بيان أن رؤية الله في الآخرة لا تقتضي الادراك الحسي
إن القول بأن ما لا يُدرَك بإحدى الحواس لا وجود له، هو قولٌ فاسد من جهة العقل والنقل؛ فالروح، والملائكة، والشياطين هي موجوداتٌ ثابتة الوجود، مع كونها غير قابلة للإدراك بالحواس الظاهرة.
وإذا تقرر أن الله عز وجل ليس من جنس هذا العالم المخلوق، امتنع قطعًا أن يكون مدرَكًا بالحواس.
وأما المجسِّمة فيذهبون إلى أن رؤية الله تعالى في الآخرة هي رؤيةٌ حسيةٌ بالمعنى المتعارف عليه في إدراك المحسوسات، وذلك بناءً على أصلٍ فاسدٍ عندهم، وهو نفيهم إمكان وجود موجودٍ لا يُدرَك بالحواس. ووفق هذا التصور، يجعلون الإدراك الحسي شرطًا لازمًا للوجود.
وهذا القول روّج له ابن تيمية الحراني، حيث أن أقواله في هذا الباب تؤول إلى تقرير إمكان إدراك القديم الأزلي بالحواس، على نحوٍ مماثل لإدراك المخلوقات الحادثة، مع أن هذه الحواس نفسها محدودةٌ قاصرةٌ عن الإحاطة بكثير من الموجودات.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1E1BaaB5KD/
وبذلك ساوى أصحاب هذا المذهبُ الباطل بين الخالق والمخلوق من حيث آليةُ الإدراك، إذ قاسوا ما يختصُّ بالله تعالى على ما يختصُّ بالعالم المادي، وخالفوا قول أهل السنة أن رؤية الله تعالى في الآخرة لا تُعد رؤيةً حسية؛ لأن الرؤية الحسية، بحسب ما هو مقرر في العلوم الطبيعية، تقتضي اتصال شعاعٍ مرئيٍّ بالعين، وانتقال أثره عبر العصب البصري إلى الدماغ، حتى تتشكل صورةٌ لمادةٍ مرئية ذات خصائص فيزيائية.
وهذا النمط من الإدراك ممتنع في حق الله تعالى؛ لأنه منزَّه عن المادية والجزئية والبعضية والتركيب، ولا تجري عليه القوانين الفيزيائية والميكانيكية، لكونه سبحانه خالق هذه القوانين وموجِدها.
وقد ناقض ابن تيمية نفسه في هذه المسألة و احتج لبيان كون معرفة الله ضرورية، بمقالة منسوبة للإمام علي، وفيها قوله عن الله: ” لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس”. انتهى
كما في درء تعارض العقل والنقل.
ثم إن أهل السنة ذكروا أن الله يراه المؤمنون في الآخرة بأعين رؤوسهم بلا كيف له تعالى ولا جهة ولا مكان، وأما هم فيكونون في الجنة لكن لا يكون بينه تعالى وبينهم مقابلة.
فالله تعالى يزيل الحجاب عن أعين المؤمنين فيرونه، ورؤيتهم له ليست رؤية إحاطة لقوله تعالى: ” ولا يحيطون به علما”
قال القرطبي في تفسيره: “بيّن سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات ، والرؤية ثابتة . فقال الزجاج : أي لا يبلغ كنه حقيقته”. انتهى
فرؤية الله هو إدراك مخصوص بالبصر. و الإدراك هو أمر زائد على مجرد العلم به.
ولا يَلزم من ثبوت رؤيته سبحانه بالأبصار أن يكون ذلك إدراكًا حسيًّا على المعهود في الحواس، ولا أن يكون من قبيل الإدراك البصري المعتاد؛ إذ لا تلازم بين الرؤية من حيث هي، وبين الإدراك الحسيّ. بل إن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة على وجهٍ يليق به، بأن يخلق الله تعالى في أبصارهم إدراكًا مخصوصًا ليس من جنس الحواس.
فأهل السُّنَّة والجماعة أثبتوا أن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار، من غير كيفٍ ولا انحصار، على وجهٍ يليق بجلاله وعظمته، مع القطع بأن رؤيته سبحانه ليست كرؤيتنا للأشياء في الدنيا؛ إذ إن الله تعالى شيءٌ لا كالأشياء. فالرؤية الدنيوية للأجسام إنما تقع ضمن زاويةٍ منفرجة، وتستلزم عادةً الانحصار والجسمية والمقابلة والكون في جهة، غير أن هذا التلازم تلازمٌ عاديٌّ لا عقليٌّ، فيصح انفكاكه.
وعليه، فلا ملازمة بين مطلق الرؤية وبين الجسمية أو التحيز أو المقابلة أو الجهة.
ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يديّ»، وقال أيضًا: «هل ترون قِبلتي ها هنا؟ فوالله ما يخفى عليَّ خشوعُكم ولا ركوعُكم، إني لأراكم من وراء ظهري».
فهذان الحديثان صريحان في أن الرؤية لا تستلزم المقابلة ولا التواجه، إذ تحققت الرؤية مع انتفائهما. وإذا ثبت هذا في حق المخلوق على وجه الإعجاز، فتنزيه الخالق سبحانه أولى وأحرى؛ إذ إن الله تعالى ليس من قبيل عالم المحسوسات، بل هو مباينٌ لخلقه، غير مشابهٍ لهم، فلا يُشترط في رؤيته اختصاصٌ بجهةٍ ولا خضوعٌ لقوانين الحس.
وعليه، فإن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأعين، من غير أن يلزم من ذلك شيءٌ من اللوازم الباطلة؛ فكما أن وجوده لا يقتضي الجسمية فرؤيته أيضا لا تقتضي الجسمية. و كما أن وجوده لا يقتضي الحدَّ ولا التحيز، فإن رؤيته لا تقتضي الانحصار .
فيصح القول بأن المؤمنين يرون الله تعالى في الآخرة بأعين رؤوسهم وأبصارهم، من غير تشبيهٍ ولا تكييف.
ولم يثبت عن أحدٍ من السلف الصالح القول بأن رؤية الله تكون بواسطة حاسة البصر بالمعنى الاصطلاحي الحسي؛ لأن حاسة البصر جهازٌ كاملٌ بنظامه وآلياته، وهو متعلقٌ في الدنيا بإدراك المحسوسات وفق قوانين مخصوصة.
وأما عين الآخرة فليست على ذلك النمط، فكما تُدرِك المحسوس، يمكن أن تُدرِك غير المحسوس بإدراكٍ يخلقه الله تعالى فيها، من غير أن يخضع ذلك لقوانين الإحساس الدنيوي.
وقد ذهب بعض علماء الحنابلة إلى إنكار القول بإدراك الله تعالى بالحواس.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1Ae6S57XnV/
وبهذا الموقف وافقوا ما قرره أهل السُّنَّة من الأشاعرة، من أن رؤية الله تعالى في الآخرة ثابتةٌ شرعًا، لكنها ليست رؤيةً حسيةً ولا إدراكًا بآلات الحس، بل إدراكٌ خاصٌّ يخلقه الله تعالى في أعين عباده المؤمنين على وجهٍ يليق بجلاله، من غير أن يقتضي ذلك الادراك جهةٍ ولا كيفيةٍ ولا تشبيه.
والقاعدة في هذا الباب باختصار أن مُصحح الرؤية هو الوجود، فكل موجود، تصدق عليه الرؤية عقلا.
ولا تلازم بين الرؤية والحس إلا بحسب العادة. فإذا انفك التلازم العادي صحّت الرؤية بلا حس.


