دعوى قول ابن مسعود أن رسول الله ضحك تعجبًا وتصديقًا لليهودي

دعوى قول ابن مسعود أن رسول الله ضحك تعجبًا وتصديقًا لليهودي

هذه الزيادة مدارها على منصور بن المعتمر أو أحد الرواة عنه

كالفضيل بن عياض أو غيره، وأيضا على جرير فيما يرويه عن الأعمش

قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: “ثنا بندار في عقب خبره قال: ثنا يحيى قال: ثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال: “فضحك النبي ﷺ تعجبًا وتصديقًا له”. انتهى

وقال ابن خزيمة أيضا: “قال أبو موسى في عقب خبره: قال يحيى زاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله: فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له”. انتهى

وقال ابن المحب الصامت في صفات رب العالمين: “….عن منصور عن خيثمة عن علقمة عن ابن مسعود…..تصديقا لما قال”. انتهى

ومنصور هو ابن المعتمر. وابراهيم هو النخعي كما قال القسطلاني في ارشاد الساري، وعبيدة بن عمرو هو السلماني.

ودعوى قول ابن مسعود أن رسول الله ضحك تعجبًا وتصديقًا لليهودي، استشكله بعض الحفاظ. وجوابه من وجوه:

– الأول: هذه الزيادة شاذة وقد وردت العديد من الأسانيد لهذا الحديث وليس فيها تلك الزيادة.

فقد رواه البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، في ثلاثة منها بدون ذكر تعجباً وتصديقاً، منها:

ما جاء في صحيح البخاري ما نصه: “حدثنا موسى ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، إن الله يضع السماء على إصبع ، والأرض على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر والأنهار على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يقول بيده : أنا الملك ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : “وما قدروا الله حق قدره””. انتهى

وما جاء بسند آخر ذكره البخاري في صحيحه وهو كالتالي: حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، سمعت إبراهيم ، قال : سمعت علقمة يقول : قال عبد الله : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فقال : يا أبا القاسم ، إن الله يمسك السموات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر والثرى على إصبع ، والخلائق على إصبع ، ثم يقول : أنا الملك أنا الملك ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قرأ : “وما قدروا الله حق قدره” . انتهى

والأعمش هو سليمان، وابراهيم هو النخعي كما قال القسطلاني، وعلقمة هو بن قيس النخعي

فهذه الروايتين ليسا فيهما ان ابن مسعود قال: “فضحك النبي ﷺ تعجبًا وتصديقًا له”. بل صرح يحيي بن سعيد أنها من زيادة الفضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود.

قال القرطبي في المفهم: “أما ما زاده الرواة في متن الحديث من كلمة “تصديقا له”، فقد ذكر يحيي بن سعيد أنها من زيادة الفضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، ولا تعدو كونها زيادة من أحد الرواة، أو فهم خاص لم يتابعه عليه غيره من رواة الحديث.”. انتهى

فقوله “تعجبا وتصديقا” مدرج من كلام منصور بن المعتمر أو الراوي عنه وهو الفضيل بن عياض، وإدراجه بيّن لفصل البخاري له عن أصل المتن.

والفضيل بن عياض مع كونه ثقة إلا أن بعضهم ليّنه.

فقد جاء في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ما نصه: “نا عبد الرحمن قال: ذكره أبو زرعة قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: فضيل بن عياض رجل صالح، ولم يكن بحافظ”. انتهى

يعني كان رجلا يتعبد الله في غالب أوقاته وليس له اعتناء زائد بالحديث، أي لم يكن مهتما بعلم الحديث رواية ودراية.

وقال عنه ابن شاهين في “تاريخ أسماء الثقات “: قال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة صدوقا، وليس بحجة “. انتهى

وذكر ابن المحب الصامت في كتابه صفات رب العالمين أكثر من راوي روى تلك الزيادة عن منصور.

راجع الصورة المرفقة.

ويوجد طريق آخر ذكر هذه الزيادة، فقد جاء في الأسماء والصفات للبيهقي: “ورواه جرير بن عبد الحميد عن الأعمش وزاد فيه: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تصديقا له تعجبا لما قال”. انتهى

فجعل الزيادة هنا واقعة لجرير

وكذلك نبَّه مسلم في صحيحه على أن الزيادة من بعض الرواة فقال : “وزاد في حديث جرير تصديقاً له تعجباً لما قال “، إشارة منه كذلك لضعف هذه الزيادة .

وجرير هنا وهِم وأخطأ فخالف جميع أصحاب الأعمش والرواة عنه كأبي معاوية الضرير، وحفص بن غياث النخعي، وعيسى بن يونس السبيعي، وسفيان الثوري، وأبو عوانة اليشكري

، وأبو معاوية وحفص بن غياث كلهم أثبت في الأعمش من جرير

ومع ذلك لم يرووها، وقد قال أحمد كما في علل الترمذي: “جرير لم يكن بالضابط عن الأعمش”.

ولا يستبعد أن يكون الوهم من الراوي عن جرير وهو عثمان بن أبي شيبة، فكلا الرجلين ساء حفظهما بآخرة وكانا يهمان، وكان وهم عثمان أشنع من وهم جرير .

وليس بمستبعد أن الفضيل و جرير قد بلغت أحدهما تلك الزيادة عن الآخر، فقال بما قال.

– الثاني: هذه المرويات وردت من طريق إبراهيم بن يزيد النخعي، وكان يرسل و يدلس. وقد حكم بعض المحدثين على مراسيله بالصحة، وأما تدليسه، فقد قال العلائي:” إبراهيم بن يزيد النخعي، ذكر الحاكم وغيره أنه مدلس، وحكى خلف بن سالم عن عدة من مشايخه أن تدليسه من أخص الأشياء، وكانوا يتعجبون منه”. انتهى

و قال الحاكم في “معرفة علوم الحديث”: “وإبراهيم أيضًا يدخل بينه وبينه أصحاب عبد الله مثل هني بن نويرة، وسهم بن منجاب، وخزامة الطائي وربما دلس عنهم”. انتهى

وابراهيم النخعي قد عنعن في هذه الأحاديث ولم يصرح بالسماع فلا يحكم بصحة السند.

ثم إن عنعنة إبراهيم النخعي وردت مرة عن عبيدة بن عمرو السلماني ومرة عن علقمة بن قيس النخعي.

فأما عبيدة، فلعل ما يرجح انقطاع سماع إبراهيم منه في هذا الحديث، ما جاء في كتاب السنة قبل التدوين لمحمد عجاج بن محمد تميم بن صالح بن عبد الله الخطيب، حيث قال: ولم يرض عبيدة أن يكتب عنده أحد، ولا يُقرأ عليه أحد، وقد نصح إبراهيم فقال له: «لا تخلدن عني كتابٍا، وقبل وفاته دعا بكتبه فأحرقها، وقال: «أخشى أن يليها قوم فيضعوها غير مواضعها». وكره إبراهيم النخعي أن تُكتب الأحاديث في الكراريس، وتشبِّه بالمصاحف، وكان يقول: «ما كتبت شيئًا قط» حتى إنه منع حمّاد بن سلمة من كتابة أطراف الأحاديث، ثم تساهل في كتابتها، قال ابن عون: «رأيت حمادًا يكتب عن إبراهيم، فقال له إبراهيم: ألم أنهك؟ فقال: إنما هي أطراف» . انتهى

وأما علقمة، فليس في رواية ابراهيم النخعي عنه عن ابن مسعود دعوى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم للحبر

ومع ذلك فقد ذكر عبد الرحمن بن مهدي ان ابراهيم لم يسمع من علقمة.

قال ابن ابي حاتم : ” حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ سَمِعْتُ مُسَدَّدًا يَقُولُ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ سَمِعَ مِنْ عَلْقَمَةَ”. انتهى كما في كتاب المراسيل

فإذا كان إبراهيم لم يسمع من علقمة فمن باب أولى أن لا يسمع من عبيدة، لانهما من طبقة واحدة.

– الثالث: ورد عن ابن مسعود أنه قال: “فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا”، فأما ضحك النبي تعجبا، فكان بسبب جرئة الحبر اليهودي على تجسيم خالقه، وأما ضحكه تصديقا، فلا يتعلق بذكر الأصابع أصلا، بل على قدرة الله على تدبير السموات والأرض.

وهذا ما فهمه الحافظ ابن حبان، حيث قال تحت ذكر ترك إنكار المصطفى صلى الله عليه وسلم على قائل ما وصفنا مقالته: ” أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال : جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والخلائق كلها على إصبع ، ثم يهزهن ، ثم يقول : أنا الملك ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تعجبا لما قال اليهودي تصديقا له ، ثم قرأ : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة. انتهى

فالتعجب كان من تجسيمه، وقد أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ” وما قدروا الله حق قدره”، وردّ عليه مقالته بقوله: “والأرض جميعا قبضته يوم القيامة”. انتهى

أي أن ذلك بأمر الله وتدبيره ، وهذا هو الذي صدق فيه النبي ذلك الحبر، لا أنه صدّقه في اثبات أصابع لله عز وجل.

فالآية التي قرأها النبي فيها الردّ على قول اليهودي المجسِّم الذي أثبت لله تعالى الأصابع على المعنى الحسي، إذ جاء النص القرآني بقوله تعالى: “والأرضُ قبضتُه يومَ القيامة”، وهو تعبير كِنائيّ في لسان العرب يُراد به إثبات كمال القدرة والسلطان، لا إثبات الجارحة. فمفاد الآية الإقرار بوقوع التدبير على الكون، غير أنّ هذا التدبير ليس على الوجه الذي زعمه القائل بإثبات الأصابع، بل هو واقع بقدرة الله تعالى المطلقة. وأما جهة الإنكار والتقريع، فقد نصّت عليها الآية بقولـه سبحانه: “وما قدروا الله حقَّ قدره”، وقوله: “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ” إذ في ذلك نفي لما توهّموه من التشبيه والتنقيص

– رابعا: لا تَثْبت الصفة لله بقول صحابي أو تابعي إلا بما صَحَّ من الأحاديث النبوية المرفوعة المتفق على توثيق رواتها، فلا يُحْتج بالضعيف ولا بالمختلف في توثيق رواته حتى لو ورد إسنادٌ فيه مُخْتَلَف فيه وجاء حديث آخر يَعْضده فلا يُحْتَج به.

قال الوهابي المدعو محمد صالح المنجد

في موقعه على النت المسمى موقع الإسلام سؤال وجواب فتوى 169676، ما نصه: ” قاعدة أهل السنَّة رحمهم الله عدم إثبات صفات لله تعالى من كلام أحدٍ من الصحابة أو التابعين ، وإنما تُثبت صفات لله تعالى من نصوص القرآن والسنَّة الصحيحة .

وراجع أقوال العلماء في طريقة إثبات الصفات:

https://www.facebook.com/share/p/1Bu7L1nMza/

روابط ذات علاقة:

حديث ابن مسعود الذي فيه أن الله يمسك الخلائق على أصابع

https://www.facebook.com/share/19RDZQpjHV/

أضف تعليق