نظرية ابن تيمية في مسألة مماسة الله لمخلوقاته
إن نسبة المماسة الحسية لله عز وجل هي من أخطر المسائل العقدية التي روج لها الجهمية والمجسمة، ففارقوا بذلك ملة الاسلام.
و قد قدّم ابن تيمية الحراني تصورًا خاصًا به لهذه المسألة تدل بصراحة أنه رأس من رؤوس التشبيه والتجسيم.
فقد ناقش في كتابه بيان تلبيس الجهمية، لوازم القول بالعلوّ الحسي لله على العرش، وما يترتب عليه، فقال: “كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر وإجماع سلف الأمة مع دلالة العقل ضرورة ونظرا، أنه خارج العالم، فلا يخلو مع ذلك: إما أن يلزم أن يكون مماسا أو مباينا، أو لا يلزم، فإن لزم أحدهما كان ذلك لازما للحق ولازم الحق حق، وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك؛ فإن تنزيهه عن ذلك إنما أثبتناه لوجوب بعد هذه الأشياء عنه وكونها ملعونة مطرودة، لم نثبته لاستحالة المماسة عليه، وتلك الأدلة منتفية في مماسته للعرش ونحوه، كما روي في مس آدم وغيره، وهذا جواب جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام. وإن لم يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماسا”. انتهى
فيلاحظ أن ابن تيمية قد قرر أن علوّ الله الحسي على العرش ثابتٌ بـالشرع المتواتر وإجماع سلف الأمة، وأضاف إلى ذلك دعوى دلالة العقل عليه ضرورةً ونظرًا بزعمه. ثم بنى على هذا التقرير مقدمة عقلية مفادها أن الله خارج العالم، وجعل هذا الخروج موجبًا لمبحثين:
هل يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماسا له، أو مباينًا عنه، أو لا يلزم شيء من ذلك؟
فادعى ابن تيمية أنه إن لزم القول بالمماسة، فلا محذور في ذلك في ذاته؛ لأن «لازم الحق حق»، وهو لا يرى في مماسة الله للعرش إشكالًا عقليًا أو شرعيًا والعياذ بالله.
وقد فرّق ابن تيمية بين مماسة العرش ومماسة سائر المخلوقات، فقرر أن امتناع مماسة الله للنجاسات والشياطين ونحوها ليس راجعًا إلى استحالة المماسة في نفسها، وإنما إلى كون هذه الأشياء ملعونة أو مطرودة شرعًا.
واستدل لذلك بما يراه آثارًا وردت في «مسّ آدم» ونحوه.
ثم ذكر احتمالًا آخر، وهو أن لا يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماسًا له، فجعل هذا احتمالًا سائغًا أيضًا.
وصرّح في ختام كلامه بأن هذا هو جواب جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام.
وهذا الذي قدمه ابن تيمية تقرير فاسد من وجوه، فقد حمَلَ فوقية الله على العرش على الفوقية الحسية المكانية، أي فوقية الجهة والحيّز، لا فوقية القهر والسلطان لذلك التزم بلوازم ذلك القول الذي يؤول للتشبيه. و إلا فهذا الفهم مخالف لما استقر عليه جمهور علماء أهل السنة الذين قرروا أن علوّ الله تعالى علوٌّ يليق بجلاله، بمعنى علو القهر والاستعلاء والسلطان.
ثم إن ابن تيمية قد بنى قوله بالمماسة أو عدمها على مقدمة مفادها أن الله «خارج العالم»، وجعل ما فوق العرش خارجًا عن العالم.
وهذا التصوير باطل؛ إذ إن النصوص نفسها تثبت وجود مخلوقات فوق العرش، كالملائكة الذين يطوفون به، والكتاب الذي كتب فيه: «إن رحمتي سبقت غضبي»، وهو كتاب موضوع فوق العرش.
فإذا كان ما فوق العرش مخلوقًا، فلا يصح إطلاق وصف «خارج العالم» عليه بإطلاق، لأن العالم يشمل كل ما سوى الله تعالى.
وأخطر ما في مقالة ابن تيمية أنه جعل المماسة في ذاتها أمرًا جائزًا على الله، لا يمتنع إلا لعارضٍ شرعي، ككون الشيء نجسًا أو ملعونًا. وهذا يقتضي أن المماسة ليست ممتنعة لذاتها، بل هي صفة ممكنة في حق الله، يُمنع بعضها ويُجوّز بعضها الآخر بحسب النص. وهذا التقرير يفضي إلى القول بأن صفات الله ممكنة غير واجبة، كما يفضي للقول بجواز لمس الله بأجهزة الحواس، تعالى الله عن ذلك علو كبيرا.
ويفهم من مجموع كلام ابن تيمية أنه لا يجوز القول بمماسة الله للمخلوقات القذرة كالنجاسات والشياطين، ويجوز عليه من حيث الأصل مماسة بعض المخلوقات الأخرى إذا ورد بها نص، كآدم عليه السلام.
وهذا كله أصَّلَه ابن تيمية وفق قواعده الباطلة منها موافقته للسمنية في القول أن كل موجود يجوز أن يُحسّ.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1D8ez7xfox/
وانتهى ابن تيمية في الأخير إلى القول بفوقية حسية لله فوق العرش بلا مماسة لازمة، مع إبقاء جوازها.


