الخضر عليه السلام أطول الناس عمرا

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

الخضر عليه السلام أطول الناس عمرا

مولد الخضر ونسبه

   روى أنه الخضر بن ءادم عليهما السلام من صلبه وقيل بل هو بلياء بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام فعلى هذا مولده قبل مولد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام لأن الخضر يكون ابن عم جد إبراهيم عليه السلام وإنما سمى الخضر لأنه جلس على بقعة من الأرض بيضاء لا نبات فيها فإذا هى تهتز وتنقلب تحته خضراء نضرة وكان يكنى بأبى العباس.

السبب فى طول عمره

   روى أن ءادم عليه السلام لما حضرته الوفاة جمع بنيه فقال «يا بنى إن الله سينزل على أهل الأرض عذابا» وأخبرهم أن طوفانا سيقع بالناس وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم فى السفينة وأن يدفنوه فى غار عينه لهم قرب بلاد الشام فكان جسده معهم وتناقل الأبناء عن الآباء هذه الوصية حتى بعث الله نوحا عليه السلام وقبل أن يحدث الطوفان حمل جسد ءادم معه فى السفينة وغرقت الأرض زمانا فجاء نوح حتى نزل بأرض بابل وأوصى بنيه الثلاثة وهم سام وحام ويافث أن يذهبوا بجسد ءادم إلى الغار الذى أمرهم به أن يدفنوه به فقالوا «الأرض وحشية لا أنيس بها ولا نهتدى لطريق ولكن لننتظر حتى يعظم الناس ويكثروا» فقال لهم نوح «إن ءادم قد دعا الله أن يطيل عمر الذى يدفنه إلى يوم القيامة» فلم يزل جسد ءادم من جيل إلى جيل حتى كان الخضر عليه السلام هو الذى تولى دفنه فأنجز الله ما وعده فهو يحيا ما شاء الله له أن يحيا.

   وهناك قول ءاخر فى سبب طول عمره وهو أن ذا القرنين الأكبر وكان وليا من أولياء الله الصالحين قد ملك ما بين المشرق والمغرب كان له صديق من الملائكة يقال له رفائيل عليه السلام يزوره بين الحين والآخر فبينما هما يتحادثان إذ قال ذو القرنين «يا رفائيل إنى أحب أن أعمر حتى أبلغ فى طاعة ربى حق طاعته» قال «وتحب ذلك» أجابه «نعم» فقال رفائيل عليه السلام «فإن لله عينا من الماء تسمى عين الحياة من شرب منها شربة طال عمره إلى ما شاء الله ولا يموت حتى يميته الله عز وجل» فقال ذو القرنين «فهل تعلم موضعها» قال «لا غير أننا نتحدث فى السماء أن لله ظلمة فى الأرض لم يطأها إنس ولا جان فنحن نظن أن تلك العين فى تلك الظلمة».

   نبوة الخضر ومقابلة موسى عليه السلام له

   إن الخضر عليه السلام نبى كريم معمر أى عمره طويل كان يعيش بين البشر ثم جعل الله تعالى له الماء كأنه أرض فهو يعيش إلى الآن فى البحر على وجه الماء وحده منفردا وهو محجوب عن الأبصار وقد يأتى إلى مكان ولا يراه إلا شخص واحد من بين الحاضرين كما سيظهر معنا بعد قليل فى قصته مع موسى عليه السلام عندما كانا على ظهر السفينة فالله حجب أعين الناس عنه ولا يراه إلا من شاء الله له ذلك كأكابر الأولياء وغيرهم.

   ولنستمع معا إلى سبب التقائه بموسى عليه السلام. لما نجى الله بنى إسرائيل من فرعون وجنوده واستقر أمرهم قام سيدنا موسى خطيبا فى المسلمين يعظهم ويذكرهم بأيام الله تعالى فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم بها إلا وعرفهم إياها. فقال له رجل من بنى إسرائيل «يا رسول الله هل فى الأرض من هو أعلم منك» فقال موسى «لا» فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ولم يقل الله أعلم وأوحى إليه قائلا «وما يدريك أين أضع علمى بلى إن لى على شط البحر رجلا وهو أعلم منك هو عبدنا الخضر» أى يوجد من هو مطلع على نوع من العلم لم تتطلع عليه أنت. وكان علم الخضر علم معرفة بواطن أمور قد أوحيت إليه وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم فيكون الخضر أعلم من موسى بأحكام وقائع مفصلة معينة لا مطلقا فلما سمع موسى هذا اشتاقت نفسه الفاضلة وهمته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم وللقاء من قال الله فيه إنه أعلم منك وفى هذا إشارة عظيمة إلى أن العالم يرحل فى طلب الازدياد من العلم واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم وذلك دأب الصالح فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى إليه «أن ائت البحر فإنك تجد على شاطئه حوتا أى سمكة فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطئ البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثم تجد العبد الصالح الذى تطلب عند مجمع البحرين» فأعلم الله تعالى موسى حال الخضر ولم يعلمه موضعه بعينه مما زاد تشوق موسى إليه فقال «لا أزال أمضى إلى مجمع البحرين أو أمضى زمنا طويلا حتى أجد هذا العالم» وهذا إخبار من موسى عليه السلام وهو الداعى إلى الحق والعلم والمعرفة العالية بأنه هيأ نفسه لتحمل التعب الشديد والعناء العظيم فى السفر لأجل طلب العلم وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك.

   فانطلق موسى ومعه فتاه يوشع بن نون عليهما السلام الذى كان يتعلم منه ويرافقه ويخدمه وأخذا سمكة مملحة مهيأة للأكل وخبزا زادا لهما ومضيا ثم وصلا إلى ملتقى البحرين ويقال إنهما بحر فارس والروم وجلسا عند ظل صخرة فى مكان قرب ضفة البحر ووضعا رأسيهما فناما وكان فى أصل الصخرة عين ماء يقال لها عين الحياة تنزل مثل شلال صغير لا يصيب من مائها شىء إلا حيى بإذن الله فأصاب السمكة المملحة من ماء تلك العين فتحركت وانسلت من الوعاء الذى كانت فيه ودخلت البحر والغريب أن هذه السمكة كان قد أكل نصفها وبقى النصف الآخر فكان هذا الأمر معجزة لموسى عليه السلام ويذكر أن أهل تلك الناحية رأوا بعد هذه المعجزة نوعا جديدا من السمك كان من نسل تلك السمكة فأحد جانبيها شوك وعظم وجلد رقيق على أحشائها والجانب الآخر صحيح إشارة إلى أنه لما حييت بعد أن أكل منها استمرت فيها تلك الصفة ثم فى نسلها. واستيقظ الفتى يوشع فرأى السمكة قد خرجت من الوعاء فقال «لن أوقظ رسول الله موسى الآن ولكن سأخبره عندما يستيقظ» وعندما استيقظ موسى نسى فتاه أن يخبره عن خروج السمكة ونسى موسى سؤال الفتى إن رأى شيئا غريبا فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ولم يشعرا بجوع ولا تعب حتى إذا كان الغد وقد مشيا مسافة طويلة قال موسى لفتاه «ءاتنا غداءنا لقد تعبنا من هذا السفر». ولم يجد موسى التعب حتى جاوز المكان الذى أمر الله به ثم أخبر يوشع سيدنا موسى بالقصة فقال وقد شعر باقتراب لقائه بالخضر «ذلك ما كنا نبغيه ونطلبه» ثم عادا فى نفس الطريق الذى أتيا منه ثم رأيا أثر جرى السمكة فى البحر إذ ظهر مثل أخدود صخرى فسلكاه حتى رجعا إلى الصخرة التى كانا عندها وهناك وجد موسى سيدنا الخضر على طنفسة خضراء وهو مسجى بثوب أخضر مستلق على ظهره على وجه الماء فقال موسى «السلام عليكم» فكشف الخضر عن وجهه وقال «وعليكم السلام وهل بأرضى من سلام» لأن أهل تلك الأرض لم يكونوا فى ذاك الوقت مسلمين. ثم سأل الخضر موسى «من أنت» قال «أنا موسى» فقال «موسى بنى إسرائيل» قال «نعم وما أدراك أنى موسى» قال «أدرانى بك الذى أدراك بى ألم يكن لك فى بنى إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا» قال «بلى ولكنى أمرت أن ءاتيك لتعلمنى مما علمت رشدا» فقال الخضر «أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحى يأتيك، يا موسى إنى على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا». فتلطف موسى عليه السلام فى القول وتجمل بأحسن ما وهبه الله من أدب الحديث وفضل التواضع وقال «هل تأذن أيها العبد الصالح أن تفيض على بعلمك على أن أتبعك وألتزم أمرك ونهيك» وكان الخضر قد ألهم أن موسى لا يصبر على السكوت إذا رأى ما يكره فقال لموسى «إنك لن تستطيع معى صبرا، ولو أنك صحبتنى سترى ظواهر عجيبة وأمورا غريبة» فقال موسى وكان حريصا على العلم تواقا إلى المعرفة «ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا».

   فقال الخضر «إن صحبتنى ءاخذ عليك عهدا وشرطا أن لا تسألنى عن شىء حتى ينقضى الشرط وتنتهى الرحلة وإنى بعدها سأبين لك ما قد تتساءل عنه وأشفى ما بصدرك».

   موسى والخضر فى السفينة

   أعاد موسى فتاه إلى بنى إسرائيل وانطلق مع الخضر يمشيان على ساحل البحر حتى لمحا سفينة فطلبا من أهلها حملهما إلى حيث يذهبون وقال لهم الخضر «سأعطى عن كل واحد منا ضعف ما تأخذون من غيرنا» فقال أحد البحارة «إنا نرى رجالا فى مكان مخوف فنخش أن يكونوا لصوصا» فقال له أصحابه «بل سنحملهما فإننا نرى على وجوههما النور» فحملاهما بدون أجرة.

   وبينما هما فى السفينة فوجئ موسى بأن الخضر أخذ لوحين من خشب السفينة فخلعهما ولم يكن يرى الخضر عندئذ إلا موسى ولو رءاه البحارة لمنعوه إذ من خصوصيات الخضر أنه لا يراه إلا من شاء الله له وقد قيل إنه كان يأتى إلى النبى محمد صلى الله عليه وسلم ولا يراه إلا هو فأنكر موسى وهو الرسول الكريم الذى أرسل لهداية الناس ورد الظلم عنهم أن يقابل صنيع البحارة بالإساءة وجميلهم بالنكران وخشى أن يصيبهم غرق أو هلاك فنظر إلى الخضر معاتبا وقال «أردت إهلاكهم وقد أصعدونا بدون مقابل وأحسنوا لقاءنا فتخرق سفينتهم وتحاول إغراقهم لقد جئت شيئا عظيما» فالتفت الخضر إليه وما زاد أن ذكره بالشرط والعهد قائلا «ألم أقل لك» فتذكر موسى وقال «لا تؤاخذنى» وتنحى جانبا.

   وبينما هما على السفينة إذ جاء عصفور فوقع على حرفها فغمس منقاره فى البحر فقال الخضر لموسى «يا موسى ما علمى وعلمك فى جنب علم الله إلا كما نقر هذا العصفور من البحر» معناه لا نعلم من معلومات الله إلا القدر القليل الذى أعطانا والقدر الذى أعطانا بالنسبة لما لم يعطنا كما أصاب منقار العصفور من الماء حين غمسه فى البحر. ولما مرت السفينة بعد حين بدون أن يغرق أحد مرر الخضر يده على مكان اللوحين المكسورين فعادا كما كانا بإذن الله واستبشر به أهل السفينة ثم وصل إلى مراده فنزل هو وموسى.

   الخضر والغلام

   ولما غادرا السفينة تابعا المسير فوجدا غلمانا وفتيانا يلعبون فأخذ الخضر واحدا منهم كان ضالا كافرا لصا قاطعا للطريق وكان يفسد ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان على قسمه ويحميانه من العساكر والناس ولما أخذه الخضر إلى بعيد أضجعه وقتله فدهش موسى وكبر عنده ذلك الأمر فقال للخضر «أقتلت نفسا زكية» فالتفت إليه الخضر وقال له «ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا». وقيل إنه اقتلع كتف الفتى الأيسر وقشر اللحم عنه وإذا فى عظم كتفه مكتوب «كافر لا يؤمن بالله أبدا» فاستحيا موسى عند ذلك وأدرك أنه قد أثقل على هذا العبد الصالح فقال «إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى».

   الخضر واليتيمان

   أكمل موسى والخضر عليهما السلام طريقهما وانطلقا حتى أتيا قرية وكان أهلها بخلاء لئاما فطافا فى المجالس وطلبا طعاما فلم يقدم أهل القرية لهما شيئا وردوهما ردا غير جميل فخرجا جائعين. وقبل أن يجاوزا القرية وجدا جدارا يتداعى للسقوط ويكاد ينهار فرفعه الخضر بمعجزة له بيده ومسحه فاستقام واقفا وكان سمك هذا الجدار ثلاثين ذراعا بذراع ذلك الزمان وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسين ذراعا فاستغرب موسى وقال «عجبا أتجازى هؤلاء القوم الذين أساءوا اللقاء بهذا الإحسان لو شئت لأخذت على فعلك هذا أجرا منهم نسد به حاجاتنا» فقال الخضر وقد تيقن أن موسى عليه السلام لن يستطيع بعد الآن صبرا «هذا فراق بينى وبينك» فأخذ موسى بثيابه وقال «لا أفارقك حتى تخبرنى بم أباح لك فعل ما فعلت» فلما التمس موسى ذلك منه أخذ فى البيان والتفصيل وقال «سأبين لك ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فيصيبون منها رزقا يعينهم على الكسب وعددهم عشرة إخوة ورثوها عن أبيهم بكل واحد علة ليست فى الآخر خمسة منهم لا يستطيعون العمل وخمسة يعملون فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما والجذام مرض جلدي خطير والثانى أعور والثالث أعرج والرابع ءادر أى مصابا بفتق شديد والخامس محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم، والخمسة الذين لا يطيقون العمل أعمى وأصم لا يسمع وأخرس ومقعد ومجنون. وكان عليهم ملك فاجر اسمه هدد بن بدد يأخذ كل سفينة صحيحة تمر فى بحره غصبا ويترك التى فيها خلل وأعطال ثم أكمل الخضر كلامه قائلا ولم يكن الإخوة على علم بما يريد الملك فعله فأظهرت فى السفينة عيبا حتى إذا جاء خدام الملك تركوها للعيب الذى فيها وهذا الذى صار إذ لم يأخذها الملك ثم أصلحتها لهم كما رأيت بعد ذلك فانتفعوا بها وبقيت لهم. وأما الغلام المقتول فاسمه حيسون وكان كافرا وأبواه مؤمنان وكانا يعطفان عليه فكرهت أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على كفره فأمرنى الله أن أقتله باعتبار ما سيئول أمره إليه إذ لو عاش لأتعب والديه بكفره ولله أن يحكم فى خلقه بما يشاء ويتصرف فى ملكه كما يشاء لا يظلم أحدا». وكانت أم الغلام يوم قتل حبلى فولدت بنتا كانت أرحم من الذى قتله الخضر وقيل إنه لما كبرت هذه البنت أدركت سيدنا يونس بن متى فآمنت به وتزوجها فأنجبت عدة أنبياء فهدى الله بهم أمما كثيرة وكانت العبرة فى قصة هذا الغلام أنه فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقى كان فيه هلاكهما فالواجب على كل امرئ الرضا بقضاء الله تعالى.

   وأما الأمر الثالث وهو الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة حكى أن أحدهما اسمه أصرم والآخر صريم واسم أبيهما كاشح وأمهما دهنا وكان تحت الجدار كنز لهما عبارة عن لوح ذهبى ومال كثير من ذهب وفضة تركه لهما والدهما الصالح الذى كان يؤدى الأمانات والودائع إلى أهلها وقد حفظا بصلاح أبيهما. وفى الحديث النبوى «إن الله يحفظ الرجل الصالح فى ذريته». ولما كان الجدار مشرفا على السقوط ولو سقط لضاع ذلك الكنز أراد الله إبقاءه على اليتيمين رعاية لحقهما وحق صلاح والدهما فأمر الله الخضر بإقامة ذلك الجدار ليحفظ الكنز الذى سيكون من نصيب اليتيمين عندما يكبران وكان اليتيمان جاهلين بأن لهما كنزا إلا أن الوصى عليهما كان عالما به. ثم أن الوصى غاب وأشرف ذلك الجدار فى غيبته على السقوط. ثم قال الخضر بعد أن بين لموسى القضايا الثلاث «وما فعلته عن أمرى» أى ما فعلته باجتهاد منى ورأى إنما فعلته بأمر الله وهذا يدل على أنه نبى أوحى إليه.

   بعض من رأى الخضر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم

   روى عن سيدنا على رضى الله عنه أنه قال لما توفى النبى صلى الله عليه وسلم وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السلام عليكم أهل البيت كل نفس ذائقة الموت إن فى الله خلفا من كل هالك وعوضا من كل فائت وعزاء من كل مصيبة فبالله ثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب» فكان الصحابة يرون أنه الخضر عليه السلام. وروى عن على رضى الله عنه أيضا أنه لقى الخضر وعلمه هذا الدعاء وذكر أن فيه ثوابا عظيما ومغفرة ورحمة لمن قاله فى إثر كل صلاة وهو «يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه المسائل ويا من لا يتبرم من إلحاح الملحين أذقنى برد عفوك وحلاوة مغفرتك» ويروى هذا كذلك عن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

   وذكر أن الخضر وإلياس لا يزالان حيين فى الأرض ما دام القرءان فى الأرض فإذا رفع ماتا وذكر أنهما يجتمعان عند الكعبة فى كل سنة وأنهما يقولان عند افتراقهما «بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله بسم الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله». قال ابن عباس «من قالهن حين يصبح وحين يمسى ثلاث مرات ءامنه الله من الغرق والحرق والسرق ومن الشياطين والحية والعقرب».

   وروى أن رجلين كانا يتبايعان عند ابن عمر رضى الله عنهما فأكثرا الحلف بالله فجاءهما رجل ونهاهما عن كثرة الحلف ووعظهما موعظة بليغة فأشار ابن عمر لأحدهما أن يكتب هذه الموعظة عنه فكتبها وحفظها ثم خرج فلحق فلم ير فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام.

   وممن رأى الخضر من أكابر الأولياء سيدنا عمر بن عبد العزيز الذى شوهد وهو خارج وشيخ متوكئ على يده فلما عاد إلى منزله قال له خادمه رباح بن عبيدة من الشيخ الذى كان متوكأ على يديك قال أرأيته فأجابه نعم فقال ذاك أخى الخضر أعلمنى أنى سأحكم أمر هذه الأمة وأنى سأعدل فيها.

   وقيل فى سبب توبة الإمام الزاهد إبراهيم بن أدهم رضى الله عنه أنه قال كنت شابا قد حبب إلى الصيد فخرجت يوما أتتبع صيدا وبينما أنا أطارده إذ سمعت صوتا يقول «يا إبراهيم ألهذا خلقت أبهذا أمرت» ففزعت ووقفت ثم تعوذت بالله وركضت الدابة فتكرر الأمر مرارا ثم هتف بى هاتف من تحت السرج يقول «والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت» فنزلت فصادفت راعيا لأبى يرعى الغنم فأخذت جبته وكانت من صوف فلبستها وأعطيته الفرس وما كان معى وتوجهت إلى مكة فبينما أنا فى البادية إذ أنا برجل يسير ليس معه إناء ولا زاد فلما دخل المساء وصلى المغرب حرك شفتيه بكلام لم أسمعه فإذا أنا بإناء فيه طعام لذيذ وإناء فيه شراب منعش فأكلت معه وشربت وكنت على هذا أياما وعلمنى اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب ثم غاب عنى وبقيت وحدى فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة دعوت الله فإذا شخص ءاخذ بثيابى بلطف فقال لى «سل تعطه» فراعنى قوله فقال لى «لا روع الله عليك أنا أخوك الخضر فآنسنى وأذهب عنى همى».

   وروي أن الخضر الآن على منبر فى البحر وقد أمرت دواب البحر أن تسمع له وتطيع وهو حى موجود إلى زماننا هذا ولكنه محجوب عن الأبصار وذلك مشهور عند أهل العلم والصلاح والمعرفة، والصوفية وحكاياتهم فى رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده فى المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.

قصة ماشطة بنت فرعون

   لنأخذ العزيمة والثبات والعبرة من موقف ماشطة بنت فرعون التى كانت تسرح شعر بنت فرعون فوقع المشط من يدها فقالت بسم الله فقالت لها بنت فرعون أولك رب إله غير أبى فكان جوابها ربى ورب أبيك هو الله فأخبرت البنت أباها فطلب منها فرعون الرجوع عن دينها فأبت أن ترجع عن الحق. وكان فرعون كافرا جبارا لا يرحم فحمى لها ماء وقال ارجعى يا ماشطة قالت بقلب ثابت «الله رب منتقم الله رب منتقم».

   وأحمى التنور وتحته النيران والزيت معه الماء فى القدر وبدأ يرمى بأولادها أمام عينيها فكان يرمى بالولد فينفصل عظمه عن لحمه وهى ثابتة متمسكة بدين الإسلام وبقى بين يديها طفل رضيع فأنطقه الله فقال «يا أماه اصبرى فإن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فلا تتقاعسى فإنك على الحق» أنطقه الله الذى أنطق كل شىء. فقالت لفرعون لى عندك طلب أن تجمع العظام وتدفنها فى مكان واحد فقال لها لك ذلك فرماها هى ورضيعها فى الزيت الحامى فماتت هى وأولادها شهداء. وبعد مئات السنين لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم شم رسول الله من قبرها رائحة طيبة عطرة.

قصة قارون لعنه الله

   كان قارون من بنى إسرائيل وهو ابن عم سيدنا موسى عليه السلام وقد رزقه الله تعالى سعة فى الرزق وكثرة فى الأموال حتى فاضت بها خزائنه واكتظت صناديقه بما حوته منها فلم يعد يستطيع حمل مفاتيحها مجموعة من الرجال الأقوياء وكان يعيش بين قومه عيشة الترف فكان يلبس الملابس الفاخرة ولا يخرج إلا فى زينته ويسكن القصور ويختار لنفسه الخدم والعبيد ويستمتع بملذات الدنيا الفانية.

   لكن قارون لم يكن عبدا شكورا فبدلا من أن يطيع الله أخذ يغتر بنفسه ويتكبر على قومه ويفتخر بكثرة ما ءاتاه الله تعالى من الأموال والكنوز فنصحه النصحاء من قومه ووعظوه ونهوه عن فساده وبغيه ولكنه أجابهم جواب مغتر مفتون مستكبر مدعيا أنه لا يحتاج إلى نصائحهم لأنه اكتسب ماله بعلمه وفضله معتقدا على زعمه أن الله يحبه ولذلك أعطاه المال الكثير.

   ويروى أنه عندما أنزلت فرضية الزكاة على سيدنا موسى عليه السلام أخبر قومه بما يجب عليهم وقال لقارون مذكرا إياه بتقوى الله وحقه عليه إن على كل ألف دينار دينارا وعلى كل ألف درهم درهما فحسب قارون ما يترتب عليه من زكاة فاستكثره فشحت نفسه فكفر بما جاء به موسى عليه السلام.

   ثم جمع قارون بعض من يثق بهم من أتباعه وقال لهم إن موسى أمركم بكل شىء فأطعتموه وهو الآن يريد أخذ أموالكم فقالوا له مرنا بما شئت.

   قال ءامركم أن تحضروا سبرتا العاصية فتجعلوا لها أجرة على أن تزعم أن موسى أراد الزنى بها والعياذ بالله تعالى ففعلوا ذلك وأرسلوا لها طستا من ذهب مملوءا قطعا ذهبية.

   فلما كان يوم عيد لهم أتى قارون لعنه الله إلى سيدنا موسى عليه السلام متظاهرا بالود فقال له إن قومك قد اجتمعوا لك لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم نبى الله موسى عليه السلام فقال لهم من سرق قطعنا يده ومن زنى وهو غير متزوج جلدناه وإن تزوج وزنى رجمناه حتى يموت.

   فقال له قارون وإن كنت أنت.

   قال موسى أعوذ بالله منك إننى لا أقرب هذه الفواحش.

   فقال له قارون إن بنى إسرائيل يزعمون أنك فجرت بـسبرتا فقال عليه السلام ادعوها فلما جاءت استحلفها موسى عليه السلام بالله الذى فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله تعالى برحمته فتابت وتبرأت مما نسبوا إلى موسى وقالت كذبوا بل جعل لى قارون أجرة على أن أتهمك بالزنى فسجد موسى عليه السلام ودعا الله على من ظلمه فأوحى الله تعالى إليه مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.

   وفى اليوم التالى خرج قارون كعادته فى موكب كبير يضم ءالاف الخدم والحشم وقد تزينت ثيابهم بالذهب والجواهر وركبوا على بغالهم وأفراسهم وهو يتقدمهم على بغلة شهباء زينها وقد ارتدى أجمل ثيابه وأفخرها مزهوا بنفسه متطاولا والناس على الجانبين ينظرون إليه بدهشة ومنهم من اغتر به فقال هنيئا لقارون إنه ذو حظ عظيم مال وجاه.

   فلما سمعهم بعض الصالحين من قومهم نصحوهم أن لا يغتروا بزهرة الدنيا فإنها غرارة.

   وقيل إن قارون مر فى مسيره على مجلس لسيدنا موسى عليه السلام فأوقف الموكب وخاطبه قائلا يا موسى أما لئن كنت فضلت على بالنبوة فلقد فضلت عليك بالمال ولئن شئت فاخرج فادع على وأدعو عليك فخرج سيدنا موسى عليه السلام ثابت القلب متوكلا على ربه سبحانه وتعالى وبدأ قارون بالدعاء فلم يستجب له ودعا سيدنا موسى وقال اللهم مر الأرض فلتطعنى اليوم فاستجاب الله له فقال موسى يا أرض خذيهم فأخذت الأرض قارون الملعون ومن معه من أتباعه الخبثاء إلى أقدامهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم ثم إلى مناكبهم ثم قال أقبلى بكنوزه وأمواله فاهتزت الأرض تحت داره وما فيها من أموال ثم أشار موسى عليه السلام بيده فقال يا أرض خذيهم فابتلعتهم جميعا.

   ولما حل بقارون ما حل من خسف الأرض وذهاب الأموال وخراب الدار وخسفها ندم من كان تمنى مثل ما أوتى وشكروا الله تعالى الذى لم يجعلهم كقارون طغاة متجبرين متكبرين فيخسف بهم الأرض.

أصحاب السبت

   قال الله تعالى ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين.

   على شاطئ البحر الأحمر كانت قرية أيلة التى ذكرت قصتها فى القرءان الكريم حيث كان أصحاب السبت الذين فسقوا فمسخهم الله قردة وخنازير.

   كان اليهود قبل بعثة النبى يكتمون هذه القصة لما فيها من التوبيخ والذل لهم على ما جرى مع بعض أسلافهم من بنى إسرائيل من الإهلاك والمسخ لكن الله فضحهم فى القرءان الكريم عندما أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تلك القصة ليحذر اليهود من تعنتهم وتكبرهم ورفضهم الإيـمان به عليه الصلاة والسلام مذكرا إياهم ما حل بإخوانهم فى قرية أيلة فما هى تلك القصة.

   كان المسلمون من بنى إسرائيل أيام نبيهم داود وقبلها يمتنعون عن العمل والتجارة والصناعة والصيد يوم السبت إذ كان هذا الأمر حراما فى شريعتهم ابتلاء لهم من الله وليظهر للناس من يلتزم بأوامره ومن يعصيه. وكانت الحيتان والأسماك تأتى يوم السبت حتى إنها تكاد أن تصاد باليد من قربها لأنها ألهمت أنها لا تصاد فى هذا اليوم لنهيه تعالى بنى إسرائيل عن صيدها فكانت تأتى بكميات كبيرة إلى شاطئ قرية أيلة وتتزاحم هناك فلا يخوفونها ولا يفزعونها وإذا كان غير يوم السبت لزمت الحيتان والأسماك قاع البحر فلم ير منهن شىء حتى يأتى السبت التالى.

   ولكن النفس الخبيثة سرعان ما يقودها الشيطان إلى العصيان والفساد فإن أحد أهل القرية اشتهى أكل السمك فأغواه الشيطان وزين له القيام بحيلة لاصطياد ما يشتهى منها فأتى إلى شاطئ البحر يوم السبت ورأى سمكة كبيرة تسبح قريبة منه فربط ذيلها بحبل ووضع الطرف الآخر فى وتد على الشاطئ وذهب فلما انقضى النهار عاد هذا الرجل وأخذ السمكة إلى منزله ونظفها وشواها فانبعثت رائحتها حول داره فأتاه جيرانه يسألونه عن ذلك فأنكر ما فعل ولما أصروا عليه قال لهم «إنه جلد سمكة وجدته وشويته» فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك فلما شم الناس رائحة الشواء سألوه فقال لهم «إن شئتم صنعتم كما أصنع» فقالوا له «وما صنعت» فأخبرهم ففعلوا مثل ما فعل.

   ونوعوا فى استعمال الحيلة فقام بعضهم يوم الجمعة بحفر حفر متصلة بالبحر بواسطة ممرات يسهل سدها فإذا كان يوم السبت وكثر هذا الأمر حتى فعله الكثيرون ووصل بهم الأمر أن اصطادوها يوم السبت علانية وباعوها فى الأسواق فكان هذا من أعظم الاعتداء.

   ولما جاهر الفساق بطريقتهم قام علماء بنى إسرائيل المسلمون ونهوهم عن هذا وخوفوهم فلم يقبلوا فجعلوا بينهم وبين الفساق جدارا فى القرية ولم يعودوا يساكنوهم.

   وفى الليل جاء أمر الله تعالى فانتقم من الذين فسقوا ومسخ شبانهم قردة وعجائزهم خنازير كما قيل فقام الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر صباحا وذهبوا إلى أعمالهم ومساجدهم ومجتمعاتهم فلم يروا أحدا من الفاسقين فاستغربوا وتساءلوا فيما بينهم وقام أحدهم ووضع سلما على الجدار وصعد عليه فلما أشرف على القوم رأى عجبا إذ أصبح الفساق قردة لها أذناب يتعاوون ويقفزون على بعضهم وخنازير تصدر أصواتا قبيحة ففتحوا عليهم الأبواب ودخلوا وصار كل قرد يأتى قريبه من الإنس فيشم ثيابه ويبكى فيقول الإنسى «ألم ننهكم» فيشير القرد برأسه «نعم».

   وكانوا قبل المسخ قد افترقوا كما قيل إلى ثلاث فرق فرقة عصت وصادت وكانوا نحوا من سبعين ألفا وهم الذين مسخوا وفرقة نهت وتنحت وكانوا اثنى عشر ألفا وفرقة تنحت ولم تنه ولم تعص وهذه الفرقة الأخيرة قالت للفرقة الثانية التى نهت عن الحرام «لم تعظون قوما عصاة سيهلكهم الله وسيعذبهم» على ما كانوا يتوقعونه بعد مخالفة أمر الله تعالى وما عرف من فعل الله بالأمم العاصية السابقة فقال الناهون عن المنكر «موعظتنا من باب التذكير لعلهم يتقون ويتراجعون». ولم تهلك إلا الفرقة الأولى العاصية وأنجى الله الذين نهوا والذين لم يعصوا.

   ولم يبق الذين مسخوا أحياء أكثر من ثلاثة أيام ولم يأكلوا خلالها ولم يشربوا ولم يخرج منهم نسل. وكانوا عبرة بالغة لمن أتى بعدهم من الأمم ولمن رءاهم وعرف قصتهم.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=q7hCRNn-Ltc

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/tm2

الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com

أضف تعليق