بيان أن الخلاف بين التقي الحصني وابن تيمية ليس خلافا شخصيا

بيان أن الخلاف بين التقي الحصني وابن تيمية ليس خلافا شخصيا

لم تكُن قضية الحكم بكفر ابن تيمية مُجرّد نِزاعٍ شخصِيٍّ بينه وبين خصومه، ولا خِلافٍ فِقهِيٍّ محضٍ، بل كانت مسألةً عقدِيّةً عامّةً، تعاضدت فِيها نُقُولُ العُلماءِ، وشهاداتُ الحُفّاظِ، ومحاضِرُ القُضاةِ، ومراسِيمُ السُّلطانِ، ووثائِقُ الِاستِتابةِ.

وقد زعم بعضهم أن ما نقله الحِصنِيِّ عن ابن تيمية ليس مقبولا بدعوى أنّهُ خصمٌ مُتعصِّب، وهذا لأجل إِسقاطِ نقلِهِ و تصوِيرُ القضِيّةِ على أنّها نِزاعٌ بين مُتعصِّبِين، أو مُنافساتٌ شخصِيّةٌ، ثُمّ يُبنى على هٰذا التّصوِيرِ إِسقاطُ النُّقُولِ كُلِّها بِكلِماتٍ مُرسلةٍ. وهٰذا باطِلٌ؛ لوجود شهاداتٍ لِأئِمّةٍ مُتعدِّدِين، ونُقُولًا مِن مسارِ القضاءِ والنِّداءِ العامِّ، ومِن كُتُبِ الحُفّاظِ فِي التّراجِمِ والتّوارِيخِ، وهِي شهاداتٌ تتقاطعُ على معنًى واحِدٍ: أنّ المسألة فِي جوهرِها مسألةُ «اعتِقادٍ»، لا مُجرّد تعصُّبٍ مذمُومٍ مزعُومٍ.

وأما دعوى البعض أيضا بِأنّ التّقِيّ الحِصنِيّ كان يطعنُ فِي الحنابِلةِ أو فِي الإِمامِ أحمد فهي دعوى غيرُ مُستقِيمةٍ؛ لِأنّهُ صنّف كِتابهُ «دفعُ شُبهِ من شبّه وتمرّد» لِيكُون دِفاعًا صرِيحًا عنِ الإِمامِ أحمد وفُضلاءِ مذهبِهِ مِن الحنابِلةِ، كما أنّهُ استدلّ فِيهِ بِأقوالِهِم واحتجّ بِكلامِهِم، ثُمّ صرّح بِمقصِدِهِ فقال: «سببُ وضعِي لِهذِهِ الأحرُفِ اليسِيرةِ ما دهمنِي مِن الحيرةِ مِن أقوامٍ سرِيرتُهُم، يُظهِرُون الِانتِماء إِلى مذهبِ السّيِّدِ الجلِيلِ الإِمامِ أحمد، وهُم على خِلافِ ذلِك»، وحذّر مِن إِلصاقِ ما ليس مِن المذهبِ بِهِ فقال: «ولا تُدخِلُوا فِي مذهبِ هذا الرّجُلِ الصّالِحِ السّلفِيِّ، أعنِي الإِمام أحمد، ما ليس مِنهُ؛ فلقد كسوتُم هذا المذهب شيئًا قبِيحًا، حتّى لا يُقال عن حنبلِيٍّ إِلّا مُجسِّمٌ»، فتبيّن بِهذِهِ المُقدِّماتِ أنّ نقدهُ لم يكُن مُتوجِّهًا إِلى الإِمامِ أحمد ولا إِلى الحنابِلةِ، وإِنّما توجّه إِلى من تسمّوا بِالِانتِماءِ إِلى مذهبِهِ وهُم على خِلافِهِ، فشوّهُوا صُورتهُ وألصقُوا بِهِ ما لا يلِيقُ بِهِ.

ثم إن قضِيّة إكفار ابنِ تيمِيّة لم تقُم على نقلِ الحِصنِيِّ وحدهُ؛ بل تظاهرت فِيها نُقُولٌ عن غيرِهِ، كالسُّبكِيُّ، وابنُ جهبلٍ، واليافِعِيُّ، وابنُ حجرٍ، والهيتمِيُّ، وأبُو حيّان، وغيرُهُم كثير؛ وهُم فِي قُرُونٍ مُتقارِبةٍ، وفِي أمصارٍ مُختلِفةٍ، ومِن مذاهِب شتّى. فهل يُعقلُ أن يكُون هٰؤُلاءِ جمِيعًا أهل هوًى وتعصُّبٍ؟ وإِذا انضم إِلى ذلِك نقلُ المجالِسِ الرّسمِيّةِ، والمحاكماتِ، والمراسِيمِ السُّلطانِيّةِ، والِاستِتاباتِ المُوقّعةِ، علِمنا أنّ القضِيّة أبعدُ مِن مُجرّدِ خُصُومةٍ شخصِيّةٍ.

هذا وتُثبِتُ النُّقُولُ أنّ ابن تيمية استُتِيب مِرارًا، وأنّ القُضاة الأربعة حكمُوا بِحبسِهِ والتّحذِيرِ مِنهُ، وأنّ مُحمّد بن قلاوُون أصدر مرسُومًا يُقرأُ على المنابِرِ فِيهِ التّشدِيدُ على من يسلُكُ مسلكهُ. كما تُورِدُ النُّقُولُ «وثِيقة استِتابتِهِ» الّتِي يُقِرُّ فِيها أنّ قولهُ تعالى: ﴿الرّحمنُ على العرشِ استوى﴾ ليس على ظاهِرِهِ، وأنّ القول فِي النُّزُولِ كالقولِ فِي الِاستِواءِ، وأنّ كُلّ ما خالف ذلِك فهُو باطِلٌ، مع شهاداتِ جماعةٍ مِن العُلماءِ على ذلِك. بل حتى قال التقي الحصني في دفعُ شُبهِ من شبّه وتمرّد: «قالَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ الحَنابِلَةِ في الجَامِعِ الأُمَوِيِّ في مَلَإٍ مِنَ النّاسِ: لَوِ اطَّلَعَ الحِصْنِيُّ عَلَى ما اطَّلَعْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِهِ، لَأَخْرَجَهُ مِن قَبْرِهِ وَأَحْرَقَهُ».

والحقُّ أنّ وثِيقة الِاستِتابةِ ـ بِصِيغتِها، وتوقِيعاتِها، وحِفظِها فِي الخِزانةِ السُّلطانِيّةِ ـ تكشِفُ كشفًا جلِيًّا خُطُورة ما كان يُنسبُ إِلى ابنِ تيمِيّة. إِذ لو كان الأمرُ مُجرّد بِدعةٍ غيرِ مُكفِّرةٍ، أو خِلافًا فِقهِيًّا فُرُوعِيًّا، لما احتِيج إِلى توثِيقٍ خطِّيٍّ مُلزِمٍ، ولا إِلى إِشهادِ العُلماءِ، ولا إِلى إِلزامِهِ بِالتّصرِيحِ بِنفيِ الظّاهِرِ والتّشبِيهِ، والتّبرُّؤِ مِن كُلِّ ما يُناقِضُ ذٰلِك.

وإِنّ قولهُ فِي نصِّ الوثِيقةِ: «وكُلُّ ما يُخالِفُ هٰذا الاِعتِقاد فهُو باطِلٌ، وأنا برِيءٌ مِنهُ» دلِيلٌ بيِّنٌ لا يحتمِلُ التّأوِيل، على أنّ ما كان قبل ذٰلِك عُدّ ـ عِند مُحرِّرِي الوثِيقةِ ومُوقِّعِيها ـ مُخالِفًا لِعقِيدةِ أهلِ السُّنّةِ والجماعةِ، وأنّ القضِيّة لم تُصوّر يومئِذٍ على أنّها مُجرّدُ مُنازعةٍ فِي فُرُوعٍ، بل صُوِّرت على أنّها خللٌ فِي أُصُولِ الاِعتِقادِ، يستوجِبُ الإِلزام والاستِتابة والإِشهاد.

ثم إن ما نقلهُ أهلُ التّوارِيخِ مِنِ استِدعاءِ ابنِ تيمِيّة إِلى مِصر، وعقدِ مجالِس عِدّةٍ لهُ، وتعاقُبِ أسبابِ الحبسِ والمنعِ عليهِ، لم يكُن خبرًا مُرسلًا، بل دوّنهُ أئِمّةُ الحِفظِ والتّأرِيخِ فِي تراجِمِهِمُ المُفصّلةِ؛ كالحافِظِ ابنِ حجرٍ العسقلانِيِّ، الّذِي بيّن أنّ أسباب ذٰلِك تارةً كانت فِي مسائِل «العقِيدةِ»، وتارةً فِي «فُرُوعٍ» اشتدّت بِها الفِتنةُ؛ كمسألةِ الطّلاقِ، ومسألةِ شدِّ الرِّحالِ إِلى زِيارةِ قُبُورِ الأنبِياءِ والصّالِحِين.

وينضمُّ إِلى ذٰلِك ما نص عليه العلماء قبل ابن تيمية كالزّركشِيِّ وغيرِهِ فِي مسألةِ «أزلِيّةِ نوعِ العالمِ»، وتسمِيتِهِم هٰذا القول بِأنّهُ «قولُ المُلحِدةِ»، وهو من جملة مسائل ابن تيمية ومِثلُ هٰذا لا يدخُلُ فِي خِلافٍ بدعِيٍّ غيرِ مُكفِّرٍ، ولا فِي تفصِيلٍ فِقهِيٍّ يُتسامحُ فِيهِ بين المُناظِرِين.

وأما التشبث بصيغ وُرُود التّرحُّمِ على ابن تيمية لِنفيِ كُلِّ ما نُقِل فِي شأنِهِ مِنِ الإِنكارِ أوِ التّشدِيدِ. فهٰذا خلطٌ بيِّنٌ بين «التّرحُّمِ» مِن حيثُ هُو لفظٌ يرِدُ فِي السِّياقاتِ بِاعتِبارِ ظاهِرِ الإِسلامِ، وبين «الحُكمِ» الّذِي يُبنى على تحقِيقِ المقالاتِ وثُبُوتِها ومعرِفةِ محالِّها وشُرُوطِها وموانِعِها.

فقد يترحّمُ الشخص على من لم يتبيّن لهُ تحقِيقُ حالِهِ، أو على من وكل أمرهُ إِلى ظاهِرِ الإِسلامِ، ولم يظهر لهُ ما يُناقِضُهُ أو يقتضِي نقضهُ، أو لِعدمِ اطِّلاعِهِ على بعضِ ما نُسِب إِليهِ مِن أقوالٍ ومساراتٍ. وقد يقعُ أيضًا أن يُدخِل النّاسِخُ لفظ ترحُّمٍ مِن عِندِهِ، على سبِيلِ العادةِ الجارِيةِ فِي النّسخِ؛ كما اشتهر إِلحاقُ لفظِ التّرضِّي عِند ذِكرِ الصّحابةِ، وإِلحاقُ الصّلاةِ على النّبِيِّ ﷺ عِند ذِكرِهِ، وهٰذا مِمّا يتسامحُ فِيهِ النُّسّاخُ فِي زِياداتِهِم على نُسخِ الكُتُبِ. وكُلُّ ذٰلِك لا ينقُضُ ولا يُسقِطُ النُّقُول الّتِي تُثبِتُ إِنكار الأئِمّةِ والقُضاةِ عليهِ، وما ترتّب على ذٰلِك مِن محاضِر ومراسِيم واستِتاباتٍ ونِداءاتٍ عامّةٍ.

أمّا جعلُ مُجرّدِ التّرحُّمِ «دلِيلًا قاطِعًا» على نفيِ الحُكمِ، فهٰذا تغيِيرٌ لِمواضِعِ الأدِلّةِ، وتبدِيلٌ لِمحالِّ النِّزاعِ؛ لِأنّ الكلام هُنا فِي المقالاتِ، والأحكامِ القضائِيّةِ، ونُصُوصِ الِاستِتابةِ، والمراسِيمِ، والنِّداءِ العامِّ، لا فِي مُجرّدِ لفظِ ترحُّمٍ يُذكرُ هُنا أو هُناك.

راجع ترجمة التقي الحصني:

أضف تعليق