الكواكب الدرّية في مدحِ خيرِ البرية للبُوصيري – النفحات الزكية في شرح البُردةِ النبوية (الحلقة الثالثة)

> علم الدين حياة الاسلام:

الكواكب الدرّية في مدحِ خيرِ البرية للبُوصيري – النفحات الزكية في شرح البُردةِ النبوية (الحلقة الثالثة)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

في هذه الحلقة سنرى براعةَ البوصيريِّ رحمه الله وعلوَّ شأنِه في الانتقالِ من معنًى إلى معنى، ومن غرضٍ إلى غرض، فقد سمعنا في الحلقة الماضية أبياتَه في النصيحة والتحذيرِ من هوى النفس، والأمرَ بالسَّيرِ على المنهاجِ السَّويِّ والعملِ الرَّضِيّ، وهنا يتأسفُ على تقصيرِه في الازديادِ منَ الخيرات،

وفي زماننا تاركو واجباتٍ ولا يأسفون، ويضحكون ولا يبكون،

وإن كان البوصيري يقولُ ذلك منه تواضعا، فما عسانا نقول في حال من يبادر منا للشرورِ مسرِعًا؟ يقول رحمه الله:

(12).. أَسْتغفِرُ اللهَ مِنْ قَوْلٍ بِلا عَمَلٍ
لَقَدْ نَسَبْتُ بِهِ نَسْلًا لِذِي عُقُمِ

المفردات: أستغفر: أطلب المغفرة، النسل: الولد، العُقْم: داء يجعل الرجل لا يُولد له وَلَدٌ فلا تكونُ ذريةٌ من نَسْلِه.

المعنى: أستغفر الله من تقصيري في عملي، إني آمرُ غيري بأداءِ أعمالِ البِرِّ وتجنُّبِ الآثام، فمن يسمعني يتوهَّمُ أني ذو شأنٍ عالٍ ومنزلةٍ رَفيعَةٍ وعَمَلٍ كَثير، ولكنّي لَسْت كذلِكَ، فحالِي كحالِ من يَنسُبُ ولدًا لِعَقيمٍ لا يولَدُ له، وذلك أن القولَ بلا عَملٍ كالرَّحِم العقيمة التي لا تُنتِجُ وَلَدًا.

(13).. أَمَرْتُكَ الخَيْرَ لكِنْ ما ائْتَمَرْتُ بِه
وَما اسْتَقَمْتُ فَما قَولي لَكَ اسْتَقِمِ

(14).. وَلا تَزَوَّدْتُ قَبْلَ الموتِ نافِلَةً
وَلَمْ أُصَلِّ سِوى فَرْضٍ وَلَمْ أَصُمِ

المفردات: أمرتُك الخيرَ: أي أمرتُك بالخيرِ، طلبتُ منكَ فِعلَ الخير، ائتمرتُ: أطعت الأمر، استقمتُ: على الطريق القويم المستقيم الذي لا اعوجاج فيه استقمت على الخيرات، وما في قولِه فما قولي لكَ استَقِم للاستفهامِ المتضمنِ لتقليل الشأن وانحطاط المنزلة، كما تقولُ “ما الثعلب أمام الأسد؟” أي ماذا يغني؟ كأنه لا قوة له بالنسبة إلى قوةِ الأَسَدِ،

تزودتُ: أعددتُ زادًا، وهوَ في الأصلِ: الطعامُ المتَّخَذُ للسفر، والمراد به هنا: الطاعاتُ النافِعَةُ في الآخرة، النافلة: الطاعَة الزائدة على الفَرْض، أي السنة المندوبة.

المعنى: قد أمرتك يا سامِعي بفِعْلِ الخير وتَرك هوى النفس والتزودِ من الطاعات، ولم أفعَلْ أنا ما أمرتُكَ به، وما سِرْتُ على طريقِ الاستقامة التامة، ولم أتزودْ بِالنَّوافِل مِنْ صلاةٍ وصيامٍ قبلَ أن يأتِيَني الموتُ فَيُغلَقَ عَلَيَّ بابُ العَمل، فما فائدةُ قولي لك استقم إذا أنا لم أستَقِمْ تمامَ الاستقامة؟ 

وقد أراد البوصيري رحمه الله بذلك أن الآمرَ بالخير ينبغي أن يسبِقَ الناسَ إلى العمل به، فإنه وإن نالَ ثوابًا لأمرِهِ بالمعروف ونهيِهِ عن المُنكَرِ لا يَحْسُنُ به أن يخالِفَ فعلُه قولَه،

وقد قالَ مالِكُ بنُ دينارٍ وهو من أكابرِ الصالحين: “إذا لم يعمَلِ العالِمُ بعلْمِهِ زلَّت موعظته عن القلوبِ كما يَزِلُّ القَطْر عن الصّفا”، أي لم تكن موعظتُه مؤثِّرةً ولا تَعلَقُ بالقُلوبِ كما أن قَطَراتِ المَطَرِ تنزلق عن الصخرِ الأملس ولا يعلَق على الصخر منها شىء.

ووردَ في الحديثِ أنه يُجاء بالرجل يومَ القيامة فيُلقى في النار، فيسألُه الناس: ألستَ كنتَ تأمرُنا بالمعروفِ وتنهانا عن المنكر؟ فيقولُ: كنت آمركم بالمعروفِ ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكَر وآتيه.

(15).. ظَلَمْتُ سُـنَّةَ مَنْ أَحْيــا الظَّلامَ إلى
أنِ اشـتَكَتْ قدمَــاهُ الضُّرَّ مِن وَرَمِ

المفردات: ظَلَمْتُ: نقصتُ، والمرادُ هنا تَرَكْتُ، سنةَ: طريقةَ، أحيا الظلامَ: قام في الليلِ على قدميهِ لصلاةِ النَّفْلِ، الضُّرّ: الأَلَم.

المعنى: هنا ينتقِلُ البوصيريّ مِن التحذيرِ من هوى النفسِ إلى الغَرَضِ الأساسي مِنَ القصيدَةِ وهو المديحُ النبوي، فيمهدُ لِذِكْر اسمِهِ الكريمِ بِعِدّة أبياتٍ قبلَ أن يمدحَهُ صريحًا، فيقولُ: لما أَمَرتُ بِالخير وما ائتمرتُ به كنتُ تارِكًا طريقَةَ نبيٍّ كريم دعا للصلاةِ وأحيا اللياليَ المظلِمَة معَ عُلُوّ قدره وارتفاعِ منزلته على قدميهِ الكريمتين حتى ظهر الوجعُ والورم عليهِما، فهو قد أمر بالمعروف وأداه وأجهد نفسه في أدائِه، لم يُفضِّلِ الراحةَ والنومَ بل كان قوّامًا قليلَ الهُجوع. هذا مع التنبيه إلى أنه ﷺ لم يَصِلْ بنفسِهِ بهذا الانتفاخِ إلى حَدّ الأذى.

(16).. وشَدَّ مِن سَغَبٍ أحشــاءَهُ وطَـوَى
تحْتَ الحِجارةِ كَشْــحًا مُتْرَفَ الأَدَمِ

المفردات: شد: عَصَبَ، السغب: الجوع، الأحشاء جمع حشا وهو ما انضمت عليه الضلوع، والمراد هنا أنه شد وسطه، طوى: ثنى، الكَشْح: ما بين الخاصرة إلى ضلوع الصدر، المُتْرَفُ: المنعَّم، الأَدَم: الجِلد، ومترَفَ الأَدمِ أرادَ به ناعِمَ الجِلد. > علم الدين حياة الاسلام: المعنى: وشدَّ وسَطه المباركَ بالحَجر، وطوى بطنَه الناعمَ الشريفَ تحتَ الحجارَةِ تخفيفًا لألم الجوع، ولم يكن جوعُه عليهِ الصلاة والسلام عن عجزٍ وتقصير، بل إن الدنيا أقبلَتْ عليهِ فأعرَض هو عنها كما بَيّن بقوله:

(17).. وراوَدَتْــهُ الجِبالُ الشُّـمُّ مِن ذَهَبٍ
عن ْنفسِه فَأَراها أيَّمَا شَمَمِ

(18).. وأكَّدَتْ زُهدَهُ فيها ضَرورَتُهُ
إنَّ الضَّرورةَ لا تَعدُو على العِصَمِ

المفردات: راودته: أي دَعَتْهُ إلى نفسها، الشّم: جمع أشم وهو العالي، فأراها أَيَّما شمم: أعرض عنها وارتفعَ عنها غاية الارتفاع، أكدت: قوَّت، الزّهد: ضد الرغبة، الضرورة: الحاجةُ الشديدةُ، لا تعدُو: لا تعتَدي، أي لا تؤثِّرُ ولا تَضُرّ، العِصَم: جمع عِصمة، وهي المنع والحفظ والصيانة. 

المعنى: إن الجبال الشامخة الشماءَ من الذهبِ كانت تدعوه إلى نفسِها فكانَ يُعرِض عنها ويظهِر لها أعلى ترفعٍ واستغناء، وقد أكدَ أنه زهِد في زخارف الدنيا حاجاته الضرورية وشدة جوعِه، والضرورة لا تؤثر على العِصمةِ ولا تتعدى عليها، فلو وصل نبي لحال كهذه فلا تتأثرُ عصمته بذلكَ ولا يضرُّها، فالعصمة إكرام من الله للأنبياء الكرام صلى الله عليهم أجمعين.

وهنا نصل لختام هذه الحلقة، على أمل اللقاء في الحلقة القادمة لنشنف أسماعنا بأبيات كالأزهار، تفوح منها روائع الأعطار، فارتقبونا، والسلام عليكم