البوطي يُداهن فيتناقض إذ يرى أن خروج البغاة على عليّ تنفيذ لأمر الله

البوطي يُداهن فيتناقض إذ يرى أن خروج البغاة على عليّ تنفيذ لأمر الله، وأن هذا القتال كان باجتهادٍِ وقصدٍ سليم، وأن هذا الخروج ليس مصادمًا لنصٍ صريح في كتاب الله أو سنة رسول الله، وأن الذين خرجوا على علي لم يحركهم إلا الإسلام

يقول البوطي في كتابه هذه مشكلاتهم [ص/35] عن خروج طلحة والزبير على علي: “إذن فإن كلاً من هذين الصحابيين ومن كان معهما لم يتورطا في أي قتال نهى الله ورسوله عنه بل سعوا إلى تنفيذ أمر الله”.

ويقول في [ص/161] من الكتاب نفسه عن الذين خرجوا على علي: “المنزلقات التي سيق إليها كثير من المسلمين في مهب الفتنة باجتهاد وقصد سليم”، ويقول عن خروج طلحة والزبير على علي: “بل ليس في الأمر معصية قط”، ويقول: “إن خروجهما على علي ليس مصادمًا لنص صريح في كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع” ويقول: “فهي تدخل في زمرة الأمور الاجتهادية”.

ويقول في [ص/167] من الكتاب نفسه: “إن كلاً من الطرفين سعى إلى تنفيذ اجتهاده في اتباع السبيل الأمثل إلى الأخذ بدم عثمان” اهـ، هذا ما يقوله البوطي في سوريا وجامعاتها ومساجدها أما في لندن في مؤتمر الغدير عند الشيعة فله رأي ءاخر مغاير تمامًا ففي مجلة الموسم العدد السابع [ص/695] يقول البوطي: “والله الذي لا إله إلا هو لو أن عليًّا –كرم الله وجهه- اتخذ يوم السقيفة موقفًا مستقلاً أو اتخذ يوم استخلاف أبي بكر لعمر موقفًا مستقلاً أو يوم الشورى التي بُويع علي أعقابها لعثمان موقفًا مستقلاً إذن لتركنا كل نهج واتبعنا نهج علي، ووالله أقولها ثانية لو أن الإمام عليًّا كرم الله وجهه ورضي الله عنه وعليه السلام اتخذ موقفًا مستقلاً في عهد من هذه العهود لتركنا كل خط دون خطه” اهـ.

الرد: أقول: إن كل ما قلتَ قد خرجت به عن جادة الصواب ولقد كان من الأجدى والأجدر بك أن تعود للمراجع المعتبرة لتتعلم أن الذين خرجوا على علي بغاة ءاثمون واجتهادهم غير معتبر لأنه لا اجتهاد مع النص، وهذه بعض الأدلة على صحة ما نقول:

قال الله تعالى: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم} [سورة النساء/59].

وروى مسلم في صحيحه [1] عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَن خرج من الطاعةِ وفارق الجماعةَ فمات مات ميتة جاهلية”، وفيه [2] أيضًا أنه جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحَرَّة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: “إني لم ءاتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَن خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حُجَّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”.

وروى ابن حبان في صحيحه [3] عن عرفجة بن صريح الاشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “سيكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فراق الجماعة أو يريد أن يفرق بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم حميعٌ فاقتلوه كائنًا من كان، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض”.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم”، قالوا: بلى، قال: “ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه”. قالوا: بلى، قال فأخذ بيد علي فقال: “مَن كنت مولاه فعليّ مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه”. رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند [4].

الخاروجون على الإمام علي بغاة:

ليعلم أن الذين قاتلوا عليًّا خرجوا عن طاعة الإمام، وهو أي سيدنا علي كان مأمورًا بقتال مَن خرج عليه، فقد روى البزار [5] والطبراني [6] أنه قال: “أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين” [7].

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه التلخيص الحبير [8] ما نصه: “قوله –أي الرافعي-: “ثبت أنّ أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة” هو كما قال، ويدل عليه حديث علي: “أمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين” رواه النسائي في الخصائص، والبزار [9]، والطبراني [10]، والناكثين أهل الجمل لأنهم نكثوا بيعته، والقاسطين أهل الشام لأنهم جاروا عن الحق في عدم مبايعته، والمارقين أهل النهروان لثبوت الخبر الصحيح فيهم أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” اهـ.

وروى البيهقي [11] في كتاب الاعتقاد بإسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال: “وكلّ مَن نازع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في إمارته فهو باغٍ، على هذا عهدت مشايخنا وبه قال ابن إدريس –يعني الشافعي- رحمه الله” اهـ.

ذكر ندم بعض مَن لم يشارك عليًّا في القتال:

وقد ورد عن بعضٍ ممّن هم من أكابر الصحابة ممن قاتلوا عليًّا وممن لم ينصروه في قتاله الرجوع عن ذلك. فقد صح عن ابن عمر أنه ندم لعدم خروجه للقتال مع علي، قال القرطبي في التذكرة [12]: “وربما ندم بعضهم على ترك ذلك كعبد الله بن عمر فإنه ندم على تخلّفه عن نصره عليه بن أبي طالب رضي الله عنه فقال عند موته: “ما ءاسى على شئ ما ءاسى على تركي قتال الفئة الباغية” يعني فئة معاوية، وهذا هو الصحيح أن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت” اهـ.

وقال صاحب العقد الثمين [13]: “وقد ندم على التخلف عن علي رضي الله عنه في حروبه غير واحد من كبار السلف، كما روي من وجوه عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر أنه قال: “ما ءاسى على شيء إلا أني لم أقاتل مع أهلي مع علي أهل الفئة الباغية” اهـ. وقال الشعبي [14]: “ما مات مسروق حتى تاب إلى الله تعالى عن تخلفه عن القتال مع علي” اهـ. قال ابن عبد البر بعد ذكره لهذين الأثرين [15]: “ولهذه الأخبار طرق صحاح قد ذكرناها في موضعها” اهـ.

وأخرج الحاكم [16] وصححه والبيهقي [17] عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: “ما وجدت في نفسي من شيء من أمر هذه الآية –يعني {وإن طائفتان} [سورة الحجرات/9] إلا ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى”.

ندم طلحة وعائشة والزبير رضي الله عنهم:

ذكر الحافظ ابن حجر في المطالب العالية [18] أن صاحبا علي رضي الله عنه عبد الله بن الكواء وابن عباد سألاه عن طلحة والزبير قالا: “فأخبرنا عن ملك [19] هذين الرجلين [يعنيان طلحة والزبير] صاحباك في الهجرة وصاحباك في بيعة الرضوان وصاحباك في المشورة: فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة” اهـ. وعزاه لإسحاق بن راهويه، قال الحافظ البوصيري: “رواه إسحاق بسند صحيح”.

وروى الحاكم في المستدرك [20] عن رِفاعة بن إياس الضبي عن أبيه عن جده قال: “كنا مع علي يوم الجمل فبعث إلى طلحة بن عبيد الله أن القني، فأتاه طلحة فقال: نشدتك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم يقول: “مَن كنت مولاه فعلي مولاه اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه”، قال: نعم، قال: فلمَ تقاتلني؟ قال:  لم أذكر، قال: فانصرف طلحة”. اهـ. ثم قتله وهو منصرف مروان بن الحكم، وكان في حزبه كما ذكر الحاكم [21] في المستدرك، وصاحب العقد الثمين [22] وابن سعد [23] في الطبقات وغيرهم. وروى الحديث الحافظ ابن حجر في المطالب العالية [24].

وذكر الباقلاني في كتاب تمهيد الأوائل [25]: “أن طلحة قال لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: “امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين” اهـ. كما ذكر الحاكم [26] في المستدرك عن ثور بن مجزأة قال: “مررت بطلحة بن عبيد الله يوم الجمل وهو صريع في ءاخر رمق فوقفت عليه فرفع رأسه فقال: إني لأرى وجه رجل كأنه القمر ممن أنت، فقلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي فقال: ابسط يدك أبايعك فبسطت يدي وبايعني ففاضت نفسه فأتيت عليًّا فأخبرته بقول طلحة فقال: الله أكبر، الله أكبر، صدق رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم، أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه” اهـ.

وثبت أيضًا ندمُ عائشة رضي الله عنها على ما فعلت، وهو أنها مكثت في المعسكر الذي كان ضد علي مع كونها لم تخرج بنية قتاله ولم تقاتله.

قال الباقلاني [27] في كتاب تمهيد الأوائل ما نصه: “ومنهم مَن يقول إنهم تابوا من ذلك، ويستدل برجوع الزبير وندم عائشة إذا ذكروا لها يوم الجمل وبكائها حتى تبلَّ خمارها وقولها: “ودِدْتُ أن لو كان لي عشرون ولدًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأني ثكلتهم ولم يكن ما كان مني يوم الجمل”، وقولها: “لقد أحدقت بي يوم الجمل الأسنةُ حتى صرتُ على البعير مثل اللجة”. وأن طلحة قال لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: “امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين”، وما هذا نحوه، والمعتمد عندهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “عشرة من قريش في الجنة” وعدّ فيهم طلحة والزبير، قالوا: ولم يكن ليخبر بذلك إلا عن علم منه بأنهما سيتوبان مما أحدثاه ويوافيان بالندم والإقلاع” اهـ. وذكر مثله الحافظ البيهقي في كتاب دلائل النبوة [28].

وقال الحافظ الذهبي في سير الأعلام [29]: “ولا ريبَ أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير عمّن سمع عائشة إذا قرأت: {وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ} [سورة الأحزاب/33] بكت حتى تَبُلَّ خمارها” اهـ.

وذكر مثل ذلك القرطبي [30] وأبو حيان في تفسيره [31]، قال: “وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية –يعني ءاية {يا نساءَ النبي} [سورة الأحزاب/32]- بكت حتى تبل خمارها، تتذكر خروجها أيام الجمل تطالب بدم عثمان” اهـ.

وفي كتاب دلائل النبوة للبيهقي [32] ما نصه: “عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خروج بعض نسائه أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: “انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت”، ثم التفت إلى علي فقال: “يا عليُّ إن وليت من أمرها شيئًا فارفُق بها” اهـ.

وروى ابن سعد في الطبقات [33] بسنده قال: “أخبرنا الفضل بن دُكين، حدثنا عيسى بن دينار قال: سألت أبا جعفر عن عائشة فقال: استغفر الله لها، أما علمت ما كانت تقول: يا ليتني كنت شجرة يا ليتني كنت حجرًا يا ليتني كنت مَدَرةً، قلت: وما ذاك منها، قال: توبة” اهـ.

وقال الحافظ اللغوي مرتضى الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين [34] ما نصه: قال محمود بن محمد: حدثنا الميمون، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي قال: حضرت عائشة رضي الله عنها فقالت: إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثًا ولا أدري ما حالي عنده، فلا تدفنوني معه فإني أكره أن أجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أدري ما حالي عنده، ثم دعت بخرقة من قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ضعوا هذه على صدري وادفنوها معي لعلي أنجو بها من عذاب القبر” اهـ.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه [35] بإسناده عن عائشة أنها قالت: “وددت أني كنت غصنًا رطبًا ولم أسر مسيري هذا”.

وروى ابن سعد [36] أن عائشة رضي الله عنها قالت عند وفاتها: “إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فادفنوني مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم”.

أما عن ندم الزبير رضي الله عنه، فقد روى الحاكم في المستدرك [37] عن قيس بن أبي حازم قال: قال علي للزبير: “أما تذكر يوم كنت أنا وأنت في سَقيفة قوم من الأنصار فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتحبُّه”؟ فقلت: ما يمنعني؟ قال: “أما إنك ستخرج عليه وتقاتله وأنت ظالم” قال: فرجع الزبير” اهـ.

وفي رواية للحاكم [38] أن عليًّا قال له: “أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تقاتله وأنت له ظالم”، فقال: لم أذكر، ثم مضى الزبير منصرفًا” اهـ. ورواه أبو يعلى [39] بنحوه “قال علي للزبير: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنك تقاتل وأنت ظالم لي”؟ قال: نعم، ولم أذكر إلا في موقفي هذا، ثم انصرف”.

قال صاحب العقد الثمين [40]: “وكان الزبير رضي الله عنه قد انصرف عن القتال نادمًا” اهـ.

وذكر الحاكم [41] أنه لما انصرف الزبير يوم الجمل قتله ابن جُرموز، فقال علي للآذن لما استأذن قاتل الزبير بالدخول عليه ومعه رأس الزبير: “بشّر قاتل ابن صفية بالنار” اهـ. ورواه ابن سعد [42] في الطبقات بنحوه، وصححه الحافظ ابن حجر [43].

وقال أبو منصور البغدادي [44] في كتابه الفرق بين الفرق ما نصه: “وقالوا –أي أهل السنة- بإمامة علي في وقته، وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبنهروان، وقالوا بأت طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي، لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد مُنصرفه من الحرب، وطلحة لما همّ بالانصراف رماه مروان بن الحكم وكان مع أصحاب الجمل بسهم فقتله. وقالوا: إن عائشة رضي الله عنها قصدت الإصلاح بين الفريقين، فغلبها بنو ضبّة والأزد على رأيها، وقاتلوا عليًّا دون إذنها حتى كان من الأمر ما كان” اهـ.

وقال في كتاب أصول الدين [45] ما نصه: “أجمع أصحابنا على أن عليًّا رضي الله عنه كان مصيبًا في قتال أصحاب الجمل، وفي قتال أصحاب معاوية بصفين، وقالوا في الذين قاتلوه بالبصرة: إنهم كانوا على الخطإ، وقالوا في عائشة وفي طلحة والزبير: إنهم أخطؤا ولم يفسقوا، لأن عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة وبنو الأزد على رأيها، فقاتلوا عليًّا فهم الذين فسقوا دونها. وأما الزبير فإنه لما كلّمه علي يوم الجمل عرف أنه على الحق فترك قتاله وهرب من المعركة راجعًا إلى مكة، فأدركه عمرو بن جرموز بوادي السباع فقتله وحمل رأسه إلى علي فبشره علي بالنار. وأما طلحة فإنه بما رأى القتال بين الفريقين همّ بالرجوع إلى مكة فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، فهؤلاء الثلاثة بريئون من الفسق، والباقون من أتباعهم الذين قاتلوا عليًّا فسَقَة، وأما أصحاب معاوية فإنهم بغوا، وسماهم النبي صلى الله عليه وسلم بغاة في قوله لعمار: “تقتلك الفئة الباغية” ولم يكفروا بهذا البغي” اهـ.

وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني [46] في كتاب الإمامة: “وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين على أن عليًّا كرم الله وجهه مصيبٌ في قتاله لأهل صفين، كما قالوا بإصابته في قتال أصحاب الجمل وقالوا أيضًا بأنّ الذيت قاتلوه بغاة ظالمون له ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم” اهـ.

بيان خروج عبد الله بن عمرو بن العاص:

روى ابن عبد البر [47] في مسألة خروج عبد الله بن عمرو مع الذين كانوا ضد علي بن أبي طالب بسنده قال: “قال عبد الله بن عمرو: ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين، ثم يقول: أما والله ما ضربت فيها بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم، ولوددت أني لم أحضر شيئًا منها، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه. إلا أنه ذكر أنه كانت بيده الراية يومئذ فندم ندامة شديدة على قتاله مع معاوية وجعل يستغفر الله ويتوب إليه” انتهى.

وروى أحمد في مسنده عن حنظلة بن خويلد العنبري قال [48]: “بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله –أي ابن عمرو بن العاص-: لِيَطِبْ به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تقتله الفئة الباغية” فقال معاوية: ألا تغني عنّا مجنونك يا عمرو فما بالك معنا، قال ابن عمرو: إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله: “أطع أباك ما دام حيًّا ولا تعصه” فأنا معكم ولست أقاتل” اهـ.

وليعلم أن خروج عبد الله لم يكن في محله ولا يدخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم له: “أطع أباك” [49] إذ من المعلوم أن النبي إنما أمره بطاعة أبيه فيما لا معصية فيه، وكانت طاعة علي في قتال معاوية واجبة إذ كان هو الخليفة الراشد الواجب طاعتُه كما تقدم، قال الله تعالى: {يا أيها الذينَ ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [سورة النساء/59] وقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” رواه أحمد [50].

فيُعلم مما تقدم أن سيدنا عليًّا كان الخليفة الراشد من أولي الأمر، وأن مَن خرج عليه وقاتله وقع في المعصية، وأنه وجل عليه التوبة والرجوع عن ذلك.

زيادة تفصيل في قتال معاوية لعلي:

قتال معاوية لعلي هو خروج عن طاعة الإمام كما سبق وذكرنا فيكون بذلك مرتكبًا للمعصية، فقد روى البخاري [51]حديث: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية” في موضعين الأول في كتاب الصلاة في باب التعاون في بناء المساجد بلفظ: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”، ورواه في كتاب الجهاد والسير بلفظ: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار”، ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه [52]، وقال عمار بعد أن قال له الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك: “أعوذ بالله من الفتن”. وهذا القدر: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية” من الحديث متواتر، ذكر ذلك الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى [53] وغيره كالمناوي في شرحه على الجامع الصغير المسمى بفيض القدير [54].

وروى ابن حبان [55] عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طتقتل عمارًا الفئة الباغية”، وفيه [56] أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ويح عمار ابن سمية تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”.

فعمار الذي كان مع علي كان داعيًا إلى الجنة بقتاله مع علي، فعلي داعٍ إلى الجنة بطريق الأولى والمقاتلون لعلي دعاة إلى النار.

ولقد قال عمار بن ياسر لما سمع بعض الناس يقولون كفر أهل الشام –أي المقاتلون لعلي-: “لا تقولوا كفرَ أهل الشام ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا” رواه البيهقي [57] وابن أبي شيبة [58].

وروى عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول: “رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخًا طوالاً أخذ الحربة بيده ويده ترعد، فقال: “والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة ثمّ قال: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هجر لعرفت أنّا على الحق وهم على الباطل”. أخرجه ابن سعد في الطبقات [59] والحاكم [60] وصححه.

ولا شك أن عمارًا رضي الله عنه مصيبٌ في قوله، وهو أحد السابقين الأولين من المهاجرين الذين أخبر الله أنه رضي عنهم ورضوا عنه في قوله تعالى: {والسابقونَ الأولونَ منَ المهاجرينَ والأنصارِ والذينَ اتَّبَعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه} [سورة التوبة/100]، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ملئ عمّار إيمانًا إلى مشاشه” أي إلى رؤوس عظامه. رواه النسائي [61].

وأخرج ابن حبان في صحيحه [62] عن خالد بن الوليد قال: “كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام فانطلق عمار يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فجعل خالد لا يزيده إلا غِلْظَةً ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت، قال: فبكى عمار وقال: يا رسول الله ألا تسمعه، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليَّ رأسه وقال: “من عادى عمارًا عاداهُ الله ومن أبغضه أبغضه الله”، قال فخرجت فما كان شيء أحب إلي من رضا عمار فلقيته فرضي”.

المقاتلون لعليّ بغاة ءاثمون:

ثم إن وصف النبي لمعاوية وفئته الذين قاتلوا عليًّا بالغي صريحٌ في أنهم ءاثمون، لأن البغي إذا أطلق في مقام الذمّ لا يكون إلا بمعنى التعدّي الذي هو ظلم، فمن زعم أن الوصف بالبغي لا يستلزم الوقوع في المعصية فقد خالف مفهوم الكلمة من حيث اللغة، أما البغي بمعنى الطلب فهو متعدٍ بنفسه يقال: بغيت الشئ طلبته، والبغي اللازم الذي يتعدّى بحرف الجرّ تصريفه بغى يبغي يقال: بغى فلان على فلان يبغي فهو باغ. ومثال المتعدّي في القرءان قوله تعالى: {يبغُونكُمُ الفتنة} [سورة التوبة/47]، وهذا البغي المتعدي ورد للذم، ويأتي المزيد منه للمدح أيضًا قال تعالى: {يَبتَغونَ فضلاً منَ اللهِ ورِضوانًا} [سورة الفتح/29]، وورد بلفظ المصدر في القرءان في قوله تعالى: {إلا ابتِغاءَ وجهِ ربِّهِ الأعلى} [سورة الليل/20]، أما البغي بمعنى التعدي فقد ورد في قوله تعالى: {فإن بَغَتْ إحداهُما على الأخرى فقاتِلوا التي تَبغِى} [سورة الحجرات/9]، وقد بيّن القرءان أن البغي اللازم معناه التعدي والخروج عن طاعة الله لقوله: {حتى تَفِئَ إلى أمرِ اللهِ} [سورة الحجرات/9]، لأن أمر الله هو طاعة الإمام، فمن قال: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “تقتله الفئة الباغية” ليس فيه ذم، فهو مخالف لما كان عليه عليّ ومعاوية كلاهما، لأن كلاً منهما اتّهم الآخر بأن هذا الحديث فيه ودفعه عن نفسه، وما ذاك إلا لما فيه من ذم لتلك الفئة.

روى ابن أبي شيبة في مصنفه [63] فقال ما نصه: “حدّثنا هُشَيم، عن جويبر، عن الضحاك [64] في قوله تعالى: {وإن طائفتانِ منَ المؤمنينَ اقتَتلوا فأصلحوا بينَهُما فإن بغَتْ إحداهُما على الأخرى فقاتِلوا التي تبغِى حتى تَفِئَ إلى أمرِ اللهِ} [سورة الحجرات/9]، قال: بالسيف، قلت: فما قتلاهم؟ قال: شهداء مرزوقون، قال: قلت: فما حال الأخرى أهل البغي مَن قتل منهم؟ قال: إلى النار”. اهـ.

وقال القرطبي [65] في حديث “ويح عمار”: “وهو –أي هذا الحديث- من أثبت الأحاديث كما تقدّم، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره لثبوته عنده قال: إنما قتله من أخرجه، ولو كان حديثًا فيه شكّ لردَّه معاوية وأنكره وأكذب ناقله وزوّره، وقد أجاب علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذًا قتل حمزة حين أخرجه، قال ابن دِحْية: وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه وحجة لا اعتراض عليها” انتهى كلام القرطبي.

وقد نقل الفقيه المتكلم ابن فورك في كتاب مقالات الأشعري كلام أبي الحسن الأشعري في أمر المخالفين لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال ما نصه [66]: “وكان –أي الأشعري- يقول في أمر الخارجين عليه والمنكرين لإمامته إنهم كلهم كانوا على الخطإ فيما فعلوا، ولم يكن لهم أن يفعلوا ما فعلوا من إنكار إمامته والخروج عليه. وكان يقول في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها إنها إنما قصدت الخروج طلبًا للإصلاح بين الطائفتين بها للتوسط في أمرهما، فأما طلحة والزبير فإنهما خرجا عليه وكانا في ذلك متأولين مجتهدين يريان ذلك صوابًا بنوع من الاجتهاد، وإن ذلك كان منهما خطأ وإنهما رجعا عن ذلك وندما وأظهرا التوبة وماتا تائبين مما عملا. وكذلك كان يقول في حزب معاوية إنه كان باجتهادٍ منه وإن ذلك كان خطأ وباطلاً ومنكرًا وبغيًا على معنى أنه خروج عن إمام عادل، فأما خطأ طلحة والزبير فكان يقول إنه وقع مغفورًا للخبر الثابت عن النبي أنه حكم لهما بالجنة فيما روي في خبر بشارة عشرة من أصحابه بالجنة فذكر فيهم طلحة والزبير، وأما خطأ من لم يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة في أمره فإنه مجوّز غفرانه والعفو عنه” اهـ.

وهذا نص صريح من شيخ أهل السنة أبي الحسن الأشعري بأن كل مقاتليه عصوا، وأن طلحة والزبير تابا من ذلك جزمًا، وأما الآخرون فهم تحت المشيئة يجوز أن يغفر الله لمن شاء منهم. فبعد هذا لا يسوغ لأشعري أن يخالف كلام الإمام فيقول: إن معاوية وجيشه غيرُ ءاثمين مع الاعتراف بأنهم بغاة، وأمّا من قال إنهم مأجورون فأبعد من الحق.

وليعلم أن ما ذكر في بعض كتب الأشاعرة كالغزالي مما يخالف كلام الأشعري مردود لا يلتفت إليه.

وفي تعبير الإمام الأشعري عن حرب معاوية بأنه باطل ومنكر وبغي الحكم بأن ذلك معصية. وكلامه هذا بعيد من كلام أولئك الذين قالوا إن عمل هؤلاء الذين قاتلوا عليًا يدخل تحت حديث: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر”. لأن الاجتهاد الذي نصّ عليه الحديث هو الاجتهاد الذي يكون فيما لم يرد فيه نص صريح، ومسألة مقاتلة الإمام الرشيد كعلي معلوم حرمتها من عدة أحاديث كحديث: “من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية” رواه مسلم وغيره.

قال الزركشي بعد كلام في شرحه على جمع الجوامع: “هذا مع القطع بتخطئة مقاتلي عليّ وكل من خرج على من اتفق على إمامته، لكن التخطئة لا تبلغ إلى حد التفسيق عند القاضي أبي بكر، وقالت الشيعة بالتفسيق، ونسبه الآمدي لأكثر أصحابنا” اهـ. وقوله: “أصحابنا” يعني به الاشاعرة.

ولا نعتقد نحن أن الصحابي منهم فسق فسقًا يمنع قبول روايته للحديث، بل نعتقد أنهم كغيرهم ءاثمون بلا استئناء، والدليل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم للزبير رضي الله عنه: “إنك لتقاتلنه وأنت ظالم له” رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والأشعري في عبارته المذكورة لم ينف الإثم عن الذين قاتلوا عليًّا بل قال: إثم طلحة والزبير وقع مغفورًا لكونهما من المبشرين بالجنة بالتعيين، وقال عن خطإ غيرهما إنه مجوز غفرانه والعفو عنه.

فتبين أن تعبيره بالخطإ ليس معناه أنهما لم يعصيا إنما مراده أن إثمهما كان صادرًا عن خطإ في الرأي، ومثل هذا لا يدخل تحت حديث: “وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه” [67] لأن هذا الخطأ المذكور في هذا الحديث المراد به ما حصل بلا إرادة من فاعله كالذي ينطق بالقول المحرم الكفر وغيره عن سبق لسان، والفعل الذي يكون على هذا الوجه كفعل من أراد أن يرمي إلى صيد فأصاب سهمه إنسانًا مسلمًا مؤمنًا فقتله. كما أن هذا أيضًا لا يدخل تحت حديث: “إذا اجتهد الحاكم…” المتقدم ذكره، يمنع من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للزبير: “وأنت ظالم له”، ولا يخفى على القارئ أن الخطأ في عبارات العلماء يقع على معنيين: أحدهما مخالفة الصواب إن كان مما يؤدي إلى كعصية أو إلى ما دونها، والثاني ما يحصل من الإنسان من قول أو فعل بلا إرادة كالذي حصل من الرجل الذي أضلّ دابته ثم وجدها فقال: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك” أخطأ من شدة الفرح فسبق لسانه إلى ما لم يرده.

فالخطأ الذي أورده الإمام الأشعري في القسم الأول، أراد أن هؤلاء عصوا بدليل قوله في طلحة والزبير: “إنهما تابا”، فلا يشتبه عليك الأمر يا طالب العلم. ولا ينبغي أن يفهم من كلام الأشعري من تعبيره بالخطإ في أمر معاوية أنه كان حصل منه ذلك باجتهاد كاجتهاد الأئمة في استخراج المسائل من الكتاب والسنة على حسب أفهامهم، وذلك لأن سيدنا عليًا رضي الله عنه قال: “إن بني أمية يقاتلونني يزعمون أني قتلت عثمان، وكذبوا إنما يريدون الملك” رواه مسدَّد بن مُسَرْهَد في مسنده [68] كما سيأتي، وكذلك قال سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما عن معاوية إن همه كان الدنيا ودعواه إلى الأخذ بدم عثمان إنما هو اتخذها ذريعة للوصول إلى الملك، ذكر ذلك الحافظ المجتهد ابن جرير الطبري كما سيأتي. ودعوى أن معاوية حصل منه ذلك على طريقة الاجتهاد المعروف بين الأئمة تخيّلٌ لما هو مخالف للواقع، ويؤيد ذلك أنه لو كان الإمام الأشعري أراد بقوله إن معاوية اجتهد ذلك الاجتهاد الذي رفعت المؤاخذة عن المخطئ فيه لم يقل إن ما حصل منهم مجوّز الغفران، وهذا ظاهر لمن يفهم العبارات.

قال المؤرخ ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب [69] عند ذكر وقعة صفّين ما نصه: “والإجماع منعقد على إمامته –أي علي- وبغي الطائفة الأخرى ولا يجوز تكفيرهم كسائر البغاة، واستدلّ أهل السنة والجماعة على ترجيح جانب عليّ بدلائل أظهرها وأثبتها قوله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: “تقتلك الفئة الباغية” وهو حديث ثابت. ولما بلغ معاوية ذلك قال: إنما قتله من أخرجه، فقال علي: إذًا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة لأنه أخرجه [70]، وهو إلزام لا جواب عنه وحجة لا اعتراض عليها، وكان شبهة معاوية ومن معه الطلب بدم عثمان، وكان الواجب عليهم شرعًا الدخول في البيعة ثمّ الطلب من وجوهه الشرعية” اهـ.

وهذا من معاوية بحسب الظاهر لا بحسب الباطن، أما من ناحية جماعته فقد يكونون على ظن أنهم على حق. وإنما قلنا ذلك لما سبق من أن عليًا قال: “إنما يريدون الملك”.

قال القرطبي [71]:”والإجماع منعقد على أن طائفة الإمام طائفة عدل والأخرى طائفة بغي، ومعلوم أنّ عليًّا رضي الله عنه كان الإمام” اهـ.

وأخرج البزار [72] بسند جيد عن زيد بن وهب قال: “بينما نحن حول حذيفة إذ قال: كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيّكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف، فقلنا: يا أبا عبد الله وإن ذلك لكائن، فقال بعض أصحابه: يا أبا عبد الله فكيف نصنع إن أدركنا ذلك الزمان قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر عليّ رضي الله عنه فالزموها فإنها على الهدة” اهـ. ومعنى هذا أن الأخرى على الباطل.

مراد معاوية من القتال:

ثم ليعلم أن معاوية كان قصده من هذا القتال الدنيا، فلقد كان به الطمع في الملك وفرط الغرام في الرئاسة، فلما وصل إلى الخلافة وصار ملك مصر وغيرها تحت يده كفّ عن المطالبة بدم عثمان وهو ما اتخذه حجة للخروج على علي وقتاله وأكثر المتهمين من أهل مصر والكوفة والبصرة كلهم تحت حكمه وغلبته كما ذكر القرطبي في التذكرة [73]. روى أبو داود في سننه [74] عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله المُلْك” أو: “ملكه مَن يشاء”.

قال سعيد: قال لي سفينة: “أمسك عليك أبا بكر سنتين، وعمر عشرًا، وعثمان اثنتي عشرة، وعليًّا كذا، قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليًّا عليه السلام لم يكن بخليفة، قال: كذبت أسْتَاه بني الزرقاء يعني مروان” اهـ.

وروى هذا الحديث أيضًا الحاكم [75] والبيهقي بنحوه [76] وذكر أن خلافة علي كانت ست سنوات.

وروى أحمد [77] في المسند والبيهقي [78] والطيالسي [79] واللفظ لأحمد عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكًا عاضًّا….” الحديث، وفي رواية: “عضوضًا” [80] أي ظلومًا.

وحديث أبي داود المتقدّم أخرجه أيضًا الترمذي [81] وحسّنه، وأبو نعيم [82] بنحوه عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خلافة النبوة”، وعند أحمد بلفظ: “الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك” [83]. وأخرج البيهقي [84] عن أبي بكرة قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “خلافة النبوة ثلاثون عامًا ثم يؤتي الله المُلْكَ مَن يشاء”، فقال معاوية: “قد رضينا بالمُلك”.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري [85] ما نصه: “وقد ذكر يحيى بن سليمان الجُعفي، أحد شيوخ البخاري في “كتاب صفين” في تأليفه بسند جيد، عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: “أنت تنازع عليًّا في الخلافة أوَأنتَ مثلُهُ؟ قال: لا، وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحقُّ بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أنّ عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه ووليّه أطلب بدمه، فأتوا عليًّا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان. فأتوه فكلموه فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إليّ فامتنع معاوية، فسار عليّ في الجيوش من العراق حتى نزل بصفين” اهـ. وروى مسدد [86] في مسنده عن عبد الله بن أبي سفيان أن عليًّا قال: “إن بني أمية يقاتلونني، يزعمون أني قتلت عثمان وكذبوا إنما يريدون المُلك، ولو أعلم أن يذهب ما في قلوبهم أني أحلف لهم عند المقام والله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله لفعلت، ولكن إنما يريدون المُلك، وإني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممّن قال الله عزّ وجل: {ونَزَعنا ما في صدورهم مِن غِلٍّ} [سورة الحجر/47] الآية”، وروى نحوه سعيد بن منصور [87] في سننه.

قال ابن كثير في البداية والنهاية [88] ما نصه: “وهذا مقتل عمّار بن ياسر رضي الله عنه مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتله أهل الشام. وبان وظهر بذلك سرّ ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه تقتله الفئة الباغية، وبان بذلك أن عليًّا محقّ وأن معاوية باغٍ، وما في ذلك من دلائل النبوة” اهـ.

قال ابن الأثير في الكامل [89] نقلاً عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال يوم صفين: “من يبتغي رضوان الله ربّه ولا يرجع إلى مال ولا ولد؟ فأتاه عصابة فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم عثمان، والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبّوا وعلموا أن الحقّ إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرّغون فيه منها، ولم يكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: إمامنا قُتل مظلومًا، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكًا، فبلغوا ما ترون، فلولا هذه ما تبعهم من الناس رجلان. اللهم إن تنصرنا فطالما نصرتَ، وإن تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم” اهـ.

ومما يدل على ما قدمنا أن معاوية سعى قبل موته في استخلاف ابنه يزيد، وذلك مع وجود من هو أهل لتلك الخلافة من الصحابة كالحسين بن علي وابن الزبير فليراجع ما ذكره الحافظ ابن حجر في ذلك [90].

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب الوفية بزوائد المسانيد الثمانية [91] مانصه: “محمد بن سيرين قال: لما أراد معاوية أن يستخلف يزيد بعث إلى عامل المدينة أن أَوْفِد إليَّ مَن شاء، قال: فوفد إليه عمرو بن حزم الأنصاري يستأذن، فجاء حاجب معاوية يستأذن، فقال: هذا عمرو قد جاء يستأذن. فقال: ما جاء بهم إليّ فقال: يا أمير المؤمنين يطلب معروفك فقال معاوية: إن كان صادقًا فليكتب إليّ فأعطيه ما سأله ولا أراه، قال: فخرج إليه الحاجب فقال: ما حاجتك اكتب ما شئت، فقال: سبحان الله أجيء إلى باب أمير المؤمنين فأُحجب عنه، أحِبُّ أن ألقاه فأكلمه، فقال معاوي للحاجب: عده يوم كذا وكذا، فإذا صلى الغداة فليجئ، قال: فلما صلّى معاوية الغداة أمر بسريره فجعل في الإيوان ثم يخرج الناس عنه فلم يكن عنده أحد إلا كرسي وضعَ لعمرو، فجاء عمرو فاستأذن فأذن له فسلّم عليه ثم جلس على الكرسي فقال له معاوية: حاجتك؟ قال: فحمد اللخ وأثنى عليه ثم قال: لعمري لقد أًبح يزيد بن معاوية واسط الحسب في قريش غنيًّا عن المال غنيًّا عن كل خير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله تعالى لم يسترع عبدًا رعية إلا وهو سائله عنها يوم القيامة كيف صنع فيها” وإني أذكّرك الله يا معاوية في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم من تستخلف عليها قال: فأخذ معاوية ربوٌ ونفس في غداة قرّ حتى عرق وجعل يمسح العرق عن وجهه مليًّا ثم أفاق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنك امرؤ ناصح قلت برأيك بالغًا ما بلغ، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم فابني أحقّ من أبنائهم، حاجتك؟ قال: ما لي حاجة، قال: قم، فقال له أخوه: إنما جئنا من المدينة نضرب أكبادها من أجل كلمات، قال: ما جئت إلا للكلمات، قال: فأمر لهم بجوائزهم وأمر لعمرو بمثلها. “لأبي يعلى” [92]” اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري [93] ما نصه: “وأخرج أبو بكر بن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء: سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون أن معاوية لما احتضر دعا يزيدًا فقال له: إن لك من أهل المدينة يومًا فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته، فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم، فرجع فحرّض الناس على يزيد وعابه ودعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه، فبلغ يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة، فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير وذلك أنّ بني حارثة أدخلوا قومًا من الشاميين من جانب الخندق، فترك أهل المدينة القتال ودخلوا المدينة خوفًا على أهلهم، فكانت الهزيمة وقتل من قتل، وبايع مسلم الناس على أنهم خَوَلٌ ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاء” اهـ.

وروى ابن حبان [94] في صحيحه فقال ما نصه: “أخبرنا أبو خليفة قال: حدّثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: سمعت عبد الله بن عمرو يحدّث في ظل الكعبة قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمنّا مَن ينتضل ومنّا مَن هو في جشره ومنا من يصلح خباءه، إذ نودي بالصلاة جامعة فاجتمعنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: “لم يكن قبلي نبي إلا كان حقًّا على الله أن يدلّ أمته على ما هو خير لهم وينذرهم ما يعلم أنه شر لهم، وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب ءاخرها بلاء فتجيء فتنة، فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثمّ تجيء فيقول هذه مهلكتي ثم تنكشف، فمّن أحبّ منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع” قال: قلت: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا ونهريق دماءنا وقال الله: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [سورة النساء/29]، وقال: {ولا تقتلوا أنفسكم} [سورة النساء/29] قال: ثم سكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله” اهـ.

قال القرطبي في كتابه التذكرة [95] ما نصه: “روى ابن وهب عن مالك قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقر فيها، واجتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. خرّجه أهل الصحيح” اهـ.

وما يروى في معاوية من الفضائل فإنه لم يصحّ منه شيء، فقد قال الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري [96]: “تنبيه: عبَّر البخاري في هذه الترجمة بقوله “ذكر” ولم يقل فضيلة ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب، لأن ظاهرة شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير، وقد صنّف ابن أبي عاصم جزءًا في مناقبه وكذلك أبو عمر غلام ثعلب وأبو بكر النقاش، وأورد ابن الجوزي [97] في الموضوعات بعض الأحاديث التي ذكروها ثمّ ساق عن إسحاق بن راهويه –شيخ البخاري- أنه قال: لم يصحّ في فضائل معاوية شيء، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادًا على قول شيخه. وأخرج ابن الجوزي [98] أيضًا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألتُ أبي ما تقول في عليّ ومعاوية؟ فاطرق ثم قال: اعلم أنّ عليًّا كان كثير الأعداء، ففتش أعداؤه له عيبًا فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجلٍ قد حاربه فأطروه كيادًا منهم لعليّ، فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له. وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما والله أعلم” اهـ.

قلت: وقوله: “ليس فيها ما يصح” معناه فيها ما هو صحيح ولا حسن وليس ما ادّعى بعض الأدعياء أنه لم ينف أن يكون فيها حسن وهذا لا يقوله متمرّس إلا جاهل بصناعة الحديث.

قال المؤرخ عبد الحي بن العماد الحنبلي [99] في ترجمة النسائي ما نصه: “قال ابن خلكان [100]: قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إنّ أبا عبد الرحمن –يعني النسائي- فارق مصر في ءاخر عمره وخرج إلى دمشق فسئل عن معاوية وما روي من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتى يفضّل، وفي رواية: ما أعرف له فضيلة إلا “لا أشبع الله بطنه” [101] وكان يتشيّع، فما زالوا يدافعونه في خصيتيه وجاسوه ثمَّ حُمِلَ إلى مكة فتوفي بها وهو مدفونٌ بين الصفا والمروة. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدّوس فهو مقتول، وكان صنّف كتاب الخصائص في فضل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل البيت، وأكثر روايته فيه عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فقيل له: ألا صنّفت في فضل الصحابة رضي الله عنهم كتابًا، فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي كثير فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب، وكان إمامًا في الحديث ثقة ثبتًا حافظًا”. انتهى كلام ابن العماد.

وذكر الذهبي في تذكرة الحفّاظ في ترجمة النسائي [102] أنه قال: “دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله، ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة فقيل له: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرج؟ حديث: “اللهم لا تشبع بطنه”. فسكت السائل” اهـ.

وأما اتهامهم له بالتشيّع فليس صحيحًا إذ أنهم اتهموه بذلك لقوله: لم يصحّ في فضائل معاوية إلا: “لا أشبع الله بطنه”، ولأنه ألّف في فضائل علي ولم يصنف في مناقب غيره بالتخصيص، والصواب أنه إنما قال: لم يصحّ في فضائل معاوية إلا: “لا أِبع الله بطنه” لأنّ الحقيقة هي هذه، وليس هو أوّل قائل لهذا بل سبقه إلى هذا كما سبق وذكرنا شيخ البخاري إسحاق بن راهويه، وهو إنما صنّف في مناقب علي ولم يصنف في مناقب غيره بالتخصيص لما بَيّنَهُ بقوله: “دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله”.

بيان أن قتال معاوية للإمام علي ليس اجتهادًا معتبرًا:

فإن قيل: أليس قتال معاوية لعلي يدخل في باب الاجتهاد؟

فالجواب: أن الاجتهاد لا يكون مع النص القرءاني أو الحديثي ولا مع إجماع العلماء، وقتال معاوية لعلي فيه مخالفة للنص الحديثي، فلا يكون هذا الأمر اجتهادًا مقبولاً.

ففي الحديث الصحيح: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار” دلالة على أن الرسول سماهم فئة باغية. وقد روى هذا الحديث أربعةٌ وعشرون صحابيًا منهم معاوية وعمرو بن العاص، قال الحافظ ابن حجر [103]: “روى حديث: “تقتل عمارًا الفئة الباغية” جماعة من الصحابة منهم قتادة بن النعمان كما تقدم وأمّ سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان، وحذيفة وأبو ايوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفيه، وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة ءاخرين يطول عدّهم، وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعمار وعلي وردّ على النواصب الزاعمين أن عليًّا لم يكن مصيبًا في حروبه” اهـ.

فكيف  يكون بعد هذا اجتهاد مع النص؟‍‍‍

ومن الشطح الذي وقع فيه بعض الفقهاء أنهم بعد ذكرهم لهذا الحديث يقولون: إن عليًّا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن معاوية اجتهد فأخطأ فله أجرٌ كما قال صاحب كتاب الزبد:

وما جرى بين الصحاب نسكت *** عنه واجر الاجتهاد نثبت

وقال اللقَّاني:

وأوِّلِ التشاجر الذي وردْ *** إنْ خضتَ فيه واجتنبْ داءَ الحسدْ

أقول: المنصف المتأمّل في الأمر لا يشك أن عليًّا وعمارًا رضي الله عنهما أعرف بحقيقة معاوية في قتاله أمير المؤمنين”.

فتبين بما مضى أن معاوية لم يكن مجتهدًا في قتاله وإنما كان يريد الوصول للملك، ولا شك أن عليًا وعمارًا رضي الله عنهما أعرف بحقيقة معاوية من كثير من المؤلفين الذين يقولون اجتهد فأخطأ فلا يأثم. وهذا تحسين ظنّ في غير محله، وكيف يصح قولهم وقد جاء في الصحيح: “من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية” [104]، وصح أيضًا: “مَن خلع يدًا من طاعةٍ لقيَ الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” [105]، فالجزء الثاني من الحديث ينطبق على كل من قاتل عليًّا ولم يتب من ذلك.

هذا مع ما قدمنا من قول عمار بن ياسر الذي رواه البيهقي: “لا تقولوا كفر أهل الشام ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا” وفي رواية ابن أبي شيبة [106]: “ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق فحقّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه”.

أقول: ولا يخفى على مثل عمار أن المجتهد إذا أخطأ في اجتهاده لا يقول عنه مجتهد ءاخر فسق وظلم، كما أن الأئمة المجتهدين من الصحابة ومن جاء بعدهم لا يقال عن المخطئ منهم في مقابل المصيب إنه باغ. وأما ماقتلو علي في صفين فقد سماهم الحديث بغاة ودعاة إلى النار ومعاوية هو الدّاع الأول لمن تبعه، فقد اختلف اجتهاد أبي بكر واجتهاد علي في مسئلة الجد والإخوة ولا شك أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ في نفس الأمر، وكذلك اختلاف الشافعي ومالك في قول الشافعي بأن البسملة ءاية من الفاتحة لا تصحُّ الصلاة بدونها وقول مالك لا تجب ولا تُسنُّ فهل يقال عن المخطئ منهما في نفس الامر إنه باغٍ بل يقال كما في جاء في حديث: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران” إلى ءاخره عن كلا المختلفين مأجوران المصيب منهما له أجران والمخطئ له أجر واحد، وهكذا جميع المسائل التي اختلف فيها الأئمة المجتهدون فيما لم يرد فيه نص ثابت صريح. ولا ينطبق على هذا قتال من قاتلوا عليًّا فالزبير وطلحة رضي الله عنهما وقفا في صف المقاتلين ثم انصرف كل منهما ولم يموتا إلا تائبَين من وقوفهما مع المقاتلين، فلم يُقتل الزبير إلا بعد انصرافه لحقه شخص فقتله بوادي القِرى وطلحة رضي الله عنه انصرف فلحقه مروان بن الحكم فقتله، وكانت مدة وقوفهما مع المقاتلين وقتًا قصيرًا أقل من نصف نهار. فإذا عُرف هذا فماذا يكون حال من قاتل أمير المؤمنين عليًّا ثلاثة أشهر فقتلوا نحو عشرين ألف نفس من جيش سيدنا علي فيهم أهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان وخيار التابعين كأويس القرني الذي قال فيه الرسول: “إن خير التابعين رجلٌ يقال له أويسُ بن عامر من مُراد ثم من قرن” فلو كان قتال معاوية لعلي لرأي رءاه عذرًا أيضًا لأنهم كانوا يرون في عثمان أنه قدّم أقاربه للعمل في أمر المسلمين من غير أن يكون أهلاً، فتبين أن كلا الفريقين ليسوا مجتهدين اجتهادًا معتبرًا ودعوى الفرق بينهما فرق بلا دليل وإن كان قتلة عثمان ليس فيهم صحابيّ وفي مقاتلي علي عدد قليل من الصحابة الذين كانوا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ليس فيهم أحدٌ من الذين قال الرسول فيهم: “لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه” وكان المخاطب بهذا الحديث خالد بن الوليد لأنه كاب سب عبد الرحمن بن عوف فوجه الرسول هذا الحديث إلى خالد لأن عبد الرحمن كان مهاجرًا من السابقين الأوّلين وخالد لم يكن من السابقين وإن كان فرد من أفراد الصحابة له شرف الصحبة.

وفي الحديث الذي رواه الحاكم [107] عن تراجع الزبير عن قتال علي بعدما ذكّره بكلام النبي: “لتقاتلنه وأنت ظالم له”، دليل واضح على أن الذين قاتلوا عليًّا لا يقال فيهم اجتهدوا فلا إثم عليهم، لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الزبير أولى بأن يكون معذورًا غير مأثوم لمخالفته عليًّا بنكث العهد أي عهد البيعة، وهو أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، فإذا كان أمر الزبير هكذا أي أنه أثم بخروجه على علي فما بال معاوية. وهذا يدل على أن الاجتهاد لا يكون مع النص.

فكيف يصحّ أن يقال عن معاوية وجيشه إنهم مأجورون غير ءاثمين مع وصف الرسول لمعاوية وجيشه بأنهم دعاة إلى النار بقوله: “يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”.

فإن قيل: كيف يجوز تسمية جيش معاوية بغاة أو كيف يقال إنهم عَصَوا وفيهم صحابة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تسبوا أصحابي”، وقال أيضًا: “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا”.

فالجواب: أن حديث: “لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه” [108]، هو في طائفة خاصة من الصحابة لأن المخاطبين صحابة والمتكلم عنهم صحابة فلما قال: “أحدكم” علم أن الذين حذّر من إيذائهم وسبّهم غير الذين كانوا معه عند ذكر الحديث، وإلا لزم اتحاد المخاطب والمتكلم عنه، وهذا كلام ركيك لا يثدر من أفصح خلق الله. ويبين ذلك سبب الحديث وهو أن خالد بن الوليد سبّ عبد الرحمن بن عوف، فمعنى الحديث أنّ خالدًا أو غيره من الذين ليس لهم تلك السابقية في الفضل بينهم وبين من كان من أهلها كعبد الرحمن بن عوف هذا الفرق العظيم وهو أن مُدَّ أحد هؤلاء أفضل عند الله من أن يتصدق الآخرون بمثل جبل أحد ذهبًا. ومن ظنّ أن هذا لعموم الصحابة فقد جهل الحقيقة وخبط خبط عشواء. وروى الحديث ابن حبان في صحيحه [109] وغيره.

فيعلم من هذا أنه لم يكن مراد النبي بقوله: “أصحابي” جميع أصحابه لأنه كان يخاطب بعضًا منهم وإنما مراده مَن كان مثل عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب من السابقين الأولين من المهاجرين والسابقين الأولين من الأنصار وهؤلاء لا يدخل فيهم خالد بن الوليد الذي سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم: “سيف الله” ولا معاوية بن أبي سفيان.

وأما الذين يستشهدون بفضل معاوية بالآية: “مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ والذينَ معهُ} الآية فإن معاوية لم يكن يومها من الذين معه لأنه لم يكن قد أسلم يومها.

ثم إن الذي لم يطبّق هذا الحديث لا تسبوا أًصحابي هو معاوية فقد ثبت وصحّ عنه أنه كان يأمر بسبّ علي، روى مسلم في صحيحه [110] ما نصه: “عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثًا قالهنّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمْرِ النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خلَّفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي”. وسمعته يقول يوم خيبر: “لأعطينَّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسولُهُ”، قال: فتطاولنا لها فقال: “ادعوا لي عليًّا” فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: {فقُلْ تعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكم} [سورة ءال عمران/61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: “اللهم هؤلاء أهلي” اهـ، ورواه أيضًا النسائي [111].

فالذي يسبّ عليًّا ويبغضه ولا يحبّه يكون مرتكبًا كبيرة وأية كبيرة فقد روى النسائي [112] والحاكم [113] حديث: “من سبّ عليًّا فقد سبّني”، وروى مسلم [114] والترمذي [115] والنسائي [116] وأبو نعيم في الحلية [117] وأحمد [118] والخطيب البغدادي [119] وءاخرون أن عليًّا رضي الله عنه قال: “والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأميّ إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق” اهـ. وعن أم سلمة رفعته [120]: “لا يحب عليًّا منافق ولا يبغضه مؤمن”.

وكذلك كان الحال في عهد خلفاء بني أمية بعد معاوية من الأمر بسبّ عليّ إذا استثني التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز،فإنه هو الذي منع سبّ سيدنا علي بعد أن كان يُسَبّ على المنابر كذا في تاريخ الخلفاء [121] للسيوطي وفي كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي.

وأما الذي يقول: إن اذلين قاتلوا عليًّا بغاة أو يقول في مقاتلي علي من أهل صفين دعاة إلى النار أو إنهم عصوا، فلا يعدّ واقعًا في المحظور الذي ينهى عنه النبي بقوله: “لا تسبوا أصحابي” فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمّى مَن قاتل عليًّا فب وقعة صفين بغاة وهو الذي قال فيهم دُعاة إلى النار، فليعلم ذلك.

وأما حديث: “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا” فهو ضعيف [122] ومعناه: أمسكوا عمّا لا يجوز ذكرهم به، ولو لم يكن كذلك لما قال عمار بن ياسر فيهم تلك المقالة التي رواها البيهقي وابن أبي شيبة والتي سبق ذكرها وفيها أنه قال في أهل الشام: “فسقوا أو ظلموا” يعني الذين قاتلوا عليًّا.

فإن قيل: أليس في قول عمار بن ياسر في أهل الشام تعارض مع الحديث الذي رواه الحاكم “فلا تسبوا أهل الشام وسبوا ظلمتهم فإنّ فيهم الأبدال” [123].

فالجواب: أن مراد عمار بن ياسر ليس جميع أهل الشام بل مراده معاوية وجيشه، وهم ليس فيهم من هو بهذه الصفة، على أنّ هذا الحديث لم يصح مرفوعًا.

فإن قيل: أليس اتفق المحدثون على أن الصحابة عدول.

فالجواب: أن المحدثين قالوا بعدالة الصحابة في لرواية لأنّ الواحد منهم لا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا على معنى أنهم كلهم أتقياء صالحون، فقد صح في الحديث الذي رواه أحمد [124] وابن حبان [125] وغيرهما أن الرسول قال في رجل من أهل الصُّفة لما مات فوجدوا في شملته دينارين فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: “كيّتان من نار”. وفضل أهل الصفة معروف، فهذا لإخفائه دينارين عن الناس وإظهار الفاقة قال الرسول فيه ما قال، ومع ذلك فله فضل باعتبار أنه من أهل الصفة.

ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقع أحدٌ من أصحابي في ذنب ولا يعذب أحد منهم في قبره، بل جاء في الحديث الصحيح ما يدل على خلاف هذا، فقد روى البخاري [126] وغيره أنه قال في خادم به كان موكولاً إليه ثقَلُ النبي في بعض غزواته: “إنه في النار”، وكان قد غلّ شملة أخذها من الغنيمة ثم أصابه سهم فقتله. وكان فيهم من شرب الخمر مرات عديدة ثم أقيم عليه الحد كل مرة، وكان فيهم مَن أقيم عليه حد الزنى. وهذا المحدود في شرب الخمر روى حديثه البخاري [127]، حتى لعنه بعض الصحابة من كثرة ما يؤتى به ليُقام عليه الحد فقال الرسول: “لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله”، وهناك غير هذا مما صحّ من الحديث في هذا المعنى، فكيف يقال مع كل هذا إن معنى قول بعض مَن ألّف في المصطلح “الصحابة عدول” أنهم يعنون العدالة المطلقة، وهذا يؤدي إلى إبطال تلك الأحاديث الصحيحة.

وقد روى البخاري [128] ومسلم [129] وأبو داود [130] والترمذي [131] والنسائي [132] عن ابن عباس: “مرّ رسول الله على قبرين فقال: “إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إثم”، قال: “بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من البول”، ثم دعا بعسيب رطب فشقّه اثنين فغرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا ثم قال: “لعلّه يخفّف عنهما”، وصاحبا هذين القبرين كانا مسلمين يعلم من بعض روايات الحديث. قال ابن حجر العسقلاني [133] بعدما ذكر رواية البخاري لهذا الحديث ما نصه: “وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين ففي رواية ابن ماجه [134]: “مرّ بقبرين جديدين” فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد [135] أنه صلى الله عليه وسلم مرَّ بالبقيع: فقال: “من دفنتم اليوم ههنا”؟ فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمين مع جريان العادة بأن كل فرق يتولاه مَن هو منهم، ويقوّي كونهما كانا مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد [136] والطبراني بإسناد صحيح: “يعذّبان وما يعذبان في كبير”، و”بلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول” فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين لأن الكافر وإن عُذِّبَ على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف” اهـ. ولو كان كافرين لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لعله يخفف عنهما”.

وروى البخاري في صحيحه [137] عن أبي وائل قال: قال عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا فَرَطُكُم [138] على الحوض ليُرفعنّ إليّ رجالٌ منكم حتى إذا اهويت لأناولهم اخْتُلِجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك”.

وأما حديث: “ستكون لاصحابي زلة يغفرها الله لهم” فهذا حديث غير ثابت ولا يحتج به للادّعاء بأن معاوية ومَن معه كانوا غير ءاثمين بقتالهم، لأنه لو كان ثابتًا ويدخل فيه معاوية لدلّ على أنه عصى لأنه حينئذ يكون قوله: “يغفرها الله لهم” دليلٌ على أنه أذنب، فالاحتجاج بهذا الحديث لمعاوية يفسد القول بأنه وجماعته مأجورون.

فإن قيل: كيف يصحُّ أن يقال في معاوية إنه بغى هو وجماعته، وقد صحّ أنه من كتبة الوحي؟ فالجواب: أن ذلك لا يقتضي أن يكون تقيًّا صالحًا، وهذا لا يقوله إلا مَن لا اطّلاع له على ما صحّ من الحديث وما قال علماء السيرة فهاك ما قال الحافظ العراقي في ألفيته التي ألفها في السيرة في باب ذكر كُتّابه صلى الله عليه وسلم قال:

وذكروا ثلاثة قد كتبوا *** وارْتَدَّ كلٌّ منهمُ وانقلبوا

ابنُ أبي سَرحٍ معَ ابنِ خطلِ *** وءاخرٌ أُبْهِمَ لم يسمّ لي

ولم يعُدْ منهم إلى الدين سوى *** ابن أبي سرحٍ وباقيهم غوى

فهذا الحافظ العراقي يصرّح في أن ثلاثة ممن كتبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحب ارتدوا، اثنان منهم ماتا على الكفر وواحدٌ رجع إلى الإسلام فالذي رجع إلى الإسلام هو ابن أبي سرح واللذان ماتا على الكفر أحدهما ابن خطل والآخر لم يسمّ ولكن ذكر قصته أنس بن مالك وروى ذلك مسلم وابن حبان.

ففي صحيح ابن حبان [139] عن أنس قال: “كان رجل يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّ عن الإسلام فلحق بالمشركين، ثم مات فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إن الأرض لن تقبله”، قال: فقال أبو طلحة: فأتيت تلك الارض التي مات فيها وقد علمت أن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال فوجدته منبوذًا، فقلت: ما شأن هذا؟ فقالوا: دفناه فلم تقبله الأرض” اهـ، وذكر مثل ذلك ابن سيّد الناس في كتابه عيون الأثر [140] في كتّابه صلى الله عليه وسلم.

وروى مسلم في صحيحه [141] عن أنس بن مالك قال: “كان منّا رجلٌ من بني النجار قد قرأ البقرة وءال عمران، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه قالوا: هذا كان يكتب لمحمد فأُعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذًا” اهـ.

فإن كان الشخص لا يكون معصومًا من الكفر أنه كان من كتبة الوحي، فكيف يكون معصومًا مما هو دون الكفر.

فقد ثبت أن معاوية كما سبق وذكرنا كان يأمر بسبّ علي، وهو أحد السابقين الاولين من المهاجرين والانصار وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سبابُ المسلم فسوق وقتاله كفر” [142].

وقال في حق علي: “مَن سب عليًّا فقد سبني”، الحديث رواه أحمد [143] والحاكم وغيرهما [144].

والحاصل أنّ الذي يظن أن كل فرد من أفراد الصحابة تقي ولي كأنه ليس عنده خبر بأحوال مَن صحب رسول الله، وليس له إلمام بالحديث فلو سكت عن ذلك كان خيرًا له، وقد قال الله: {ولا تَقْفُ ما ليسَ لكَ بهِ عِلمٌ} [سورة الإسراء/36]. وليس هذا من حب الصحابة الذين أمرنا بحبّهم لأنه ليس معنى ذلك التسوية بينهم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا” رواه البخاري [145].

فائدة مهمة: قال الحافظ أحمد الغماري في كتابه “جؤنة العطار” [146] ما نصه: “نقل الذهبي في [التاريخ] [147] عن الإمام مالك أنه قال: “إن معاوية نتف الشيب كذا وكذا سنة، وكان يخرج إلى الصلاة ورداؤه يُخمل، فإذا دخل مصلاه جُعل عليه وذلك من الكبر” اهـ. وهذا يُكذّب ما نُقل عنه من قوله: غبار حافر فرس معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، وربما نقل بعضهم هذا عن ابن المبارك وكله كذب، وإذا وصف مالك معاوية بالكبر وهو يعلم الحديث الصحيح: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر” المخرج في صحيح مسلم [148] فلا يجوز أن يقول ذلك في عمر بن عبد العزيز” انتهى كلام الغماري.

وأخيرًا: فالبوطي إنسان كلامه متناقض يقول الكلام أحيانًا بحسب الظروف ففي مجلة الموسم العدد السابع المجلد الثاني [ص/693] يقول البوطي في محاضرته بلندن في مؤتمر الغدير: “ءاية ذلك أن عليًّا عليه السلام اتخذ موقفًا صريحًا أمام أيام الفتنة من معاوية وكتب إليه الرسائل وأعلن أنه منحرف عن الخط وخارجًا عن النهج، اتجه المسلمون إلى ما اتجه إليه علي ولعلكم جميعًا تعلمون أن جمهور الفقهاء يقررون أن عليًّا هو صاحب الولاية والخلافة وأن صف معاوية يشكل البغي، فرأنا هذا في كتب الشريعة هذا رأي الإمام الشافعي وهذا رأي الإمام أبي حنيفة وهذا رأي الجمهور” انتهى كلام البوطي.

فهذا الكلام يقوله في مؤتمر الغدير في لندن وأما في دمشق وفي محاضراته وفي كتبه يرى العكس تمامًا فيزعم أن خروج البغاة على علي تنفيذ لأمر الله وأن هذا القتال ان باجتهاد وقصد سليم وأن هذا الخروج ليس مصادمًا لنص صريح في كتاب الله أو سنة رسول الله وأن الذين خرجوا على علي لم يحركهم إلا الإسلام.

وكأنه في هذه الحال لم يقرأ قول الله تعالى: {يا أيُّها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمرِ منكم} [سورةالنساء/59] وكأنه لم يقرأ ولم يسمع بحديث مسلم [149]: “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما” ولم يعلم البوطي أن عليًا بويع بيعة صحيحة في المدينة من المهاجرين والأنصار، وإن كان علم ذلك فكيف يصح عمل الباغين الخارجين عليه، ثم ألم يعلم بأن معاوية كان بالشام حيث كان معينًا واليًا أيام عمر وعثمان حين بويع علي تلك البيعة الشاملة حكمُها كل مسلم على وجه الأرض.

الهوامش:

[1] و[2] صحيح مسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة.

[3] أنظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [7/51].

[4] مسند أحمد [4/281].

[5] كشف الأستار عن زوائد البزار [4/92].

[6] أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد [7/238] وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد، ووثقه ابن حبان. اهـ. أنظر الثقات لابن حبان [7/297].

[7] كانت معركة الجمل بين سيدنا علي رضي الله عنه ومَن معه وجماعة تحمّسوا للمطالبة بدم عثمان فيهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت خرجت من المدينة بعدما بويع سيدنا علي رضي الله عنه بالخلافة إلى مكة للحج، ثم التقت بأناس متحمسين للمطالبة بدم عثمان رضي الله عنه فحمسوها فخرجت معهم، ثم وصلت إلى أرضٍ سمعت فيها نباح كلاب فقالت: ما اسم هذه الأرض، فقيل لها: الحوأب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، فقيل لها: تذهبين معنا، الله يصلح بك بين المسلمين، فقالت: ما أظنني إلا راجعة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أيَّتُكُنَّ صاحبة الجمل الأدبب تنبح عليها كلاب الحوأب انظري يا عائشة أن لا تكوني أنت” فأصرّوا عليها فذهبت معهم للإصلاح ولم تذهب للقتال فوصلت إلى البصرة حيث معسكر سيدنا علي ثمّ حصل ما حصل من القتال فكسرهم سيدنا علي وقُتل جمل عائشة وكان أعطاها إياه شخص من المطالبين بدم عثمان اشتراه بأربعمائة دينار، ثم أعادها سيدنا علي معزّزة مكرمة إلى المدينة. وكان معصيتها وقوفها في معسكر الذين تمردوا عى علي الخليفة الراشد. وكانت وقعة الجمل سنة ست وثلاثين في جمادى الآخرة.

ثم دعا علي رضي الله عنه معاوية ومَن معه من أهل الشام إلى البيعة فرفضوا، فخرج يريدهم فبلغ ذلك معاوية فخرج فيمن معه من أهل الشام، والتقوا في صفين في صفر سنة سبع وثلاثين فاقتتلوا فقتل عمار بن ياسر وخزيمة بن ثابت وأبو عمرة المازني وكانوا مع علي، فلما أحسّ أهل الشام باقتراب هزيمتهم رفعوا المصاحف يدعون بزعمهم إلى ما فيه مكيدة من عمرو بن العاص أشار بذلك على معاوية وهو معه، فحُكِّم الحكمان وكان حكم علي أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن العاص فاتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه ثم قدّم عند التحكيم عمرو أبا موسى فتكلم فخلع عليًّا وتكلم عمرو فأقرّ معاوية وبايع به، فتفرق الناس على هذا. وأما الخوارج فخرجت على سيدنا علي وكانوا أولاً يقاتلون معه معاوية، وكفّروا سيدنا عليًّا وقالوا: لا حكمَ إلا الله، وعسكروا بحروراء فبذلك سمّوا الحرورية، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس وغيره فخاصمهم وحاجّهم فرجع منهم قومٌ كثير وثبت قوم على رأيهم، وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وقُتل منهم ذو الثدية سنة ثمان وثلاثين.

[8] التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، كتاب: الإمامة وقتال البغاة [4/44].

[9] كشف الأستار [4/92].

[10] أخرجه الطبراني في الأوسط كما عزاه الحافظ الهيثمي له في المجمع [7/238].

[11] الاعتقاد والهداية [ص/248].

[12] التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة [ص/637]، وأسد الغابة في معرفة الصحابة [4/33].

[13] العقد الثمين [6/195].

[14] أسد الغابة في معرفة الصحابة [4/33].

[15] الاستيعاب في معرفة الأصحاب [3/53].

[16] مستدرك الحاكم: كتاب التفسيؤ [2/463].

[17] السنن الكبرى، كتاب قتال أهل البغي [8/172].

[18] أنظر المطالب العالية، باب قتال أهل البغي [4/296].

[19] كذا في الأصل.

[20] مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة [3/371].

[21] مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة [3/371].

[22] العقد الثمين [5/69].

[23] الطبقات الكبرى [3/222].

[24] أنظر المطالب العالية [4/65]، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد [9/107]: “وزاد الراوون بعد “وال من والاه”: “وعاد من عاداه”: رواه أحمد ورجاله ثقات” اهـ.

[25] تمهيد الاوائل [ص/552].

[26] مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة [3/373].

[27] تمهيد الأوائل [ص/552].

[28] دلائل النبوة [6/411-412].

[29] سير الذهبي [2/177].

[30] الجامع لأحكام القرءان [14/180].

[31] تفسير البحر المحيط [7/230].

[32] دلائل النبوة [6/411].

[33] طبقات ابن سعد [8/59].

[34] إتحاف السادة المتقين [10/333].

[35] مصنف ابن أبي شيبة [7/544].

[36] طبقات ابن سعد [8/74].

[37] مستدرك الحاكم: كتاب معرفة الصحابة [3/366].

[38] مستدرك الحاكم: كتاب معرفة الصحابة [3/366].

[39] أخرجه أبو يعلى في مسنده [2/30].

[40] العقد الثمين [4/437].

[41] مستدرك الحاكم: كتاب معرفة الصحابة [3/367].

[42] طبقات ابن سعد [3/110-111].

[43] الإصابة في تمييز الصحابة [1/545].

[44] الفرق بين الفرق [ص/350 و351] باب بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة.

[45] أصول الدين [ص/289-290].

[46] نقل ذلك القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة [ص/626].

[47] الاستذكار [2/340-341]، ونحوه في العقد الثمين [5/227].

[48] مسند أحمد [2/206]، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد [7/247]: “رواه أحمد ورجاله ثقات”.

[49] أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد [7/239-240].

[50] مسند أحمد [1/94 و129 و131 و409] و[4/426 و427 و432] و[5/66 و67 و70].

[51] صحيح البخاري: كتاب الصلاة: باب التعاون في بناء المساجد، وكتاب الجهاد والسير: باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله.

[52] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [9/105-106].

[53] الخصائص الكبرى [2/140].

[54] فيض القدير [6/366]، وانظر اللآلئ للزبيدي [ص/222-223].

[55] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [8/260] و[9/105].

[56] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [9/105].

[57] السنن الكبرى، كتاب قتال أهل البغي: باب الدليل على أن الفئة الباغية لا تخرج بالبغي عن تسمية الإسلام [8/174].

[58] مصنف ابن أبي شيبة [15/290].

[59] طبقات ابن سعد [3/256].

[60] مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة [3/384 و392].

[61] سنن النسائي: كتاب الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان.

[62] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [9/106].

[63] مصنف ابن أبي شيبة [15/296].

[64] الضحاك بن مزاحم الهلالي وثّقه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، ويحيى بن معين، وقال سفيان الثوري: “خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك”. راجع تهذيب الكمال للمزّي [13/290 و291].

[65] التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة [ص/627].

[66] مجرد مقالات الأشعري لابن فورك، [ص/187-188].

[67] السنن الكبرى [6/84].

[68] عزاه له الحافظ ابن حجر في المطالب العالية [4/293].

[69] شذرات الذهب [1/45].

[70] عن عبد الله بن الحارث أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: “يا أمير المؤمنين” أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين كان يبني المسجد لعمّار: “إنك لحريص على الجهاد، وإنك لمن أهل الجنة، ولتقتلنّك الفئة الباغية” قال: بلى، قال: فلم قتلتموه، قال: والله ما تزال تدحض في بولك، أنحن قتلناه! إنما قتله الذي جاء به” اهـ انظر جمع الفوائد وأعذب الموارد [2/539].

[71] التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة [ص/626].

[72] أنظر كشف الأستار عن زوائد البزّار [4/97]، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد [7/236]: “رواه البزار، ورجاله ثقات”.

[73] التذكرة [ص/622].

[74] سنن أبي داود: كتاب السنة: باب في الخلفاء.

[75] مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة [3/145].

[76] دلائل النبوة [6/341].

[77] مسند أحمد [4/273].

[78] دلائل النبوة [6/340].

[79] مسند أبي داود الطيالسي [ص/31].

[80] هي رواية البيهقي والطيالسي.

[81] جامع الترمذي: كتاب الفتن: باب ما جاء في الخلافة.

[82] ذكر أخبار أصبهان [1/245].

[83] مسند أحمد [5/220].

[84] دلائل النبوة [6/342].

[85] فتح الباري [13/86].

[86] المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية [4/293].

[87] سنن سعيد بن منصور [2/335-336].

[88] البداية والنهاية [7/276].

[89] الكامل في التاريخ [3/308-309].

[90] فتح الباري [8/576-577].

[91] المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية [4/327].

[92] أخرجه أبو يعلى في مسنده [13/121-123]، وقال الحافظ الهيثمي في المجمع [7/248-249]: “رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح”.

[93] فتح الباري [13/70-71].

[94] ترتيب صحيح ابن حبان: باب البيان بأن عند وقع الفتن على المرء محبة غيره ما يحبه لنفسه [7/578].

[95] التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة [ص/612].

[96] فتح الباري [7/104].

[97] الموضوعات [2/24].

[98] الموضوعات [2/24].

[99] شذرات الذهب [2/240-241].

[100] وفيات الأعيان [1/77].

[101] صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب: باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبّه أو دعا عليه.

[102] تذكرة الحفاظ [2/699].

[103] فتح الباري [1/543].

[104] صحيح مسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة.

[105] السنن الكبرى [8/174].

[106] مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الجمل [15/290].

[107] مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة [3/366].

[108] صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم.

[109] صحيح ابن حبان: كتاب فضائل االصحابة: أنظر الإحسان [9/188].

[110] صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[111] خصائص الإمام علي [ص/23 و58].

[112] خصائص الإمام علي [ص/56].

[113] المستدرك [3/121].

[114] صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الدليل على أن حبّ الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق.

[115] جامع الترمذي: كتاب المناقب: مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[116] سنن النسائي: كتاب الإيمان: باب علامة المنافق.

[117] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء [4/185].

[118] مسند أحمد [6/292].

[119] تاريخ بغداد [14/426].

[120] أنظر جمع الفوائد وأعذب الموارد [2/517].

[121] تاريخ الخلفاء [ص/243].

[122] المعجم الكبير [2/96] و[10/244]، وقال المنّاوي في فيض القدير [1/348]: قال العراقي في سنده: ضعيف، أنظر تخريج الإحياء [4/117]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد [7/202]: “وفيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف”، وقال ابن رجب: “روي من وجوه في أسانيدها كلها مقال”.

[123] أخرجه الحاكم في المستدرك [4/553].

[124] مسند أحمد [1/457].

[125] صحيح ابن حبان: كتاب الزكاة: باب الوعيد لمانع الزكاة، أنظر الإحسان [5/109].

[126] صحيح البخاري: كتاب الجهاد: باب القليل من الغلول.

[127] صحيح البخاري: كتاب الحدود: باب ما يكره في لعن شارب الخمرة.

[128] صحيح البخاري: كتاب الجنائز: باب عذاب القبر في الغيبة والبول.

[129] صحيح مسلم:  كتاب الطهارة: باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه.

[130] سنن أبي داود: كتاب الطهارة: باب الاستبراء من البول.

[131] جامع الترمذي: كتاب أبواب الطهارة: باب ما جاء في التشديد في البول.

[132] سنن النسائي: كتاب الطهارة: باب التنزّه عن البول.

[133] فتح الباري [1/321].

[134] أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الطهارة وسننها، باب التشديد في البول.

[135] أخرجه أحمد في مسنده [5/266].

[136] أخرجه أحمد في مسنده [5/39].

[137] صحيح البخاري: كتاب الفتن: باب ما جاء في قوله تعالى: {واتَّقوا فِتنةً لا تُصيبَنَّ الذينَ ظلموا منكم خاصَّة} وما كان النبي يحذر من الفتن.

[138] أي متقدمكم إليه، النهاية في غريب الحديث [3/434].

[139] صحيح ابن حبان: كتاب الرقائق: باب قراءة القرءان، أنظر الإحسان [2/62].

[140] عيون الأثر [2/395 و396].

[141] صحيح مسلم: أوّل كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.

[142] صحيح مسلم: كتاب الإسمان: باب بيان قول النبي صلى اله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”.

[143] مسند أحمد [6/323].

[144] المستدرك [3/121]، وخصائص الإمام علي [ص/56].

[145] صحيح البخاري: كتاب الأدب: باب ما يجوز من الظن,

[146] جؤنة العطار [ص/50].

[147] أورده بنحوه في سير الأعلام [3/155].

[148] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب تحريم الكبر وبيانه بلفظ: “مثقال ذرة من كبر”.

[149] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب إذا بويع لخليفتين.