تفسير قوله تعالى والسماء بنيناها بأيد

تفسير قوله تعالى: ” والسماء بنيناها بأيد” – الذاريات: 47-

ذهب بعض المفسرين أن قول الله تعالى: ” والسماء بنيناها بأيد” ليست من آيات الصفات، وأن الأيدٍ ليست جمعاً لليد – أي الجارحة – وإنما جمع اليد هو أيدي، وقالوا أن كلمة ” أيد ” في الآية هي جمع آد، و الآد هي القوة فلا تأويل في الآية.

ومن هذا القبيل قوله تعالى : “واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب”.

قال الشنقيطي في أضواء البيان : ” قوله تعالى في هذه الآية الكريمة {بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ}، ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم، لأن قوله {بِأَيْدٍ} ليس جمع يد: وإنما الأيد القوة، فوزن قوله هنا بأيد فعل، ووزن الأيدي أفعل، فالهمزة في قوله: {بِأَيْدٍ} في مكان الفاء والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: {بِأَيْدٍ} جمع يد لكان وزنه أفعلاً، فتكون الهمزة زائدة والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين والياء المحذوفة لكونه منقوصاً هي اللام.

والأيد، والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد قوي، ومنه قوله تعالى {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} أي قويناه به، فمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط فاحشاً، والمعنى: والسماء بنيناها بقوة ) انتهى

و قال الألوسي في تفسيره: ” بأيد، أي بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومثله الآد وليس جمع ( يَدُ ) وجوزه الإمام وإن صحت التورية به”. انتهى

و قال بهجت عبد الواحد صالح في الإعراب المفصل لكتاب الله المرتل :” بنيناها بأيد : فعل ماض مبني على السكون لإتصاله بنا و “نا” ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل و “ها” ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به . بأيد : جار و مجرور متعلق ببنى و علامة جره الكسرة المنونة . و الكلمة مصدر “آد” يئيد أيدا : اذا قوى و “بأيد” أي بقوة” انتهــى

وهذا مذهب بعض اللغويين أيضا:

قال الخليل الفراهيدي في كتاب العين: ” أيد، إدي: الايد: القوة، وبلغة تميم الآد، ومنه قيل: أد فلان فلانا إذا أعانه وقواه. والتأييد: مصدر أيدته أي قويته. وقوله تعالى: “والسماء بنيناها بأيد” أي بقوة”. انتهــى

و قال ابن منظور في لسان العرب حيث قال: الأَيْدُ والآدُ جميعاً: القوة…وفي التنزيل العزيز: والسماء بنيناها بأَيد؛ قال أَبو الهيثم: آد يئيد إِذا قوي. انتهــى

وهذا ما مال إليه بعض أهل فن كتابة المصحف.

قال أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني في كتابه المحكم فى نقط المصاحف : ” أو لأن العرب لم يكونوا اصحاب شكل ونقط فكانوا يفرقون بين المشتبهين في الصورة بزيادة الحروف إلحاقهم الواو في ( عمرو ) فرقا بينه وبين ( عمر ) وإلحاقهم إياها في ( أولئك ) فرقا بينه وبين ( إليك ) وفي ( أولى ) فرقا بينه وبين ( إلى ) وإلحاقهم الياء في قوله ( والسماء بنيناها بأييد ) فرقا بين ( الايد الذي معناه القوة ) وبين الايدي ( التي هي جمع يد ) وإلحاقهم الالف في ( مائة ) فرقا بينه وبين ( منه و منة ) من حيث اشتبهت صورة ذلك كله في الكتابة “. انتهى

و قال أبو العباس المراكشي في عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل: ” إنما كتبت {بأييد} بياءين فرقا بين الأيد الذي هو القوة وبين الأيدي جمع يد ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي فزيدت الياء لاختصاص اللفظة بمعنى أظهر في ادراك الملكوتي في الوجود”. انتهى

و نقلها عنه الزركشي في البرهان في علوم القرآن

وهذا التفسير ليس عليه اجماع بين أهل العلم.

فالكثير من المعاجم اللغوية تذكر أن كلمة يد تجمع على أيد أيضا.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1CBJcdbdRL/

وبالتالي فكلمة أَيْد قد تكون بمعنى القوة، وقد تكون جمعا لكلمة يد. وجمع كلمة يد تأتي بمعنى قوة في لغة العرب، وليس شرطا أن تُفسر بالقُوى؛ جمع قوّة.

قال جلال الدين المحلي في شرحه على الورقات: ” ويؤول الظاهر بالدليل ويسمى ظاهراً بالدليل، أي كما يسمى مؤولاً، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَالسَّمَاءَ بنيناها بأيد ﴾ ظاهره جمع يد، وذلك محال في حق الله تعالى، فصرف إلى معنى القوة بالدليل العقلي القاطع”. انتهى

وكان بعض السلف يفسرون الأيد والأيدي واليد بالقوة على حد سواء:

– قال أبو الحسن الماوردي في تفسيره: ” قوله عز وجل : ” أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً” فيه وجهان : أحدهما : يعني بقوتنا، قاله الحسن كقوله تعالى والسماء بنيناها بأيد” – الذاريات : 48- أي بقوة .

الثاني : يعني من فعلنا وعملنا من غير أن نكله إلى غيرنا، قاله السدي”. انتهى

– وجاء في تفسير سهل بن عبد الله التستري المتوفى سنة 283 هجري، ما نصه: “”قوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ” قال: أي حول الله وقوته فوق قوتهم وحركتهم، وهو قولهم للرسول صلّى الله عليه وسلّم عند البيعة: «بايعناك على أن لا نفر ونقاتل لك» “. انتهى

وقال اللغوي المفسر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: ” والأيد : القوة . وأصله جمع يد ، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسما للقوة”. انتهى

فقد أشار ابن عاشور إلى أن أصل الأيد هو جمع «يد»، ثم كثر استعمالها في هذا المعنى حتى صارت اسماً دالاً على القوّة.

وعلى هذا الأساس، يُفهم من كلام ابن عاشور أن الدلالة الأصلية للفظ «الأيد» ترجع إلى كونه جمعاً لـ«يد»، غير أنّ شيوع استعماله في معنى القوّة أدّى إلى انتقاله الدلالي من معنى الجمع إلى معنى المصدر. ويُعدّ هذا من الظواهر المعروفة في العربية، حيث تنتقل بعض صيغ الجموع، بكثرة الاستعمال، من دلالتها الأصلية إلى دلالة المصدر، فلا يكون كون «الأيد» في أصل وضعها جمعاً لـ«يد» منافياً لاستعمالها لاحقاً بمعنى القوّة حتى استقرّت عليه وصارت كأنها اسمٌ لها.

أضف تعليق