البوطي يصرح بالحلول والتجسيم
يقول البوطي في كتابه “من الفكر والقلب” [ص/50] عن صفات الإنسان ومصدر خطورة هذه الصفات أنها في حقيقتها ليست إلا صفات الربوبية، فالعلم والقوة والسلطان والتملك والجبروت كلها مقومات للألوهية وصفات للرب جل جلاله: “فمن شأن هذه الصفات إذا وجدت في الإنسان أن تسكره وتأخذ بلبه وتنسيه حقيقته وتجعله يتمطى إلى مستوى الربوبية، وإن كان الإنسان لا يملك منها في الحقيقة إلا نماذج وعينات يسيرة جدًا ومحدودة جدًا بالنسبة لصفات الله عز وجل” اهـ. وقد ذكر هذا النص أيضًا في كتابه كبرى اليقينات [ص/66].
فانظر أخي المؤمن إلى هذا التجرؤ على الله تعالى حيث ينسب الحلول بكلمات واضحة وفاضحة تبين عما في نفسه، يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية: “ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر”، وقال الإمام الأكبر ابن عربي: “من قال بالحلول فدينه معلول”. وكلام البوطي واضح فانظر إلى قوله –عن صفات الإنسان- ليست إلا صفات الربوبية، وقوله وتجعله إلى مستوى الربوبية. وقوله وإن كان الإنسان لا يملك منها في الحقيقة إلا نماذج وعينات يسيرة جدًا ومحدودة جدًا بالنسبة لصفات الله.
ألم يقرأ البوطي قوله تعالى: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} [سورة الشورى/11]، وقوله تعالى: {ولم يكُن لهُ كُفُوًا أحد} [سورة الإخلاص/4]، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل/74]، ألم يبلغه نقل الحافظ السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوى إجماع المسلمين على تكفير من قال بالحلول أو الاتحاد.
ويقول البوطي في [ص/16-17] من كتابه “الفكر والقلب” عن الإنسان: “وعندئذ يعلم أنه إنما خُلِق ليقيم نفسه على سلوك يجعله مظهرًا لألوهية الله في الأرض”.
وفي هذه العبارة تجد البوطي يمعن في التجسيم بهذه العبارات وكأنه يعاني من عقدة الاتباع فتركها إلى الابتداع، وكيف يكون الإنسان مظهرًا لألوهيته، سبحانه وتعالى عما يقول المجسمون علوًا كبيرًا.
ويقول في [ص/193] من كتاب “الفكر والقلب”: “إلهي أي شيء يوحشني من الدنيا فقده بعد أن رأيتك أمامي وأنست بك” اهـ، ويقول في كتابه “هذه مشكلتهم” [ص/8]: “وأراني يد الله عز وجل التي تنبع منها كل سببية كل شيء” اهـ، ماذا يقول هو ذاته الذي يدعي ادعاء اتّباع الكتاب والسنة، مَنْ مِنَ الأنبياء أو السلف الصالح أو الأولياء قال مثل هذا الكلام؟! أم أنه سيعمد إلى تأويل متهالكٍ وفاسد؟ وما الفرق بين كلامه وكلام الحلوليين الفاسدين؟
وتأمل معي قوله في كتابه “من الفكر والقلب” حيث يقول [ص/211]: “فالجمال في مظهره الذاتي إنما هو جمال الله وحده فاض مظهره وتجلت أشكاله على شتى النماذج والرسول” اهـ.
ويقول في [ص/213]: “فالعلم كله ليس إلا منفعلاً بمظهر الجمال والجلال والفاعل له والمتصف به إنما هو الخالق الواحد الأحد” اهـ.
ويقول في [ص/214]: “إنهم يقفون بنشوةٍ بالغة أمام لوحات الجمال والجلال الكونية لأنهم يرونها المرآة الوحيدة لجمال القدوس وجلاله” اهـ.
وها هو يقول في كتاب “منهج الحضارة الإنسانية في القرءان” [ص/49-50] عن الإنسان: “هذه الصفات ليس في حقيقتها إلا ظلالاً وفيوضات من صفات الربوبية أنعم الله بها على هذا المخلوق” اهـ. وفي المجلة المسماة المسلمون سنة 81 [ص/8] ذكر ما نصه: “وتوضيح ذلك أن هذه القدرات ليست في أصلها وحقيقتها إلا من بعض صفات الربوبية وإنما متع الله الإنسان منها بفيوضات يسيرة جدًا” اهـ.
ويقول في كتابه “الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية” [ص/24]: “وتوضيح ذلك أن هذه القدرات ليست في أصلها وحقيقتها إلا من بعض صفات الربوبية وإنما متع الله الإنسان بعا بفيوضات يسيرة جدًا ليستعين بها في تحقيق المهمة القدسية التي أنيطت به”، ويقول في كتاب “الإنسان مسير أم مخير” في [ص/50]: “فإذا اتجه قصد الإنسان إلى صرف قدرته التي هي في الحقيقة قدرة الله”.
وهنا أريد أن أسأل البوطي ما الفرق بين كلامه وكلام الحلاج “ما في الجبة إلى الله”؟!.
ويؤكد البوطي اعتقاده الحلولي [ص/73] من كتابه المسمى “الإنسان مسير أم مخير” فيقول: “إذ أن هذه القدرة إنما هي في الحقيقة قدرة الله أودعت في كيان الإنسان لتكون خادمًا لرغائبه ومظهرًا لتحركاته”، ويقول في مجلة التقوى عدد 53 شباط 96 [ص/17]: “وامتلاء الوجدان بصفات الربوبية في ذات الله” اهـ. ويقول: هذه الروح تظل في حنين إلى العالم الذي أهبطت منه هذه الروح موصولة النسب إلى الله”، وفي كتاب “كبرى اليقينيات” [ص/77] يرى وبكل صراحة أن الله أصل وأن العالم تفرع منه، فيقول: “وبتعبير ءاخر نقول إن ما تراه من حقائق الكون كلها إنما هو فيض من حقيقة واحدة ألا وهي ذات الله، ومن المحال أن تدرك ماهية الحقائق الصغرى قبل أن تدرك منبعها وأصلها الأول” اهـ.
ويقول في [ص/87] من كتابه كبرى اليقينيات: “فما هي العلة التي أوجدته وأنهضته من ظلمات اللاشئ فوضعته في أول مدارج الوجود” اهـ.
لاحظ أيها القارئ كيف يسمي الله تعالى العلة وهذه تسمية ممنوعة شرعًا لأن أهل الحق كفروا من سمى الله علة أو علة العلل.
ويقول في [ص/291] من نفس المصدر: “إلى أن تنتهي بك هذه العلل الكثيرة المختلفة إلى العلة الوحيدة الكبرى الكامنة خلف ما قد رأيت أي إلى واجب الوجود وهو الله عز وجل” اهـ.
الرد: ألم يقرأ البوطي أن الإمام ركن الإسلام السغدي كقَّر من سمى الله سببًا أو علة.
ويقول في كتاب “منهج الحضارة الإنسانية في القرءان” [ص/26]: “ويقول: {وإذْ قالَ ربُّكَ للملائكةِ إنّي جاعلٌ في الأرضِ خليفةً} [سورة البقرة/30] أي خليفة مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو ءادم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه”.
ثم يحيل هذا الكلام فيقول: “انظر تفسير ابن كثير ج1 ص70، فترجع إلى هذه الإحالة إلى ذلك الموضع فلا تجد لها أثرًا.
فكيف يقول البوطي: “إن الله خلق الإنسان من ظلمات اللاشئ” فمن أين جاء بهذا التعبير الفاسد الذي لم يسبق إليه، وكيف يتناقض بقوله “ظلمات” وقوله “لا شئ” مع أن الظلمات مخلوقة، وأن عبارة أهل التحقيق أن الله خلق العالم من العدم وليس من ظلمات اللاشئ كما زعم، إذ أن الظلام حادث مخلوق قال تعالى: {وجعلَ الظُّلُماتِ والنورَ} [سورة الأنعام/1].
وها هو في [ص/174] من كتابه “كبرى اليقينات” يسمي الله تعالى الواسطة فيقول: “بل إنه الواسطة الأولى والأخيرة وهو خالق الأسباب والمسببات” اهـ.
ويقول البوطي في “كبرى اليقينيات” [ص/248]: “فإذا كان الإنسان في حقيقته مستودعًا لظلال أو فيوضات من صفات رب العزة جل جلاله فأخْلِقْ به أن يكون أشرف المخلوقات وأكرمها” اهـ.
وفي [ص/171] من كتابه “كبرى اليقينيات” ينسب الصورة لله تعالى فيقول عن رؤية الله يوم القيامة: “وأما دليل أهل السنة والجماعة فهو أن الرؤية أعم من أن تكون انطباعًا لصورة المرئي في الحدقة”.
ثم يقول: “وإنما هي قوة يجعلها الله في الإنسان متى شاء وكيف شاء يتم بها مشاهدة صورة المرئي على حقيقته، والكيفية التي تحصل الرؤية بها اليوم ليست إلا كيفية من كيفيات كثيرة كان الله عز وجل ولا يزال قادرًا على ربط حقيقة الرؤيا بما شاء منها” اهـ.
فانظر كيف نسب الصورة لله تعالى مع أن الله تعالى منزه عن الصورة والشكل والهيئة، وانظر كيف أثبت الكيف في الرؤيا وقد انعقد الإجماع على أن الله تعالى يُرى يوم القيامة بلا كيف.
وفي [ص/174] من كتابه “من روائع القرءان” تجده يقتدي بسيد قطب الذي يسمي الله بالريشة المبدعة فيقول البوطي: “ثم ارجع النظر مرة أخرى إلى الجملة كلها لتبصر الريشة الإلهية العجيبة”.
ثم انظر إلى التمويه في التجسيم حيث يقول في [ص/178] من كتابه “من روائه القرءان”: “الأرض جميعًا شيء صغير في قبضة الله، والسموات كلها بأجرامها العظيمة قد طويت كما قد يطوى البساط أو الصحيفة فهي ليست إلا جرمًا صغيرًا لا تكاد تدركه العين مخبوءة في يمين الله، وليس هناك من يمين ولا قبضة، ولا طي بالمعنى الحسي المعروف ولكنه التخييل والتجسيم للمعنى الذهني كي يفيض الشعور والخيال إحساسًا به” اهـ.
انظر كيف نفى الحس أي بالجارحة عن صفات الله وهذا حق ثم أثبت أنه تخييل أي أن ذلك يدرك بالخيال والعياذ بالله، فالقرءان أثبت التنزيه في قوله تعالى: {ليسَ كمثله شيء} [سورة الشورى/11] فالله لا تتصوره الأوهام والتخييلات وكذا صفاته، وهنا يتهم القرءان بالتخيل والتجسيم.
ثم تعالَ معي إلى قصة يقول إنه ترجمها من الكردية إلى العربية وتسمى “مَمُو زَيْن” ولقد زاد عليها بعض الفصول كما قال في [ص/8]: “ولقد دعتني طبيعة هذا العمل أن أضيف بعض الفصول الأخرى إلى القصة وأن أستعين بالخيال منه سدودًا…”.
ويقول في [ص/7] من هذه القصة: “ولكن باعثًا حملني على إعادة طبعه أرجو أن يكون فيه السداد والخير”، إلى أن يقول “وأن أجعل من انتشاره بين القراء خير حصنٍ يقيه شر أي عدوان”، فهو يعترف بأنه زاد على القصة ويثني على القصة بمجملها ويمتدحها، فإن كان الكفر من أصل النص فلِمَ لم يحذفه كما سوغ لنفسه الزيادة، وإن كان سيتذرع بالأمانة العلمية المزعومة فلم لم يُنبه القارئ إلى خطورة هذا الكلام.
فاسمع أيها القارئ إلى كفرٍ عجيب وتجسيم غريب فإنه يقول في [ص/189-190]: “أي ربي ءامنت أن هذا الكون كله جسم وأنت روحه، وأن هذا الوجود حقيقة أنت سرها، أنت حسن زينة الأحبة والعشاق” اهـ.
وفي [ص/191] يقول: “عكست يا مولاي ءايات عظمتك وسلطانك ومظاهر حسنك وجمالك على صفحة هذا الكون الفاني في صورٍ وأشكال وقوالب”، ثم قال [ص/193]: “يا إلهي أزح من أمامي صور الجمال الخالد جمال ذاتك التي أشرقت بها الدنيا وما فيها” اهـ.
في [ص/33] يقول: “في كل مداخل الروح الاخرى التي كانت تعلقت بها منذ الأزل”.
الرد: كيف لهذا الرجل الذي يدعي بأنه داعية إلى الله يخطب ويدرس ويؤلف ويحاضر ثم ينقل هذا الكلام على سبيل الاستحسان والرضا هذا إذا سلمنا أنه من أصل النص المترجم، أما إن كان زيادة على النص فهو أقبح في الشناعة والكفر، فإذا كان الرضا بالكفر كفر فكيف بمن يجاهر به ويسوِّقه ويستحسنه.
وفي [ص/274] من كتابه “من روائع القرءان” يقول: “وتعالى فلنتأمل في اللوحة الإلهية التي رسمت هذا المشهد: {وقيلَ يا أرضُ ابْلَعي ماءَكِ ويا سماءُ أَقْلِعي وَغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمرُ واستَوَتْ على الجودي} [سورة هود/44]”، ثم يقول: “وهي تصور لك معنى الإرادة الإلهية وسلطانها الرهيب” اهـ.
الرد: إنه يمشي في هذه التعابير على خطى سيد قطب تمامًا حيث يسمي الله بما يحلو له من هذه التسميات التي تنم عن فكر مجسمٍ وغير منزه لله تعالى.
فكيف يُقدم على تسمية الله باللوحة؟ وكيف ينسب لإرادة الله الصورة، لا شك أن البوطي يحاول أن يموه بمثل هذه العبارات لإيراد كل ما يعتمل في صدره من معاني التجسيم.
وفي كتابه “هذا والدي” يقول البوطي في [ص/65] متحدثًا عن أبيه: “كان إذا وضع الطعام واجتمعنا معه على مائدته أمرنا جميعًا أن نجلس جلسة أدب حتى لكأننا ماثلون من هذه المائدة أمام الله” اهـ.
أقول: هل يرضى والدك يا بوطي أن تشبهه بالله، فوالله لو قرأ هذه العبارة حال حياته لما تأخر في استتابتك وأخذ العهد عليك أن لا تعود لمثل هذه العبارات الفاسدة.
والله لو اتبعت والدك الشافعي الأشعري المنزه لما وصلت إلى مثل هذه المزالق، لكنك ءاثرت منهج سيد قطب وغيره، وءاثرت هواك.
وأما قولك في كتابك “كبرى اليقينيات الكونية” [ص/234] “بأن الله هو حقيقة الحقائق كلها” فهذا كفر صريح، وهذا من الوحدة المطلقة التي هي عقيدة قدماء اليونانيين ثم استعملها ملاحدة المتصوفة كما شرح ذلك الشيخ مصطفى صبري.
قال الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله في الفيض الرباني: “من قال إن الله اتحل منه شيء أوِ انحل في شيء فقد كفر”.
وأخيرًا: قد يقول بعض الذين يغارون على البوطي ولا يغارون على دين الله:إن البوطي يرى في أهل الحلول والتجسيم أنهم كفار فلم تتهمه بهذه التهمة؟
أقول: إن البوطي بإطلاق العنان لخياله ويراعه من غير مراعاة الشرع وصل إلى ما قد وصل إليه من التجسيم والحلول، فهل نقول عنه بأنه دُسَّ عليه في حياته، أم نقول إنه كان في حالة غيبوبة، أم نؤول له كما أوَّل البعض لابن عربي فيما نُسب إليه زورًا، وإلى الحلاج وغيرهما.
فأما إن كان مدسوسًا عليه هذا الكلام فليصرح قبل موته ولا يسكت كما سكت عن صاحب كتاب أناشيد ومدائح وأشعار فيها كفر وكتب اسم البوطي على الغلاف للترويج.
أما احتمال أنه كان في حالة غيبوبة وقال ما قال على سبيل الشطحات فلهذا احتمال بعيد جدًا لأنه ليس من أهل هذه الأحوال يقينًا.
ولو قال قائل لنفترضها شطحات وعلينا أن نؤول له، نقول: إذا كان البوطي رفض التأويل جملة وتفصيلاً في كتاب الله كما صرح فلماذا نؤول له وهو الذي رفض تأويل شطحات المتصوفة المنسوبة زورًا لابن عربي وغيره.
