الكلام عن الأصابع المضافة لله عز وجل
ورد ذكر الأصابع مضافة لله عز وجل في بعض الأحاديث، وللعلماء في ذلك مذاهب:
– الأول: إمرارها كما جاءت من غير التعرض لتفسيرها.
فقد سئل سفيان بن عيينة عن حديث عبد الله – أي ابن مسعود- أن الله يجعل السماء على اصبع وحديث إن قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن وإن الله يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ونحو هذه الأحاديث فقال هذه الأحاديث نرويها ونقرّ بها كما جاءت بلا كيف.
وجاء في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن الإمام أحمد: ” قال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعًا يقول: نسلِّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا، ولا لم كذا. يعني: مثل حديث ابن مسعود: «إن الله -عز وجل- يحمل السماوات على أصبع، والجبال على أصبع»، وحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قلب ابنِ آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»، ونحوها من الأحاديث”. انتهى
– الثاني: أنها ليست صفات، بدليل قوله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ
السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ”
فالأصابع مجاز عن القدرة وأمر الله، وهو مذهب ابن عبد البر المالكي والنجم الطوفي الحنبلي.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1DBWrR6JhS/
وقال ابن العربي في العواصم: “وتحقيقُ المسألة: أن أحدًا لم يقل قَطّ إنّ الأصابع والكفّ صفةٌ.”. انتهى
و قال الإمام البيهقي في الأسماء والصفات في تعليقه على حديث حمل السماوات على أصبع: “ذهب أبو سليمان الخطابي رحمه الله إلى أن الأصل في هذا وما أشبهه في إثبات الصفات أنه لا يجوز ذلك إلا أن يكون بكتاب ناطق أو خبر مقطوع بصحته، فإن لم يكونا فيما يثبت من أخبار الآحاد المستندة إلى أصل في الكتاب أو في السنة المقطوع بصحتها أو بموافقة معانيها، وما كان بخلاف ذلك فالتوقف عن إطلاق الاسم به هو الواجب.. وذِكْر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب ولا من السنة التي شرطها في الثبوت ما وصفناه”. انتهى
وهذا المذهب يرويه بعض الحنابلة عن الإمام أحمد، فقد جاء في كتاب قواعد العقائد: “حكى أبو حامد الغزاليُّ أنه سمع بعضَ الحنابلة يقول: إن الإمامَ أحمدَ حسَم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ؛ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «قلب المؤمِن بين إصبعين من أصابع الرحمن» .انتهى
قال أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي : “ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ” إذ جعلوا صِفاته تتساعد وتتعاضد على حَمل مخلوقاته, وإنما ذكر الشرك في الآية ردا عليهم”. انتهى
كما في دفع شبه التشبيه للتقي الحصني
– الثالث: أنها صفات بلا كيف، ليست على معنى الجارحة و ليست جزء من اليد أو الكف، أو غيرها، ويجب تفويض معناها لله عز وجل. وهو مذهب البغوي في شرح السنة و ابن بطة و غيرهما من العلماء.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/16PQeyjRJY/
وقال البغوي: “الإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله سبحانه وتعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل”. انتهى
وهذا مذهب مرجوح، لذلك لم يذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم، ونصه : ” هذا من أحاديث الصفات ، وفيها القولان السابقان قريبا : أحدهما الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى ، بل يؤمن بأنها حق ، وأن ظاهرها غير مراد . قال الله تعالى : ليس كمثله شيء.
والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها ، فعلى هذا ، المراد المجاز كما يقال : فلان في قبضتي، وفي كفي، لا يراد به أنه حال في كفه، بل المراد تحت قدرتي. ويقال : فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت أي أنه مني على قهره والتصرف فيه كيف شئت . فمعنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء ، لا يمتنع عليه منها شيء ، ولا يفوته ما أراده ، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه . فخاطب العرب بما يفهمونه ، ومثله بالمعاني الحسية تأكيدا له في نفوسهم . فإن قيل : فقدرة الله تعالى واحدة ، والإصبعان للتثنية ، فالجواب أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوا غير مقصود به التثنية والجمع . والله أعلم “. انتهى
وخالف في ذلك المجسمة فزعموا أن لله أصابع حقيقية مجهولة الكيف. وهي جزء من يده والعياذ بالله.
قال محمد خليل هراس في تعليقه على توحيد ابن خزيمة : “ومن أثبت الأصابع لله فكيف ينفي عنه اليد , والأصابع جزء من اليد؟”. انتهى
فصرح هنا بلفظ “جزء” , ولا يُعلم ما الذي أوصله إلى اعتقاد كون الأصابع جزء من اليد سوى رسوخ التجسيم في قرارة معتقده.
وقال ابنُ القيِّم في صواعقه: “وَإِذَا كَانَتِ السَّمَاوَاتُ مَعَ عَظَمَتِهَا وَسَعَتِهَا يَجْعَلُهَا عَلَى إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَالْأَرْضُ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالُ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْبِحَارُ عَلَى إِصْبَعٍ، فَمَا الظَّنُّ بِالْيَدِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ؟”. انتهى
ولينظر كيف انتقَل ذهنه من مُقارنةٍ في الحَجم بين أصابع ربِّه وهذه المخلوقات العظيمة، إلى تَصوُّر تلك الأصابع باعتبارها جُزءًا مِن يدٍ ذات حَجمٍ أكبر وأكبر، ضخمة جدًّا ومُتَرامية الأطراف، على نحوٍ يُشبه المعهود في يَد المخلوق.
وقال الفوزان في إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، بعد أن ذكر حديث الأصابع، ما نصه: ” فهذه خمسة أصابع عليها جميع المخلوقات العلوية والسفلية، كلّ إصبع عليه خلْقٌ من خلقه سبحانه وتعالى”.انتهـى
وقال عبد الله الغنيمان في شرح العقيدة الواسطية: “واليدان لها أصابع كما ثبت في الصحيحين، وكل يد لها خمسة أصابع كما ثبت ذلك”. انتهى

