مناظرة ابن شاقلا مع أبي سليمان الدمشقي – الجزء الثاني

مناظرة ابن شاقلا مع أبي سليمان الدمشقي – الجزء الثاني-

قال أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي المتوفى سنة 369 هـجري في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي، ما نصه: ” فقال لي منكراً لقولي: مَن يقول رِجْل؟.

فقلت: أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: مَن عن أبي هريرة؟.

فقلت: همّام. فقال: من عن همام؟.

فقلت: معمر. فقال: مَن عن معمر؟.

فقلت: عبد الرزاق. فقال لي: مَن عن عبد الرزاق؟.

فقلت له: أحمد بن حنبل. فقال لي: عبد الرزاق كان رافضياً.

فقلت له: من ذكر هذا عن عبد الرزاق؟ فقال لي: يحيى بن معين.

فقلت له: هذا تخرّص على يحيى، إنّما قال يحيى: كان يتشيع، ولم يقل رافضياً”. انتهى

والحديث الذي أشار إليه ابن شاقلا هو الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الرزاق بن همام قال، نا معمر، نا همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين…. فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها تقول: قط قط أي: حسب، هنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله تعالى من خلقه أحدا”. انتهى

ويُلاحظ أن ابن شاقلا لم ينقل كلام أبي سليمان بنصّه الحرفي كما قرّره هو نفسه في ختام المناظرة، مما يُضعِف الاستدلال بأن أبا سليمان إنما ردّ الحديث لمجرّد ما نُقل عن ابن عدي من وصف عبد الرزاق بالرفض. والأقرب أن سبب الردّ يعود إلى كلام ابن عدي وغيره في عبد الرزاق.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/17akwf3TvW/

ثم نقل ابن شاقلا الحنبلي ما نصه: “فقال لي: الأعرج عن أبي هريرة: بخلاف ما قاله همّام.

قلت له: كيف؟ قال: لأنّ الأعرج قال: ” يضع قدمه”.

فقلت له: ليس هذا ضد ما رواه همام، وإنما قال هذا “قدم” وقال هذا “رِجل” وكلاهما واحد. ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين.

وحدّث به أبو هريرة مرتين. فسمع الأعرج منه في إحدى المرتين ذكر “القدم” وسمع منه همام ذكر “الرجل”.

فقال لي: همام غلط. فقلت له: هذا قول من لا يدري”. انتهى

فإلى جانب كلام بعض العلماء في عبد الرزاق، يَرِد سببٌ آخر يدعو إلى التوقف في بعض ألفاظ الحديث، لأنه ينبغي النظر في مرويات عبد الرزاق عن معمر، فإن اجتماع مظنّة الخطأ في التحديث من الحفظ، مع إمكان الدسّ في الكتب، يقتضي التريّث في قبول جميع ألفاظ الحديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويُسوّغ الشكّ في مدى ضبطها وسلامتها من العلل الخفية، دون الجزم بردّ الحديث جملةً، أو الطعن في أصل صدق الراوي مطلقاً.

ويضاف لكل ذلك أن الرواة اختلفوا في الرواية فذكر همام عن أبي هريرة لفظ رجل، بينما ذكر الأعرج عن أبي هريرة: ” يضع قدمه”.

ورواية الأعرج ذكرها البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، تحت باب ما جاء في قول الله تعالى :” إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ” – الأعراف : 56 -، فقال: “حدثنا : ‏ ‏عبيد الله بن سعد بن ابراهيم ‏ ‏ ، حدثنا : ‏ ‏يعقوب ‏ ‏ ، حدثنا : ‏ ‏أبي ‏ ‏، عن ‏ ‏صالح بن كيسان ‏، عن ‏ ‏الأعرج ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏، عن النبي ‏، ‏قال : ‏اختصمت الجنة والنار إلى ربهما ، فقالت الجنة : يا رب ما لها لا يدخلها الا ضعفاء الناس وسقطهم ، وقالت النار ‏: ‏يعني ‏ ‏أوثرت بالمتكبرين …. وإنه ينشيء للنار من يشاء فيلقون فيها ، فتقول : “هَلْ مِن مَّزِيدٍ” – ق : 30 – ‏ثلاثا ، حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعض وتقول : قط قط قط”. انتهى

وذكرها مسلم أيضا في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، تحت باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، فقال ما نصه: ‏”وحدثني : ‏ ‏محمد بن رافع ‏، حدثنا : ‏ ‏شبابة ‏، حدثني : ‏ ‏ورقاء ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي الزناد ‏ ‏، عن ‏ ‏الأعرج ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏، عن النبي ‏‏قال :” ‏تحاجت النار والجنة ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، وقالت الجنة : فما لي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم ، فقال الله للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكم ملؤها فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول : قط قط فهنالك تمتلئ ‏ ‏ويزوى ‏ ‏بعضها إلى بعض ‏”. انتهى

فتبيّن من مجموع الروايات الواردة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرواة قد اختلفوا في بعض الألفاظ، الأمر الذي يجعل قول ابن شاقلا: «وإنما قال هذا: قدم، وقال هذا: رجل، وكلاهما واحد» قولًا غير سديد. إذ إن هذا التسوية مبنية على قياس صفات الباري تعالى على أعضاء المخلوقين، مع أن الصفات لا يصح أن تكون متماثلة من حيث المعنى والدلالة.

بل حتى القائلين بالتجسيم لا يكتفون بإثبات إحدى الصفتين دون الأخرى، بل يثبتون كليهما معًا: صفة الرجل وصفة القدم، ومن اقتصر على إثبات واحدة منهما عُدّ عندهم من الجهمية. وهذا يكشف عن تهافت هذا التوجيه وعدم اتساقه.

وعليه، فلا يستقيم أيضًا قوله: «يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين، وحدّث به أبو هريرة مرتين، فسمع الأعرج منه في إحدى المرتين ذكر (القدم)، وسمع منه همام ذكر (الرجل)»، لأن هذا مبني على مجرد احتمال. والاحتمال إذا تطرّق إلى الدليل أسقط معه دعوى القطع وصلاحية الاحتجاج، ولا سيما في مسائل العقائد التي يُشترط فيها اليقين والوضوح، لا التخمين والتقدير.

ثم نقل ابن شاقلا ما نصه: “فقال لي: همام غلط. فقلت له: هذا قول من لا يدري”. انتهى

وليس هذا جوابا يعتد به عند أهل العلم ولا يعتبر إلزاما للخصم، وإلا فهمام بن منبه مع وثاقته، قد تكلم بعض أهل الجرح والتعديل في بعض مروياته.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1ZLMaXVTRs/

وحتى ابن الجوزي الحنبلي اعتبر في دفع شبه التشبيه أن لفظ “رجل” من أوهام بعض الرواة.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/1745avzCrd/

وهذا ما حمل بعض العلماء على تأويل هذه المرويات بمعنى الفوج الذي يقدمه الله في جهنم.

وعليه، فإن الرجل والقدم والساق لا تُعدّ، عند التحقيق، من الصفات الخبرية الثابتة لله بالمعنى الاصطلاحي الدقيق. وحتى على قول من أثبتها وعدّها من الصفات، فإنهم ينفون عنها لوازم التركيب والحدوث، وينزّهونها عن معنى الجارحة والتغيّر، ويقررون ثبوتها لله تعالى على وجهٍ يليق بجلاله بلا كيف ولا تمثيل، مع الجزم بأن حقيقتها غير معلومة، فلا يُخاض في بيان معناها ولا تُفسَّر تفسيرًا يفضي إلى التشبيه أو التحديد.

أضف تعليق