حال ابن تيمية عند السبكي تقي الدين

حال ابن تيمية عند الإمام المجتهد تقي الدين السبكي

إنّ منهج التّحقِيقِ العِلمِيِّ لمعرفة حال ابن تيمية يقتضِي النّظر فِي جمِيعِ الأدِلّةِ ومجمُوعِ المادّةِ مِن نُقُولِ الأئِمّةِ، ومحاضِرِ القُضاةِ، والنِّداءاتِ العامّةِ، ونُصُوصِ الاستِتابةِ، وتصرِيحاتِ المُؤرِّخِين؛ ثُمّ يُنزّلُ الحُكمُ عليها بعد جمعِها ومُقارنتِها للحكم على ابن تيمية

ثم إن الإِمام السُّبكِيّ قد صرّح بِأنّ مقالاتِ ابنِ تيمِيّة «كُفرٌ شنِيعٌ»، ونصُّ السُّبكِيِّ معرُوفٌ: «وكُلُّ ذلِك وإِن كان كُفرًا شنِيعًا….».

فهذِهِ العِبارةُ لا تحتمِلُ التّأوِيل الّذِي يتكلّفُهُ المدافعون عن ابن تيمية ؛ لِأنّ إِطلاق السُّبكِيِّ وصف «الكُفرِ الشّنِيعِ» على مجمُوعِ تِلك المقالاتِ فِي أُصُولِ الدِّينِ يُسقِطُ مُحاولة تصغِيرِ النِّزاعِ، ويُبيِّنُ أنّ القضِيّة لم تكُن خِلافًا فِقهِيًّا فُرُوعِيًّا، بل تعلّقت بِجوهرِ التّنزِيهِ وأُسُسِ الاِعتِقادِ.

و المنقول عن السبكي أنّ ابن تيمِيّة أحدث فِي أُصُولِ العقائِدِ، ونقض دعائِم الإِسلامِ، وقال بِما يقتضِي الجِسمِيّة والتّركِيب وحُلُول الحوادِثِ، وغيرها من المسائل.

وتمام عبارته كما في الدرة المضية في الرد على ابن تيمية، هو قوله: ” أما بعد فانه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الاسلام الاركان والمعاقد بعد ان كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة مظهراً انه داع الى الحق هاد الى الجنة فخرج عن الاتباع الى الابتداع وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الاجماع وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة وان الافتقار الى الجزء ليس بمحال وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى وان القرآن محدث تكلم الله به بعد ان لم يكن وانه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الارادات بحسب المخلوقات وتعدى في ذلك الى استلزام قدم العالم (والتزامه) بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديماً ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نحلة من النحل فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الامة ولا وقفت به مع أمة من الامم همة، وكل ذلك وان كان كفراً شنيعاً مما نقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع فان متلقي الاصول عنه وفاهم ذلك منه هم الافلون والداعي اليه من أصحابه هم الارذلون واذا حوققوا في ذلك انكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء اصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم الا مجرد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل”. انتهى

وأما قول السُّبكِيُّ في الاعتبارِ ببقاءِ الجنّةِ والنّارِ: «فهٰذا القولُ الّذِي قالهُ ما نعرِفُ أحدًا قالهُ، وهُو خُرُوجٌ عنِ الإِسلامِ بِمُقتضى العِلمِ إِجمالًا، ولا أُكفِّرُ أحدًا مُعيّنًا مِن أهلِ القِبلةِ بِلِسانِي، ولا بِقلبِي، ولا بِقلمِي، إِلّا أن يعتقِد مُشاققة الرّسُولِ ﷺ، فهٰذا ضابِطُ التّكفِيرِ عِندِي». انتهى

فالحقُّ أنّ كلام السُّبكِيِّ ليس نفيًا لِلتّكفِيرِ على الإِطلاقِ، ولا إِسقاطًا لِأصلِ الحُكمِ، بل هُو إِثباتٌ لِكُفرِ الأقوالِ، مع تقرِيرِ قاعِدةٍ معرُوفةٍ عِند أهلِ السُّنّةِ، وهِي: التّفرِيقُ بين الحُكمِ على القولِ بِأنّهُ كُفرٌ، وبين الحُكمِ على الشّخصِ المُعيّنِ بِأنّهُ كافِرٌ. فهذِهِ القاعِدةُ نفسُها تُقرِّرُ أنّ التّكفِير العينِيّ يتوقّفُ على تحقُّقِ الشُّرُوطِ وانتِفاءِ الموانِعِ، لا أنّهُ ممنُوعٌ أصلًا أو مُنتفٍ وُجُودًا.

وإِنّما الخللُ فِي جعل بعض الجهلة، هٰذِهِ القاعِدة سُلّمًا لِنفيِ وُجُودِ التّكفِيرِ أصلًا، وهٰذا تحرِيفٌ لِموضِعِها، وقلبٌ لِدلالتِها. فإِنّ المُسلِم قد ينطِقُ بِكلِمةِ الكُفرِ ولا يكفُرُ؛ كأن يكُون غائِب العقلِ، أو يجرِي ذٰلِك على لِسانِهِ سبق لِسانٍ، أو يكُون مُكرهًا عليها تحت تهدِيدِ القتلِ.

فهٰذا هُو مُرادُ السُّبكِيِّ بِقولِهِ: «فهٰذا ضابِطُ التّكفِيرِ عِندِي».

وليست هٰذِهِ العِبارةُ إِنشاءً مُجرّدًا، ولا نفيًا لِلتّكفِيرِ على الإِطلاقِ، بل هِي إِحالةٌ ظاهِرةٌ إِلى قولِهِ تعالى: ﴿ومن يُشاقِقِ الرّسُول مِن بعدِ ما تبيّن لهُ الهُدىٰ ويتّبِع غير سبِيلِ المُؤمِنِين نُولِّهِ ما تولّىٰ ونُصلِهِ جهنّم وساءت مصِيرًا﴾. فمن سلك غير طرِيقِ الشّرِيعةِ الّتِي جاء بِها الرّسُولُ ﷺ، فصار فِي شِقٍّ، والشّرعُ فِي شِقٍّ آخر، وكان ذٰلِك عن عمدٍ مِنهُ، بعد ظُهُورِ الحقِّ، وتبيُّنِ الرُّشدِ، واتِّباعِهِ غير سبِيلِ المُؤمِنِين الّذِي قام عليهِ إِجماعُ الأُمّةِ؛ دخل فِي مِثلِ هٰذا الوصفِ. ويتأكّدُ ذٰلِك بِقولِهِ تعالى: ﴿ذٰلِك بِأنّهُم شاقُّوا اللّه ورسُولهُ، ومن يُشاقِقِ اللّه فإِنّ اللّه شدِيدُ العِقابِ﴾ فهٰذِهِ الآياتُ فِي وصفِ الكُفّارِ؛ لِأنّهُم عادوُا اللّه ورسُولهُ، وخالفُوا أمرهُ وكلِمتهُ، فأورثهُم ذٰلِك عذاب الآخِرةِ، وهٰذا ـ عِند أهلِ العِلمِ ـ هُو ضابِطُ تكفِيرِ المُعيّنِ عِند قِيامِ مُوجِبِهِ، بعد قِيامِ الحُجّةِ عليهِ.

ومُؤدّى كلامِ السُّبكِيِّ أنّهُ يتورّعُ ويتحرّزُ مِن تكفِيرِ المُعيّنِ مِن أهلِ القِبلةِ، إِلّا إِذا تحقّقتِ الشُّرُوطُ الشّرعِيّةُ المُعتبرةُ، ومِن أبرزِها: مُخالفةُ ما جاء بِهِ الرّسُولُ ﷺ فِيما أُجمِع على كونِهِ كُفرًا، فمن تحقّق فِيهِ ذٰلِك، كان ـ بِمُقتضى هٰذا الأصلِ ـ مُشاقِقًا لِلرّسُولِ، مُضادًّا لِشرعِهِ، وإِذا ثبت وُقُوعُ ذٰلِك مِن شخصٍ بِعينِهِ، لزِم تكفِيرُهُ على هٰذا التّقرِيرِ.

قالَ المُحَدِّثُ تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي «طَبَقاتِهِ»: «وَلا خِلافَ عِندَ الأَشْعَرِيِّ وَأَصْحابِهِ، بَلْ وَسائِرِ المُسْلِمِينَ، أَنَّ مَن تَلَفَّظَ بِالكُفْرِ، أَو فَعَلَ أَفْعالَ الكُفْرِ، أَنَّهُ كافِرٌ بِاللهِ العَظِيمِ، مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَإِنْ عَرَفَ بِقَلْبِهِ؛ وَأَنَّهُ لا تَنفَعُهُ المَعْرِفَةُ مَعَ العِنادِ، وَلا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا؛ لا يَخْتَلِفُ مُسْلِمانِ فِي ذٰلِكَ». اِنْتَهَى.

فَهٰذا تاجُ السُّبْكِيِّ ـ وَهُوَ ابْنُ التَّقِيِّ السُّبْكِيِّ ـ وَهُوَ أَعْلَمُ النّاسِ بِمَذْهَبِ أَبِيهِ، وَبِطَرِيقَتِهِ فِي التَّكفِيرِ وَالتَّحرِيرِ، يَنقُلُ الإِجْماعَ الصَّرِيحَ عَلَى كُفْرِ مَن تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ شُرُوطٍ مُحْدَثَةٍ، وَلا تَفْصِيلاتٍ مُخْتَلَقَةٍ.

ويزِيدُ الأمر وُضُوحًا أنّ السُّبكِيّ صرّح بِأنّ القول بِفناءِ النّارِ «خُرُوجٌ مِن الإِسلامِ بِمُقتضى العِلمِ إِجمالًا». فإِذا ضُمّ هٰذا التّصرِيحُ إِلى قيدِ «مُشاققةِ الرّسُولِ»، عُلِم أنّ كلامهُ فِي ابنِ تيمِيّة ليس نفيًا لِأصلِ التّكفِيرِ، ولا توقُّفًا فِيهِ، بل هُو تقرِيرٌ لِقاعِدتِهِ، على طرِيقةِ الأئِمّةِ المُتثبِّتِين، الّذِين يجمعُون بين النُّصُوصِ، ولا يقتطِعُون العِباراتِ عن سِياقاتِها.

بل قد نُقِل في التّشدِيدُ على العِباراتِ الّتِي تلزمُ عنها، كما نُقِل عنِ العلاءِ البُخارِيِّ الحنفِيِّ قولُهُ: «من أطلق على ابنِ تيمِيّة لقب شيخِ الإِسلامِ فهُو بِهٰذا الإِطلاقِ كافِرٌ»، وكما نُقِل عن الحافِظِ ابنِ حجرٍ العسقلانِيِّ مِمّا يُفِيدُ أنّ مِن العُلماءِ من نسبهُ إِلى الزّندقةِ أوِ النِّفاقِ. وقد بلغ الأمرُ أن نُودِي على رُؤُوسِ الأشهادِ ـ كما فِي «الفتاوى السّهمِيّةِ» ـ: «من كان على عقِيدةِ ابنِ تيمِيّة فليُجدِّدِ الإِسلام». وهذا ـ مهما جادل المُجادِلُون ـ دلِيلٌ قاطِعٌ على أنّ القضِيّة لم تُعامل مُعاملة خِلافٍ سائِغٍ، بل عُومِلت بِمِيزانِ الخوفِ على العامّةِ مِن الخللِ فِي أصلِ الدِّينِ.

وكذلِك نقل الحافِظُ ابنُ حجرٍ فِي «الدُّررِ الكامِنةِ» أنّ القاضِي المالِكِيّ سجنهُ، وقال: «قد ثبت كُفرُهُ»، ثُمّ ذُكِر صُدُورُ المرسُومِ والنِّداءِ بِدِمشق: «من اعتقد عقِيدة ابنِ تيمِيّة حلّ دمُهُ ومالُهُ».

وانظر ترجمة ابن تيمية عند السبكي:

https://www.facebook.com/share/p/17zzGen8fT/

وراجع وفاته المثيرة للجدل

https://www.facebook.com/share/p/1DM6DypF77/