مقولة الإمام أحمد: «قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز»
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: «قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز». وقد وردت هذه الكلمة بسند صحيح، فقد رواها الدارقطني في سؤالات السلمي، ونصه: «سمعتُ أبا عليٍّ الصَّوَّاف يقول: سمعتُ عبدَ الله بن أحمد يقول: سمعتُ أبي رحمه الله يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. وسمعتُ أبا سهل بن زياد يذكر ذلك» انتهى.
وقد وافق الواقعُ التاريخي ما عُرف عن فراسة الإمام أحمد؛ إذ أطبق المؤرخون على أن جنازته كانت من أعظم الجنائز شهودًا في تاريخ الإسلام، حتى إن بعضهم ذكر أن عدد الحاضرين جاوز المليون.
ثم إن المنهج العلمي يقتضي التنبيه إلى أن الإمام أحمد لا يمكن أن يكون قصد بها المقارنة الحسابية المطلقة بين عدد المشيعين في جنائز أهل السنة وأهل البدعة؛ إذ إن كثرة الشهود أو قلتهم تخضع لعوامل حسية واجتماعية معروفة، كشهرة المتوفى، وسعة معارفه، ومكانته السياسية أو الدينية، وإمكان حضور الناس لجنازته، فضلًا عن اختلاف الأزمنة والبلدان.
ولهذا قد يشهد جنازة بعض المشاهير، ولو كانوا غير صالحين، جمع غفير من الناس، كما وقع في العصر الحديث عند موت الخميني، حيث حضر جنازته ملايين، مع اتفاق أهل السنة على ضلال معتقده.
وفي المقابل، قد يموت رجل من الصالحين المغمورين فلا يشهد جنازته إلا نفر يسير من أهل مسجده أو خاصته.
وعليه، فالأقرب أن مقصود الإمام أحمد من عبارته، الإشارة إلى كثرة حضور العلماء والصلحاء وأهل الفضل والخير لجنائز أئمة السنة، لا مجرد اجتماع العوام وكثرة العدد.
ثم إن مقولة الإمام أحمد تم توظيفها في سياق الثناء على ابن تيمية من قبل أتباعه، رغم مخالفته للإمام أحمد في كثير من المسائل الأصولية والفقهية.
فقد جاء في التقريظ المنسوب للحافظ ابن حجر على كتاب الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي، نقلا عن الحافظ علم الدين البرزالي، قوله: “أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين ، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدّاً شهدها مئات ألوف ، ولكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير من كان ببغداد أو أضعاف ذلك : لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته”. انتهى
غير أن هذا النقل لا يوجد بهذا اللفظ في تاريخ البرزالي، والذي أورده ابن كثير في البداية والنهاية نقلًا عن البرزالي هو قوله: «ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس أو من عجز لأجل الزحام، وحضرها نساء كثير بحيث حزرن بخمسة عشر ألفًا، وأما الرجال فحزروا بستين ألفًا وأكثر إلى مائتي ألف» انتهى.
وهذا التفاوت في النقل يعزز الريبة في دقة ما نسبه ابن ناصر الدين إلى الحافظ ابن حجر، وثناءه على ابن تيمية.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/17rS8xY7Ut/
ثم إنه، على تقدير صحة النقل، فإن كثيرًا من الممارسات التي ذكرها البرزالي نفسه عند جنازة ابن تيمية تُعد، وفق المنهج التيمي، من أعمال القبوريين أو مما يُلحق بالشرك أو البدعة، إذ قال البرزالي: “وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك..”. انتهى
وقال: “وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله ، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به ، وقيل : إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهم ، وقيل : إن الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل ، دفع فيه مائة وخمسون درهما”. انتهى
هذا وقد نقل ابن حجر في الرد الوافر عن البرزالي أنه قال: “ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم عليه والتأسف عليه إلا ثلاثة أنفس ، تأخروا خشية على أنفسهم من العامة”. انتهى
وهذا النقل غير ثابت؛ إذ إن ابن كثير نقل عن البرزالي قوله:
«ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس أو من عجز لأجل الزحام».
كما ذكر أن الإمام برهان الدين الفزاري كان يتردد إلى المقبرة عدة أيام، علنًا، بوقار وهيبة، دون خوف أو خشية. و الفزاري، ذكر عنه الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل ما نصه: ” وقد اصدر الشاميون فتياً وكتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطراً بأشياء، إلى أن قال بتكفيره، ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه، كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر: البدر بن جماعة”. انتهى
وهذا يدل على أن دعوى خوف الأشعرية من العامة غير مسلَّمة تاريخيًا.
ثم إذا نظرنا في جنائز كبار أئمة أهل السنة، وجدنا نماذج مشابهة، و أحيانًا أوسع، من حيث الشهرة والحضور، كجنازة الحافظ ابن حجر العسقلاني، حيث أغلقت الأسواق، وشهد جنازته نحو خمسين ألفًا أو يزيدون، وحمل نعشه كبار الأمراء، وأقيمت الختمات والمراثي على قبره، وصُلِّي عليه صلاة الغائب في أمصار متعددة، كالحرم المكي، وبيت المقدس، ودمشق، وحلب، وغيرها. كما كثرت المنامات والروايات في فضله، ورثاه العلماء والأدباء بقصائد عديدة.
وكذلك الإمام أبو بكر الباقلاني، الذي لما توفي، قال بعض الحنابلة في جنازته: “هذا ناصر السنة والدين هذا امام المسلمين هذا الذي كان يذب عن سنة الشريعة المخالفين هذا الذى صنف سبعين الف ورقة ردا على الملحدين”. انتهى



