القاضي تقي الدين الحصني المتوفى سنة 829 هجري
لقد كان التَّقِيَّ أَبَا بَكرٍ بنَ مُحَمَّدٍ الحِصنِيَّ إِمَاما جَلِيلا، وَعَالِما رَبَّانِيّا، قَدِ اتَّفَقَت كُتُبُ التَّرَاجِمِ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيهِ، وَالإِشَادَةِ بِعِلمِهِ وَزُهدِهِ وَوَرَعِهِ، حَتَّى عُدَّ عِندَ غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ مِن كِبَارِ أَولِيَاءِ زَمَانِهِ، وَلَم يُنقَل عَن أَحَدٍ مِن أَهلِ التَّحقِيقِ طَعنٌ فِي دِيَانَتِهِ، وَلَا فِي عَدَالَتِهِ، وَلَا فِي مَكَانَتِهِ العِلمِيَّةِ، فقد كان رحمه الله فقيه الشَّام وكان ممَّن فتح الله عليهم فجمع بين العلم والعمل، وهو صاحب كتاب كفاية الأخيار و غيره مِن الكُتُب النَّافعة.
وكان التقي الحصني شافعيًّا أشعريًّا ناصرًا للعقيدة الحقَّة كثير الحطِّ على مُشبِّهة الحنابلة مُصرِّحًا بتكفير ابن تيمية ونقل ذلك عن جُملة مِن العُلماء؛ ووضع في الرَّدِّ عليه كتاب دفع شُبَه مَن شبَّه وتمرَّد، ونقل فيه الاجماع على كفر ابن تيمية الحراني.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1MwXojy6dm/
وكان ممَّا قاله الحصنيُّ في كتابه المذكور: ” وكان الشَّيخ زين الدِّين ابن رجب الحنبليُّ ممَّن يعتقد كُفر ابن تيميَّة، وله عليه الرَّدُّ، وكان يقول بأعلَى صوته في بعض المجالس: “معذور السُّبكيُّ” يعني في تكفيره”. انتهَى.
وأما ابن رجب، فقد كان مِن أكثر الحنابلة افتتانًا بابن تيمية وتلميذه ابن القيِّم، فكَتَبَ فِي تَرجَمَةِ ابنِ تَيمِيَّةَ، وَأَثنَى عَلَيهِ فِي ذيل طبقات الحنابلة، وَذَلِكَ فِي مَرحَلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِن أَمرِهِ، قَبلَ أَن تَتَبَيَّنَ لَهُ حَقَائِقُ أَقوَالِهِ وَمَآلَاتُهَا فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ عَقَدِيَّةٍ وَأُصُولِيَّةٍ.
قال الكوثريُّ في ” الإشفاق على أحكام الطلاق ما نصُّه: “وكان الحافظ ابن رجب الحنبليُّ مِن أتبع الحنابلة مُنذ صِغره لابن القيِّم وشيخه، ثُمَّ تيقَّن ضلالَهُما في كثير مِن المسائل، وَرَدَّ قَولَهُمَا فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ: بَيَانُ مُشكِلِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ» انتَهَى.
وهذا مشهور نقله غير واحد؛ منهُم الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ فقد قال في كتابه إنباء الغمر في ترجمة الشَّيخ ابن رجب الحنبليِّ ما نصُّه: “وَنَقَمُوا عَلَيهِ إِفتَاءَهُ بِمَقَالَاتِ ابنِ تَيمِيَّةَ، ثُمَّ أَظهَرَ الرُّجُوعَ عَن ذَلِكَ، فَنَافَرَهُ التَّيمِيُّونَ”. انتهى.
وَهَذَا نَصٌّ بَيِّنٌ لَا احتِمَالَ فِيهِ، يُثبِتُ أَنَّ ابنَ رَجَبٍ لَم يَبقَ عَلَى مُوَافَقَةِ ابنِ تَيمِيَّةَ فِي مَقَالَاتِهِ، بَل أَظهَرَ الرُّجُوعَ عَنهَا صَرَاحَةً، حَتَّى أَدَّى ذَلِكَ إِلَى مُنَافَرَتِهِ عِندَ أَتبَاعِ ابنِ تَيمِيَّةَ. وَزَادَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ بَيَانًا بِذِكرِ قِصَّةٍ تَدُلُّ دَلَالَةً عَمَلِيَّةً عَلَى ذَلِكَ، وَخُلَاصَتُهَا: أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَيبَكٍ الصَّفَدِيَّ نَظَمَ قَصِيدَةً يَتَوَسَّلُ فِيهَا إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَقُولُ فِيهَا: «يَا خَيرَ خَلقِ اللهِ»، فَأَنكَرَ ابنُ العِزِّ ذَلِكَ إِنكَارًا شَدِيدًا، فَبَلَغَ الأَمرُ مِصرَ، فَأَنكَرَ القُضَاةُ قَولَ ابنِ العِزِّ، وَعُقِدَت مَجَالِسُ بِدِمَشقَ لِلإِنكَارِ عَلَيهِ وَتَعزِيرِهِ.
وَكَانَ مِمَّن حَضَرَ تِلكَ المَجَالِسَ ابنُ رَجَبٍ نَفسُهُ، فَتَوَارَدَ القُضَاةُ – وَمِنهُم ابنُ رَجَبٍ – عَلَى الإِنكَارِ عَلَى ابنِ العِزِّ فِي أَكثَرِ مَا قَالَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ مَوقِفَ ابنِ رَجَبٍ فِي آخِرِ أَمرِهِ لَم يَكُن عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَأَتبَاعُهُ فِي هَذَا البَابِ، بَل كَانَ مُوَافِقًا لِمَا استَقَرَّ عَلَيهِ عَمَلُ القُضَاةِ وَجُمهُورُ أَهلِ العِلمِ.
فالقول أن ما نُقِل عنِ ابنِ رجبٍ فِي مُخالفتِهِ لِابنِ تيمِيّة إِنّما ينحصِرُ فِي مسألةِ الطّلاقِ الثّلاثِ»، و أنّها مسألةٌ فِقهِيّةٌ محضةٌ، لا تستلزِمُ تكفِيرًا ولا طعنًا فِي الِاعتِقادِ، فهو كلام باطل، وجوابه أن يقال أن ذلك تشبّث بِبعضِ الصّحِيحِ ليصير ذرِيعةً إِلى نقضِ جُملةِ الصّحِيحِ. فصحِيحٌ أنّ ابن رجبٍ ردّ على ابنِ تيمِيّة فِي مسألةِ الطّلاقِ، وصحِيحٌ أنّ مُخالفة الفرعِ ـ فِي بعضِ الأحيانِ ـ لا تستلزِمُ تكفِيرًا. ولٰكِنّ النِّزاع ليس فِي هٰذا أصلًا، بلِ النِّزاعُ فِي مسائل أخرى أنّ ابن رجبٍ «أظهر الرُّجُوع» عن مقالاتِ ابنِ تيمِيّة، وأنّ «التّيمِيِّين نافرُوهُ» لِذٰلِك؛ وهٰذا نقلٌ ثابِتٌ عنِ الحافِظِ ابنِ حجرٍ فِي إِنباءِ الغمرِ.
و قول الكوثرِيِّ: «ثُمّ تيقّن ضلالهُما فِي كثِيرٍ مِن المسائِلِ»، أعمُّ وأوسعُ دلالةً مِن أن يُحمل على مسألةٍ فِقهِيّةٍ واحِدةٍ. إِذ لا يستقِيمُ أن يُقال: «نقمُوا عليهِ إِفتاءهُ بِمقالاتِ ابنِ تيمِيّة، ثُمّ أظهر الرُّجُوع عن ذٰلِك»، ويُرادُ بِذٰلِك فرعٌ واحِدٌ؛ لِأنّ من يرجِعُ عن فرعٍ مُفردٍ يُقالُ فِيهِ: «رجع عن فتوى فِي كذا»، أمّا إِطلاقُ «مقالاتٍ» و«كثِيرٍ مِن المسائِلِ» فهُو جمعٌ صرِيحٌ دالٌّ على التّعدُّدِ والتّنوُّعِ، لا على مسألةِ الطّلاقِ فقط
وقد نبّه الحافِظُ ابنُ حجرٍ العسقلانِيُّ صراحةً على عُدُولِ ابنِ رجبٍ الحنبلِيِّ عن بعضِ مقالاتِ ابنِ تيمِيّة، فقال فِي إِنباءِ الغمرِ فِي ترجمتِهِ: «ونقمُوا عليهِ إِفتاءهُ بِمقالاتِ ابنِ تيمِيّة، ثُمّ أظهر الرُّجُوع عن ذٰلِك، فنافرهُ التّيمِيُّون». وهٰذا نصٌّ بيِّنٌ لا احتِمال فِيهِ، يُثبِتُ أنّ ابن رجبٍ لم يبق على مُوافقةِ ابنِ تيمِيّة فِي مقالاتِهِ، بل أظهر الرُّجُوع عنها صراحةً، حتّى آل ذٰلِك إِلى مُنافرتِهِ عِند أتباعِ ابنِ تيمِيّة. وزاد الحافِظُ ابنُ حجرٍ بيانًا بِذِكرِ قِصّةٍ تدُلُّ دلالةً عملِيّةً على طعنِ ابنِ رجبٍ فِي أشهرِ مسائِلِ ابنِ تيمِيّة، وهِي مسألةُ التّوسُّلِ؛ حيثُ صار يرُدُّ على من يقُولُ بِها. فكيف ـ بعد هٰذا ـ يُقالُ: إِنّ إِنكارهُ لم يكُن إِلّا فِي الطّلاقِ فقط؟
مِن هُنا نعلم صدق الإمام الحصنيِّ فيما نقله عن ابن رجب مِن أنَّه كان يرَى العُذر لقاضي القُضاة الإمام السُّبكيِّ في تكفير ابن تيمية؛ فقد ثبت أنَّه اعتقد في ابن تيمية الضَّلال بعد أن كان مُتَّبعًا له قبل ذلك.
وَأَمَّا قَولُ بعضهم فِيهِ: «وَكَانَ أَشعَرِيًّا مُنحَرِفًا عَلَى الحَنَابِلَةِ، يُطلِقُ لِسَانَهُ فِيهِم، وَيُبَالِغُ فِي الحَطِّ عَلَى ابنِ تَيمِيَّةَ»، فَلَيسَ مُرَادُهُ – عِندَ أَهلِ المَعرِفَةِ بِمُصطَلَحَاتِ التَّرَاجِمِ وَسِيَاقَاتِهَا – الطَّعنَ فِي مَذهَبِ الإِمَامِ أَحمَدَ، وَلَا ذَمَّ الحَنَابِلَةِ بِإِطلَاقٍ، حَاشَاهُ مِن ذَلِكَ، بَلِ المُرَادُ بِهِ طَائِفَةٌ مَخصُوصَةٌ مِنهُم، وَهُمُ المُنتَسِبُونَ إِلَى مَذهَبِ التَّجسِيمِ مِمَّنِ انتَسَبُوا إِلَى الحَنَابِلَةِ زُورًا، وَتَعَلَّقُوا بِبَعضِ عِبَارَاتِ ابنِ تَيمِيَّةَ، فَغَلَوا فِيهَا غُلُوًّا أَخرَجَهُم عَن سَوَاءِ الِاعتِقَادِ.
وَهَذَا المَعنَى هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيرُ وَاحِدٍ مِن أَهلِ التَّرَاجِمِ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ لِابنِ قَاضِى شُهبَةَ وَالجَوَاهِرِ وَالدُّرَرِ لِلسَّخَاوِيِّ، حَيثُ قَالَ فِي تَرجَمَتِهِ: «وَكَانَ عَالِمًا زَاهِدًا، كَثِيرَ النَّفعِ لِلطَّلَبَةِ، وَالحَطّ عَلَى الحَنَابِلَةِ، خُصُوصًا مَن يَنتَحِلُ مَقَالَةَ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابنِ تَيمِيَّةَ»، فَقَيَّدَ الحَطَّ بِخُصُوصِ المُنتَحِلِينَ لِتِلكَ المَقَالَةِ، لَا بِمُطلَقِ الحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَيدٌ كَاشِفٌ لَا يَجُوزُ إِغفَالُهُ.
وعليه، فَلَيسَ فِي هَذَا الوَصفِ أَدنَى قَدحٍ فِي التَّقِيِّ الحِصنِيِّ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى تَعَصُّبٍ مَذمُومٍ، بَل هُوَ مِن بَابِ الِانتِصَارِ لِلعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالقِيَامِ بِالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَهُوَ وَاجِبُ العُلَمَاءِ عِندَ ظُهُورِ الِانحِرَافِ، لَا سِيَّمَا إِذَا تَزَيَّا بِزِيِّ المَذَاهِبِ الفِقهِيَّةِ، وَانتَسَبَ إِلَى الأَئِمَّةِ بِغَيرِ حَقٍّ.
وأما حكاية التقي الحصني مع برهان الدين الحلبي، فقد ذكرها السخاوي في الضوء اللامع، ونصه: ” ولما دخل التقي الحصني حلب بلغني أنه لم يتوجه لزيارته – أي برهان الدين الحلبي- لكونه كان ينكر مشافهة على لابسي الأثواب النفيسة على الهيئة المبتدعة وعلى المتقشفين، ولا يعدو حال الناس ذلك، فتحامى قصده فما وسع الشيخ إلا المجيء إليه فوجده نائماً بالمدرسة الشرفية فجلس حتى انتبه، ثم سلم عليه فقال له : لعلك التقي الحصني، فقال : أنا أبو بكر، ثم سأله عن شيوخه فسماهم له فقال له : إن شيوخك الذين سميتهم هم عبيد ابن تيمية أو أخذ عنه فما بالك تحط أنت عليه فما وسع التقي إلا أن أخذ نعله وانصرف، ولم يجسر يرد عليه”. انتهى
وتُعدّ هذه الرواية مما انفرد السخاوي بذكرها، وهو نفسه صرّح بصيغة التمريض بقوله: «بلغني»، وهي عبارة تدل في اصطلاح المؤرخين والمحدّثين، على أن الخبر منقول على جهة الشيوع، لا على جهة المشاهدة المباشرة. وعليه، فإن هذه القصة تفتقر إلى التوثيق التاريخي اللازم للاحتجاج بها، ولا يُعلم لها شاهد من المصادر المعاصرة أو القريبة العهد بالواقعة.
كما أن انفراد السخاوي المتوفى سنة 902 هـجري بنقل هذه الحكاية، مع غيابها عن كتب التراجم والتاريخ التي عنيت بالتقي الحصني أو بخصومه، يثير احتمال كونها من الأخبار التي راج تداولها في بعض الأوساط المتأخرة أو بين العوام، وربما استُعملت في سياق الجدل الفكري، ولا سيما من قِبل المنتسبين إلى المدرسة التيمية، بما لا ينهض دليلاً تاريخيًا معتبرًا، ما لم يُعضد بنقل موثوق أو قرائن مستقلة.
وأما دعوى أن شيوخ الحصني هم عبيد لابن تيمية أو أخذوا عنه، فهي دعوى باطلة، ولا يعلم للحصني شيوخ بمثل هذا الوصف، ويكفي أن منهم :
– شهاب الدين أبو العباس البقاعي، الذي انتهت إليه رئاسة الشافعية في دمشق.
– شمس الدين الصرخدي الشافعي الأشعري الذي كان يحط على مجسمة الحنابلة
و أبي البقاء شرف الدين البكري.


