ينتسبون إليهم وهم خالون عن اعتقاد أقوالهم التي تؤدي إلى الكفر، وهذا ما صرح به الإمام سراج الدين البلقيني في عبارته التي نقلناها من حاشيته على روضة الطالبين، وذلك محمل كلام بعض الشافعيين الذين ذكر عنهم أن المعتزلة لا يكفرون. فتبيين بهذا أن لا عبرة بقول من أطلق ترك تكفيرهم على غير هذا المعنى، كبعض المتأخرين من الشافعية حيث صرح بعدم تكفيرهم مع نسبة القول بخلق العبد فعله إليهم، فإن هذا ليس من كبار أصحاب الشافعي.
* وهنا دقيقة يجب التنبه لها وهي أن القول بخلق القرءان كفر بالنسبة لأناس وليس بكفر بالنسبة لأناس، فمن نفى ثبوت صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به، وهو كونه متكلم بكلام أزلي أبدي، بل يعتقد أن الله متكلم بمعنى خالق الكلام في غيره، ويطلق مع ذلك القول بأن القرءان مخلوق، فهو الذي يكفر. وأما من يطلق هذا اللفظ ويثبت الكلام بمعنى الصفة الأزلية الأبدية بمعنى أنه قائم بذات الله، كقيام علمه وغيره من صفاته بذاته، ويقول مع ذلك بأن القرءان يطلق على هذا الكلام الذي هو صفة أزلية أبدية، ويطلق على اللفظ المنزل، ويعتقد في اللفظ المنزل أنه مخلوق لله ليس من تأليف أحد من خلق الله، فهذا لا يكفر ولا يدخل تحت قول الشافعي لحفص الفرد: «لقد كفرت بالله العظيم»، كما لا يدخل تحت ما شهر عن كثير من الأئمة أنهم قالوا: «من قال القرءان مخلوق فهو كافر»، فإنه لا يظن بإمام من أئمة الهدى أنه يعتقد أن اللفظ المنزل صفة قائمة بذات الله، لأنه يلزم من ذلك جعل ذات الله القديم محلا للحادث، والذات الذي يكون محلا للحادث حادث لا يكون قديما، وذلك مما يجل عنه مقام أئمة الهدى كجعفر الصادق وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم، لأن ذلك مما لا يخفى بطلانه على أدنى طالب علم، بل ولا أدنى مسلم عرف تنزيه الله عن مشابهة خلقه من جميع الوجوه.
وقد نقل عن الإمام أبي حنيفة ما هو صريح فيما قلنا، فإنه قال في مسألة الكلام: «ما قام بالخالق فهو غير مخلوق، وما قام بالخلق فهو مخلوق “اهـ. يعني بالجزء الأول من هذه العبارة الكلام الذاتي القائم بذات الله الذي هو أزلي أبدي كسائر صفاته، ويعني بالجزء الثاني اللفظ المنزل. وما نقل عن الإمام أحمد من نهيه عن القول : «لفظي بالقرءان مخلوق»، والقول: «لفظي بالقرءان غير مخلوق” ينزل على أنه أراد ما ذكرنا.
* ومنها أنه ليس كل من شهر بأنه وافق المعتزلة في مسألة معتزليّا على الحقيقة فيحكم عليه بحكمهم، وذلك كالخلفاء الثلاثة من العباسيين المأمون وتالييه، فإنه لا يجوز الشهادة عليهم بأنهم معتزلة لأنه لم يثبت عنهم سوى القول بهذا اللفظ «القرءان مخلوق»، والظن بهم أنهم قصدوا اللفظ المنزل من غير نفي الكلام الذاتي. ونظير هذا قول بعض الفقهاء في الخوارج إن بعضهم يكفرون وبعضهم لا يكفرون، كما ذكره الحافظ ابن حجر في شرح البخاري في أثناء شرح الأحاديث الواردة في الخوارج.
فتبصر أيها المطالع ولا تكن مترددا.
ـ[771] اللمع في أصول الفقه للشيرازي: (ص/129)، القول في الاجتهاد.
ـ[772] العقيدة النسفية لعمر بن محمد النسفي (ص/34)، ضمن كتاب مجموع مهمات المتون.
ـ[773] العقيدة الطحاوية: (31_32).
ـ[774] القلائد شرح العقائد، لمحمود بن أحمد بن مسعود القونوي النسفي (ص/200).ـ[775] رواه الرازي في المحصول عن العنبري: (6/41)، وقال: واتفق سائر العلماء على فساد هذا القول.
ـ[776] اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص/129)، القول في الاجتهاد، باب القول في أقوال المجتهدين وأن الحق منها في واحد أو كل مجتهد مصيب.
ـ[777] الأشباه والنظائر (1/488).
ـ[778] المستصفى (1/145).
ـ[779] الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع: (ص/656)، لأحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني، تحقيق قبلان التركي، دارصادر، بيروت، ومكتبة الإرشاد، استانبول.
ـ[780] إكفار الملحدين والمتأولين في شىء من ضروريات الدين للمحدث الشيخ محمد أنور شاه الكشميري المتوفى سنة1352هـ (ص/17)، وفي التعليق علامة أنه نقله من شرح عقائد النسفي المسمى بالنبراس (ص/572). وهذا الكتاب كان وضعه لبيان كفر القاديانية جماعة غلام أحمد مدعي النبوة من ناحية الهند، والذين حماه الإنكليز أيام استعمارهم لتلك البلاد.
ـ[781] إكفار الملحدين (ص/123).
ـ[782] أخرجه أبو داود في سننه (4928): كتاب الأدب: باب في الحكم في المخنثين، من حديث أبي هريرة، والبيهقي في سننه الكبرى (16765): كتاب الحدود: باب ما جاء في نفي المخنثين، من حديث أبي هريرة.
ـ[783] سورة البقرة: جزء من الآية 217 .
ـ[784] إكفار الملحدين (ص/21 – 22).
ـ[785] سورة النساء: في موضعين: الأول: جزء من الآية 48، والثاني: جزء من الآية 116 .
ـ[786] اعتقاد أئمة الحديث (ص/64).
ـ[787] التحرير والتنوير (1/375).
ـ[788] ولخطورة هذه المسألة ينبغي الوقوف عليها، والتنبيه إلى أن الفصل فيها أن من قال بأن كلام الله بمعنى الصفة الذاتية مخلوق فلا شك في كفره ولا تردد= = عند الكل، أما من أطلق هذا اللفظ أي القول بخلق القرآن ولا يريد من ذلك إلا أن اللفظ المنـزل هو المخلوق فلا يكفر، ومع ذلك فإن هذا الإطلاق ممنوع عند أهل السنة، وهذا هو التفصيل المرضي عند المحققين في بيان قولهم: إن القائل بخلق القرآن كافر.
ـ[789] الأشباه والنظائر (1/488).
ـ[790] أي فرق أهل القبلة.
ـ[791] أي المنتسبين إلى الإسلام فهم قسم منهم ينتسبون إلى الإسلام حقيقة، وقسم ينتسبون إليه وهم في الحقيقة غير مسلمين، وكذلك لما يقول بعض العلماء في معرض الذم: «الفلاسفة الإسلاميون»، فهم الذين ينتسبون الى الإسلام وهم ليسوا مسلمين، وهم الذين كفرهم الغزالي والزركشي وغيرهما.
ـ[792] سورة الزمر: جزء من الآية 53 .
ـ[793] كليات أبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ص/765).
ـ[794] كليات أبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ص/766).
ـ[795] فتح المغيث شرح ألفية الحديث للشيخ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (1/333).
ـ[796] التقرير والتحبير لابن أمير الحاج وهو تلميذ الحافظ ابن حجر والكمال بن الهمام (3/423-424).
ـ[797] أخرجه أبو داود في سننه (2532): كتاب الجهاد: باب في الغزو مع أئمة الجور، من حديث أنس بن مالك، والبيهقي في سننه الكبرى (18261): كتاب السير: باب الغزو مع أئمة الجور، كذلك من حديث أنس بن مالك.
ـ[798] أخرجه البخاري في صحيحه (6647): كتاب الفتن: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سَتَرونَ بعدي أُمُورًا تُنكِرُونها، من حديث عبادة بن الصامت، ومسلم في صحيحه (1709): كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأُمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، من حديث عبادة بن الصامت.
ـ[799] أخرجه البخاري في صحيحه (385): كتاب الصلاة: أبواب القبلة: باب فضل استقبال القبلة، من حديث أنس بن مالك، والنسائي في سننه الكبرى (3430): كتاب تحريم الدم: المقدمة، من حديث أنس بن مالك.
ـ[800] لم أجده حيث أشار الشيخ الكشميري لكنه في فتح الباري (13/8).
ـ[801] فتح الباري (13/8).
ـ[802] أخرجه البخاري في صحيحه (3411): كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام، من حديث عبادة بن الصامت، ومسلم في صحيحه (1847): كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطّاعة ومفارقة الجماعة، من حديث عبادة بن الصامت.
ـ[803] فتح الباري (13/36).
ـ[804] إكفار الملحدين في ضروريات الدين (ص/20 – 21 – 22).
ـ[805] إكفار الملحدين في ضروريات الدين (ص/128)، في خاتمة الرسالة المبينة.
ـ[806] رواه النووي في شرح مسلم (7/160)، (1063) قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن يعدل اذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت».
ـ[807] وعبارة النووي: وأطلق القفال وكثيرون من الأصحاب القول بجواز الاقتداء بأهل البدع، وأنهم لا يكفرون، قال صاحب العدة: وهو ظاهر مذهب الشافعي، قلت: هذا الذي قاله القفال وصاحب العدة هو الصحيح أو الصواب، فقد قال الشافعي رحمه الله: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية»، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، ولم يزل السلف والخلف على الصلاة خلف المعتزلة وغيرهم ومناكحتهم وموارثتهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم. روضة الطالبين (1/352).
ـ[808] حواشي روضة الطالبين لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (1/352).
ـ[809] حواشي روضة الطالبين لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (1/353).
ـ[810] تبيين كذب المفتري (ص/339 – 340).
ـ[811] نجم المهتدي لابن المعلم القرشي (ص/551) مخطوطة.
ـ[812] الأشباه والنظائر (1/488).
ـ[813] هذا فيمن لم يبلغهم التحريم من الحديث.
ـ[814] أخرجه الحاكم في المستدرك: (1/159)، (286)، كتاب الإيمان.
ـ[815] أي من سبّه بغير حق.
ـ[816] رواه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى: (2/210)، (1762)، محمد بن كعب القرظي.
ـ[817] رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: (1/369)، (323)، سياق ما روي من إجماع الصحابة على أن القرآن غير مخلوق.
ـ[818] البيان في مذهب الإمام الشافعي (13/280 – 284)، مسألة شهادة أهل الأهواء.
ـ[819] أخرجه مسلم في صحيحه: (2/594)، (870)، كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة.
ـ[820] سورة القصص: جزء من الآية 88 .
ـ[821] الفرق بين الفرق: (214).
ـ[822] أصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص/359).
ـ[823] تفسير الأسماء والصفات: مخطوط تقدم المكتبة البريطانية قسم المجموعات الشرقية والمكتبة الهندية (ص/459).
ـ[824] تفسير الأسماء والصفات (ص/460 – 461).
ـ[825] الفرق بين الفرق (ص/350).
ـ[826] تفسير الأسماء والصفات لأبي منصور البغدادي مخطوط في مكتبة قيصري – تركيا -…
ـ[827] الكرامية: أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشر فرقة وأصولها ست: العابدية، والتونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية، ولكل واحدة منهم رأي: الملل والنحل للشهرستاني (ص/87).
ـ[828] النهاية في غريب الأثر (4/248).
مدار الحكم على من وصف الله بالجسمية أو الجهة
فأكفر هؤلاء العلماء كما رأيت فيما تقدم من النقول من زعم أن البارئ جسم متركب مؤلف محدود، أما من لم يدرك معنى الجسم في لغة العرب، ظنا منه أن معناه مقصور في اللغة على الموجود مثلا، إن كان حاله في ذلك أنه كالأعجمي، ولم يصفه مع ذلك بمعانى الأجسام، فلم يكفروه أي مع كونه سماه جسما، وأكفروا من زعم أن الله سبحانه يرى كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالا فيه دون مكان ولم يزعموا أنه يرى لا كالمرئيات.
تنبيه إلى خيانة خطيرة:
قال جلال علي الجهاني في مقدمته التمهيدية على أجوبة إمام الحرمين على مسائل الصقلي: ثم اطلع عليها الأستاذ الكبير العلامة المحقق سيدي أبو الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى، وكتب عليها تعليقات نفيسة ومحررة، فجزاه الله خير الجزاء على ذلك الجهد، فكل ما تراه من تعليقات فهي من الأستاذ الكبير.
وكتب الشيخ أبو محمد عبد الحق بن محمد بن هارون الصقلي إلى الإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني النيسابوري، على مسائل، فأجابه، والجواب مشتمل على السؤال، فلا معنى للتطويل بإيراد السؤال، وذلك بمكة – حرسها الله – عام خمسين وأربعمائة.
وقد فوجئنا بعنوان خبيث، وهو قولهم: إثبات سمة العارفين لمن قال: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام.
بينما العنوان المطبوع في المعيار المعرب[(1005)] نصه هو التالي: اعتقاد البعض أن الله عظيم كالأجسام العظيمة.
وتابع ناقلا: «حرس الله الشيخ الجليل الأوحد، وأدام عزه، وأجزل من كل موهبة مؤيده، والحمد لله كفاء أفضاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
هذا وقد وقفتُ على عزيز خطابه، وأحطت علمًا بمضمون كتابه، فألفيتُه محتويًا على مسائل: منها مسألة صادفتها منطوية على اعتقاد بعض العوام، أن الله سبحانه عظيم كالأجسام العظيمة، التي تعظم بكثرة الأجزاء، والمسألة عن إثبات سمات العارفين لمن هذا وصفه ، فأقول – والله المستعان وعليه التكلان -:
إن هذا مما اختلف فيه مذاهب الأئمة ، وأنا أذكر الأرجح والأوضح إن شاء الله تعالى.
اتفق المحققون أن من أسند نظره في حدوث العالم وأفضى به الدليل إلى العلم به، ثم نظر فتحقق لديه أن العالم الحادث الذي يجوز تقدير حدوثه ويجوز تقدير استمرار عدمه – إذا اختص بالحدوث افتقر إلى محدِث مخصِّص.
فإذا قاد الناظرَ نظرُه وسَلِمَ من الآفات والعاهات المانعة من استمرار النظر، فهو عالم بالمحدِث، وعارف بصانع العالم على الجملة، وإن لم ينظر فيما يجب لله من الصفات وفيما يجوز عليه وفيما يجب تقديسه وتنـزيهه عنه .
فأما من اعتقد في صفات الباري ما يتقدَّس الرب عنه، نحو أن يعتقد في صفات الإله ما اشتملت المسألة عليه، فقد اختلفت طرق الأئمة فيه:
فصارت طائفة منهم إلى أنّ من اعتقد أن الرب عظيم بالذات، على معنى كثرة الأجزاء وتركيبها في تأليفها، وأنه عز وجل مختص ببعض الجهات والمحاذات، وأن الأجسام المحدودة والأجرام المتقررة بأقطارها وآثارها تقابله في بعض جهاته، فهو غير عالم بالله رب العالمين.
فإنه علق معتقده بموجود ليس بإله، بل هو على صفات المخترعات وسمات المحدثات، فقد اعتقد موجودًا غير الإله، واعتقد الإلهية [فيه]، فينزل منزلة من يعتقد أن الأصنام آلهة!!
فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره ، وقد ارتضاه القاضي في «نقض النقض».
وذكر في باب الهداية في باب تكفير المتأولين طريقةً أخرى، فقال: الجهل بالصفات لا يضاد العلم بالصانع على الجملة، كما أن الغفلة عن الصفات والذهول عنها علمًا وجهلاً في ابتداء النظر لا ينافي العلم بالصانع، وكل ما لا ينافي الغفلة عند العلم بالمعلوم والجهل به، لا ينافي العلم به أيضًا، اعتبارًا بكل معلومين.
فعلى هذه الطريقة قال في مثبتي الجهة: هم عالمون بما فيه، كافرون بصفاته جاهلون .
ثم وجّهَ على نفسه سؤالاً وانفصل عنه فقال: لو قال قائل: يلزم على موجب القاعدة التي مهدتموها أن [لا] تطلقوا القول بأن النصارى كافرون بالله جاهلون به، بل تقولوا: هم كافرون بصفات الإله، كاستحالة الحلول عليه !!
فقال مجيبًا: قد أجمعت الأمة على تكفيرهم وتجهيلهم، فاستبان لنا بالإجماع أنهم غير عارفين بالله وأنهم مقلدون غير مستيقنين، إذ لا تجتمع الأمة على الباطل، فلم يعرف كفرهم بالله من حيث وصفوه بما يتقدس عنه، بل عرفنا ذلك بنصوص الكتاب.
والكلام في هذا يطول، فرأيتُ إيثار الاختصار، واختيار الاقتصار على ما يقع به الاكتفاء أحرى» اهـ.
تأمل أخي القارئ إلى الآتي:
قوله: «فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره » اهـ.
ثم قوله: «فعلى هذه الطريقة قال في مثبتي الجهة: هم عالمون بما فيه، كافرون بصفاته جاهلون » اهـ.
تلاحظ أنه في الطريقتين قد توصل الأئمة إلى تكفير المجسم، وإنما اختلفوا في وجه الدلالة على كفرهم لا غير.
ولكن الفساد وقع في العنوان الخطير المناقض لمضمون كلام إمام الحرمين، وهو ما أشرنا إليه من قبل أننا فوجئنا به، وهو قولهم: إثبات سمة العارفين لمن قال: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام، بينما العنوان المطبوع في المعيار المعرب (11/231) هو التالي: اعتقاد البعض أن الله عظيم كالأجسام العظيمة، وهي خيانة خطيرة .
على أن لإمام الحرمين الجويني كتب أخرى تؤكد ما قلناه هنا ومنها كتابه الإرشاد، وفيه ما نصه: « ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصيص بالجهات.
وذهبت الكرامية وبعض الحشوية إلى أن البارئ، تعالى عن قولهم، متحيز مختص بجهة فوق، تعالى الله عن قولهم، ومن الدليل على فساد ما انتحلوه أن المختص بالجهات يجوز عليه المحاذاة مع الأجسام، وكل ما حاذى الأجسام لم يخل من أن يكون مساويا لأقدارها، أو لأقدار بعضها، أو يحاذيها منه بعضه، وكل أصل قاد إلى تقدير الإله أو تبعيضه فهو كفر صراح» [(1006)] اهـ.
وقال رحمه الله: «فذهبت طوائف إلى وصف الرب بما يتقدس في جلاله عنه، من التحيز في جهة حتى انتهى غلاة إلى التشكيل والتمثيل تعالى الله عن قول الزائغين. والذي دعاهم إلى ذلك طلبتهم ربهم من المحسوسات، وما يتشكل في الأوهام ويتقدر في مجاري الوساوس، وخواطر الهواجس ، وهذا حيد بالكلية عن صفات الإلهية، وأي فرق بين هؤلاء وبين من يعبد بعض الأجرام العلوية »[(1007)] اهـ.
وقال: «ثم ما يحاذي الأجرام يجوز أن يماسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها كان حادثا، إذ سبيل الدليل على حدث الجواهر قبولها للماسة والمباينة على ما سبق. فإن طردوا دليل حدث الجواهر، لزم القضاء بحدث ما أثبتوا متحيزا؛ وإن نقضوا الدليل فيما ألزموه، انحسم الطريق إلى إثبات حدث الجواهر»[(1008)] اهـ.
وقال: «ثم الاستواء بمعنى الاستقرار بالذات ينبئ عن اضطراب واعوجاج سابق، والتزام ذلك كفر»[(1009)] اهـ.
وقال: «فإن قيل: هلا أجريتم الآية على ظاهرها من غير تعرض للتأويل، مصيرا إلى أنها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله، قلنا: إن رام السائل إجراء الاستواء على ما ينبئ عنه في ظاهر اللسان، وهو الاستقرار، فهو التزام للتجسيم؛ وإن تشكك في ذلك كان في حكم المصمم على اعتقاد التجسم، وإن قطع باستحالة الاستقرار، فقد زال الظاهر، والذي دعا إليه من إجراء الآية على ظاهرها لم يستقم له، وإذا أزيل الظاهر قطعا فلا بد بعده في حمل الآية على محمل مستقيم في العقول مستقر في موجب الشرع. والأعراض عن التأويل حذرا من موقعة محذور في الاعتقاد يجر إلى اللبس والإيهام، واستنـزال العوام، وتطريق الشبهات إلى أصول الدين، وتعريض بعض كتاب الله تعالى لرجم الظنون والمعنى بقوله تعالى: {…وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} الآية، مراجعة منكري البعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في استعجال الساعة، والسؤال عن منتهاها وموقعها ومرساها. والمراد بقوله تعالى: {…وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} ، أي وما يعلم مآله إلا الله، ويشهد لذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} الآية، والتأويل فيها يحمل على الساعة في اتفاق الجماعة[(1010)].
قال إمام الحرمين الجويني: “فصل في أن الله ليس جسما خلافا للكرامية:
صرحت طوائف من الكرامية بتسمية الرب تعالى عن قولهم جسما، وسبيل مفاتحتهم بالكلام أن نقول: الجسم هو المؤلف في حقيقة اللغة، ولذلك يقال في شخص فضل شخصا بالعبالة[(1011)] وكثرة تآليف الأجزاء إنه أجسم منه وإنه جسيم، ولا وجه لحمل المبالغة إلا على تآلف الأجزاء. فإذا أنبأتنا المبالغة المأخوذة من الجسم على زيادة التأليف، فاسم الجسم يجب أن يدل على أصل التأليف؛ إذ الأعلم لما دل على مزية في العلم، دل العالم على أصله.
ثم نقول: إن سميتم البارئ تعالى جسما وأثبتم له حقائق الأجسام، فقد تعرضتم لأمرين: إما نقض دلالة حدث الجواهر، فإن مبناها على قبولها للتأليف والمماسة والمباينة؛ وإما إن تطردوها وتقضوا بقيام دلالة الحدث في وجود الصانع. وكلاهما خروج عن الدين، وانسلال عن ربقة المسلمين.
ومن زعم منهم أنه لا يثبت للبارئ تعالى أحكام الأجسام، وإنما المعنى بتسميته جسما الدلالة على وجوده؛ فإن قالوا ذلك قيل لهم: لم تحكمتم بتسمية ربكم باسم ينبئ عما يستحيل في صفته، من غير أن يرد به شرع أو يستقر فيه سمع، وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدا»[(1012)] اهـ.
وقال الإمام الجويني أيضًا: «فصل مشتمل على ذكر شبه المجسمة والانفصال عنها: ومما تمسكوا به أن قالوا: قد ثبت أن القديم تعالى مخترع على الحقيقة، ثم تدبرنا أحوال الفاعلين شاهدا، فلم نجد فاعلا ليس بجسم، بل استحال ذلك في الشاهد، فيجب القضاء بذلك على كل فاعل. قالوا: وهذا كما أن الواحد منا لما استحال أن يكون عالما من غير علم، لزم طرد ذلك شاهدا وغائبا. وربما يستشهدون في شبههم هذه بالوجود فيقولون: لما علمنا وجوب الوجود للفاعل منا، قضينا بذلك على كل فاعل. فإذا وجب ذلك في وصف الوجود، وجب في الذي تنازعنا فيه.
وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه: أحدها أن نقول: قد بنيتم كلامكم على كون الفاعل جسما في الشاهد، وهذا مما تمنعون منه. فإن الفاعل عندنا: كل جوهر فرد، فلا تتصف جملة بأنها تفعل فعلا واحدا. وإذا حرك المحرك يده على الاختيار واقتدار، فلا نقول صدرت الحركات من جملة اليد، بل صدر من كل جزء من أجزاء اليد حركة اختص ذلك الجوهر باكتسابها. فاستبان بذلك أن ما ادعوه في الشاهد فهم منه ممنوعون، وعن الاستدلال به مدفوعون. ويتضح ما قلناه بأن نعلمهم أن الرب تعالى لو خلق جوهرا فردا، وخلق له الحياة والعلم والقدرة، لكان ذلك ممكنا جائزا.
واعلموا أنه ليس من فرق المجسمة من ينكر ذلك، وإنما أنكره المعتزلة دون غيرهم من أصحاب المذاهب. فوضح بذلك بطلان ما عولوا عليه من أمر الشاهد. ثم لو سلم لهم جدلا ما ادعوه شاهدا، وقلنا لهم: كل فاعل من المحدثين جسم فليس في ذلك مستروح. فإن ذلك وإن سلم لهم تقديرا، فلسنا نقول: إنما كان الجسم حيث كان فاعلا، فلم نوجب القضاء بذلك على كل فاعل.
ثم أقصى ما تمسكوا به رد الغائب إلى الشاهد من غير تحقيق جمع بينهما. والتمسك بهذه الطريقة يجر إلى الدهر والإلحاد ونفي الإله. إذ لو قال قائل: لم نعقل فاعلا محسوسا إلا حادثا، فيجب طرد ذلك . أو قال قائل: لم نشاهد بشرا إلا من نطفة ولا نطفة إلا من بشر، فيلزم القضاء بذلك إلى غير أول، فلا يكون المجسم فيما ذكره أسعد حالا ممن يسلك هذه الطرق التي أشرنا إليها. وسنوضح إن شاء الله إبطال الاستشهاد بالشاهد على الغائب من غير علة ودليل وشرط وحقيقة إن شاء الله.
وأما ما أسندوا إليه كلامهم من إثبات العلم شاهدا وغائبا فساقط. فإنا لم نقتصر في ذلك على مجرد الشاهد، بل أقمنا الدلالة على كون العلم علة في كون العالم عالما. ثم من شأن العلة أن تطرد ولو لم تطرد لبطل كونها علة في كل صورة.
وأما الذي استروحوا إليه من الوجود فباطل. فإنا لم نتوصل إلى العلم بوجود البارئ من حيث وجب للفاعل منه الوجود، بل إنما أثبتنا ذلك بطرق نوضحها إن شاء الله في الصفات، منها: أن العدم نفي محض، والجمع بين تقديره وبين إثبات الصانع تناقض. فهذا سبيل الاستدلال، لا ما استروحوا إليه من وجود الشاهد.
ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: المعلومات تتقسم إلى ما يعلم اضطرارا، وإلى ما يعلم استدلالا. وما يعلم استدلالا يستند العلم به إلى المعلوم اضطرارا. فإن كل دليل عقلي ينتهي في مساقة إلى الضروريات بدرجة أو درجات.
قالوا: فإذا ثبت ذلك بنينا عليه مقصودنا وقلنا: العلم بالإله وكونه فاعلا ليس من خبر الضروريات، بل يستدل عليه بكون لمحدث فاعلا. ثم من شـأن المدلول أن يشابه الدليل: إما من جميع الوجوه، وإما من بعض الوجوه. ومن المستحيل المصير إلى أن القديم سبحانه وتعالى لا يشابه المحدث الفاعل بوجه من الوجوه. فإنا لو قلنا ذلك، لزمنا منه نفي الوجود عن الإله، وذلك تعطيل. فإذا لم يكن بد من تثبيت المشابهة من بعض الوجوه، فينبغي أن يقال: ما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه يجب طرده في كل فاعل اعتبارا بالوجود، قالوا: والتركيب مما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه، فوجب طرده.
وهذا الذي ذكروه اقتصار على محض الدعوى. فمما اشتمل عليه كلامهم قولهم: إنا نستدل على كون القديم فاعلا بكوننا فاعلين، وليس الأمر على ما قدروه، فإن كون القديم فاعلا مخترعا يمكن الاستدلال عليه مع الإضراب عن الاستشهاد بالفاعلين المحدثين.
والسبيل في ذلك أن يقال: إذا ثبت جواز الفعل واستحالة وقوعه بنفسه، ثبت افتقاره إلى فاعل مخصص. فوضح بطلان قاعدة المشبهة.
ومما يشتمل عليه كلامهم مصيرهم إلى وجوب مماثلة الدليل المدلول، ولو من بعض الوجوه. وهذا جهل منهم بمواقع الأدلة . ولا غرو، فهم متطفلون بالتمسك بطرائق العقل، وقد يستدل بالعدم على الوجود، وبالوجود على العدم، فبطل قول من ادعى مماثلة المدلول الدليل.
ومما انطوى عليه كلامهم، وهو من أعظم الزلل في الدين، إفصاحهم بمشابهة الرب سبحانه وتعالى الفاعل المحدث من بعض الوجوه. وقد أبطلنا ذلك في باب التماثل. واسلك معهم – إن دعت الحاجة إلى تقرير ذلك – طريق القول بنفي الأحوال ليتبين في أوجا ما تقدر استحالة التماثل من وجه مع الاختلاف من وجه. ثم نقول: ألستم قلتم لا يجب مشابهة الدليل المدلول من كل وجه، فلم زعمتم أن التركيب من الوجوه التي يجب الاشتراك فيها؟ فإن رجعوا فقالوا: لا نعقل فاعلا ليس بجسم، فهو عود منهم إلى الشبهة الأولى. وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا.
ومما استدل به الكرامية أن قالوا: الموجود ينقسم إلى ما يقوم بنفسه، وإلى ما لا يقوم بنفسه، وليس بينهما منزلة ليست في أحدهما، كما أن الموجود لا يخرج عن أن يكون صفة أو موصوفا. قالوا: والقائم بالنفس هو المتحيز. وهذا الذي ذكروه لا محصول له.
أما قولهم: ينقسم الموجود إلى ما يقوم بنفسه وإلى ما لا يقوم بنفسه، فصحيح لا مناكرة فيه. وأما قولهم: القائم بالنفس هو المتحيز، ففي هذا أعظم التنازع. فلم قلتم إن القائم بالنفس هو المتحيز، فلا يرجعون عند هذه الطلبة إلى محصول إلا إلى التمسك بمجرد الشاهد، وقد أبطلناه.
ثم نقول: أنى يستقيم ذلك منكم معاشر الكرامية، وقد خرجتم عن المعقول، فأثبتم كائنا ليس بصفة ولا موصوف، وذلك أن من حقيقة أصلهم: أن ما يقوم بذات الله تعالى من الحوادث، تعالى الله عن قولهم، ليست بصفات. إذ لا يتصف القديم بها عندهم، بل يقوم به قول حادث وهو غير قائل به، وقد خرج عن أن يكون صفة له. والصفة ليست بموصوفة على أصولهم. فقد أثبتوا قسما بين الصفة والموصوف.
ومما نعارضهم به أن نقول: قد أثبتم بين القديم والمحدث رتبة خارجة من القسمين، فكيف تستبعدون قائما بالنفس خارجا عن صفة التحيز ولم تستبعدوا شيئا خارجا عن وصف المحدث والقديم؟
ثم نقول: إن كان مرجعكم إلى الشاهد، فكل ما لا يقوم بنفسه شاهدا عرض، كما أن الذي يقوم بنفسه متحيز. فإن لزم طرد التحيز في القائم بالنفس، لزم طرد وصف العرض فيما لا يقوم بنفسه، حتى يجب من ذلك الحكم بكون علم الله عرضا من حيث كان غير قائم بنفسه.
وقد ناقشهم بعض أئمتنا في إطلاق القيام بالنفس وقال: الجوهر ليس بقائم بنفسه، وإنما القائم بالنفس هو الله تعالى. وقد قال شيخنا أبو الحسن في بعض مناظراته مع البغداديين: لا حقيقة للقائم بالنفس شاهدا وغائبا. قال: وذلك رد على أسقف من أساقفة النصارى. واستدل على ذلك بأن هذه اللفظة لم يرد بها شرع، وهي غير سديدة في موجب الإطلاق، إلا أن يتجوز بها توسعا، وهي موهمة قياما. ولا معنى لمناقشتهم في العبارات ما دمنا نجد سبيلا إلى التعرض للمعاني.
ومما تمسك به جملة الكرامية أن قالوا: لو أخبر مخبر عن رؤية فاعل ليس بجسم، كان مستنكرا على الوجه الذي نستنكر قول القائل: رأيت السواد والبياض مجتمعين في المحل الواحد.
وهذا الذي قالوه خلف من القول لا محصول له، ويتبين الغرض فيه بتقسيم، وذلك أنا نقول: إن ادعيتم جريان المتنازع فيه واجتماع الضدين مجرى واحدا في الاستحالة، فإنكم منازعون فيه. وإن ادعيتم الجمع بينهما في محض الاستنكار فهو مسلم ولا مستروح. فإن خوارق العادات يستنكر وقوعها، وإن كانت من الجائزات المقدورات. ولو أخبر مخبر عن غيض البحار، وتقلع الجبال إلى غير ذلك من خوارق العادات، لا يستنكر قوله. ثم لم يتضمن ذلك إخراج ذلك من الجائزات.
ومما يوضح ذلك أن الكرامية والمجسمة، وإن وصفوا القديم بكونه جسما، تعالى الله عن قولهم، لم يصفوه بكونه صورة على ما ذهب إليه الغلاة من المشبهة.
ثم لو قال قائل: رأيت فعالا ليس بصورة ولا جوارح، كان ذلك مستنكرا في العادة، وإن كان القديم عندهم غير متصور، ولا متصف بالجوارح. فبطل ما قالوه من كل وجه.
ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: إذا قلتم أن القديم شىء واحد لا يقبل الانقسام والتبعض، فيلزم منه أن يكون أصغر الأشياء وأقلها، فإن الجوهر الفرد لما لم يكن متركبا كان أقل قليل، وهذا ضرب من السخف والحبال. فإن الصغير يعبر به عن الأقدار، وإنما يتصف بالقدر ما له حظ من المساحة، وإنما تمسح ما له جرم وتحيز. وما يستحيل تحيزه، لا يتصف بالأقدار ولا يثبت له حظ من المساحة.
والذي يوضح ما قلناه أن المجسمة إن وافقونا في إثبات أن علم الله تعالى متعلق بالمعلومات التي لا تتناهى، لم يجب أن يقال: العلم من حيث لم ينقسم يتصف بالصغر والقلة، فبطل ما قالوه كل من وجه. فهذه جمل كافية في الرد على من أثبت لله حقيقة الأجسام»[(1013)] اهـ.
ليس ذلك فحسب، بل إنك تقرأ في نفس المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب ما نصه:
قال أحمد الونشريسي: «[لا ينفع النطق بكلمة التوحيد مع جهل معناها]..
وسئل سيدي أحمد بن عيسى فقيه بجاية عمن نشأ بين ظهراني المسلمين وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلي ويصوم، إلا أنه لا يعرف ما انطوت عليه الكلمة العليا فيما يعتقده لعدم معرفته بها، إذ اعتقاد شيء فرع المعرفة به، كالذي يقول لا أدري ما الله ورسوله، ولا أدري من هو الأخير منهما، أو لا أفرق بينهما أو غير ذلك من كلام لا يمكن معه معرفة الوحدانية ولا الرسالة، وإنما يقول سمعت الناس يقولون هذه الكلمة فقلتها ولا أدري المعنى الذي انطوت عليه ولا أتصور صحته ولا فساده ولا أدري ما أعتقد في ذلك بوجه ولا أعبر عنه بلساني ولا غيره، لأن التعبير عن الشيء فرع المعرفة به وأنا لا أعرفه. فهل يكتفي في إيمانه بمجرد النطق بالشهادتين والصلاة والصيام وغير ذلك من أركان الإسلام ويعذر بجهل معنى الكلمة؟ أو لا بد من معرفة المعنى الذي انطوت عليه الكلمة العليا من الوحدانية والرسالة وإلا لم يكن مؤمنا. فأجاب الحمد لله. من نشأ بين أظهر المسلمين وهو ينطق بكلمة التوحيد مع شهادة الرسول عليه السلام ويصوم ويصلي إلا أنه لا يعرف المعنى الذي انطوت عليه الكلمة الكريمة كما ذكرتم، لا يضرب له في التوحيد بسهم ولا يفوز منه بنصيب ولا ينسب إلى إيمان ولا إسلام، بل هو من جملة الهالكين وزمرة الكافرين، وحكمه حكم المجوس في جميع أحكامه إلا في القتل، فإنه لا يقتل إلا إذا امتنع من التعليم. وكذلك الطلاق إذا ظن بالمطلق أنه قصد بدعواه الجهل بمعنى الكلمة الكريمة إباحة البائن، كالرجل يبين زوجته ثم يدعي الجهل بمعنى الكلمة الكريمة أو غير ذلك مما يقتضي الكفر فيظن به أنه قصد بذلك إباحة المحظور فإنه لا يصدق في دعواه ذلك ويلزمه الطلاق، إلا أن يعرف ذلك منه قبل الطلاق وهي حينئذ في عصمته على ما يعتقد ببينة عادلة أو ما يقوم مقامها. وكذلك المرأة إذا ظن بها أنها قصدت بذلك إباحة الممتنع فإنها لا تصدق في دعواها ولا تحل لزوجها إلا أن يعلم ذلك منها قبل البينونة أو ما يقوم مقامها كالرجل فيما ذكر سواء. وكذلك إذا ظن بها أنها قصدت بذلك فسخ النكاح الحكم واحد والله أعلم.
وذهبت غلاة المرجئة، وهي طائفة من المبتدعة، إلى أن النطق المجرد عن المعرفة بما انطوت عليه الكلمة الكريمة مع صلاة أو صيام أو مع عدم ذلك يكفي في الإيمان، ويكون للمتصف به دخول الجنان. عصمنا الله من الآراء المغوية والفتن المحيرة، وأعاذنا من حيرة الجهل وتعاطي الباطل، ورزقنا التمسك بالسنة ولزوم الطريقة المستقيمة إنه كريم منان.
وكتب بالمسألة أيضا إلى سيدي عبد الرحمـن الواغليسي.
فأجاب الحمد لله تعالى. أسعدكم الله وسددكم وإيانا لمرضاته. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقد وصل إلي ما كتبتموه مما فهمتم من فتوى الشيخين أبي العباس بن إدريس وأبي العباس أحمد بن عيسى فيمن يقول لا إله إلا الله ولم يدر ما انطوت عليه أن فتوى سيدي أحمد بن إدريس نصها من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن حقا، فمقتضى هذا الفهم من جواب الشيخ أن من نطق بالشهادة يجزئه نطقه وإن جهل معناه وما انطوت عليه الكلمة من مدلولها، فاعلم أن هذا الفهم عن الشيخ رحمه الله باطل لا يصح، فإنه لا يلزم منه أن من قال ذلك وهو معتقد في الإله تعالى شبه المخلوقات، وصورة من صور الموجودات، أن يكون مؤمنا حقا. وقد وجدنا من الجهلة من هو كذلك وكتب إلينا بذلك وأشباهه. ومن اعتقد ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد نص أئمتنا على ذلك وعلى غيره مما هو كفر بإجماع ، فلا يصح ذلك عن الشيخ أصلا ولا يصح أن يختلف في هذا أو شبهه. وفي هذا أجاب سيدي أحمد بن عيسى. وقد تحدثت أنا مع سيدي أحمد بن إدريس وذكرت له ما يقول صاحبنا فوافق عليه وقال هذا حق لا يقال غيره»[(1014)] اهـ.
وهو إجماع كما مر بك في هذا الكتاب، والإجماع قطعي، وهو أسلم من تخبط وتوهم المشبه المجسم الجهوي.
وقال الحافظ الفقيه اللغوي مرتضى الزبيدي في شرحه على الإحياء، ما نصه: «من جعل الله تعالى مقدرا بمقدار كفر» اهـ.
وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى {…ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} : «ومن اعتقد أن وصف الله تعالى يشابه صفات الخلق فهو مشبه ملحد ضال»[(1015)] اهـ.
ويقول الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه: «صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة، فإن ذلك من أصول الكفر» [(1016)] اهـ.
ثم يقال لهم :
أ) وصف الله بالجسم أو بصفات الجسم تكذيب أم تصديق للآية {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} ؟. إنه – قطعا – تكذيب.
ب) وتكذيب النص القرءاني أليس كفرا بالإجماع؟.
ج) وصفات الجسمية من دلائل الحدوث ، فوصف الله بها، أو ببعضها لا يكون إلا وصفا لله بما هو دالٌّ على الحدوث، فلا يكون إذا وصف الله بها إلا تنقيصا في حقه تعالى، وذلك أي نسبة النقص والحدوث إلى الله تعالى كفر لا شَكَّ فيه.
ومثله ما تجده في بعض كتب الفخر الرازي ، ويكفي في كشف تزييف ذلك الوجه الفاسد المنسوب إليه في خاتمة كتابه أساس التقديس أن أنقل لك ما قاله الرازي نفسه في تفسيره، ونصه: «أما الإيمان بوجوده فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجودًا خالقًا لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقرًا بوجود الإله تعالى، لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئًا آخر، فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى، أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات»[(1017)] اهـ.
وقال أيضا في تفسيره: «وأقول أما قوله المجسمة قد افتروا على الله الكذب فهو حق، وأما قوله: إن هذا افتراء على الله في صفاته فليس بصحيح، لأن كون الذات جسمًا ومتحيزًا ليس بصفة، بل هو نفس الذات المخصوصة، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم، كان معناه أنه يقول جميع الأجسام والمتحيزات محدثة، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز، والمجسم ينفي هذه الذات، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها»[(1018)] اهـ.
وقال أيضًا: «والجواب: أن الدليل دل على أن من قال: إن الإله جسم، فهو منكر للإله تعالى، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله .
أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة فظهر الفرق، وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية فنحن نكفرهم قطعًا ، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة اللَّهِ في عيسى، وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة اللَّهِ في ألسنة جميع من قرأ القرآن، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجبًا للقول بالتكفير كان أولى. والصفة الثانية من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر»[(1019)] اهـ.
وقال في أصول الدين: «بل الأقرب أن المجسمة كفار، لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة فليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث، وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة، فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله فيلزمهم الكفر» [(1020)] اهـ. وقد تقدم.
أما النص المنقول عن الفخر الرازي كما في بعض النسخ المطبوعة لأساس التقديس، فنصه كما يلي: الفصل الثالث في أن من يثبت كونه تعالى جسمًا متحيزًا مختصًا بجهة معينة. هل يحكم بكفره أم لا؟ للعلماء فيه قولان:
أحدهما : أنه كافر – وهو الأظهر – وهذا لأن مذهبنا : أن كل شىء يكون مختصًا بجهة وحيز، فإنه مخلوق محدث، وله إله أحدثه وخلقه.
وأما القائلون بالجسمية والجهة الذين أنكروا وجود موجود آخر سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها، فهم منكرون لذات الموجود، الذي يعتقد أنه هو الإله. وإذا كانوا منكرين لذاته، كانوا كفارًا لا محالة. وهذا بخلاف المعتزلي فإنه يثبت موجودًا، وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحس، إلا أنه خالفنا في صفات ذلك الموجود. والمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ووجوده، فكان هذا الخلاف أعظم. فيلزمهم الكفر، لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده. والمعتزلة في صفته لا في ذاته.
والقول الثاني : أنا لا نكفرهم. لأن معرفة التنزيه، لو كانت شرطًا لصحة الإيمان لوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يتفحص أن ذلك الإنسان هل عرف الله تعالى بصفات التنزيه، أو لا ؟ وحيث حكم بإيمان الخلق من غير هذا التفحص، علمنا: أن ذلك ليس شرطًا للإيمان» اهـ.
وهذا الأخير نقل عن علماء لم يعينهم، معناه أن هذا القول ليس منسوبا لطبقة معينة يعول عليها في المذهب كالقول الأول، فيعود هذا القول للمجهول، أو لمن ليس لهم الإذن بالفتيا، فيتبين بأنه شاذ، ولا يخرق الإجماع بمثل ذلك.
وشاهدنا على أن القول الأول هو المعول عليه أن الفخر الرازي قال: «الأظهر» … ثم قال: «لأن مذهبنا» (أي معشر الشافعية)، وهذا معناه أن هذا القول هو النقل المعتمد عمن لهم دراية بأصول المذهب وحق الفتيا، ومن يعول عليهم في الأصول وفهم كلام الإمام أي الإمام الشافعي وأمثاله من الأئمة المجتهدين، أي ما يعول عليه والمنصوص عليه أي بالاعتماد على أصول أئمة المذهب أي الذين يثبت القول بهم – المذهب – المنصوص عليها من قبل الطبقة الثانية – وهو الأظهر – وهذا لأن مذهبنا – أن كل شىء يكون مختصا بجهة وحيز، فإنه مخلوق محدث، وله إله أحدثه وخلقه.
وهذا يكشف أن الرازي يعول على كلام أصحاب الوجوه، وهذا التعويل يبين درجته بأنه من دونهم، وإلا لتكلم الرازي مباشرة في كلام الإمام أي الشافعي، أو ما نقل عنه وتولاه بالتحميص والتدقيق ليخرج بحكم ما.
ونعلم أن الفخر الرازي على مذهب الشافعي، وشروط الاجتهاد كما روى الخطيب البغدادي: «قال الشافعي: لا يحل لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلاّ رجلاً عارفًا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنـزيله، ومكيّه ومدنيه، وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذاك بصيرًا بحديث رسول الله بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي»[(1021)]. انتهى بحروفه.
وفي أمر العقيدة يلاحظ أنه لا يجوز التعويل على مجرد نقل، خاصة إذا كان في مثل هذا الأمر العقدي، وإنما الأمر على ما فصلناه وبيناه في هذه الرسالة.
ويكفي في الرد على الخلاف المزعوم بأن تعلم أن «القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك»[(1022)] اهـ.
وقد تقدم النقل عن جمهرة من الأعلام الذين لهذا الإجماع، فلا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1023)] اهـ.
وهو عين ما نبه إليه البرزلي المالكي بقوله: «وأنكر عليه شيخنا الإمام نقله عن بعض الأشعرية إنكارا شديدا»، وقال: «لم يقله أحد منهم فيما علمته واستقريته من كتبهم»[(1024)] اهـ، وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.
وهو منسجم تماما مع ما قاله تقي الدين الحصني: «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة[(1025)]، قلت (تقي الدين الحصني): وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرآن ، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [(1026)]، وفي هذه الآية رد على الفرقتين»[(1027)] اهـ.
وقد قال العلامة فخر الدين أحمد بن حسن الجاربردي التبريزي (المتوفى سنة 746 هجرية): «اعلم أنه قال الأصوليون شرطه الإسلام. وإنما عدل المصنف إلى هذه العبارة لأن المجسمة كفار عند الأشاعرة»[(1028)] اهـ.
فأنت تلاحظ هنا الإطلاق، ولو كان الكلام موجبا للتخصيص لخصص، وانظر إلى من نسب الحكم بتكفير المجسم، نسبه إلى الأصوليين، ويكفيك ذلك دلالة.
قال المحدث العلاّمة السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى رحمه الله ما نصه: «إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية . قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور وبين الطائفتين اختلاف في بعض المسائل كمسئلة التكوين وغيرها – إلى أن قال: وذكر العز بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدّين الحصيري، وأقرّه على ذلك التقي السبكي فيما نقله عنه ولده التاج. وفي كلام عبد الله الميوري المتقدّم ما نصه: «أهل السنة من المالكية والشافعية وأكثر الحنفية بلسان أبي الحسن الأشعري يناضلون وبحجته يحتجّون» .
إلى أن قال : «ثم قال التاج السبكي: وأنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة لا أستثني أحدًا، والشافعية أغلبهم أشاعرة لا أستثني إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال»[(1029)] اهـ.
فإذا كان المجسم كافرا عند الأشاعرة فيعني أنه كافر على مذهب أهل السنة والجماعة كما نص الطحاوي.
الطحاوي قال: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» ، فلو أن شخصا أثبت الجسمية للحق لقلنا إنه كافر، لأن الحدود والتحيز من معاني البشر، وليس ما اجتمع من لحم وعظم فقط.
وقد تقدم تعريف الجسم، وليس هو فقط ما اجتمع من لحم وعظم ودم، بل ما له طول وعرض وارتفاع وسمك كل هذا يدخل تحت تعريف الجسم المتفق عليه، فلا نرى من المحققين أو من السادة الأشاعرة من قال إن الجسم ما اجتمع من لحم وعظم فقط، ولو كان تعريف الجسم على هذا لسخر منا التيميون، وهذا التقسيم هو أساسا لابن تيمية حيث قال: «الجسم لفظ محدث لكن إن نفاه العلماء فيريدون ما اجتمع من لحم وعظم»، وهو يشير إلى أن معبوده له أبعاد ليست مركبة من لحم وعظم[(1030)]، مما يجعله خارقا للإجماع في تعريف الجسم، وخارقا للإجماع في تنـزيه الله عن المشابهة للحوادث.
وأما ما ينقل عن العز بن عبد السلام فقد رده البلقيني أيضًا: فقد أورده الرملي قوله: وما في المجموع من تكفير من يصرح بالتجسيم أشار إلى تضعيفه، وكتب أيضا، كأنه احترز بالتصريح عمن يثبت الجهة فإنه لا يكفر، كما قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة، وقال ابن عبد السلام في القواعد: إنه الأصح بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب. (الرملي)، وكتب أيضا.
قال البلقيني: الصحيح أو الصواب خلاف ما قال»[(1031)].
وقد نقل الشيخ العزّ بن عبد السلام في كتابه حلّ الرموز مقالة الإمام المجتهد أبي حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأبسط ما نصه: «من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض»[(1032)] اهـ.
ووافقه على ذلك ثم قال: «لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانًا، ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مُشَبِّه» اهـ. وذلك دليل على التغاير بين القولين المنقولين عنه، وأنت تلاحظ أن عبارة العز بن عبد السلام يمعن في هذا في التحذير من هذا الاعتقاد حيث يقول: «ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مُشَبِّه» اهـ، وهذا منه تعميم لكل من تصور أن الله في مكان أو جهة، وأي فرق بين المكان والجهة.
على أن المحدث الكوثري بيّن وجه ما قاله العز في هذه المسألة التي نقلت عنه حيث قال: «نعم يعد ابن عبد السلام في قواعده الكبرى العامي معذورا في الكلمة الموهمة ، لكن ناقشه المقبلي في ذلك في العلم الشامخ، وعلى كل حال لا يرضى هؤلاء -أي مشبهة عصره- أن يعدوا من العامة ليعذروا في كلماتهم الشاطحة، وقد ملأت مؤلفاتهم البقاع، فلا محيص عن عدهم واعين لما نطقوا به ، فتعين إلزامهم بما يترتب على تلك التقولات في نظر أهل البرهان الصحيح»[(1033)] اهـ.
فأنت تلاحظ أن الشيخ الكوثري يرد ذلك الى أمرين :
الأول: حصر الأمر الذي أفتى به العز بالكلمة الموهمة.
الثاني: فهم المعنى من تلك الكلمات الموهمة.
وهو كما ترى يدور في الفلك الذي رسمناه وبيناه، فكن على انتباه لهذا. ولعله يشبه ما قاله الزرقاني، ونصه: « ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها، ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال، لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم، مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة: إن الاستواء باق على حقيقته، يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، وقولهم بعد ذلك: ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، فكأنهم يقولون: إنه مستو غير مستو، ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت، فإن أرادوا بقولهم: الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا، لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن ، خصوصا في مقام التعليم والإرشاد، وفي موقف النقاش والحجاج، لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده، ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة، والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره، فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر، واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي»[(1034)] اهـ. وما يروى وينقل عن أبي حامد الغزالي في هذا الموضع من عدم تكفير القائل بالجهة خطير جدا، علما أنه قد اتفقت كلمة أهل العلم قاطبة بلا خلاف بينهم ولا نكير على أن معتقد الحجم والجسمية أو الجهة والحيز كافر، وأن تكفيرهم واجب، وعللوا سبب ذلك بأنهم يقولون بأن لله حدا ونهاية من جهة السفل[(1035)]، أي لأنه يكون وصف الله بالحجم، وكذا من زعم أن لمعبوده صورة أو أن له حدا ونهاية أي حجما ومساحة أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون، بل عبروا بأنه لا إشكال لذي لب في تكفير القائل بذلك[(1036)].
وها هو أبو حامد الغزالي يقول: «التقديس، ومعناه أنه إذا سمع اليد والأصبع، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خمر طينة آدم بيده»[(1037)]، و«إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمـن»[(1038)]. فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين، أحدهما هو الموضع الأصلي، وهو عضو مركب من لحم وعصب، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص وصفات مخصوصة، أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو إلا بأن يتنحى عن ذلك المكان، وقد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى ءاخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الأمير فإن ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا، فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف »[(1039)] اهـ.
وقد قال أبو عليّ عمر بن محمد السكوني : «وليحترز من مواضع في كتاب «الإحياء» لأبي حامد الغزالي، ومن مواضع في كتاب «النفخ والتسوية» له أيضًا، ومن مواضع في تآليفه أيضًا دُسّت في تآليفه، أو رجع عنها كما ذكره في كتابه المسمى بالمنقذ من الضلال» [(1040)] اهـ.
وبهذا يظهر أن ما ينسب للغزالي في هذه المسألة وإن وجد في بعض كتبه فإنه إما مدسوس عليه أو رجع عنه، وكيف يثبت عنه وقد رأيت هذا النص المبين آنفا من كلام أبي حامد الغزالي نفسه، وما نبه إليه السكوني تاليًا من أمر الدس والتراجع، فتنبه.
وإذا وضح ما ذكرناه لك فإنه من المفيد أن نقف معا على ما يكشف اللبس الذي وقع فيه بعض الناس، من الضياع في أمر الفارق بين من ينطق بهذا اللفظ وهو فاهم لمعناه وبين من ينطق به وهو لا يفهم المعنى أو يظن أن لفظة جسم أو جهة فوق ترد في لسان العرب بمعنيين ، أحدهما المعنى الكفري الفاسد، والآخر المعنى الذي يوافق العقيدة السليمة، كما مر بك قريبا، على أنه تجدر الإشارة أن أغلب الناس اليوم ممن ينتسب للعربية يفهمون معنى الجسم والجهة إجمالا ، وعليه يأتي كلام بعض المشايخ إجماليا بما يؤدي للاضطراب في فهم كلامهم، وكان الأولى بمن يقرأ كلامهم أن يحرص على تلقيه وفهمه من أهل العلم لا أن يتجاسر على هذا الأمر الخطير الذي يؤدي به إلى التناقض في القول تارة بتكفير معتقد الحجم أو الجهة في حق الله، وتارة بأنه لا يكفر بمجرد إطلاق هذا اللفظ على الله، ووجه حل ذلك التناقض أن يقال: إن قائل هذا اللفظ إما أنه يعي ويفهم ما يقول، وإما أنه لا يعي ولا يفهم ما يقول .
وهو ما قاله الشيخ محمد الخضر الشنقيطي، ونصه: «وصرح العراقي بأن معتقد الجهة كافر، وقال إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني، وقال بعض العلماء غيره بكفره أيضا لما يلزم على قوله من التجسيم المستحيل على الله تعالى، بل شدد بعضهم حتى قال: إن من اعتقد الجهة في حق الله تعالى كافر بالإجماع، ومن توقف في كفره فهو كافر، وما قاله من الإجماع مردود بما وقع بين الأئمة من الخلاف في تكفير أهل الأهواء[(1041)]، وقد حكى القاضي عياض وغيره جريان الخلاف في المشبهة وغيرهم من أهل الأهواء، والحق أن الخلاف في كفر القائل جار على الخلاف في لازم القول، هل هو كالقول أم لا ، قال ابن ميارة في التكميل:
«هل لازم القول يعد قولا
عليه كفر ذي هوى تجلى
وقيد بعض العلماء هذا الخلاف بما إذا كان اللزوم غير بيّن ، قال: وأما إن كان اللزوم بينا فهو كالقول بلا خلاف، والذي يظهر أن الجهة لازم عليها التجسيم لزوما بينا [(1042)].
قلت (أي الشنقيطي): ولعل هذا هو مستند من حكى الإجماع على كفر القائل بالجهة في حقه تعالى ، والتحرير أن قائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة فوق إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يسلك به مسلك المرتدين إن كان مظهرا لذلك ، وإن كان اعتقاده مثل أهل المذهب الثاني القائل بالجهة[(1043)]من غير تكييف ولا تحديد فقد تقرر الخلاف فيه، فعلى القول بالتكفير يرجع لما قبله، وعلى الصحيح ينظر فيه، فإن دعى الناس إلى ما هو عليه وأظهره وأشاعه فيصنع به ما قاله مالك رضي الله عنه فيمن يدعو إلى بدعته، ونص على ذلك في آخر الجهاد من المدونة وتأليف ابن يونس، وإن لم يدع إلى ذلك وكان يظهره فعلى من ولاه الله أمر المسلمين ردعه وزجره عن هذا الاعتقاد والتشديد عليه حتى ينصرف عن هذه البدعة»[(1044)] اهـ.
وهذا عينه هم ما نقله الشيخ ابن حجر الهيتمي، الذي قال بعد جمع نقول في هذه المسئلة ما نصه: «إذا تقرر هذا، فقائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة فوق إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يُسلك به مسلك المرتدين إن كان مظهرًا لذلك»[(1045)] اهـ.
فقول الشنقيطي وابن حجر: «إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر»، كاف في تأكيد هذا المعنى مهما حاول بعض الناس اليوم أن يدوروا حول هذه المسئلة دوران التائه في تيه بني اسرائيل في سينا حين خالفوا أمر الله ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.
بل يحسم هذه القضية ما قاله القرطبي، ونصه: «وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام، وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام.
ثم إن قولهم متناقض، فإن قولهم: جسم أو نور، حكم عليه بحقيقة ذلك، وقولهم: لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور، وذلك متناقض ، وتحقيقه في علم الكلام، والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها»[(1046)] اهـ.
وقال الشيخ تقي الدين الحصني: «وفي مواضع أغراضهم الفاسدة يجرون الأحاديث على مقتضى العرف والحس ويقولون ينزل بذاته وينتقل ويتحرك ويجلس على العرش بذاته ثم يقولون لا كما يعقل يغالطون بذلك من يسمع من عامي وسيء الفهم وذلك عين التناقض ومكابرة في الحس والعقل لأنه كلام متهافت يدفع آخره أوله وأوله آخره»[(1047)] اهـ.
قال الشيخ محمود خطاب السبكي: «(واعلم) أن من القواعد المقررة المعلومة بضرورة المشاهدة: أن من نهج منهج الضلال والإضلال، ليبطل الحق وينصر الباطل يتردى سريعا في ظلمات الخزي والدمار، بنفس كلامه الذي ينادى عليه أنه مبطل جاهل. وبذا يكفى المؤمن مؤنة الرد عليه بذكر الدلائل، ألا ترى ما وقع فيه ابن القيم وأمثاله من التناقض في قولهم إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا وهو جالس على عرشه، فإن كونه تعالى على عرشه يناقض كونه في سماء الدنيا، وقولهم إنه تعالى يكون في سماء الدنيا وما زال العرش تحته، فهل العرش الذي هو أكبر المخلوقات ومنها السموات تحول إلى كونه أصغر من سماء الدنيا التي هي أصغر السموات وخرق الأفلاك حتى وصل إلى سماء الدنيا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. حقا إن هذه خرافات ووخيم ترهات وخزعبلات تضحك الثكلى. قال تعالى حكاية عن حال أهل النار {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ *} [(1048)]، فقل لهم أيها المؤمن، ما الذي دعاكم إلى ارتكاب هذه الجرائم المكفرة الشنيعة، التي آلت بمن اعتقدها إلى الوقوع في غياهب السعير والقطيعة، هل الله تعالى ليس قادرا على أن يغفر ويرحم ويقضي حوائج خلقه؟ وهو تعالى على ما كان عليه قبل خلق العالم، فحملتم الحديث على ظاهره فوقعتم في مهاوي تلك المهالك، وأوقعتم غيركم من ضعفاء العقول في صريح الكفر الحالك، ولم تتبعوا سبيل المؤمنين الذي كان عليه كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وسلف الأمة المحمدية رحمهم الله تعالى، قال الله تعالى {…وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ *} [(1049)]، والحاصل أنه لا ريب في أن هذا الاعتقاد المذكور الذي عليه ابن القيم وأضرابه من فظيع البهتان والزور، نزغة شيطانية من أقبح النزغات، وعثرة من شنيع العثرات، أو وخيم أضغاث أحلام تخيلوها تحقيقات، وإلا فكيف يتصور من عنده أدنى شائبة عقل ودين، أن الإله القديم رب العالمين، يوصف بما يستحيل عليه من صفات الحوادث كالجلوس على العرش أو الحلول في السماء أو التحول والنزول، ويخالف إجماع المسلمين والمعقول والمنقول. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وعلا علوا كبيرا عما يعتقده المشبهون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى من كان بهديه من العاملين»[(1050)] اهـ.
وقال في موضع آخر: «(وبذكر) تلك النصوص والبراهين الناطقة بأن الله تبارك وتعالى يستحيل عليه الجلوس على العرش أو الحلول في السماء، أو في جهة من الجهات أو اتصافه بشىء من صفات الحوادث (تزداد) علما بكفر من يعتقد ذلك، كالمجسمة الذين كفر بسببهم كثير من جهلة العوام، نعوذ بالله تعالى من عمى البصيرة والعقائد الزائغة ونسأله السلامة من كل اعتقاد يخالف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، والسلف الصالح الذين منهم الأئمة المجتهدون رضي الله تعالى عنهم أجمعين»[(1051)] اهـ.
قال الشيخ عبد الرحمـن الجزيري: «المالكية قالوا: إن ما يوجب الردة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقول كلمة كفر صريحة كقوله: إنه كفر بالله، أو برسول الله، أو بالقرآن، أو يقول: إن الإله اثنان، أو ثلاثة، أو المسيح ابن الله، أو عزير ابن الله.
الثاني: أن يقول لفظًا يستلزم الكفر استلزامًا ظاهرًا، وذلك كأن ينكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، كفرضية الصلاة، فإنه وإن لم يكن كفرًا صريحًا ولكنه يستلزم تكذيب القرآن أو تكذيب رسول الله، أو يقول: إن الله جسم متحيز في مكان، لأن ذلك يستلزم أن يكون الإله محتاجًا للمكان، والمحتاج حادث لا قديم ، ومن ذلك ما إذا أحل حرامًا معلومًا من الدين بالضرورة، كشرب الخمر، والزنا، واللواط، وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك.
الثالث: أن يفعل أمرًا يستلزم الكفر استلزامًا بينًا، كأن يرمي مصحفًا أو بعضه، ولو آية في شىء مستقذر تعافه النفس، ولو طاهرًا كالبصاق والمخاط، أو يلطخه به بأن يبصق عليه، أو يراه ملطخًا بالأقذار وهو قادر على إزالتها عنه فلم يفعل وتركه استخفافًا وتحقيرًا، فمدار الكفر على الاستخفاف والتحقير»[(1052)] اهـ. وبناء على ما تقدم من:
– بيان معنى تكذيب الدين ضمنا ومعنى.
– وبيان تقسيم الألفاظ إلى صريح وظاهر.
– وبيان من هم أهل القبلة.
– وبيان أن لازم المذهب في حال كونه بينا أي صريحا مذهب.
– وبيان أن لفظ الجسم والجهة صريح في إفادته معنى تشبيه الله بخلقه كما تقدم.
– وأن قائل هذه الألفاظ داخل تحت حكم المكذب للنصوص القطعية تواترا ودلالة من القرآن والسنة، بالإضافة لإنكار الحكم العقلي القاطع على تنـزيه الله عن مشابهة الخلق ومن ذلك تنـزيهه سبحانه عن الجسمية والمكان والجهة، فهو منكر لضروري من ضروريات الدين وقطعياته فلا يكون معدودا من أهل القبلة.
فلم يبق إلا النظر في فهم هذا القائل لهذا اللفظ، فإما أنه يفهم المعنى الفاسد حين تكلم به، وإما أنه لا يفهم ما يقول، ويحتمل أن يقال: إن من سمى الله بالجسم يظن أن معناه موجود أو قائم بالنفس أي مستغن عن غيره أو هو كمعنى شىء عنده أي متحقق الوجود، وهو وإن كان وهما من مطلقه على الله، لكنه إن لم يصرح بوصف الله بصفات الجسم وكان صادق الدعوى فيما يدعيه من ظنه ما تقدم بيانه في فهمه لمعنى الجسم، فهو كالأعجمي الذي لا يفهم ما يقول، وإلا بأن فهم ما يقول لكنه ادعى هذا المعنى للفظة الجسم أي ابتكره فلا عذر له، وهو بذلك متستر يخفي عقيدة التجسيم لا غير.
قال الأستاذ أبو منصور التميمي البغدادي رحمه الله: «وقد شاهدنا قوما من عوام الكرامية لا يعرفون من الجسم إلا اسمه، ولا يعرفون أن خواصهم يقولون بحدوث الحوادث في ذات الله البارئ تعالى، فهؤلاء -أي عوامهم- يحل نكاحهم وذبائحهم والصلاة عليهم»[(1053)] اهـ.
يساعدنا على هذا البيان ما قاله إمام الحرمين الجويني في الشامل: «وغلت طائفة من المثبتين، فاقتربوا من التشبيه، واعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم صنعه وفعله. فذهب ذاهبون إلى أن الرب سبحانه وتعالى جسم، ثم اختلفت مذاهب هؤلاء فزعم بعضهم أن معنى الجسم: الوجود، وأن المعنى بقولنا: إن الله جسم، أنه موجود. وصار آخرون إلى أن الجسم هو القائم بالنفس، وقد مال إلى هذين المذهبين طائفة من الكرامية. وذهب بعض المجسمة إلى وصف الرب تعالى بحقيقة أحكام الأجسام، وصار إلى أنه متركب متألف من جوارح وأبعاض، تعالى الله عن قولهم»[(1054)] اهـ.
وقال في موضع آخر[(1055)]: «القول في الجسم ومعناه.
اختلف الناس في حقيقة الجسم وحده. فالذي صار إليه الفلاسفة: أن الجسم هو الطويل العريض العميق، وإلى ذلك صار معظم المعتزلة. وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارات ومحصول جميعها واحد. فقال بعضهم: الجسم هو الذهاب في الجهات، وعنى بالذهاب فيها ما قدمناه من جهة العرض والطول والعمق. وقال بعضهم: الجسم هو الذي له الأبعاد الثلاثة، وفسر الأبعاد بما قدمناه. وذهب الصالحي إلى: أن الجسم هو القائم بنفسه. وذهب هشام في آخر أقواله إلى أن الجسم إذا سمي به الإله تعالى وقيل: هو جسم لا كالأجسام، فالمراد به أنه شىء لا كالأشياء.
واختلفت مذاهب الكرامية في الجسم، فذهب شرذمة منهم إلى أن الجسم: هو الموجود. وصار آخرون إلى أن الجسم: هو القائم بالنفس ، وذهب الأكثرون منهم إلى أن الجسم: هو الذي يماس غيره من إحدى جهاته. وهؤلاء افترقوا فصار صائرون منهم إلى تجويز المماسة من جهة تحت ومنعها من سائر الجهات.
وذهب آخرون إلى تجويز المماسة من سائر الجهات، وألزم هؤلاء تجويز ذلك ليكون القديم محاطا بالأجسام، فالتزموا ذلك، ولم يكترثوا به.
والذي صار إليه أهل الحق أن: الجسم هو المؤلف والمتألف. والدليل على ما صرنا إليه أن نقول: وجدنا أهل اللسان إذا راموا الإنباء عن مفاضلة بين شخصين في الضخامة والعبالة[(1056)] وكثرة الأجزاء يقولون: هذا أجسم من هذا، فقد علمنا قطعا أنهم قصدوا بإطلاق هذه اللفظة التعرض لتفاضل بين الذاتين، ثم نظرنا في جملة صفات الذات وتتبعناها سبرا وتقسيما، فعلمنا أنهم لم يريدوا بالأجسم التفاضل في معنى، عدا كثرة الأجزاء والتأليف فيها» اهـ.
إلى أن قال[(1057)]: «وأما من قال: الجسم هو القائم بالنفس، فكل ما قدمناه رد عليه، إذ الجسم مما يسوغ التفاضل في معناه، وليس كذلك القائم بالنفس. وبقريب من ذلك نرد على هشام في تسميته وتفسيره الجسم بالشىء، ونزيده وجها آخر فنقول: أقصى ما تصير إليه أن الرب جسم لا كالأجسام، بمعنى أنه شىء لا كالأشياء، فيلزمك على طرد ذلك تسمية الأعراض أجساما من حيث كانت أشياء، هو يمنع تسمية العرض جسما، فإن اعترف بذلك، فقد نقض مذهبه، وإن أبى وامتنع من تسمية الأعراض أشياء فقد جحد اللغة، وراغم آيا من كتاب الله منها: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ *} [(1058)]. والمراد بذلك تبديلهم وتحويلهم، وهو من أفعالهم وأفعال المحدثين أعراض. وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *} [(1059)] إلى غير ذلك من الآيات. ووجه جحده اللغة واضح، فإن من أنكر تسمية اللون والأصوات أشياء، فقد راغم. ويتسرع إلى الرد عليه أقل من شدا طرفا من كلام العرب، وهذا سبيل الرد على الكرامية إذا زعموا أن الجسم: هو الموجود»[(1060)] اهـ.
قال الذهبي: «ومن بدع الكرامية قولهم في المعبود تعالى أنه جسم لا كالأجسام»[(1061)] اهـ.
وقال الحافظ البيهقي: «فإن قال قائل فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟
قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر، فلما لم يلزم ذلك لم يلزم هذا، وبعد فإن الشىء سمة لكل موجود، وقد سمى الله سبحانه وتعالى نفسه شيئا، قال الله عز وجل: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ… *} [(1062)] لم يسم نفسه جسما، ولا سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتفق المسلمون عليه، ونحن فلا نسمي الله عز وجل باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه ، قال الله عز وجل: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [(1063)][(1064)] اهـ.
وقد اختصر هذا البحث الآمدي في أبكار الأفكار فقال ما نصه: «المسئلة الثانية في أن البارئ تعالى ليس بجسم. مذهب أهل الحق: إن البارئ – تعالى – ليس بجسم، وذهب بعض الجهال: إلى أنه جسم. ثم اختلفوا:
وذهب بعض الكرامية: إلى أنه جسم، بمعنى أنه موجود.
وذهب بعضهم: إلى أنه جسم، بمعنى أنه قائم بنفسه.
وذهب بعض المجسمة: إلى أنه جسم حقيقة، وأنه متصف بأحكام الأجسام (وأنه متصف بصفات الجسمية).
ثم إن منهم من قال: إنه مركب من لحم ودم، كمقاتل بن سليمان، وغيره. ومنهم من قال: إنه نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله سبعة أشبار بشبر نفسه. ومن المجسمة من غالى وقال: إنه على صورة إنسان.
لكن منهم من قال: على صورة شاب أمرد جعد قطط.
ومنهم من قال: إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، تعالى الله عن قول المبطلين»[(1065)] اهـ.
فإذا تبين ذلك كله عرف السبب في عدم حكم بعض العلماء بالكفر على من استجاز إطلاق لفظة الجسم على الله سبحانه، وإلا فإن الإجماع منعقد على تكفير من أفصح بوصف الله بالتركيب والحجم أو وصف الله بالجسمية وهو مدرك لمعناه الحقيقي في اللغة، فإنه لا تأويل لكلامه بالمرة، لا خلاف بينهم في هذا الحكم، فإن إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى باختيار من قائله أي من غير إكراه مع العلم بما فيه من النقص استخفاف.
يوضح هذا ما قاله أبو المعين النسفي في التمهيد، ونصه: «ومن أطلق اسم الجسم على الله تعالى وعنى به القائم بالذات لا المتركب كما ذهب إليه الكرامية أخزاهم الله، وهو إحدى الراويتين عن هشام بن الحكم، فالخلاف بيننا وبينه في الاسم دون المعنى وهو مخطئ. لما أنه في اللّغة اسم للمتركب، فمن أطلق اسم الجسم ولم يرد به معنى التركب فقد أمال الاسم عن موجبه لغة إلى غير موجبه، وهو معنى الإلحاد ، ولو جاز ذا لجاز لغيره أن يسميه رجلا، ويقول: عنيت به القائِم بالذات وكذا في كل اسم مستنكر، وتجويزه خروج عن الدين ، والامتناع عنه تناقض، يحققه: أن معنى الاسم لو كان ثابتا من غير إحالة لامتنعنا عن إطلاق الاسم بدون الشرع الوارد به، لأننا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ولهذا لا نسميه طبيبا، وإن كان عالما بالأدواء، والعلل والأدوية، ولا فقيها وإن كان عالما بالأحكام.
فإذا لم يكن الشرع بلفظ الجسم واردا، وكان معناه الثابت لغة مستحيلا على الله تعالى كان إطلاقه ممتنعا.
فأما لفظه الشىء فقد ورد بها الشرع، قال الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ… *} [(1066)]، ومعناه أيضا ثابت، لأنه اسم للموجود الثابت الذات، والله تعالى موجود وذاته ثابتة. فإطلاق اسم الجسم مع أن الشرع لم يرد به، واستحال أيضا معناه قياسا على إطلاق اسم الشىء، والشرع ورد به، ومعناه واجب غير مستحيل على الله تعالى، جهل فاحش. وقولهم: إنا نقول: إنه جسم لا كالأجسام، كما نقول: إنه شىء لا كالأشياء قول فاسد، لأنهم إن نفوا بقولهم: لا كالأجسام معنى التركيب، فقد أبطلوا قولهم: إنه جسم، وصاروا مناقضين، وصاروا قائلين: إنه جسم وليس بجسم، وإن لم ينفوا به معنى التركب لم ينفعهم قولهم: لا كالأجسام.
فأما قولنا: شىء لا ينفي بقولنا: لا كالأشياء معنى الثبوت والوجود الذي هو مقتضى لفظة الشىء، بل نفينا بقولنا: لا كالأشياء ما وراء مطلق الوجود من المعاني التي هي من دلالات الحدث كالجسمية والجوهرية والعرضية، فلم نعد بذلك ناقضين، وكان في قولنا: لا كالأشياء فائدة على أنا لما عنينا بقولنا: لا كالأشياء نفي الجسمية، فإلزامنا بإطلاق لفظ ننفي به الجسمية أن نجوز إطلاق لفظة الجسم جهل بحقائق الألفاظ والمعاني، والله الموفق» اهـ.
وقال أيضًا: «ويستحيل أن يقال: إن الله جل ثناؤه وتعالى أصل للمتركبات، تتركب هي منه، فلم يكن جوهرا. ولا يقال: إنه اسم للقائم بالذات والله تعالى قديم قائم بالذات فيكون جوهرا لما أنه ليس في لفظ الجوهر ما ينبئ عن القائم بالذات لغة، بل هو ينبئ عن معنى الأصل، وتحديد اللفظ بما لا ينبئ عنه لغة، وإخراج ما ينبئ عنه لغة عن كونه حدا له جهل فاحش، والله تعالى الموفق» اهـ.
قال ابن حزم الذي هو منتقد عند أهل العلم فيما شذ فيه: «فإن قالوا لا فرق بين قولنا شىء وبين قولنا جسم.
قيل لهم: هذه دعوى كاذبة على اللغة التي بها يتكلمون ، وأيضا فهو باطل لأن الحقيقة أنه لو كان الشىء والجسم بمعنى واحد لكان العرض جسما، لأنه شىء وهذا باطل بيقين، والحقيقة هي أنه لا فرق بين قولنا شىء وقولنا موجود وحق ومثبت، فهذه كلها أسماء مترادفة على معنى واحد لا يختلف وليس منها اسم يقتضي صفة أكثر من أن المسمى بذلك حق ولا مزيد، وأما لفظة جسم فإنها في اللغة عبارة عن الطويل العريض العميق المحتمل للقسمة ذي الجهات الست التي هي فوق وتحت ووراء وأمام ويمين وشمال، وربما عدم واحدة منها وهي الفوق، هذا حكم هذه الأسماء في اللغة التي هذه الأسماء منها، فمن أراد أن يوقع شيئا منها على غير موضوعها في اللغة فهو مجنون وقاح، وهو كمن أراد أن يسمي الحق باطلا، والباطل حقا، وأراد أن يسمي الذهب خشبا، وهذا غاية الجهل والسخف إلا أن يأتي نص بنقل اسم منها عن موضوعه إلى معنى آخر فيوقف عنده، وإلا فلا، وإنما يلزم كل مناظر يريد معرفة الحقائق أو التعريف بها أن يحقق المعاني التي يقع عليها الاسم ثم يخبر بعد بها أو عنها بالواجب، وأما مزج الأشياء وقلبها عن موضوعاتها في اللغة فهذا فعل السوفسطائية الوقحاء الجهال الغابنين لعقولهم وأنفسهم»[(1067)] اهـ.
قال الفقيه المتكلم ابن المعلم القرشي: «إن قسما من القائلين بالتحيز بالجهة أطلقوا الجسمية ومنعوا التأليف والتركيب، وقالوا: «عنيت بكونه جسما وجوده»، وهؤلاء كفروا» [(1068)] اهـ. وإنما كفرهم لفهمهم ما تعطيه هذه اللفظة من التأليف والتركيب.
ومع ذلك فقد قال الدواني في شرحه للعقائد العضدية: «ومنهم من تستر بالبلكفة، فقال هو جسم لا كالأجسام، وله حيز لا كالأحياز، ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها، وهكذا ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم، وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية»[(1069)] اهـ.
(قيل) وفي قوله: «ومنهم من تستر بالبلكفة»، تنبيه على حال هؤلاء القوم من أنهم ادعوا أنهم يظنون أن لفظة جسم معناه الموجود أو القائم بنفسه، لاحظ قوله: «وهكذا ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم» اهـ، فنبه العلماء أنه إن كان هذا هو حالهم حقيقة لا ادعاء كاذبا فإنهم لا يكفرون، معتبرين حالهم بأنهم في هذا كالأعاجم، أي هذا إن كانوا صادقين في دعواهم هذه، كما مر بيانه، لا أنهم يفهمون ما يراد من كلمة الجسم في لسان العرب ومع ذلك يبتكرون لها معنى آخر، وهو الموجود ونحوه، فليتنبه لهذا القيد فإنه دقيق.
(قيل) مع أن هناك مؤاخذة على تساهل الدواني في التعبير عن هذا المقام واختصاره له إلى حد الإخلال بقيوده وضوابطه التي كان ينبغي بيانها، لأن قوله شارحا حالهم فيما ادعوه: «ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها» اهـ، مشكل أي إشكال، لكن لعله مشى على التعبير عن دعواهم بأخصر عبارة.
ولا يجوز في مثل هذا الأمر الخطير والشأن الجلل أن يتناقض كلام أهل العلم، وإنما ينـزّل على المعنى الذي كشفناه وبيناه، وإلا فهو قول بعدم تكفير من وصف الله بصفة من صفات الخلق كالتركيب والتأليف والصورة ونسبة الجهة إليه سبحانه وهو الكفر الصراح المتفق على اعتباره كفرا بين أهل الإسلام قاطبة[(1070)]، وهو قول متهافت ينقض بعضه بعضا، ولا ينصره صاحب فهم بدين الله تعالى، وهدي الكتاب والسنة، وما جرى عليه أعلام الأمة من التصريح بكفر المجسم لمعارضته ومصادمته لمعنى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} ، وصريح ما عليه العقل.
قال الزرقاني: «ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين ، وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة، أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك. ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته، إذ يقول: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} ، ويقول: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} ، ويقول: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} ، ويقول: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ *} ، وغير هذا كثير في الكتاب والسنة، فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف.
ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها، ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال، لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم، مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة: إن الاستواء باق على حقيقته، يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، وقولهم بعد ذلك: ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، فكأنهم يقولون: إنه مستو غير مستو، ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت، فإن أرادوا بقولهم: الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا، لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن ، خصوصا في مقام التعليم والإرشاد، وفي موقف النقاش والحجاج، لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده، ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة، والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره، فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر، واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم، فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه؟ وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة ، الأمر الذي نهانا القرآن عنه، والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبيغ أو بابن صبيغ، وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء، وقد مر بك هذا وذاك، ولو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة، واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه، ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده، وبذلك يكونوه سلفيين حـقا لكنها شـبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم»[(1071)] اهـ.
قال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي: «فقد اغتر كثير من بسطاء العقول بقول وتأليف بعض المنسوبين إلى العلم المتضمن تشبيه الله تعالى بخلقه، واعتقدوا أنه جسم يحل في الأمكنة وله جهة، وأنه تعالى جالس على العرش بذاته وكائن في السماء إلى غير ذلك من المكفرات. (ومن المعلوم) أن غالب العوام ليس عندهم من العلوم والمعارف ما يقيهم من الوقوع في العقائد الفاسدة وفي شرك الضالين. فترى زائغ العقيدة يقول للعامي (الله جالس على العرش) بدليل قوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} ، وبدليل قول فلان المؤلف إن استوى على العرش بذاته، وإنه يحل في السماء بدليل قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} ، وبدليل إشارة الجارية إلى السماء حينما سألها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «أين الله»، والله له جهة بدليل قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ، والله جسم والله يتصف بالتحول والانتقال بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» الحديثَ إلى غير ذلك من الشبه والتمويهات (ولتلك) الشرذمة دسائس وأذناب يتجولون في القرى والمدن ليضلوا ضعفة العقول من جهلة العوام ببث العقائد الفاسدة في أذهانهم، فيكفرون باعتقاد أن الله تعالى جسم شبيه بخلقه، جالس على عرشه، حال في سمائه، يتصف بالتحول والانتقال إلى غير ذلك من صفات الحوادث، مع العلم بأن الجاهل لا يعذر بجهله بأمور دينه ولا سيما ما يتعلق بالعقائد ، فالواجب عليه أن يتبين أمر دينه وأحكامه وعقائده حتى يقف على ما كان عليه سلف الأمة وخلفها من أن الله تعالى ليس كمثله شىء فلا مكان له ولا جهة ولا يتصف بالتحول والانتقال وليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا، وعلى الجملة فكل ما خطر ببالك فالله بخلافه»[(1072)] اهـ.
وقال أيضًا: «في الفتوحات .. ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل – الفاسد -، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الفهم، من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح، ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شىء ألبتة، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم»[(1073)] اهـ.
قال ابن المعلم القرشي: «وعن علي رضي الله عنه قال: سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا، فقال رجل: يا أمير المؤمنين كفرهم بماذا أبالإحداث أم بالإنكار؟ فقال: بل بالإنكار ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء»[(1074)] اهـ.
وفي كتاب محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي: «ويجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض». ثم قال: «فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر»[(1075)] اهـ.
وقال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي: «فقد علمت مما ذكره أولئك الأئمة المحققون من الأدلة والبراهين النقلية والعقلية أن الله عز وجل لا جهة له ولا مكان ولا يمر عليه زمان، إذ هو تعالى مخالف للحوادث. وردهم على أصحاب العقائد الزائغة المكفرة المعقدة أن الله تعالى جسم جلس على العرش أو حل في السماء، إلى غير ذلك من الكفر الصريح أجارنا الله تعالى من الضلال والإضلال وأهلهما.
(فمن) اعتقد أنه سبحانه وتعالى يشبه شيئا من الحوادث كالجلوس في مكان أو التحيز في جهة (فهو) ضال مضل كافر بالله عز وجل . نسأله تعالى السلامة من سوء الاعتقاد والتوفيق للعقائد الحقة التي ترضيه عز وجل»[(1076)] اهـ.
هذا وقد مر بك ما نقله القرافي من اتفاق الأئمة الأربعة على تكفير المجسم كما نقل ذلك عنه ابن حجر الهيتمي الذي قال: وهم حقيقون بذلك، وكذلك ما نقله السيوطي عن الشافعي في تكفير المجسم.
وقال الإمام مالك رضي الله عنه في أهل الأهواء كلهم: «أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا»، روى ذلك الحافظ المجتهد المطلق محمد بن المنذر في كتابه الإشراف[(1077)]، ومعناه أنهم كفار، وهم المجسمة والجهمية والخطابية والقدرية والقائلين بخلق الأفعال وبخلق القرءان على معنى أن الله ليس له كلام إلا ما يخلقه في غيره، فجعلوا القرءان مما يخلقه في غيره.
ولا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1078)] اهـ. وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.
وعلى ما عرفت مما تقدم من النصوص والبيان تعال نقرأ معا ما قاله القاضي البياضي في إشارات المرام[(1079)]، حيث نبه على ما نقله عن الإمام أبي حنيفة في حديث الجارية، وما عقّب به عليه، ومما قاله: «وفرّع عليه ببيان حكم المخالفة فيه، تشييدا لقواعد التنـزيه، وتنبيها على استلزام نسبة النقص في القول بالتحيز والتشبيه، فقال فيه: (فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر)، لكونه قائلا باختصاص البارئ بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى، (كذا من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض)، لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه، سيما في القول بالكون في الأرض، ونفي العلو عنه تعالى، بل نفي ذات الإله المنـزه عن التحيز ومشابهة الأشياء. وفيه إشارات:
الأولى: أن القائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فمنهم منكرون لذات الإله المنـزه عن ذلك، فلزمهم الكفر لا محالة…
الثانية: إكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن أطلقه، واختاره الإمام الأشعري، فقال في النوادر: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه، وإنه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي قاسم الأنصاري، وفي الخلاصة أن المشبه إذا قال: له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر» اهـ.
إلى أن يقول في الثالثة كلاما كان ينبغي بيانه وإيضاحه لا إمراره هكذا بلا تنبيه على ما تقدم بيانه مع ما فيه من إشكال ، وقد تقدم في هذه الرسالة الإشارة إلى بيانه وتوضيحه، ونصه: «الثالثة: عدم إكفار من قال: هو جسم متحيز لا كالأجسام المتحيزة، كما ذهب إليه محمد بن الهيصم وبعض الحنابلة، وإليه أشار بعدم التعرض له في المقام، فهو مبتدع في إطلاق الجسم وليس بكافر، لرفعه إيهام النقصان، بقوله: لا كالأجسام، وقيل: يكفر بمجرد الإطلاق، كما في باب الإمامة من فتح القدير، وقد أطلق في الخانية والمحيط عدم جواز الاقتداء بالمشبه.
الرابعة: الرد على من أنكر إكفار المشبه مطلقا ذهابا إلى أن القائل بأنه جسم غالط فيه غير كافر، لأنه لا يطرد قوله بموجبه كما اختاره الباقلاني كما في شرح الإرشاد، واختاره الآمدي في الأبكار، فقال في خاتمته: إنما يلزم التكفير أن لو قال: إنه جسم كالأجسام وليس كذلك بل ناقض كلامه في فصل التنـزيه منه، ومن المنائح حيث قال فيه: ومن وصفه تعالى بكونه جسما: منهم من قال: إنه جسم: أي موجود لا كالأجسام، كبعض الكرامية. ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد. ومنهم من قال: على صورة شيخ أشمط. وكل ذلك كفر وجهل بالرب، ونسبة للنقص الصريح إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.
فلو قورن هذا الكلام بما تقدم لكشف النقاب عنه ولظهر للقارئ وجوه الجواب، ولا يجوز القول بعدم تكفير من قال: هو جسم متحيز لا كالأجسام المتحيزة ، إلا أن يكون كالأعجمي أو يظن أن معنى الجسم والمتحيز في لغة العرب الموجود مثلا كما تقدم.
ثم لاحظ النص التالي: قال المناوي ناقلا عن الأصحاب: «والمشبه إذا قال له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون. وإن قال جسم لا كالأجسام فهو مبتدع، لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه، وهو موهم للنقص فرفعه بقوله: «لا كالأجسام»، فلم يبق إلا مجرد الإطلاق، وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب لما قلنا من الإيهام، بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر، وقيل يكفر بمجرد الإطلاق أيضا، وهو حسن بل هو أولى بالتكفير. ….. انتهى من الخلاصة، إلا تعليل إطلاق الجسم مع نفي التشبيه.
إلى أن ختم بقوله: بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه، فإنه يكفر لاختياره إطلاق ما هو موهم للنقص بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك.
ومثله قال كمال الدين السيواسي: «والمشبه إذا قال: له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون، وإن قال: جسم لا كالأجسام، فهو مبتدع لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه، وهو موهم للنقص فرفعه بقوله: لا كالأجسام، فلم يبق إلا مجرد الإطلاق، وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب، لما قلنا من الإيهام، بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر ، وقيل: يكفر بمجرد الإطلاق أيضا وهو حسن، بل هو أولى بالتكفير»[(1080)] اهـ.
(قيل) لاحظ قوله: «بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر» اهـ، فإنه يدلنا على أنه يرجع ذلك إلى فهم القائل لا قصده .
ربما يؤكد هذا قوله بعد أن أنجز الكلام على مسئلة عدم جواز الصلاة خلف المبتدع الذي وصل إلى الكفر، ونصه: «بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه فإنه يكفر، لاختياره إطلاق ما هو موهم للنقص بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه، فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك»[(1081)] اهـ.
لاحظ قوله: « بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه» اهـ، فإنه كالنص في بيان هذا الذي نحن فيه.
أما التشكيك بنقل العلماء عن مشاهير المشبهة، هل قالوا ما ينقل عنهم أم لا، فهو دوران ومرواغة لا تنفع، فإما أن يقول هذا المراوغ: إن القائل بالتركيب والحجم في حق الله كافر أيا كان قائله، وإن مات على ذلك فهو مخلد في نار جهنم، وإما أن يعاند ويجاهر بأنه ليس كذلك، وهو هلاك وكفر، والعياذ بالله تعالى.
ولا يجوز أن يكون المسلم في دينه مذبذبا تائها، لا يميز المسلم من غيره، وإلا خلط الإيمان بالكفر، وأدخل في دائرة الإيمان من رد قول الله سبحانه وتعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} [(1082)]، فما أجرأهم على التقول على الله وعلى دينه، والله أعلم بمكرهم، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ *} [(1083)].
وإذا تبين ذلك كله تلخص : أنه لا بد من التحذير من إطلاق بعض المنتسبين للعلم ترك تكفير أهل الأهواء، وهو كلام مردود، وقد تقدم أنه ثبت عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل تكفير بعض أهل الأهواء. وربما يناسب تلخيص بعضا مما نقلناه لك قبل، أما أحمد بن حنبل فقال: «من قال الله جسم لا كالأجسام كفر»، وأما الشافعي فقال «لا يكفّر أهل القبلة» واستثنى المجسم. ذكره السيوطي في «الأشباه والنظائر»[(1084)].
والنووي كفر المجسم في «شرح المهذب»[(1085)]، وكفر الشافعي القدري أي المعتزلي، والقائل بخلق القرءان الذي هو مذهب المعتزلة الذين يقولون: الله ليس له كلام إلا ما يخلقه في غيره. نقل ذلك صاحب البيان العمراني اليمنيّ وهو قبل النووي.
وقال مالك: أرى أن يستتاب أهل الأهواء، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.اهـ وهذا صحيح ثابت عنه، رواه عنه الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه «الأوسط» وفي كتابه «الإشراف».
وكذلك قال كمال بن الهمام الحنفي في «فتح القدير»: «المجسم القائل جسم لا كالأجسام كافر» اهـ.
وقد تقدم أنه لا حجة في قول الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية. وأنه محمول على من لم يصل منهم إلى الكفر، أي لم تثبت عليه قضية معينة تقتضي كفره، هذا هو محمل كلام الشافعي كما قال الحافظ سراج الدين البلقيني الشافعي في كتابه «حواشي الروضة».
بل قدمنا التحذير من الأخذ بما ينسب لبعض المتأخرين من الشافعية، كعز الدين بن عبد السلام والغزالي والرازي وغيرهم في أمر تكفير المجسم والجهوي، وبينا وجه التناقض فيما ينقل عنهم، واستشهدنا على ذلك بكلامهم وتنبيه بعض العلماء على عدم صحة هذه الأقوال أو النقول عنهم، خاصة وأن كلامهم خالف كلام الشافعي فلا يعتد به. والعبرة بكلام الإمام ومن وافقه من المنتسبين إليه كأبي حامد المروزي، إمام أصحاب الشافعي المراوزة، والإمام أبي منصور البغدادي، فإنه قال: «يجب تكفير كل زعيم من زعماء المعتزلة ». يعني بذلك أن المنتسبين إلى الاعتزال منهم من لا يعتقد مقالاتهم الكفرية، إنما يعتقد بعض مقالاتهم التي ليست كفرًا، فإن منهم من لا يرى بعض أصول عقائدهم وهو منتسب إليهم، فإن المعتزلة لهم مقالات كفرية ومقالات دون الكفر مع كونها ضلالة وبدعة، وقد ذكرتُ قبل هذا في موضع من هذه الرسالة ما قاله الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه «تفسير الأسماء والصفات»[(1086)] وهو قوله: «فأما أصحابنا فإنهم وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة والغلاة من الخوارج والنجارية والجهمية والمشبهة، فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملتهم في عقود البياعات، والإجارات والرهون وسائر المعاوضات دون الأنكحة، فأما مناكحتهم، وموارثتهم والصلاة عليهم وأكل ذبائحهم فلا يحل شىء من ذلك، إلا الموارثة ففيها خلاف بين أصحابنا » انتهى.
وبهذا يعلم أن ما ذكر في كتاب «روضة الطالبين» للنووي من ترك تكفيرهم، وصحة الاقتداء بهم، خلاف ما ذكره المتقدمون من أصحاب الشافعي.
ومثل هذا ما هو مذكور في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» المنسوب للغزالي ، من عدم تكفير أهل الأهواء على الإطلاق فإنه باطل، مخالف لقول الإمام الشافعي وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم رضي الله عنهم.
وحكى القاضي عياض في «الشفا” عن الجاحظ وثمامة المعتزليين أنهما قالا: «إن كثيرًا من العامة والنساء والبُله، ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال. وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم أو شك. قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص، والتوقيف، أو شك فيه، والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر»[(1087)] اهـ.
ـ[1005] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد: (ص/58 – 59)، الطبعة الأولى، مؤسسة الكتب الثقافية.
ـ[1006] العقيدة النظامية (ص/).
ـ[1007] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة: (ص/59).
ـ[1008] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/59).
ـ[1009] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/60).
ـ[1010] يقال: رجل عبل إذا كان غليظا، وكذلك كل غليظ من الدواب والمصدر العبالة والعبولة، وألقى فلان على فلان عبالته أي ثقله، يراجع: جمهرة اللغة (1/366).
ـ[1011] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/61 – 62).
ـ[1012] الشامل في أصول الدين (ص/221 – 225)، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ – 1999 .
ـ[1013] المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، لأحمد بن يحيى الونشريسي (2/382 – 385)، دار الغرب الإسلامي بيروت.
ـ[1014] أضواء البيان (2/18).
ـ[1015] البرهان المؤيد (ص/14).
ـ[1016] التفسير الكبير (7/113 – 114).
ـ[1017] التفسير الكبير (13/69).
ـ[1018] التفسير الكبير (16/24).
ـ[1019] معالم أصول الدين (ص/137) المسألة العشرون المختار عندنا أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بدليل منفصل.
ـ[1020] الفقيه والمتفقه (2/331 – 332)، باب ذكر شروط من يصلح للفتوى.
ـ[1021] المنهج القويم لابن حجر الهيتمي (ص/294)، فصل في صلاة النفل.
ـ[1022] تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع (4/648). تأليف: الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المتوفى 794هـ، دراسة وتحقيق الدكتور سيد عبد العزيز والدكتور عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي القاهرة، توزيع المكتبة المكية مكة المكرمة.
ـ[1023] الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص/111).
ـ[1024] المجموع شرح المهذب (4/253)، ونصه: «فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا» اهـ.
ـ[1025] سورة الشورى: 11 .
ـ[1026] كفاية الأخيار، لتقي الدين الحصني (ص/495).
ـ[1027] السراج الوهاج ..، وهو من تلاميذ ناصر الدين البيضاوي، وهو من مشايخ العضد الإيجي والشيخ الأردبيلي.
ـ[1028] إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدّين (2/6 – 7).
ـ[1029] بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس (1/51).
ـ[1030] حاشية الرملي (1/219).
ـ[1031] الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص/12)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص/171)، والبرهان المؤيد للإمام أحمد الرفاعي (ص/18)، ودفع شبه من شبه وتمرد لتقي الدين الحصني (ص/18).
ـ[1032] مقالات الكوثري (ص/261).
ـ[1033] مناهل العرفان في علوم القرآن (2/209 – 211).
ـ[1034] أصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص/361).
ـ[1035] الأسماء والصفات لأبي منصور البغدادي (ص/).
ـ[1036] رواه ابن فورك في مشكل الحديث وبيانه (1/102)، ذكر خبر آخر في مثل هذا المعنى مما ذكر في خلق آدم عليه السلام.
ـ[1037] أخرجه مسلم في صحيحه (4/2045)، (2654)، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.
ـ[1038] إلجام العوام عن علم الكلام (ص/62 – 63)، من مجموعة رسائل الغزالي.
ـ[1039] المختار من لحن العامة والخاصة في المعتقدات (ص/57 – 58) لأبي علي عمر بن محمد السكوني المالكي نزيل تونس المتوفى سنة 717هـ.
ـ[1040] الظاهر أن وجه الخلاف في ذلك لجهة ما تقدم من عدم فهم بعض أتباع بعض أهل البدع لتلك العبارات الفاسدة لا أن ذلك مطلق، وذلك من باب التخوف من الحكم بالردة والكفر على من نطق بتلك الكلمات وهو غير فاهم لمعناها أو يظن أنها ترد في لسان العرب بمعنيين أحدهما غير كفر، كما مر في الأمثلة السابقة من نحو ظن بعضهم أنه يطلق على الله لفظ جسم بمعنى موجود أو أنه في جهة فوق بمعنى أنه عالي القدر، وإن كان كلامهم غير صحيح.
ـ[1041] قال الشيخان عبد الكريم التتان ومحمد أديب كيلاني في شرحهما على جوهرة التوحيد: « وقد كفَّر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى وهو واضح، لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية، وإن قال غير ذلك فهو قول متناقض » اهـ.
ـ[1042] أي لكونه لا يفهم ذلك المعنى الفاسد، لا أن ذلك مطلق في كل حال، على ما مر في كلام الجويني والمتولي والباقلاني والغزالي.
ـ[1043] استحالة المعية بالذات وما يضاهيها من متشابه الصفات للمحدث الشيخ محمد الخضر بن ماياني الجكني نسبا الشنقيطي إقليما المدني مهاجرا (ص/376).
ـ[1044] الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص/82).
ـ[1045] تفسير القرطبي (12/256).
ـ[1046] دفع شبه من شبه وتمرد (ص/7).
ـ[1047] سورة الملك، الآية: 10 .
ـ[1048] سورة الشعراء، الآية: 227 .
ـ[1049] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/165 – 166).
ـ[1050] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/175 – 176).
ـ[1051] الفقه على المذاهب الأربعة (4/201 – 202).
ـ[1052] أصول الدين (ص/363)، المسألة الرابعة عشر: في أنكحة أهل الأهواء وذبائحهم ومواريثهم.
ـ[1053] الشامل في أصول الدين (ص/132)، تأليف إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي المتوفى سنة 478هـ، وضع حواشيه عبد الله محمود محمد عمر، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت – لبنان.
ـ[1054] المرجع السابق (ص/208).
ـ[1055] عَبُل عبالة: ضخم وابيض وغلظ.
ـ[1056] المرجع السابق (ص/212).
ـ[1057] سورة القمر: 52 .
ـ[1058] سورة القمر: 49 .
ـ[1059] المرجع السابق (ص/212).
ـ[1060] لسان الميزان (5/354).
ـ[1061] سورة الأنعام: جزء من الآية 19 .
ـ[1062] سورة الأعراف: 180 .
ـ[1063] شعب الإيمان (1/137 – 138).
ـ[1064] أبكار الأفكار في أصول الدين (ص/447)، تأليف الإمام أبي ا لحسن علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي المتوفى 631هـ، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه أحمد فريد المزيدي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
ـ[1065] سورة الأنعام: 19 .
ـ[1066] الفصل في الملل (2/93).
ـ[1067] نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/544) مخطوط.
ـ[1068] مجموعة الحواشي البهية على شرح العقائد النسفية المجلد الثالث وفيه الجزءان الثالث والرابع (ص/155).
ـ[1069] كما بين الطحاوي في عقيدته: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» اهـ، وقد تقدم الكلام عليها في غير موضع.
ـ[1070] مناهل العرفان في علوم القرآن (2/209 – 211).
ـ[1071] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/34).
ـ[1072] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/39 – 40).
ـ[1073] نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/588) مخطوط.
ـ[1074] مختصر الإفادات (ص/489).
ـ[1075] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/132).
ـ[1076] الإشراف (3/260).
ـ[1077] تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع (4/648). تأليف: الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المتوفى 794هـ، دراسة وتحقيق الدكتور سيد عبد العزيز والدكتور عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي القاهرة، توزيع المكتبة المكية مكة المكرمة.
ـ[1078] إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين (ص/168).
ـ[1079] شرح فتح القدير (1/350).
ـ[1080] شرح فتح القدير (1/351).
ـ[1081] سورة الشورى: 11 .
ـ[1082] سورة فاطر: 10 .
ـ[1083] الأشباه والنظائر (ص/598).
ـ[1084] المجموع: (4/253).
ـ[1085] تفسير الأسماء والصفات (ص/228).
ـ[1086] الشفا بتعريف حقوق المصطفى: (2/280 – 281)، فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين.
ـ[1087] رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/108)، كتاب الأحكام، والبيهقي في سننه الكبرى (6/95)، باب نصر المظلوم والأخذ على يد الظالم عند الإمكان.
