قوله تعالى: ((يد الله فوق أيديهم)) الآية في سورة الفتح:
أولا: معاني ((اليد)) في اللغة:
ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” حوالي 25 معنى لـ: (( ـاليد)) في لغة العرب:
(1) حقيقة اليد في اللغة == {الجارحة، العضو، الأداة} == {كم، حجم، أبعاد} == {جسم} == معنى باطل في حقه تعالى عند كل المنزهة ما عدا المجسمة والمشبهة..
(2) معاني أخرى تدرك وفق الاضافة والسياق == {معاني وليست بأعيان} == {القوة، البطش، العناية،…الخ} == معاني محتملة في حقه جل وعز..
ثانيا: اتفق أهل السنة على:
(1) تنزيه الله عن (الجسمية) == إحالة حمل اليد في حقه تعالى على حقيقتها اللغوية (الجارحة، العضو، الأداة)..
ثم بعد ذلك:
(2) منهم من اكتفى بالمعنى الإجمالي للنص وفق ما تعرفه العرب من أساليب الخطاب..فمثلا يقولون في الآية السابقة: ((قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم)) وهذا من دون خوض في المعنى التفصيلي الكائن من وراء: ((يد الله))..أي: صياغة المعنى الإجمالي للنص كما سبق من دون تعرض لليد ههنا: هل هي صفة أم لا؟!..وهذا مذهب معظم السلف وقد يطلق عليه بعضهم: مذهب التفويض أو مذهب التأويل الإجمالي..
(3) ومنهم من خاض في ((يد الله)) فزاد -عن اجتهاد- على الرعيل الأول..ونص على أن اليد هنا صفة معنى كالقدرة والإرادة و…الخ إلا أنهم لا يعيِّنون هذا المعنى التفصيلي من جملة المعاني المحتملة في حقه جل وعلا: {القدرة، القوة، العناية…الخ} هيبة من القول على الله بالظن في هذا المقام الجلل، وقد يطلق على هذا المذهب: المفوضة كالأول والأدق إطلاق عليه: مذهب الإثبات ثم التفويض..وقد ذكر ابن تيمية الحراني بأن الإمام ابن كلاب هو ((أول من عرف بهذه الطريقة))..وقد تبع ابن كلاب بعد ذلك جمع من حفاظ الحديث وغيرهم كالحافظ البيهقي والخطابي والحافظ البغوي والحافظ الخطيب البغدادي والحافظ الإسماعيلي وغيرهم..وهو مذهب لا يمت بصلة إلى مذهب المجسمة كما يظن بعض الجهلة..ولكنه مذهب مرجوح عند التحقيق وإن نسبه بعضهم للسلف..وهذا لعدة اعتبارات ليس ههنا محل بسطها..
(4) ومنهم من خاض في ذكر المعنى التفصيلي لـ: ((يد الله)) كما جاء في النص ولم يقتصر على الإثبات ثم التفويض..فراح يشتغل عن اجتهاد بتعيين المعنى التفصيلي المقصود منه..وهذا بترجيح معنى بعينه من جملة المعاني المحتملة في حقه تعالى..وهذا مذهب المؤولة أي: مذهب التأويل التفصيلي..وقد ثبت هذا المذهب أيضا عند الرعيل الأول..ومن هذا القبيل تأويل سيدنا عبد الله بن عباس للساق بالشدة..ومنه أيضا إجماعهم على تأويل المعية في حقه تعالى بمعية العلم والنصرة والتأييد…الخ تأويلات السلف..
ثالثا: قد تجد من أئمة أهل السنة من لا يقتصر على طريق واحد من هذه الطرائق فتجده تارة يكتفي بالمعنى الإجمالي وتارة أخرى يثبت ثم يفوض وتارة يتأول بتفصيل..وهذا لأن المسألة اجتهادية والاختلاف فيها واقع بين راجح ومرجوح..ومن هنا تدرك شناعة الاتهام الذي لاكه الشيخ الأرنؤوط في حق حافظ العراق ابن الجوزي حيث اتهمه بالتذبذب كما تجده في مقدمة تحقيقه لكتاب “أقاويل الثقات” لمرعي الكرمي الحنبلي..وما ذلك إلا لأن الحافظ ابن الجوزي قد يفوض أحيانا وقد يؤول في أخرى وهذا حسب ما يؤديه إليه اجتهاده وفق القاعدة الذهبية التي ذكرها الأصولي الكبير ابن دقيق العيد على ما نقله عنه حَافِظ الدنيا ابْن حَجَر الْعَسْقَلاَنِي (ت:852هـ) حيث قال ما نصه: ((وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْعَقِيدَةِ: “تَقُولُ فِي الصِّفَاتِ الْمُشْكِلَةِ إِنَّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَأَوَّلَهَا نَظَرْنَا فَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا عَلَى مُقْتَضَى لِسَانِ الْعَرَبِ لَـمْ نُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا تَوَقَّفْنَا عَنْهُ وَرَجَعْنَا إِلَى الْتَّصْدِيقِ مَعَ الْتَّنْزِيهِ. وَمَا كَانَ مِنْهَا مَعْنَاهُ ظَاهِرًا مَفْهُومًا مِنْ تَخَاطُبِ الْعَرَبِ حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾[الْزُّمَر:56] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِمُ الْشَّائِعِ: حَقُّ اللَّهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ فِي حَمْلِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَوْله: “إِنَّ قَلْبَ بْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الْرَّحْمَنِ” فَإِنَّ الْـمُرَادَ بِهِ: إِرَادَة قَلْب ابْن آدَمَ مُصَرَّفَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَمَا يُوقِعُهُ فِيهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾[الْنَّحْل:26] مَعْنَاهُ: خَرَّبَ اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لوجه الله﴾[الْإِنْسَان:9] مَعْنَاهُ: لِأَجْلِ اللَّهِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ”)) ثُمَّ قَالَ الْحَافِظ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا الْتَّحْقِيق مُبَاشَرَةً: ((وَهُوَ تَفْصِيلٌ بَالِغٌ قَلَّ مَنْ تَيَقَّظَ لَهُ)) [فتح الباري (13/383)]..
رابعا: أما المجسمة من التيمية والوهابية وأدعياء السلفية..فهؤلاء مذهبهم:
(1) إثبات اليد في حقه تعالى كصفة (عين!) لا كصفة معنى على عكس طريق فريق أهل الإثبات والتفويض من أهل السنة..وهنا حدث اللبس عند بعضهم فخلطوا بين مذهب فريق من المنزهة حيث يثبتون اليد كصفة معنى لا عين (=جارحة!) وبين مذهب التيمية المجسمة حيث يثبتون اليد كصفة عين (=جارحة!) لا معنى..
(2) فيحملون -المجسمة- اليد في حقه تعالى ((يد الله)) على ما هو معروف من حقيقتها في لغة العرب == {الجارحة، العضو، الأداة} ويمنعون كل المعاني الأخرى التي قد تدرك بالسياق والسباق واللحاق..
(3) إلا أنهم يصرحون بأن هذه اليد لا تنفك عن ذاته تعالى فهي ليست كيد المخلوق التي تقبل الافتراق والانفصال..وليست من جنس أيادي المخلوقات فليست من دم ولحم وعظم..ويتحاشون أيضا قدر الامكان إطلاق لفظ (=الجارحة!) في حقه تعالى مع تفانيهم في إرادة هذا المعنى المحظور ولكن بالاعتبارات المذكورة..
وهذا بعينه مذهب المجسمة وهو عند التحقيق رجوع إلى عقيدة الوثنية والعياذ بالله..
ياسين بن ربيع#
