من إرث الشيخ الهرري رضي الله عنه
“قراءة القرآن”
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله وسلم على سيّدِنا محمد وعلى آلِه وصحبهِ الطيبين الطاهرين وبعد
لا يجوزُ تحريفُ القرآنِ ولا يجوزُ أنْ يُحرِّفَ الشخصُ في القراءةِ ولا عُذرَ للجاهل.
اللهُ تعالى امتَدَحَ قومًا فقال فيهم {الذين ءاتيْناهمُ الكتابَ يتلونَه حقَّ تلاوتِه}
قال ابنُ مسعود “والذي نفسي بيدِه إنّ حقَّ تلاوتِه أنْ يُحِلَّ حلالَه ويُحرِّمَ حرامَه ويقرأَهُ كما أنزلَه الله ولا يحَرِّفَ الكَلِمَ عن مواضعِه ولا يتأوّلَ منه شيئًا على غيرِ تأويلِه”
وفي كلامِه رضي الله عنه فوائد منها:
منعُ تحريفِ القرآنِ لفظًا ومعنًى وجوازُ التأويلِ لمُقتضًى عقليٍّ أو نقليٍّ على ما يُوافقُ اللغةَ والشريعة، قاله الفخرُ الرازيُّ وغيرُه.
وهذه الآيةُ وغيرُها من الأدلةِ الشرعيةِ تدلُّ على أنّه لا يجوزُ قراءةُ القرآنِ الكريم بطريقةٍ مُخِلّةٍ بما يجبُ مُراعاتُه منَ التشكيلِ وحركاتِ أواخرِ الكلمات وإخراجِ الحروفِ من مخارجِها، فمَن لم يُراعِ ذلك فقد خرجَ بالإثمِ بدلًا من الأجرِ والثواب.
وفي الجزَرِيةِ في علمِ التجويدِ يقولُ ابنُ الجزَريِّ رحمه الله:
“مَن لم يُصَحِّحِ القُرانَ آثِمُ“
وهذا صريحٌ من أحدِ أئمّةِ هذا الفن لأنّ تركَ تصحيحِ القراءةِ فيه إثم فضلًا عن أنْ يكونَ فيه أجرٌ وثواب.
قال الحافظُ المُنذِريّ في شرحِه على مسلم “قولُه -أي النبيّ صلى الله عليه وسلم- والذي يقرأُ القرآنَ ويَتَتَعتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران”
والتّعتَعةُ فيه لأنّ القراءةَ عليه شاقّةٌ إما لكونِه في بدايةِ التعلُّمِ والحفظ أو لاختلافِ لغتِه عن اللغةِ العربية لكوْنِه أعجَميًّا مثلًا، ولمّا كانت القراءةُ عليه شاقّةً فلهُ أجران أجرٌ بالقراءة وأجرُ التعْتَعةِ في التلاوةِ والمشَقّةِ في القراءة، أو التعتَعةِ بسببِ ثِقَلِ اللسانِ خِلقةً وطبيعةً.
وقيل الذي يتتَعْتَعُ هو الذي يترَدَّدُ في التلاوة لضَعفِ حفظِه وإتقانِه لكنْ واللهُ تعالى أعلم الأولُ هو الأصحُّ والأقوى لأنّ الإنسانَ إذا قصّرَ في الحفظِ والمراجعةِ وحصلَ له تردُّدٌ في التلاوةِ والقراءة فإنّ هذا لا يكونُ له فيه مَزِيّةٌ أو فضلٌ لأنه أهملَ المراجعةَ والحفظ.
وكوْنُ الذي يتَتَعتَعُ له أجران لا يدُلُّ على أنّه أفضلُ درجةً من الماهر، فقد يكونُ للماهرِ أجورٌ أكثرَ منه وذلك لمهارتِه.
ولم يذكر الرسولُ صلى الله عليه وسلم كمْ للماهرِ منَ الأجر وإنما قال هو معَ السَّفَرةِ الكرامِ البرَرَةِ، وهذه بِشارةٌ عظيمةٌ بلا شك لكلِّ مَن اعتَنى بكتابِ اللهِ وحفظهِ وأتقنَهُ وأكملَ قراءتَه وأتمَّهُ فإنّه يكونُ مع ملائكةِ الرحمنِ السَّفَرةِ الكرامِ البرَرة. انتهى من كلامِ المنذريِّ رحمه الله.
ويؤَيِّدُ ما ذكرْناه حديثُ مسلم “مَن عمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ” -أي مردود-
فَمَن أرادَ أنْ يقرأَ القرآنَ فلْيتعلّم ذلك مِن أهلِ المعرفةِ بالقراءةِ الثقاتِ لأنّه مسؤولٌ عمّا ينطقُ به واللهُ تعالى يقول {ولا تَقفُ ما ليس لكَ به علمٌ}
ليس لك أنْ تخوضَ بالكلامِ فيما لا علمَ لكَ به.
فكيفَ يستحسِنُ كثيرٌ من الناس لا سيّما في رمضان أنْ يفتحوا المصاحفَ ويقرأوا في القرآنِ لأنفسِهم دونَ أنْ يكونوا قرأوا على أهلِ العلمِ من المشايخِ من أهل هذا الفنِّ من الثِّقاتِ ثم يقولون نعملُ خَتمة أو أقل أو أكثر؟؟
طالما هو لا يعرفُ القراءة لا يُقبَلُ منه ذلك.
الإمامُ الكبيرُ الحافظُ الخطيبُ البغدادي وهو حافظٌ مشهورٌ كبير قال “الذي يقرأُ القرآنَ لنفسِه دونَ قارئٍ ثقة يتلَقّى منه القراءة لا يسمى قارئًا إنما يسمّى مُصحَفيًّا” يعني لا يجوز أنْ تخوضَ في القرآن بقراءتِه بلا علم.
بعضُ الناسِ يحرّفونَ في الحركات، بعضُ الناس لا يأتونَ بالمدّ الطبيعي وهذا لا يجوز، بعضُ الناس لا يأتونَ بالحرفِ مِن مخرجِه وهذا لا يجوز.
ولا يكفي أنْ يقول نيّتي قراءةُ القرآنِ مع الغلطِ في التنزيل فإنه يكونُ موْزورًا آثِمًا غيرَ مأجور.
وقد قال تعالى {ولا تقفُ ما ليسَ لكَ به علمٌ إنّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئكَ كان عنه مسئولًا}
فالخلاصة: أنّ الجهلَ ليس عذرًا، بعضُ الناس يقولون أنا ما كنتُ أعرف وإنما الأعمالُ بالنيّات، يُورِدونَ الحديثَ في غيرِ محلِّه.
نقول قال الله تعالى {ولا تقفُ ما ليس لكَ به علمٌ} أي لا تخوضُ فيما لا تعلم ولو بالقول.
اللهم وفّقنا إلى ما تحبُّه وترضاه واحفظْنا منَ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطَن واجعلنا من العلماءِ العاملين يا أرحمَ الراحمين واهدِ بنا يا أكرمَ الأكرمين وأكرِمْنا ربَّنا برؤيةِ خيرِ المرسلين سيّدِنا محمد عليه الصلاة والسلام.
