شبهة تقريظ الحافظ ابن حجر على الرد الوافر
الوهابية يذكرون المدح المنسوب للحافظ ابن حجر العسقلاني وتقريظه على الرد الوافر وبعض عباراته التي يمدح فيها ابن تيمية، ويتناسون أن الحافظ ابن حجر العسقلاني خطأ ابن تيمية في فتح الباري في أكثر من مسألة كقدم العالم والتوسل وشد الرحل وغيرها مما يخالف فيه ابن حجر ابن تيمية ثم لك أن تتأمل عبارته فيه: “فَالْوَاجِب على من يلتبس بِالْعلمِ وَكَانَ لَهُ عقل أَن يتَأَمَّل كَلَام الرجل من تصانيفه الْمَشْهُورَة أَو من السّنة من يوثق بِهِ من اهل النَّقْل فيفرد من ذَلِك مَا يُنكر فليحذر مِنْهُ قصد النصح ويثني عَلَيْهِ بفضائله فِيمَا أصَاب من ذَلِك كدأب غَيره من الْعلمَاء الأنجاب”.
كما نقل ابن حجر تكفير أئمة المذاهب الأربعة لابن تيمية، كما في الدرر الكامنة، ونص عبارته: “ونودي بدمشق من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله”. انتهى
ثم إن الحافظ ابن حجر أحسن بابن تيمية الظن لأنه رأى أنه رجع عن قوله في العقيدة، وقال أنا مفوض على مذهب الأشعري، ونص ابن حجر في الدرر الكامنة: “وأحضر إِلَى القلعة وَوَقع الْبَحْث مَعَ بعض الْفُقَهَاء فَكتب عَلَيْهِ محْضر بِأَنَّهُ قَالَ أَنا أشعري ثمَّ وجد خطه بِمَا نَصه الَّذِي اعْتقد أَن الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله وَهُوَ صفة من صِفَات ذَاته الْقَدِيمَة وَهُوَ غير مَخْلُوق وَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَأَن قَوْله {الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى} لَيْسَ على ظَاهره وَلَا أعلم كنه المُرَاد بِهِ بل لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَالْقَوْل فِي النُّزُول كالقول فِي الاسْتوَاء وَكتبه أَحْمد بن تَيْمِية ثمَّ أشهدوا عَلَيْهِ أَنه تَابَ مِمَّا يُنَافِي ذَلِك مُخْتَارًا “. انتهى
أما هذا التقريظ ففي ثبوته عن ابن حجر شك كبير، اذ توجد منه نسخةٌ خطِّيَّة وحيدةٌ محفوظةٌ بالمكتبة السليمانيَّة ضمن مجموعة آيا صوفيا، رقم 3139، ويقع ضمن كتاب «التَّذكرة الجديدة»، بالمجلَّد السَّادس، في ثلاث صفحات [192/أ-ب] و[191/أ]، كُتب بالمداد الأسود بخطٍّ نسخيٍّ مقروءٍ خالٍ من التَّنقيط والتَّشكيل في الغالب.
و الحافظ شمس الدِّين محمَّد بن عبد الرَّحمن بن محمَّد السَّخاوي الشَّافعي المتوفى سنة 902 هـجري قد اعتمد هذه المخطوطة اليتيمة في كتابه: «الجواهر والدُّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» حين نقل التقريظ المنسوب لابن حجر على كتاب الرد الوافر.
ومما يزيد الشك حول صحة هذا التقريظ:
أ – ما نسبوه لابن حجر أنه قال: “وتَلقِيبهُ بشيخ الإِسلام في عَصْرهِ باقٍ إلى الآن على الأَلسنةِ الزَّكيَّةِ، ويَستمرُّ غدًا كما كانَ بالأَمسِ، ولا يُنكِرُ ذلك إلَّا مَن جَهِلَ مِقدارهُ، أو تجنَّبَ الإِنصاف”. انتهى
فكيف يجزم الحافظ باستمرارية تلقيب ابن تيمية بشيخ الاسلام في المستقبل؟ هذا لا يقوله عالم
ب – ما نسبوه لابن حجر أنه قال: “فالله تعالى هُوَ المسؤول أن يقينا شُرور أَنفسنا” هذه ليست طريقة ابن حجر في سبك الألفاظ، واسم “المسؤول” لم يثبت دليل يدل على أنه من أسماء الله تعالى.
ج- ما نسبوه لابن حجر أنه قال: “ومسائلهُ التي يَنفرِدُ بها لم يَكُن يَقولُها بالتَّشهِّي، ولا يَتعصَّبُ لها بعد القيام عليه عِنادًا، بل كانَ يَستدلُّ لها على وفق القواعد المرضيَّة، وإن كان قد يخطئ؛ لكونهِ غير معصوم، فيُعذَر”. انتهى
هذا لا يقوله ابن حجر أصلا وقد ثبت عنه نقله تكفير العلماء لابن تيمية، فالذي يخطئ في قطعيات الدين لا يكون معذورا من أصله حتى لو اجتهد بزعمه.
د- ما نسبوه لابن حجر أنه قال: “فلم يتَّفقوا على قتلهِ، فلو كان عندهم مكفَّرًا لما وسعهم السُّكوت” . انتهى
وهذا يناقض ما نقله ابن حجر في الدرر الكامنة، ونص عبارته: “ونودي بدمشق من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله”. انتهى
وهذا صريح في تكفير العلماء له.
هذا وقد اندثرت كتب ابن تيمية ولم يعد له ذكر في عصره ولا بعد عصره بقرون ولا يحتج بأقواله الا في الفرعيات، وإذا ذكرت مقالاته في العقائد فعلى سبيل التخطئة.
حتى جاء قرن الشيطان ابن عبد الوهاب فجدد الخلاف وأحدث الفجوة من جديد، واتهم الناس بالشرك حتى قال: أتباعه بزعمهم: “مات التوحيد حتى أحياه ابن عبد الوهاب”.
وشهد بذلك زعيم الوهابية في مصر محمد خليل هراس في كتابه ” الحركة الوهابية” صحيفة 43، حين أشار إلى طبع كتب ابن تيمية فقال: “وتلك مفخرة من مفاخر هذه الدعوة ستظل تذكر لها بالعرفان والتقدير، فإن كتب شيخ الإسلام ورسائله كانت مطمورة تحت ركام الإهمال والنسيان، لا يسمح لها أهل البدع والإلحاد أن ترى النور، ولا أن تقوم بدورها الخطير في توجيه العالم الإسلامي نحو الطريق الصحيح”. انتهى
وذكر رشيد رضا وهو من رؤوس الوهابية في كتابه الخلافة صـحيفة 82، أن حكومة الحجاز كانت تمنع من دخول كتب ابن تيمية وابن القيم فقال: ” أَن هَذِه الْحُكُومَة خصم لكل علم يعين على الْإِصْلَاح الديني والدنيوي فَهِيَ على كراهتها للعلوم والفنون العصرية – حَتَّى تَقْوِيم الْبلدَانِ – تمنع كثيرا من الْكتب الشَّرْعِيَّة ككتب شَيْخي الْإِسْلَام المصلحين الكبيرين ابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم وَغَيرهمَا من دُخُول بِلَاد الْحجاز”.
1- نصُّ سبب التَّقاريظ بخطِّ الحافظ ابن حجر العسقلاني
قال صاحب المخطوط: كانَ الشَّيخُ علاء الدِّين البُخاري محمَّد بن محمَّد بن محمَّد ، نزيلُ الهند، ثمَّ نزيل مصر، ثمَّ دمشق، لمَّا سكَنَ دمشق، يُسأل عن مقالات الشَّيخ تقي الدِّين ابن تيميَّة التي انفردَ بها، فيُجيبُ بما يظهر من الخطأ فيها، وينفِرُ عنه قلبُهُ، إلى أن استحكمَ أمره عنده، وصرَّحَ بتبديعه، ثمَّ بتكفيره، ثمَّ صار يُصرِّح في مجلسه بأنَّ مَن أطلقَ على ابن تيميَّة أنَّه شيخ الإسلام، فإنَّه يكفرُ بهذا الإطلاق! واشتهر ذلك.
فبلغَ ذلك: الشَّيخَ، الإمامَ، المحدِّثَ، حافظَ الشَّام، شمس الدِّين ابن ناصر الدِّين، فجَمعَ كتابًا سمَّاه: «الرَّد الوافِر على مَن زعم أنَّ مَن أطلق على ابن تيميَّة أنَّه شيخ الإسلام كافر»، فجَمعَ فيه كلام مَن أَطلقَ عليه ذلك من الأئمَّة الأعلام مِن أهل عَصْرِهِ من جميع المذاهب سوى الحنابلة، فجَمعَ من ذلك شيئًا كثيرًا ، وضمَّنهُ الكثير من ترجمة ابن تيميَّة.
وأَرسلَ منهُ نسخةً إلى القاهرة، وسَألَ مَن بها من أهل العِلم أن يُقرِّظوه، فكتَبُوا عليه، وهذه نُسخ أجوبتهم:
2-تقريظ الحافظ ابن حجر العسقلاني
الحمدُ لله، وسَلامٌ على عبادهِ الذين اصطَفَى:
سُئِلتُ عن مَّن أَطلقَ على ابن تيميَّة أنَّه كافر، أو كَفَّرَ من دَعَاهُ: «شيخ الإِسلام»، والسُّؤالُ جُمِعَ في جُزءٍ مُؤلَّفٍ في مَناقبهِ، وسِياق مَن أَثنَى عليه مِن أئمَّةِ عَصْرهِ، فمَن بعدهم، فكَتَبتُ:
وَقفتُ على هذا التَّأليفِ النَّافِعِ، والمجمُوعِ الذي هُوَ للمقاصد الذي جُمِعَ لأَجلها جامِع، فَتَحَقَّقْتُ سَعة اطِّلاع السَّائل الذي ألَّفهُ، وتضلُّعهُ مِن العُلوم النَّافعة بما عظَّمهُ بين العُلماء وشرَّفهُ.
وشُهرةُ إِمامة الشَّيخ تقي الدِّين أَشهرُ مِن الشَّمس، وتَلقِيبهُ بشيخ الإِسلام في عَصْرهِ باقٍ إلى الآن على الأَلسنةِ الزَّكيَّةِ، ويَستمرُّ غدًا كما كانَ بالأَمسِ، ولا يُنكِرُ ذلك إلَّا مَن جَهِلَ مِقدارهُ، أو تجنَّبَ الإِنصاف، فما أكثر غلط مَن تَعاطَى ذلك، وأكثر عِثارهُ، فالله تعالى هُوَ المسؤول أن يقينا شُرور أَنفسنا، وحصائد أَلستنا، بمنِّهِ وفضلهِ.
ولو لم يَكُن مِن الدَّليل على إِمامة هذا الرَّجل إلَّا ما نبَّهَ عليه الحافظُ الشَّهيرُ علَم الدِّين البِرْزَالي في «تاريخه»: أنَّه لم يُوجد في الإِسلام مَن اجتمعَ في جنازته لمَّا ماتَ ما اجتمعَ في جنازة الشَّيخ تقي الدِّين، وأشارَ إلى أنَّ جنازة الإمام أحمد كانت حافلةً جدًّا، شَهِدها مِئِين أُلُوف، ولكن لو كانَ بدمشق من الخلائق نظِير مَن كان ببغداد، أو أضعاف ذلك، لما تأخَّرَ أحدٌ منهم عن شُهود جنازته.
وأيضًا، فجميعُ مَن كان ببغداد – إلَّا الأقلّ – كانُوا يَعتقدُون إمامةَ الإمام أحمد، وكانَ أميرُ بغداد وخليفةُ الوقت إذ ذاك في غاية المحبَّة له والتَّعظيم، بخلاف ابن تيميَّة، فكانَ أميرُ البلد حين ماتَ غائبًا، وكانَ أكثر مَن بالبلد من الفقهاء قد تَعصَّبوا عليه حتَّى ماتَ محبُوسًا بالقلعة، ومع هذا، فلم يَتخلَّف منهم عن حضور جنازته، والتَّرحم عليه، والتَّأسُّف، إلَّا ثلاثة أنفُس ، تأخَّروا؛ خشيةً على أنفسهم مِن العامَّة.
ومعَ حُضور هذا الجمعِ العظيمِ، فلم يَكُن لذلك باعِثٌ إلَّا اعتقادُ إِمامتهِ وبركتهِ، لا بجَمْعِ سُلطانٍ، ولا غيره، وقد صَحَّ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال : «أَنتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرضِ»
ونحنُ لا نُنكِرُ أنَّ جَمعًا مِن العُلماء كانوا يُنكِرونَ على الشَّيخ تقي الدِّين كثيرًا من المسائلِ، بل نُنكِرُ على من يُطلقُ عليه التَّكفير مع ما اشتهر من انطلاق الأَلسنة بالثَّناء عليه بالزُّهدِ، والورَعِ، والتَّألُّهِ، والسَّخاءِ، والشَّجاعةِ، ونصر الإسلامِ، والدُّعاءِ إلى الله تعالى في السِّرِّ والعلانية.
ومسائلهُ التي يَنفرِدُ بها لم يَكُن يَقولُها بالتَّشهِّي، ولا يَتعصَّبُ لها بعد القيام عليه عِنادًا، بل كانَ يَستدلُّ لها على وفق القواعد المرضيَّة، وإن كان قد يخطئ؛ لكونهِ غير معصوم، فيُعذَر، ولا يُقلَّدُ فيها، ولا ينتهي به الأَمرُ إلى التَّكفيرِ.
ولقد قامُوا عليه غير مرَّة، وعَقدوا له مجالس بسبب العقِيدة، وغيرها، وكانَ هُناك ممَّن يَتعصَّبُ عليه جمعٌ مِن أهل الحلِّ والعقد، ومع ذلك، فلم يتَّفقوا على قتلهِ، فلو كان عندهم مكفَّرًا لما وسعهم السُّكوت، والدَّولة معهم، بل غاية ما انتهى به أمرهُ معهم أن يُحبَس، فوقعَ له ذلك تارةً بالقاهرة ، وأُخرى بالإسكندريَّة، ومرَّةً بقلعة دمشق، وبها ماتَ.
ولقد كانَ هُوَ في عَصْرِهِ أعظمَ النَّاس قِيامًا على أهل البِدَعِ من الرَّوافض، والحُلوليَّة، والاتِّحاديَّة، وغير ذلك، وتصانيفُه وفتاويه في ذلك مشهورةٌ مُتداولةٌ عند أتباعه وغيرهم، فيا قُرَّة أعيُنهم، ويا سرورهم إذا رأوا مَن يُكَفِّرهُ مِن أهل العلم.
فلقد كانَ ينبغي للعاقلِ أن يُراعيَ المصلحتَين، ويَتأمَّلَ كلام الرَّجل مِن الطُّرق التي يصحُّ نقلُها عنهُ، ويُفرِدَ ما يُنكَرُ عليه، ويحذر منهُ؛ نُصحًا للأُمَّة، ويُثني عليه فيما أصابَ فيهِ، كدَأبِ غيرهِ مِن الأئمَّة.
ولو لم يَكُن للشَّيخ مِن المناقبِ إلَّا تلميذهُ ابن قيِّم الجوزيَّة، صاحب التَّصانيف السَّائرة التي انتفعَ بها الموافق والمخالف، لكانَ غايةً في فضلهِ، فكيفَ وقد أَثنَى عليه أئمَّةُ عَصرِهِ مِن الشَّافعيَّة وغيرهم، على ما نقلَهُ الحافظ علَم الدِّين البِرْزَالي.
فالذي يُطلِقُ عليه مع هذه الأشياء الكفر، أَو عَلَى مَن سماه شيخ الاسلام، لا يُلتَفتُ إِليهِ، ولا يُعوَّلُ عليهِ. واللهُ يَهدِي مَن يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيمٍ.
