حديث “ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن”
روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»
و ذكر الطبري في تفسيره أن النواس بن سمعان الكلابي قال سمعت الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ” ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن : إن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه . وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ” انتهى
ومعنى الحديث أن الله يتصرف بقلوب العباد كما يشاء بلا ممانع ولا مضاد لأن الله قدرته كاملة تامة. وهذا أسلوبٌ من أساليبِ البلاغة في اللغةِ العربية. الرسول صلى الله عليه وسلم شرح هذا الحديث فقال: “إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه”, وهذا فيه دليل على التأويل التفصيلي.
فالرسول صلى الله عليه وسلم أوّل الحديث وفسّـره على ما يليق بالله. قال “إن شاء أقامه” أي إن شاء الله أقام قلب ذاك الإنسان وجعله على الصواب، “وإن شاء أزاغَهُ” أي إن شاء الله تعالى أزاغه أي حركه إلى الباطل والضلال.
ثم قال عليه السلام زيادةً في البيانِ وتفويضًا للأمور إلى اللهِ تعالى: ” يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك “
معناه يا الله أنت الذي تصرِّف القلوب، أنت توجهها كما تشاء، إن شئت تُوجهها الى الخير وإن شئت تصرفها إلى الضلالِ، ” ثبت قلوبنا على دينك ” أي اجعل قلوبنا ثابتة على دينك فأنت مالكُ الأمرِ كلِه. ولذلكَ كان الْمُسْلِمِونَ المؤمنونَ الرَّاسِخِونَ في العِلْمِ يقولون “رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بعد إذْ هَدَيْتَنَا” – -ءال عِمْران: 3-
وبعضُ الجهَّال يفسِّرون الحديثَ على حَسَبِ ما تُمْلِيهِ عليهِم أهواؤُهم ، فيظنُّون أنَّ لله تعالى أصابعَ مُحْدَثَةً كأصابعِ الإنسانِ. الله سبحانَه ليسَ كَمِثْلهِ شيءٌ وهو مُنَزَّهٌ عنِ الأجسامِ والْمُحْدَثَاتِ . ومن المعروفِ أنَّ الأصابعَ تكونُ أعضاءً مُرَكَّبَةً من لحمٍ وعظمٍ وأعصابٍ وتشتملُ على الأناملِ والأظفارِ ، وهي نابتةٌ في الكَفِّ ، مخلوقةٌ مُحْدَثَةٌ قابلةٌ للفَناء .
والله سبحانَه مُنَزَّهٌ عنِ التركيبِ والجوارح . فلا يجوزُ فَهْمُ الحديثِ على هذا المعنى، بل يجبُ تأويلُه، أي إخراجُه عن ظاهرِه.
وهذا المعنى ذكره شيخ المجسمة ابن تيمية في التدمرية حيث قال: ” “فإنه ليس في ظاهره أن القلب متَّصل بالأصابع، ولا مماسّ لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ ما يقتضي مباشرتَه ليديه، وإذا قيل: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} – البقرة: 164- لم يقتض أن يكون مماسًّا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة”. انتهى
و قال القاري في مرقاة المفاتيح: ” وأما مثل هذا الحديث فليس في الحقيقة من أقسام الصفات ، ولكن ألفاظ مشاكلة لها في وضع الاسم ، فوجب تخريجه على وجه يناسب نسق الكلام”. انتهى
و قال الملا علي القاري أيضا: “إِطْلَاقُ الْأُصْبُعِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَجَازٌ أَيْ: تَقْلِيبُ الْقُلُوبِ فِي قُدْرَتِهِ يَسِيرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى مُتَصَرِّفٌ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا يَفُوتُهُ مَا أَرَادَهُ، كَمَا يَقُولُ: فُلَانٌ فِي قَبْضَتِي أَيْ: كَفِّي، لَا يُرَادُ أَنَّهُ فِي كَفِّهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وَفُلَانٌ بَيْنَ أُصْبُعِي أُقَلِّبُهُ كَيْفَ شِئْتُ أَيْ: إِنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيَّ قَهْرُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأُصْبُعَيْنِ صِفَتَا اللَّهِ، وَهُمَا صِفَةُ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَبِصِفَةِ الْجَلَالِ يُلْهِمُهَا فُجُورَهَا، وَبِصِفَةِ الْإِكْرَامِ يُلْهِمُهَا تَقْوَاهَا. أَيْ: يُقَلِّبُهَا تَارَةً مِنْ فُجُورِهَا إِلَى تَقْوَاهَا، وَتَارَةً مِنْ تَقْوَاهَا إِلَى فُجُورِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ بَيْنَ أَثَرَيْنِ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ، وَقَهْرِهِ أَيْ: قَادِرٌ أَنْ يُقَلِّبُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْعِصْيَانِ. قال القاضي : نسب تقليب القلوب إليه تعالى إشعارا بأنه تعالى تولى بذاته أمر قلوبهم ، ولم يكله إلى أحد من ملائكته ، وخص الرحمن بالذكر إيذانا بأن ذلك التولي محض رحمته كيلا يطلع أحد غيره على سرائرهم ، ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم “. انتهى
و جاء في “فتاوى العز بن عبد السلام” مانصه: ” ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام : “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء” – رواه مسلم-، وهل يخرج الإنسان عن الواجب عليه بقوله: ما أقول في القرآن ولا في أحاديث الصفات شيئا، بل أعتقد في ذلك ما كان يعتقده السلف الصالح، والكلام فيه بدعة وأمرّ الأمر على الظاهر، أم لا بد في الاعتقاد من جزم؟
الجواب: “معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن”: أن الله مسؤول عليه بقدرته وتصريفه كيف يشاء من كفر إلى إيمان، ومن طاعة إلى عصيان أو عكس ذلك، وهو كقوله تعالى: “تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ” – الملك: 1-، وقوله: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى” – الأنفال: 70- ، ومعلوم أنهم لم يتركوا في أيدي المسلمين التي هي جوارح، وإنما كانوا تحت استيلائهم وقهرهم، وكذلك قول الخاصة والعامة: في يد فلان العبد، والدابة في يد فلان، ومعلوم أن ذلك استيلاؤه وتصرفه، وليس في يده التي في جارحته وكذلك قوله: “أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ” – البقرة: 237- ، ليست هي عقدة النكاح التي هي لفظ بيده التي هي جارحة، وإنما ذلك عبارة عن قدرته واستيلائه وتمكنه من التصرف فيها. ومن يقول : إنه يعتقد في ذلك ما يعتقده السلف فقد كذب، كيف يعتقد ما لم يشعر به، ولم يقف على معناه، وليس الكلام في هذا بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة، واجبة لما ظهرت الشبهة، وإنما سكت السلف عن الكلام فيه، إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله ورسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم، وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك، ولا يردون على ذلك، ولا يردون على قائله، ولا نقل عن أحد من الصحابة شيء من ذلك إذ لا تدعو الحاجة إليه. والله أعلم.” انتهــــى
و جاء في بحر الكلام للشيخ الإمام أبو المعين ميمون بن محمد النسفي المتوفى سنة 508هجري عن الأصمعي أنه أول الإصبعين فقال: “بين أثرين من آثار الرحمن وهو التوفيق والخذلان ، فمن وفقه الله يشتغل بالطاعة ، ومن خذله يشتغل بالمعصية”. انتهى
و ذكر البيهقي في الأسماء و الصفات بعد أن أورد حديث رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ ، وَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ ” ما نصه: ” فَقَدْ قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي حَاتِمٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْخَبَرِ , قِيلَ : مَعْنَاهُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمُلْكِهِ ، وَفَائِدَةُ تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقُلُوبَ مَحِلا لِلْخَوَاطِرِ وَالإِيرَادَاتِ وَالْعُزُومِ وَالنِّيَّاتِ ، وَهِيَ مُقَدِّمَاتُ الأَفْعَالِ ، ثُمَّ جَعَلَ سَائِرَ الْجَوَارِحِ تَابَعَةٌ لَهَا فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ ، وَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالا مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ ، لا يَقَعُ شَيْءٌ دُونَ إِرَادَتِهِ ، وَمَثَّلَ لأَصْحَابِهِ قُدْرَتَهُ الْقَدِيمَةَ بِأَوْضَحِ مَا يَعْقِلُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، لأَنَّ الْمَرْءَ لا يَكُونُ أَقْدَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بَيْنَ نِعْمَتَيِ النَّفْعِ وَالدَّفْعِ ، أَوْ بَيْنَ أَثَرَيْهِ فِي الْفَضْلِ وَالْعَدْلِ ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَخْبَارِ : ” إِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ ” . وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ : ” يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي ” . وَإِنَّمَا ثَنَّى لَفْظَ الإِصْبَعَيْنِ وَالْقُدْرَةُ وَاحِدَةٌ لأَنَّهُ جَرَى عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ لَفْظِ الْمَثَلِ . وَزَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فِي تَأْكِيدِ التَّأْوِيلِ الأَوَّلِ بِقَوْلِهِمْ : مَا فُلانٌ إِلا فِي يَدِي ، وَمَا فُلانٌ إِلا فِي كَفِّي ، وَمَا فُلانٌ إِلا فِي خِنْصَرِي ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، لا أَنَّ خِنْصَرَهُ يَحْوِي فُلانًا ، وَكَيْفَ يَحْوِيهِ وَهِيَ بَعْضٌ مِنْ جَسَدِهِ ؟ وَقَدْ يَكُونُ فُلانٌ أَشَدَّ بَطْشًا وَأَعْظَمَ مِنْهُ جِسْمًا”. انتهى
و أما ما رواه الدارقطني في الرؤية قال: “حدثنا الحسين بن محمد بن سعيد المطبقى حدثنا محمد بن منصور الطوسى حدثنا أبو أحمد الزبيري قال سفيان عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال: كان رسول الله يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقال له بعض أهله أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به, فقال: إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن عز و جل يقول بهما هكذا. وحرك أبو أحمد أصبعه “. انتهى
فلا يثبت ذلك عن الحافظ الدارقطني لأن كتاب ” الرؤية ” المنسوب له طبع من نسخة خطية وحيدة ، من محفوظات خزانة الاسكوريال – مدريد – إسبانيا، وهي مجهولة الناسخ، وتاريخ النسخ، وفيها سقط ونقص.
وهذا الكتاب لا يثبت أنه من تصنيفه. فقد جاء من رواية جماعة عن الحافظ ابي العلاء العطار بقراءته على الشيخ أبي العز أحمد بن عبيد الله بن محمد بن كادش براويته عن أبي طالب محمد بن علي بن الفتح العشاري عن أبي الحسن الدارقطني.
وهذا سند لا يصح، ولا تثبت به نسبة كتاب ” الرؤية ” للحافظ الدارقطني لعدة أمور:
– سند الكتاب منقطع؛ إذ أنّ آخر من حدث به من الرواة المعروفين هو الحافظ أبو العلاء العطار، المتوفى سنة 569 هـجري. ومن رواه عنه هم جماعة مجهولون.
– هذا السند فيه أبو العز بن كادش.
قال الحافظ ابن النجار عنه كما في ” لسان الميزان ” للحافظ ابن حجر العسقلاني:” كان مخلطا كذابا لا يحتج بمثله وللائمة فيه مقال ” .انتهى
وقال الذهبي عنه في ” الميزان ” 1 / 118: ” أقر بوضع حديث وتاب وأناب ” انتهى
وقال السمعاني : “من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه “. انتهى
وقال ابن الانماطي : ” كان مخلطا ” كما في اللسان.
وقال ابن حجر في ” اللسان ” : ” وقال ابن عساكر : قال لي أبو العز ابن كادش وسمع رجلا قد وضع في حق علي حديثا ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثا بالله أليس فعلت جيدا” انتهى
قال الحافظ الذهبي في ” سير أعلام النبلاء “:” قال عمر بن علي القرشي : سمعت أبا القاسم علي بن الحسن الحافظ يقول : قال لي ابن كادش : وضع فلان حديثا في حق علي ، ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثا ، بالله أليس فعلت جيدا ؟ قلت : هذا يدل على جهله ، يفتخر بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ” انتهى
وقد استدل بعض المجسمة لاثبات نسبة الكتاب للدارقطني بما قاله ابن أبي يعلى والذهبي. على أن ابن أبي يعلى والذهبي لم يجزما بثبوت نسبة كتاب الرؤية للدارقطني، أو بثبوت تعدد روايته وطرقه. فقد قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: “و حكى لي بعض أصحاب الحديث قال: قرئ كتاب الرؤيا للدارقطني على أبي طالب العشاري” انتهى
و هذه العبارة حكاية مرسلة، مجهول قائلها، ولا حجية لها.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ما نصه: “وقيل: إنّ رجلاً قرأ على العشاري كتاب الرؤيا للدارقطني ” انتهى
و هذه العبارة صدرت بلفظة “قيل” وهي من صيغ التمريض الأدائية، وهي دالة على الاسترابة وعدم ثبوت ما بعدها.
