الكلام المنسوب لجلال الدين السيوطي في ذم الأشاعرة ومدح ابن تيمية

الكلام المنسوب لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة 971 هجري في ذم الأشاعرة ومدح ابن تيمية

ليعلم أن الإمام السيوطي أشعري العقيدة وهذا ما أكده بقوله في كتابه إتمام الدراية لقراء النقاية, صحيفة 18 – تحقيق الشيخ إبراهيم العجوز، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت ، الطبعة : الأولى 1405هـجري – : ” ونعتقد أن الإمام أبا الحسن الأشعري وهو من ذرية أبي موسى الأشعري إمام في السنة أي الطريقة المعتقدة مقدم فيها على غيره”. انتهى

1- ذمه للإمام الأشعري
ما قاله ﺍﻟﺴﻴﻮﻃﻲ في ﻛﺘﺎﺏ ﺻﻮﻥ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ ﻋﻦ ﻓﻦ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ في الصحيفة 119 – من سلسلة التراث الاسلامي- ما نصه: ” ثم قال “الطبقة الثامنة” و أخرج فيه ﻣﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺃﺑﻲ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﻗﺎﻝ: “ﺳﻤﻌﺖ ﺃﺑﺎ ﺯﻳﺪ ﺍﻟﻔﻘﻴﻪ ﺍﻟﻤﺮﻭﺯﻱ ﻳﻘﻮﻝ: ﺃﺗﻴﺖ ﺃﺑﺎ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺍﻷﺷﻌﺮي ﺑﺎﻟﺒﺼﺮﺓ ﻓﺄﺧﺬﺕ ﻋﻨﻪ ﺷﻴﺌﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻼﻡ. ﻓﺮﺃﻳﺖ ﻣﻦ ﻟﻴﻠﺘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﻛﺄﻧﻲ ﻋﻤﻴﺖ ﻓﻘﺼﺼﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺒﺮ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺇﻧﻚ ﺗﺄﺧﺬ ﻋﻠﻤﺎً ﺗﻀﻞ ﺑﻪ، ﻓﺄﻣﺴﻜﺖ ﻋﻦ ﺍﻷﺷﻌﺮﻱ، ﻓﺮﺁﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻲ: ﻳﺎ ﺃﺑﺎ ﺯﻳﺪ، ﺃﻣﺎ ﺗﺄﻧﻒ ﺃﻥ ﺗﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺧﺮﺍﺳﺎﻥ ﻋﺎﻟﻤﺎً ﺑﺎﻟﻔﺮﻭﻉ ﺟﺎﻫﻼ ﺑﺎﻷﺻﻮﻝ، ﻓﻘﺼﺼﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺮﺅﻳﺎ ﻓﻘﺎﻝ: ﺍﻛﺘﻤﻬﺎ ﻋﻠﻲّ ﻫﻬﻨﺎ “. انتهى

‫‏فهذا النص نقله السيوطي عن المجسم ابي اسماعيل الهروي المُتوفى سنة 481 هجري. فقد قال السيوطي في الصحيفة 68 ما نصه: ” فصل “نصوص الأئمة في تحريم الكلام, تلخيص مقاصد كتاب ذم الكلام لشيخ الاسلام اسماعيل الهروي”. انتهى

وهو مذكور في كتابه ذم الكلام حيث قال: “سمعت غير واحد من مشائخنا، منهم منصور بن إسماعيل الفقيه؛ قال: سمعت محمد بن محمد بن عبد الله الحاكم يقول: سمعت أبا زيد وكتب به إلي أحمد بن الفضل البخاري أبو الحسن، قال: سمعت أبا زيد الفقيه المروزي يقول: “أتيت أبا الحسن الأشعري بالبصرة”. انتهى

وذكر هذه القصة أيضا يوسف بن عبد الهادي المعروف بابن المبرد المتوفى سنة 909هـجري في جمع الجيوش و الدساكر على ابن عساكر.

وهذه القصة باطلة قطعا لسببين:

أ- السبب الأول يتعلق بزمن و وقائع القصة: فقد ذكر هذه القصة مفصلة ابن المبرد في اجتماع الجيوش و الدساكر في الصحيفة 364 حيث نقل عن ابي زيد المروزي أنه قال: “لما فرغت من درسي على أبي اسحاق ابراهيم بن أحمد المروزي و أردت الرجوع إلى أهلي قال لي الشيخ أبو اسحاق: “إنك ترجع إلى مرو و يحدق بك الناس للتفقه فيشغلونك و ما حججت حجة الاسلام و نفسك تطالب بذلك فتحتاج أن تنشئ لهل سفرة أخرى و تشعث لها أمرك فإن كانت بقيت معك بقية من النفقة تقدم الحج حتى تنصرف إلى أهلك بقلب فارغ و إن ضاق بك فعرفني حتى أدبر لك, فقلت: بقي معي ما أرجو أن يقوم بي فاكترى لي في وسط السنة و أوصاهم بي و خرجنا قاصدين إلى المدينة فوصلناها لأيام مضين من رجب فأقمنا بالمدينة بقية رجب و إلى النصف من شعبان و تهنينا بالزيارات التي بها على منافي النفس ثم خرجنا من المدينة و أتينا مكة لأربع بقين من شعبان فصمنا بها رمضان و قضينا تهمتنا من الاعتمار و أقمنا إلى وقت الحج و سهل لنا الله تعالى الحج فحين فرغنا أشار علي بعض أصحابي بالخروج على طريق البصرة…..”
إلى أن ذكر قصة لقائه بالإمام الأشعري و ذكر الرؤية وقول الأشعري له: ” وقد بلغتني رؤياك و بيننا حرمة الانس فأحب أن لا تحكيها للناس. فقلت – أي أبو زيد المروزي -: أما بالبصرة فلا أحكيها و طابت نفسه و خرج”. انتهى

– الملاحظة الأولى أن صاحب هذه القصة ذكر أن أبا زيد لم يقم في مكة إلا مدة يسيرة لا تزيد عن خمسة أشهر و بعدما فرغ من أعمال الحج خرج من مكة متوجها إلى البصرة. و ليس الأمر كذلك فقد نص العلماء أن أبا زيد لما دخل مكة أقام بها سبع سنين كما ذكره الذهبي في السير.

– الملاحظة الثانية: ذكر في القصة أن أبا اسحاق المروزي هو الذي أشار على أبي زيد بالحج. ومعلوم أن أبا اسحاق قد توفي سنة 340 هجري و أن ابا زيد قد توجه للحج سنة 355 هجري أو قبله بيسير. فأحداث القصة لا تتطابق مع الوقائع التاريخية لا سيما وأن مدة الرحلة المذكورة في القصة للوصول إلى مكة هي بضعة أشهر.
قال الحافظ ابن عساكر في التبيين ما نصه: “…متوجها إلى الحج في شعبان سنة خمس وخمسين وثلاث مائة ، وأقام بمكة سبع سنين ، وحدث بمكة” انتهى
وذكر الحافظ أبو علي الغساني الجياني في كتاب “تقييد المهمل” 1/59 ـ طبعة دار عالم الفوائد – أنه كان يحدث بمكة سنة 353 هجري و نص عبارته : “فأما كتاب أبي عبد الله البخاري وسماه الجامع المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه من رواية أبي زيد محمد بن أحمد المروزي من طريق أبي الحسن القابسي : فقرأته على أبي القاسم حاتم بن محمد بن عبدالرحمن بن حاتم التميمي المعروف بابن الطرابلسي مرات ـ أولها في سنة أربع وأربعين وأربعمائة ـ، قال : أخبرني به أبو الحسن علي بن محمد بن أبي بكر القابسي الفقيه قراءة عليه بالقيروان وأنا أسمع سنة ثلاث وأربعمائة، قال : أنا أبو زيدٍ محمد بن أحمد المروزي بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. انتهى

– الملاحظة الثالثة: ذكر في القصة أن أبا زيد المروزي التقى بالأشعري في رحلة عودته من مكة عند مروره بالبصرة أي بعد سنة 355 هجري. وهذا أمر مستحيل لأن الإمام أبا الحسن الأشعري توفي سنة 324 هجري.

ب- السبب الثاني يتعلق بالسند: و قد ذكر أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي لهذه الرواية سندان:
– السند الأول ذكره الهروي من طريق أحمد بن الفضل البخاري: أما الهروي فقد كان أحد اعمدة التجسيم و حنبليا متعصبا يدعي التصوف وله طامات في العقائد. نقل التاج السبكي في طبقاته عن الذهبي أنه قال : وكان – يعني ابن تيمية- يرمي أبا إسماعيل بالعظائم بسبب هذا الكتاب – كتاب المنازل – ويقول: انه مشتمل على الاتحاد”. انتهى

وأما أحمد بن الفضل البخاري فهو رجل مجهول. واسمه بالكامل: أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل البخاري كما هو مذكور في جمع الجيوش و الدساكر لابن المبرد في الصحيفة 365
قال محمد فوزي حسن سعد محقق كتاب جمع الجيوش في حاشية الصحيفة 67 ما نصه: ” لم أجد من ترجم له”. انتهى.
ومثله قال في حاشية الصحيفة 365

– السند الثاني: ذكره الهروي من طريق منصور بن إسماعيل: وهو شاعر خبيث اللسان فيه تشيع . قال الذهبي في السير: “قال ابن يونس : كان فهما ، حاذقا ، صنف مختصرات في الفقه ، وكان شاعرا خبيث الهجو ، يتشيع ، وكان جنديا ، ثم عمي”. انتهى
وقال ابن الجوزي الحنبلي في المنتظم: ” ويظهر في شعره التشيع”. انتهى
قال خير الدين الزركلي في الاعلام ما نصه: “كان خبيث اللسان في الهجو، ونقل عنه كلام في الدين، وشهد عليه بذلك شاهد، فقال القاضي إن شهد عليه ثان ضربت عنقه”. انتهى

ملاحظة 1: الظاهر أن كلمة شيخ الاسلام الموجودة في كتاب صون المنطق ليست من كلام السيوطي بل هي لبعض النساخ و إلا فكيف يُتصور أن السيوطي لا يفرق بين اسم و كنية الذي ينقل عنه فالمذكور في هذا الفصل قوله “شيخ الاسلام اسماعيل الهروي” و الصحيح هو أبو اسماعيل الهروي. هذا وقد نص محقق كتاب “ﺻﻮﻥ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ ﻋﻦ ﻓﻦ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ” أن تاريخ نسخ المخطوط مجهول وكذلك مالك المخطوط مجهول أيضا. وهذا الكتاب لم يذكره السيوطي في جملة مؤلفاته و لكن نسبه له حاجي خليفة في كشف الظنون.

2 شبهة مدح السيوطي لابن تيمية الحراني

قال الحافظ جلال الدين السيوطي في طبقات الحفاظ : ” ابن تيمية ، الشيخ ، الإمام ، العلامة ، الحافظ ، الناقد ، الفقيه، المجتهد ، المفسر البارع ، شيخ الإسلام ، علَم الزهاد ، نادرة العصر ، تقي الدين أبو العباس أحمد المفتي شهاب الدين عبد الحليم بن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني . أحد الأعلام ، ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة ، وسمع ابن أبي اليسر ، وابن عبد الدائم ، وعدّة . وعني بالحديث ، وخرَّج ، وانتقى ، وبرع في الرجال ، وعلل الحديث ، وفقهه ، وفي علوم الإسلام ، وعلم الكلام ، وغير ذلك . وكان من بحور العلم ، ومن الأذكياء المعدودين ، والزهاد ، والأفراد ، ألَّف ثلاثمائة مجلدة ، وامتحن وأوذي مراراً . مات في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة “. انتهى

والسيوطي هو من حفاظ الحديث، وهو أشعريّ العقيدة، وقد أثنى على ابن تيمية في كتابه طبقات الحفاظ، وقال عنه أنه برع في علم الكلام.
والظاهر أن السيوطي لم يقف على كفريات ابن تيمية العقدية، بل وجده موافقا له في موقفه من المنطق الأرسطي، لذلك امتدحه، وإلا ففي الأرجوزة التي نظمها السيوطي في المجددين لم يذكر السيوطي ابن تيمية أصلا، بل ذكر الفخر الرازي على رأس المائة السادسة، وذكر ابن دقيق العيد على رأس المائة السابعة، حيث قال:
والسادس الفخرُ الإمام الرازي
والرافعيُّ مثله يُوازي
والسابعُ الراقي إلى المَراقي
ابنُ دقيقِ العيدِ باتفاقِ

أضف تعليق