بيان أن برهان الدين الكوراني اعتبر ابن القيم وابن تيمية من المفوضة بسبب اطلاعه على رسالة لابن تيمية

في بيان أن برهان الدين الكوراني اعتبر ابن القيم وابن تيمية من المفوضة بسبب اطلاعه على رسالة لابن تيمية

حاول برهان الدين الكوراني التوفيق بين مذهب المتأولين من الأشاعرة و المفوضة من الحنابلة، لكنه أخطأ في اعتبار بعض المجسمة منهم، كابن تيمية وابن القيم في عداد المفوضة، وهؤلاء لا يرضون الانتساب للمفوضة من أصله، فقد قال الكوراني في كتابه إفاضة العلام بتحقيق مسألة الكلام ما نصه: ” وقد بالغ ابن القيم في الرد على الأشعرية في مثل هذا حتى أتى بعبارة وقال إنهم تكلفوا في كلام الله تعالى ورسوله ، وتنطعوا في فهمه ، ولم يتلقوه بالقبول ، كما فعل من أخلص إيمانه من السلف الصالح ؛ حتى وقعوا فيما وقع فيه من قبلنا من الأمم وتنطعهم على أنبيائهم . قال : فـ «لام» الأشعرية كـ«نون» اليهود في الزيادة والتنطع ، فاليهود أمروا أن يدخلوا الباب «سُجدًا» ويقولوا «حطة» ، فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا «حنطة» ، فزادوا النون تنطعًا وتقولاً على الله ما لم يقله ، والأشعرية كذلك ، قال الله تعالى : “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ” -طه: 5- ، فتنطعوا وقالوا : «استولى» ، فزادوا اللام تنطعا . ولقد أساء – سامحه الله – الخطاب ، وتنكَّب بمحض العصبية عن الصواب، فإن الأشعرية – رضي الله عنهم – لم يجحدوا اسْتَوَى ولم يمتنعوا من قوله ، بل قالوا اسْتَوَى وبه يقرؤون ويتقربون إلى الله تعالى ، ولكن بعضهم أوَّلَ المعنى لما رأى الظاهر منه محالاً على الله فقال : معنى استوى»: استولى ؛ لورود اللفظين معًا في لغة العرب بمعنى واحد كقوله :

قد استوى بشر على العراق مِن غير سيف ودمٍ مُهراقِ

وأمثال هذه التعصبات الفاسدة هي التي أوقعت الفريقين فيما وقعوا فيه وإلا فالكل على هدى إن شاء الله – فيما يظهر – لأن المفوّض مسلّم لمراد الله ، تارك ما لم يُكلَّف بعلمه ، والمتأوّل مُتبع لما علم صحته وثبوته من الكتاب والسنة ، حامل عليه ما لم يتضح معناه ، حتى تكون العقيدة كلها على نسق واحد ، ولا يسرع إلى فهم القاصر معنى لا يليق بالرب ، فيثبته له ، فالتأويل لأجل هذا حَسَنٌ ؛ لأنه حراسة عن اعتقاد ما لا يجوز اعتقاده ، فإذا سمع قاصر الفهم اسْتَوَى لم يتبادر إلى فهمه إلا المعنى المستحيل . فإذا سمع قول العالم ؛ معناه : استولى عليه بالقهر والغلبة ، زالت تلك الشبهة من قلبه ، وهذا الذي أوّلنا به الاستواء ، وإن لم يكن هو مراد الله ورسوله ، فهو لا شك معنى ثابت الله متصف به ، لا ينافي ما هو معناه عند الله، فلا كبير ضرر في ذلك ولا تحكّم ؛ إذ لم نَقُل : ليس له معنى إلا هذا ، بل

نقول : يحتمل أن يكون معناه هذا ، وهذا صدق ، لأنه محتمل .

ولقد أطلعني أصحابنا الحنابلة بالقاهرة على رسالة للشيخ ابن تيمية ، وهي معتمدة عند الحنابلة ، فطالعتها كلها ، فلم أرَ فيها شيئًا مما يُنبز به ويُرمى به في العقائد ، سوى ما ذكرنا من تشديده في رد التأويل ، وتمسكه بالظواهر مع التفويض ، مع المبالغة في التنزيه مبالغةً نقطع معها بأنه لا يعتقد تجسيمًا ولا تشبيها ، بل يصرح بذلك تصريحًا لا خفاء فيه . والعجب ممن يترك صريح لفظه بنفي التشبيه والتجسيم ، ويأخذه بلازم قوله الذي لا يقول به ، ولا يسلّم لزومه لقوله”. انتهى

فظهر أن الكوراني كان يعتبر ابن تيمية وابن القيم من المفوضة، وغاية أمره أنه اطلع فقط على رسالة لابن تيمية فظن أنه منزه على مذهب التفويض ولو اطلع على تلبيسه وعلى منهاجه وفتاويه لوجد العجب العجاب.

أضف تعليق