شبهة حديث “فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي في دارِهِ”
أخرج البخاري في صحيحه من طريق انس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يُحْبَسُ المُؤْمِنُونَ يَومَ القِيامَةِ حتَّى يُهِمُّوا بذلكَ، فيَقولونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا فيُرِيحُنا مِن مَكانِنا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، ……قالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ولَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي في دارِهِ فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رَأَيْتُهُ وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، فيَقولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ، قالَ: فأرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي علَى رَبِّي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فأخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، – قالَ قَتادَةُ: وسَمِعْتُهُ أيضًا يقولُ: فأخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ – ثُمَّ أعُودُ الثَّانِيَةَ: فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي في دارِهِ، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رَأَيْتُهُ وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يقولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ، قالَ: فأرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي علَى رَبِّي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قالَ: ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فأخْرُجُ، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، – قالَ قَتادَةُ، وسَمِعْتُهُ يقولُ: فأخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ – ثُمَّ أعُودُ الثَّالِثَةَ: فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي في دارِهِ، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رَأَيْتُهُ وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يقولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، قالَ: فأرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي علَى رَبِّي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قالَ: ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فأخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ….”. انتهى
وقد احتج المجسمة بهذا الحديث لنسبة المكان لله عز وجل، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: “فأستأذن على ربي في داره”. فزعموا أنّ الله تعالى يحلّ في مكان لأنه قال: في داره.
أما أهل السنّة ففهموا الحديث فهما سليما، من ذلك ما قاله الخطابي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح: “معناه في داره الذي اتخذها لأوليائه وهي الجنة وهي دار السلام وأضيفت إليه إضافة تشريف مثل بيت الله وحرم الله”. انتهى
وقال البيهقي في الأسماء والصفات: “قال أبو سليمان: معنى قوله: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه» أي: في داره التي دوَّرها لأوليائه وهي الجنة، كقوله عز وجل: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ – الأنعام: 127-، وكقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ -يونس: 25-، وكما يقال: بيت الله، وحرم الله، يريدون البيت الذي جعله الله مثابة للناس والحرم الذي جعله أمنا”. انتهى
وقال ابن بطال في شرحه على البخاري: “ويحتمل أن يكون قوله: (في داره) راجعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم تأويله: فأستأذن على ربي وأنا في داره، فالظرف والمكان هاهنا للنبي صلى الله عليه وسلم”. انتهى
ومن العلماء من قال أن لفظة “في داره” في هذا الحديث لا تصح، فقد تفرد بها همام بن يحيى الراوي عن قتادة، ولم يذكرها غيره ممن هو أقوى منه، فالحديث بطوله صحيح كله بلا شك، لكن كلمة “في داره” مشكوك في صحتها لتفرد همام بها.
وهذا القول مال له أيضا شيخ الوهابية الألباني في مختصر صحيح الإمام البخاري، حيث قال: “أنا في شك كبير في ثبوت ذكر (الدار) في هذا الحديث؛ لأنه قد رواه جمع من الثقات عن قتادة به، بدون هذه الزيادة، منهم سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي عند المصنف (5/ 146)، ومسلم (1/ 125)، وأحمد (3/ 116) عن سعيد وحده، وأبو عوانة عند المصنف أيضاً (7/ 203)، ومسلم (1/ 123)، فهؤلاء ثلاثة من الثقات خالفوا همام بن يحيى، فلم يذكروا هذه الزيادة، فهي شاذة، لا سيما وهو -أعني هماماً- قد تكلم فيه بعضهم من قِبَل حفظه؛ كما أشار إلى ذلك الحافظ بقوله في “التقريب”: “ثقة ربما وهم”. ومما يؤكد وهمه في هذه الزيادة رواية معبد بن هلال العنزي هذه، فإنه لم يذكرها أيضاً. والله أعلم”. انتهى
وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق أبي عوانة عن قتادة عن أنس بدون ذكر هذه اللفظة “في داره”، ورواه أيضا من طريق هشام عن قتادة عن أنس بدون ذكر هذه اللفظة، ورواه أيضا من طريق حماد بن زيد عن معبد بن هلال عن أنس بدون ذكر هذه اللفظة، ورواه من طريق همام عن قتادة عن أنس، وفي هذه الرواية نجد تفرد همام بلفظة “في داره”، ومن دقة البخاري أنه عندما روى الحديث من طريق همام التي فيها اللفظة الشاذة رواه معلقا ولم يقل فيه حدثنا.
هذا وقد وردت رواية في صحيح البخاري تدل على ان هذه الدار تكون تحت العرش، قال الامام البخاري : ” حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً، ثُمَّ قَالَ:…….فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ”. انتهى
فتبين ان المراد بدار الله تعالى هي الجنة.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : ” وفي قوله: ” وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ” -الحج: 26-، وكما ورد في الحديث الصحيح: “فأدخل على رَبِّي في داره” أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحد ونمَط واحد ” انتهى
وأما ابن عثيمين، فقد قال في شرح كتاب التوحيد: ” هذا الحديث ليس فيه إشكال إلا قوله وأستأذن على ربي في داره فيقال إن دار الله عز وجل التي جاءت في هذا الحديث لا تشبه دور البشر تقنه من الحر ومن البرد ومن المطر ومن الرياح لكنها دار الله أعلم بها ولعلها والله أعلم حجب النور الذي احتجب الله به عز وجل كما جاء في الحديث الصحيح حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه”. انتهى
فجعل ربه في دار لا تشبه دور البشر، وهي بزعمه من حجب النور. فجعل هذا المجسم ربه محتجبا بحجاب من نور ، مع أن أهل السنة يقولون أن الحجب يجعلها الله على المخلوقين أو على أعينهم، لا أن الله يحتجب بها.
رابط ذو علاقة:
رواية الشفاعة
https://www.facebook.com/share/p/1EjUEXMHU5/



