معنى ضحك النبي من اليهودي الذي نسب الأصابع لله عز وجل

في بيان معنى ضحك النبي من اليهودي الذي نسب الأصابع لله عز وجل

ورد في بعض الروايات أن النبي ضحك تصديقا لكلام يهودي نسب الأصابع لله، وهذا توهمه بعض الرواة و ليس من كلام النبي صلى الله عليه و سلم، وهو تفسير باطل مردود:

قال سهل بن عبد الله التستري في تفسيره عند قوله تعالى “وما قدروا الله حق قدره” – الزمر :67- أي ما عرفوه حق معرفته في الأصل والفرع”. انتهى

وجاء في تفسير الماوردي: “ما وصفوه حق صفته، قاله قطرب”. انتهى

وجاء في الأحاديث القدسية من الصحاح ما نصه: “قال القسطلاني: “هذا من شديد الإشتباه وقد حمله بعضهم على أن اليهود مشبهة، وروي الحديث من غير واحد فلم يذكروا قوله صلى الله عليه و سلم إنه تعجب من قول الحبر تصديقاً لقوله بل ذكروا أنه صلى الله عليه و سلم تعجب من كذب اليهودي” انتهى.

و قال النووي في شرح مسلم “قوله ” فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له ، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ” ظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم صدق الحبر في قوله إن الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالاصابع. قال القاضي: وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه صلى الله عليه و سلم وتعجبه تصديقاً للحبر ، بل هو رد لقوله وإنكار تعجب من سوء اعتقاده ، فإن مذهب اليهود التجسيم“. انتهى

وقال الحافظ في الفتح بعد ذكره للحديث: ” ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي ، فإن اليهود مشبهة وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ولا تدخل في مذاهب المسلمين ، وأما ضحكه صلى الله عليه وسلم من قول الحبر فيحتمل الرضا والإنكار ، وأما قول الراوي ” تصديقا ” له فظن منه وحسبان ، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة ” انتهى

ثم قال: ” قال القرطبي في المفهم قوله ” إن الله يمسك ” إلى آخر الحديث ، هذا كله قول اليهودي وهم يعتقدون التجسيم وأن الله شخص ذو جوارح كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة ، وضحك النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو للتعجب من جهل اليهودي ، ولهذا قرأ عند ذلك وما قدروا الله حق قدره أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة ، وأما من زاد ” وتصديقا له ” فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدق المحال وهذه الأوصاف في حق الله محال ؛ إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منا فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا ، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلها إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحت للدجال وهو محال ، فالمفضي إليه كذب فقول اليهودي كذب ومحال ، ولذلك أنزل الله في الرد عليه وما قدروا الله حق قدره وإنما تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من جهله فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك”. انتهى

والذم و الإنكار على اليهودي هو الذي فهمه ابن عباس من نزول الآية ” وما قدروا الله حق قدره”.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/14R6VWBxn4T/

وقد اعترض ابن خزيمة المجسم على من قال أن الضحك هنا على سبيل الإنكار كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري حيث قال: “وقد اشتد إنكار ابن خزيمة على من ادعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار ، فقال بعد أن أورد هذا الحديث في ” كتاب التوحيد ” من صحيحه بطريقه قد أجل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل الإنكار والغضب على الواصف ضحكا ، بل لا يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف من يؤمن بنبوته”. انتهى

وما قاله ابن خزيمة مردود فإن النبي صلى الله عليه وسلم تعجب وضحك من جهله ومع ذلك ما سكت له بل قرأ قوله تعالى:” وما قدروا الله حق قدره”.

فالله عز و جل قد أجل قدرَ نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يوصف الخالق بحضرته بما ليس من صفاته فيسمعه ولا ينكر وقد فعل فعلين كل واحد مهما يدل على إنكاره عند العقلاء. الأول هو الضحك استخفافاً من هذا القول الذي تمجه الأسماع ولا تخفى ركاكته وتهافته على منزه فإذا كانت الأرضون على إصبع فكيف تكون الجبال على إصبع غيره ثم يكون الشجر على إصبع آخر والماء على إصبع وكل ذلك من الأرض؟ هل هذا إلا من شر البلية!.

والثاني هو قراءة الآية الكريمة وتدل على الإنكار و عدم تقدير الله حق قدره وأنه قول الكفار المشركين. ويشهد له ما أخرجه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير قال تكلمت اليهود في صفة الرب فقال ما لم يعلموا ولم يروا فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم “وما قدروا الله حق قدره” ثم بين للناس عظمته فقال: “والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون” فجعل صفتهم التي وصفوا الله بها شركاً .

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في شرحه لقول الله تعالى ” وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ – سورة الزمر 67- ما نصه: ” وقول الراوي : تصديقاً لقول الحَبر ، مُدرَج في الحديث من فهم الراوي كما جزم به أبو العباس القرطبي في كتابه : «المفهم على صحيح مسلم» ، وقال الخطّابي رَوى هذا الحديث غيرُ واحد عن عبد الله بن مسعود من طريق عَبِيدة فلم يذكروا قوله تصديقاً لقول الحَبر ، ولعله من الراوي ظَنٌّ وحسبان . ا ه ، أي فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عَبِيدَة . وإنما كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحَبر في ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يداً وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ولذلك أعقبه بقراءة ” وما قدروا الله حق قدره ” لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحَبر ونظراؤه من الجسمية ، وذلك معروف من اعتقادهم وقد ردّه القرآن عليهم غيرَ مرة مما هو معلوم فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى التصريح بإبطاله واكتفى بالإِشارة التي يفهمها المؤمنون ، ثم أشار إلى أن ما توهمه اليهودي توزيعاً على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف”. انتهى

و بطل بذلك أيضا ما قاله ابن تيمية في درء التعارض و نص عبارته: ” وكان اليهود إذا ذكروا بين يديه أحاديث في ذلك يقرأ من القرآن ما يصدقها كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن يهودياً قال للنبي إن الله يوم القيامة يمسك السموات على إصبع”. انتهى

قال الخطابي: “واليهود مشبهة وفي ما يدعونه منزلاً من التوراة ألفاظٌ تدخل في باب التشبيه وليس القول بها من مذهب المسلمين … وأما قول الراوي: تصديقاً له، فظن منه وحسبان، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة” انتهى

نقله عنه البيهقي في الأسماء و الصفات

وقد تكلف الوهابي أبوعبد الرحمن الحسن بن عبد الرحمن العلوي في الرد على الخطابي فقال في رسالته التي نال بها الماجستير, ” الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة”، صحيفة 165 : “إلا أن هذا لا يمنع من قبول ما وافقوا فيه الحق والصواب وكان مما شهد به التنزيل أو أقرته السنة.. وليس كل ما في التوراة باطل بل فيها الحق والصدق فيكون إذن هذا من ضمن ذلك الحق والصدق”. انتهى

ولعل الذي جرأه على هذا الكلام قول ابن تيمية في كتابه “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح” : “وأما ما في التوراة من إثبات الصفات فلم ينكر النبي شيئا من ذلك بل كان علماء اليهود إذا ذكروا شيئاً من ذلك يقرهم عليه ويصدقهم عليه كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود.. وفي التوراة إن الله كتب التوراة بإصبعه..”

ولا نسلم لابن تيمية مثل هذا الهذيان لأن كلام الحبر لا يحتمل إلا الجارحة والعضو. و العجب منه كيف لا يرضى بحمل المتشابه على محكم التنزيه و يحمله على نحو ما في التوراة من القول بأن الله كتب التوراة بإصبعه مما هو محكم في الأعضاء والجوارح؟

والعجب من المدعو محمد بن عبد العزيز القرعاوي حيث قال في كتابه ” الجديد في شرح التوحيد”، في معرض كلامه عن فوائد هذا الحديث: “اتفاقَ اليهودية والإسلام في إثبات الأصابع لله على وجه يليق بجلاله”. انتهى.

وأعجب منه قول ابن عثيمين في القول المفيد على كتاب التوحيد صحيفة 363 : “سبب الضحك هو سروره حيث جاء في القرآن ما يصدق ما وجد هذا الحبر في كتابه لأنه لا شك أنه إذا جاء ما يصدق القرآن فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يسر به وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين أن القرآن من عند الله لكن تضافر البينات مما يقوي الشيء” انتهى

فلا يخفى أن القرآن أغنى ما يكون عن الحاجة إلى تصديق حبر وأن إيمان آحاد الناس بالقرآن لايزداد بهذه الرواية التي ذكرها الحبر. وإنما يفرح بهذه الرواية من كانت في قلبه زيغ وميل لتفسير القرآن بحسب هواه.

أضف تعليق