سبب تسمية المخالفين في القدر القدرية والمعتزلة
سبب تسمية المخالفين في القدر القدرية والمعتزلة [1]
قال السمعاني: “القدري: بفتح القاف والدال المهملة وفي ءاخرها الراء: هذه النسبة إلى الطائفة المشهورة بالقدرية وهم جماعة يزعمون أن الله لا يقدر الشر، ويقولون: إن الخير من الله والشر من إبليس، ويزعمون أن الله قد يريد الشئ فلا يكون ويكره كون الشئ فيكون، وأنه قد يريد من العبد شيئا ويريد الشيطان من ذلك العبد شيئا خلاف مراد الله عز وجل فيتم مراد الشيطان ولا يتم مراد الله فيه، تعالى الله عما يقول الجاحدون علوا كبيرا، ويزعمون أن الله خلق الخلق لإبقاء الحكمة على نفسه وأنه لو لم يخلق الخلق لم يكن حكيما” اهـ.
قلنا: ولا شك في تكفير القدري القائل بأن الله لا يقدر الشر وأن مراد الشيطان يتم ولا يتم ما شاءه الله إذ في ذلك جعل الله مقهورا مغلوبا، تعالى الله عن قولهم وتنزه عما وصفوه به.
حدث في أيام الحسن البصري [2] خلاف واصل بن عطاء الغزال في المنزلة بين المنزلتين، فقال أهل السنة إن مرتكبي الكبائر من المسلمين هم مؤمنون لم يخرجوا من الدين بارتكابهم ما يقضي تفسيقهم وخالفت الخوارج جماعة المسلمين فقالوا بتكفير مرتكب الكبيرة وخالف واصل قول الفريقين فزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر وأن فسقه بين المنزلتين الإيمان والكفر، فطرده الحسن البصري من مجلسه واعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة، وانضم إليه عمرو بن عبيد بن باب في بدعته، فقيل لهما ولأتباعهما “معتزلة” لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر بل هو في المنزلة بين المنزلتين.
وقال ابن منظور في “لسان العرب” ما نصه [3]: “والقدرية: قوم يجحدون القدر، مولدة. التهذيب: والقدرية قوم ينسبون إلى التكذيب بما قدر الله من الأشياء. وقال بعض متكلميهم –يعني القدرية-: لا يلزمنا هذا اللقب لأنا ننفي القدر عن الله عز وجل ومن أثبته فهو أولى به، قال: وهذا تمويه منهم لأنهم يثبتون القدر لأنفسهم ولذلك سموا. وقول أهل السنة: إن علم الله سبق في البشر فعلم كفر من كفر منهم كما علم إيمان من ءامن، فأثبت علمه السابق في الخلق وكتبه، وكل ميسر لما خلق له وكتب له” اهـ.
– أول من قال بالقدر وابتداء أمر القدرية:
روى الإمام مسلم في صحيحه [4] عن يحيى بن يعمر قال: “كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق [5] لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته [6] أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرءان ويتقفرون [7] العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برداء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر”.
ومعنى قوله: “أول من قال في القدر” أي أول من قال بنفي القدر فابتدع وخالف أهل الحق فزعم أن الأمر أنف أي مستأنف أي لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وإنما يعلمه الله بعد وقوعه، فكذبوا على الله سبحانه، تعالى الله وجل عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا، قال القاضي عياض [8]: “والقائل بهذا كافر بلا خلاف” اهـ.
ويؤخذ من هذا الأثر أن حدوث بدعة القدرية بنفيهم القدر كان في أواخر زمن الصحابة كما ذكر الحافظ ابن حجر [9] وغيره، فإن معبدا الجهني توفي بين الثمانين والتسعين من الهجرة.
قال أبو منصور البغدادي في “الفرق بين الفرق” [10]: “ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني [11] وغيلان الدمشقي [12] والجعد بن درهم [13]” اهـ.
الهوامش:
[1] انظر: الفرق بين الفرق [ص/20 و118]، التبصير في الدين [ص/21-22 و68]، الملل والنحل [ص/48]، الأنساب [4/460، و5/338-339]، اللباب [3/19 و231].
[2] هو الإمام المشهور المجمع على جلالته أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعي مولى زيد بن ثابت الانصاري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحضر الجمعة مع سيدنا عثمان رضي الله عنه وسمعه يخطب وشهد يوم الدار، وكان يقول: من كذب بالقدر فقد كفر، توفي في رجب سنة 110هـ قبل وفاة محمد بن سيرين بمائة يوم. انظر: سير أعلام النبلاء [4/563]، تهذيب الأسماء واللغات [1/161]، تهذيب التهذيب [2/231].
[3] لسان العرب: مادة ق د ر [5/75].
[4] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى [8].
[5] قال صاحب “التحرير”: معناه جعل وفقا لنا وهو من الموافقة التي هي كالالتحام يقال: أتانا لتيفاق الهلال وميفاقه أي حين أهل لا قبله ولا بعده وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام، وفي مسند أبي يعلى الموصلي: “فوافق لنا” بزيادة ألف، والموافقة: المصادفة. [انظر: شرح صحيح مسلم، 1/155].
[6] يعني صرنا في ناحيته ثم فسره فقال: “أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله”.
[7] يطلبونه ويتبعونه.
[8] ذكره النووي في “شرح صحيح مسلم” [1/156].
[9] انظر: “فتح الباري” [1/118].
[10] الفرق بين الفرق [ص/18-19].
[11] هو معبد الجهني البصري أول من تكلم في القدر بالبصرة، قدم المدينة فأفسد بها أناسا. وعن محمد بن شعيب قال: سمعت الأوزاعي يقول: “أول من نطلق في القدر رجل من أهل العراق يقال له “سوسن” كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد”، وكان الحسن ينهى عن مجالسة معبد ويقول: إياكم ومعبدا فإنه ضال مضل. واختلفوا في موته فقيل صلبه عبد الملك بن مروان بدمشق وقيل قتله الحجاج، قال حاجي خليفة: مات بعد الثمانين وقبل التسعين، وقال غيره سنة ثمانين. انظر تاريخ مدينة دمشق [59/312]، السير [4/185]، تهذيب التهذيب [10/203]، الأنساب [2/135].
[12] هو أبو مروان غيلان بن مسلم القدري الدمشقي، أخذ القول في القدر عن معبد بن خالد الجهني، ناظره الإمام المجتهد الأوزاعي بحضرة هشام بن عبد الملك فانقطع ولم يتب وقال أي الاوزاعي: “كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين”، وكان أظهر القدر في خلافة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فاستتابه وقتله هشام بن عبد الملك بن مروان فقطع يديه ورجليه وصلبه. انظر تاريخ مدينة دمشق [48/189]، تاريخ الإسلام، حوادث سنة 101-120 [ص/441]، لسان الميزان [4/492].
[13] هو الذي ينسب إليه مروان الجعدي وهو مروان بن محمد الملقب بالحمار ءاخر خلفاء بني أمية. قال فيه الذهبي: مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى. وقال الحافظ ابن حجر: وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة. ذكره ابن كثير في وفيات سنة 124هـ. وانظر ميزان الاعتدال [1/399]، لسان الميزان [2/133]، البداية والنهاية [9/124].
