مناظرة ابن شاقلا الحنبلي مع أبي سليمان الدمشقي الأشعري – الجزء الأول

مناظرة ابن شاقلا الحنبلي مع أبي سليمان الدمشقي الأشعري – الجزء الأول-

قال ابن شاقلا الحنبلي: قلت لأبي سليمان الدمشقي: بلغنا أنك حكيت فضيلة الرسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج، وقوله في الخبر: “وضع يده بين كتفي، فوجدت بردها…” وذكر الحديث.

فقال لي: هذا إيمان ونيّة، لأنّه أريد مني روايته، وله عندي معنى غير الظاهر. قال: وأنا لا أقول مسّه”. انتهى

يُفهم مما تقدم أن ابن شاقلا الحنبلي نقل حوارًا بينه وبين أبي سليمان الدمشقي حول حديث ورد فيه: «وضع يده بين كتفي، فوجدت بردها».

وأبو سليمان الدمشقي قرر ابتداءً أن تعامله مع هذا الحديث من حيث الرواية مبنيٌّ على الإيمان والنية، أي: التسليم بصحة الخبر من جهة النقل، والاعتقاد بصحته من حيث الجملة، دون أن يستلزم ذلك التزام الظاهر الحسيّ للفظ.

ثم صرّح أبو سليمان تصريحًا مهمًّا بقوله: «وله عندي معنى غير الظاهر»، وهو إقرار صريح بسلوك مسلك التأويل الإجمالي أو التفويض في المعنى، مع الجزم بأن الظاهر الحسي غير مراد. وهذا المسلك معروف عند طائفة من متقدمي أهل الحديث والحنابلة، ولا سيما في الأخبار المتعلقة بالصفات.

وقد أكّد أبو سليمان هذا المعنى بنفيه الصريح فقال: «وأنا لا أقول مسّه»، فنفى معنى المسّ والمباشرة، وهو نفي للَوازم الجسميّة والحسيّة التي قد تُفهم من ظاهر اللفظ.

وهذا يدل على التزامه بأصل التنزيه، ورفضه تفسير الحديث بما يقتضي الجارحة أو الاتصال الحسي. فمن نسب المسيس ليد ربه فقد قاس الخالق بالمخلوق وجعل له أمثال، ولو أنكر ذلك. وهذا حال الجهمية، معبودهم يخالط المخلوقات بذاته، والمجسمة، معبودهم يخالط المخلوقات بأجزاءه.

وبناءً على ذلك، يتضح أن أبا سليمان الدمشقي يثبت الخبر من حيث الرواية، ولا يلتزم بظاهره الحسي، لأن الحديث هو في الأصل رؤية منامية كما رجحه ابن كثير وتابعه المباركفوري في شرح الترمذي، ويدل عليه ما في إحدى الروايات من التصريح بما يفيد ذلك.

وأما قوله: ” فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي”، فقد وردت بعبارات مختلفة منها قوله: فوضع كفه بين كتفي، وفي بعضها ذكر الأنامل، لذلك حكم بعد المحدثين باضطرابه، ومنهم من تأوله.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1DPu3ZcEUM/

ثم قال ابن شاقلا الحنبلي: ” فقلت له: وكذا تقول في آدم لما خلقه بيده؟ قال: كذا أقول: إنّ الله عزوجل لا يمس الأشياء”. فقلت له: سوّيت بين آدم وسواه، فأسقطت فضيلته، وقد قال الله تعالى: ” قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ”. انتهى

.

فآدم عليه السلام قد وصف الله عز وجل خلقه بقوله: “قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ – ص: 75 –

وقال أيضا: ” إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”. انتهى

فالله جلَّ جلاله أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ حِينَ خَلَقَ آدَمَ لَا مِنْ ذَكَرٍ، وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، وَخَلَقَ عيسى من أنثى بِلَا ذَكَرٍ، كَمَا خَلَقَ بَقِيَّةَ الْبَرِيَّةَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى.

وكلمة اليد فسرها أهل السنة على ما يوافق أصول التوحيد والتنزيه، ولهم في ذلك مذاهب:

الأول: أنها صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالنصوص القطعية، لا توصف بالكيف، و ليست على معنى الجارحة أو العضو أو الآلة،

فيفوضون علم معناها لله عز وجل. وهذه طريقة الباقلاني في الانصاف

https://www.facebook.com/share/p/19jZFhSPB1/

وصفة اليد لا يتعلق بها مسّ أو لمس، أو مباشرة، كما يزعم المشبهة.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/171GHKJiPe/

الثاني: اليد صفة لله غير القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء والاختصاص. قال الفخر الرازي في تفسيره: ” إن أبا الحسن الأشعري رحمه الله زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى ، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء ، قال : والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء ; لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات، فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء”. انتهى

و قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: “لو كانت اليد بمعنى القدرة، لم يكن بين آدم وإبليس فرقٌ لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته، ولقال إبليس: وأي فضيلة له علي وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال: “خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ” – الأعراف: 12-، دلَّ على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه، ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان؛ لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق؛ لأن النعم مخلوقة”. انتهى

الثالث: اليد هي القدرة. وهو مذهب بعض الأشعرية، وهؤلاء قدموا أجوبة على كل الاعتراضات التي ذكرها خصومهم.

قال الفخر الرازي في نهاية الاقدام: “الأصح حمل اليدين على القدرة، وقولهما: “إن فيه إبطال فائدة التخصيص”، فنقول: التشريف يتحقق بتخصيص الله تعالى آدم بالذكر، كما شرّف عباده المخلَصين بإضافتهم إلى نفسه، وإن كانت الكفرة أيضاً عباد الله تعالى، وهذا سبيل تخصيص البيت والناقة وغيرهما من المشرفات بالإضافات، نحققه: وهو أنه تعالى ذكر قريباً من هذه الآية في قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا” – يس:71- ، والمراد به القدرة إجماعاً. والتمسك بصيغة التثنية باطل، لأنه كما يُعبَّر باليد عن الاقتدار يعبر باليدين عن كمال الاقتدار، بدليل قوله تعالى: “بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ” -المائدة:64-، والمراد به القدرة إجماعاً، فبطل ما ذكروه”. انتهى

فمما تقدم يفهم أن تخصيص آدم بالذكر هو للتشريف، و أن خلق آدم هو كخلق عيسى، خلقه الله بقدرته، و إلا فقد قال الله عز وجل: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا” – يس:71- أي أن خلق الأنعام هو بقدرة الله، وهذا بالاجماع.

فإن قيل أن العرب قديما وان كانوا قد عبروا على اليد بالقدرة، فإنهم استعملوا فقط صيغة المفرد ” اليد” وصيغة الجمع “الأيدي”، ولم يستعملوا صيغة التثنية.

وهذا ادعاء باطل جوابه تحت الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/16inE5853y/

أما الجهمية فقد خالفوا دلالة النصوص القطعية، إذ نفوا صفة اليد عن الله تعالى نفيًا مطلقًا، وذهبوا إلى تفسيرها بالقوة فحسب، فجعلوا اللفظ مجازيًّا محضًا لا يدل على صفة قائمة بذات الله. وهذا المسلك مباين لمسلك المتأولين من أهل السنة، الذين أثبتوا صفة اليد لله تعالى على وجه الإجمال لورودها في النصوص، مع تأويل بعض المواضع بحسب السياق والدلالة، دون إنكار أصل الصفة.

ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين من يقرّ بأن الله خلق آدم بيده، مع جواز حمل لفظ اليد على معنى القدرة في بعض السياقات، وبين من ينكر أصل الإضافة، فيدّعي أن الله لم يخلق آدم بيده، وأنه لا تُثبت له صفة اليد أصلًا، وإنما يوصف بالقوة فقط؛ فإن هذا الأخير قد وقع في تعطيل الصفة، لا في مجرد التأويل.

وهذا هو المقصود من كلام الإمام الترمذي في سننه، حيث قال: «وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة». انتهى

فإنكار الجهمية لخلق آدم بصفة اليد هو موضع الإنكار عند أهل العلم، لا مجرد بحثهم في دلالة اللفظ.

وفي المقابل، ذهبت المجسّمة إلى الطرف الآخر، فزعموا أن اليد هي يد حقيقية بها يمس ويلمس ويأخذ ويمسك…، وحكموا على كل من أوّل لفظ اليد بأنه معطّل، فجمعوا بين إثبات اللفظ وإثبات المعنى الحسي، وهو مسلك لا يقل بطلانًا عن مسلك التعطيل، لمخالفته لأصول التنزيه التي دلّ عليها الشرع والعقل.

ثم قال ابن شاقلا لأبي سليمان الأشعري: قلت له: هذا رويته لأنه أريد منك ـ على رغمك ـ وله عندك معنى غير ظاهره، وإلاّ سلمت الأحاديث التي جاءت في الصفات، ويكون لها معاني غير ظاهرها، أو تردّ جميعها؟”. انتهى

فهنا قال ابن شاقلا: إمّا أن تقبل الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفات الله كما هي، أو ترفضها كلّها.

ثم نقل ابن شاقلا ما نصه: فقال لي – أي أبو سليمان الدمشقي- : مثل أي شيء؟.

فقلت له: مثل الأصابع، والساق، والرجل، والسمع والبصر، وجميع الصفات التي جاءت في الأخبار الصحاح، حتى إذا سلمتها كلمناك على ما ادّعيته من معانيها التي هي غير ظاهرها”. انتهى

فأبو سليمان طلب من ابن شاقلا أن يعطيه مثالا على ادعاءه

فأجابه: كالأحاديث التي ورد فيها ذكر الأصابع، والساق، والرجل، والسمع، والبصر، وغيرها من الصفات. فإذا ثبتت صحتها، ينبغي النظر عندها هل نأخذ بظاهرها أو يتم العدول عن ظاهرها، ووفق أي ظابط.

روابط ذات علاقة:

المقدمة

https://www.facebook.com/share/p/1BcnSr6auH/

الجزء الأول

https://www.facebook.com/share/p/17w16hwG96/

الجزء الثاني

https://www.facebook.com/share/p/1BodUbSpmT/

أضف تعليق