غزوة بدر الكبرى

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

غزوة بدر الكبرى

   أطاع المسلمون أمر الله وهاجروا من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعد أن اشتد الأذى والتعذيب عليهم وتركوا ممتلكاتهم وأموالهم حيث إن النبى الصادق صلى الله عليه وسلم وعدهم أن الله تعالى سيعوض عنهم ويخلف عليهم وما كان من كفار قريش اللئام إلا أن استولوا على هذه الأموال وذهبوا إلى الشام ليتاجروا بها ثم عادوا إلى مكة فى قافلة محملة بالكثير من الأموال والأحمال والجمال.

   وصلت أخبار هذه القافلة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة المنورة التى كانت قد امتلأت خيرا بالنبى وصحابته الأبرار من المهاجرين والأنصار الذين اشتد ساعدهم وزادت قوتهم وتعبأت نفوسهم لمجاهدة عدوهم.

   وكان ذلك فى السابع عشر من رمضان فى السنة الثانية للهجرة المشرفة فخرج النبى صلى الله عليه وسلم على رأس جيش من الصحابة الأبطال المقبلين على الجهاد بقلوب قوية واثقة متوكلين على الله تعالى وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا والأعلام والبيارق حولهم ترفرف وتعلو.

   لكن خبر خروج المسلمين للقتال بلغ القافلة التى كان على رأسها أبو سفيان بن حرب وهو أحد رءوس الكفر فى ذلك الوقت ولم يكن معه حراسة كافية لتمنع عنه النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته فبعث برجل اسمه ضمضم إلى مكة يستنجد بأهلها.

   ووصل ضمضم إلى مكة صارخا مولولا طالبا النجدة فأسرع كفار قريش بتجميع قواهم وجندهم وسلاحهم ومضوا إلى محاربة النبى صلى الله عليه وسلم.

   فى هذه الأثناء غير أبو سفيان مسيرة القافلة بين الشام ومكة وابتعد عن الطريق المعهود إلى ناحية البحر ولم يعلم المسلمون أن كفار قريش خرجوا لمساعدة القافلة حتى وصلوا إلى ما قبل بدر وهى اسم ناحية فنزلوا هناك وأرسلوا ثلاثة أشخاص للاستكشاف فعادوا وقد قبضوا على غلامين خرجا لجلب الماء لمعسكر كفار قريش فعلم عندها النبى عليه الصلاة والسلام وصحابته بخروج قريش لمقاتلتهم وأن عددهم قريب ألف مقاتل.

   استشار النبى الأعظم صحابته فقام كبارهم وتكلموا فأحسنوا وأجادوا وقال المهاجرون خيرا والأنصار خيرا وكان منهم سيدنا سعد بن معاذ الذى أخبر النبى أن الأنصار لن يخذلوه أبدا ولو أمرهم بخوض البحر لخاضوه معه وختم بقوله فسر بنا على بركة الله فسار النبى صلى الله عليه وسلم بجيشه وهو يقول «أبشرو فإن الله قد وعدنى إحدى الطائفتين» أى إما أن نربح الغنائم التى فى القافلة وإما أن نهزم الجيش الذى خرج لحمايتها ونزلوا قرب بدر ذات المياه الكثيرة.

   وكان كفار قريش قد بلغهم أن القافلة التى خرجوا لحمايتها قد نجت ووصلت إلى مكة ومع ذلك رفضوا العودة وأصروا على مقاتلة النبى حقدا منهم عليه وعلى دعوته الإسلامية العظيمة وكراهية لصحابته الكرام.

   وبعث الله تعالى المطر الخفيف فصار التراب تحت أقدام النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة جامدا يسهل المسير عليه وأما الكفار فقد صار الرمل من تحتهم وحلا مزعجا تغوص فيه أقدامهم وأقدام بعيرهم مما أعاقهم وأخرهم.

   وأحاط المسلمون بتلال مطلة على بركة ماء كبيرة فى بدر وجاءها الكفار ليشربوا منها فصار المسلمون يصطادونهم الواحد تلو الآخر وتقابل الجيشان جيش المسلمين وفيه الصحابة الأفاضل الشجعان الذين يريدون إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله وجيش الكفار الذين أشركوا بالله ويريدون قتل نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم والقضاء عليه وعلى دعوته المباركة.

   وكانت خطة المسلمين على ما أشار عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبدأوا القتال حتى يحيط بهم الكفار عندها يظهر الرماة المختبئون على التلال المحيطة بمكان المعركة ويرمون ظهور الكفار برماحهم وهكذا كان.

   واقتتل الناس قتالا شديدا وتضاربت السيوف ولمعت الرماح وتطاير الغبار وعلت التكبيرات الصادحة وكان المدد الكبير.

   فقد أمد الله تعالى جيش النبى صلى الله عليه وسلم بمئات وءالاف من الملائكة الكرام أتوا على خيولهم يحاربون ويقاتلون يتقدمهم سيدنا جبريل عليه السلام على فرسه حيزوم.

   وكان المقاتل المسلم يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف وكان هذا من عمل الملائكة عليهم السلام بأمر الله وفى نهاية المعركة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من التراب ورمى بها قريشا وقال «شاهت الوجوه» وقال لأصحابه «شدوا عليهم» فكانت هزيمة المشركين وقتل منهم الكثير وأسر الكثير. كان بين قتلى المشركين رأس الكفر أبو جهل لعنه الله وأمية بن خلف وهو الذى كان يعذب سيدنا بلالا الحبشى رضى الله عنه وعندما أرادوا طرحه فى بئر القليب كان قد تقطع فوضعوا عليه من التراب والحجارة ما طمره.

   وعاد النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته الأجلاء منتصرين معززين ولهم فى غزوة بدر الكبرى عبرة أن الفئة القليلة قد تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله وشهد رمضان نصرا كبيرا للمسلمين سجله التاريخ بسطور من نور.

غزوة أحد

   بعد أن انتصر المسلمون انتصارا كبيرا فى معركة بدر على المشركين وأوقعوا فيهم الكثير من القتلى عاد من بقى من الكفار إلى مكة حين كانت مكة تحت سلطة المشركين يجرون وراءهم أذيال الخيبة ووجدوا أن قافلة أبى سفيان قد رجعت بأمان فاتفقوا فيما بينهم أن يبيعوا بضائعها والربح الذى سيجنونه يجهزوا به جيشا لمقاتلة النبى محمد صلى الله عليه وسلم وأخذ الثأر لمقتل ءابائهم وإخوتهم وأبنائهم الذين حاربوا النبى عليه السلام والصحابة وأرادوا القضاء على الإسلام فى بدر.

   اجتمعت قريش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسلت مبعوثين إلى بعض القبائل الحليفة طلبا للمقاتلين فاجتمع ثلاثة ءالاف مشرك مع دروعهم وأسلحتهم وكان معهم مائتا فرس وخمس عشرة ناقة عليها ركبت الهوادج وهى البيوت الصغيرة التى توضع على ظهور الجمال وجلست فيهن بعض النساء المشركات ليشجعن المشركين على القتال وتذكيرهم بالهزيمة فى بدر.

   وفى أثناء استعداداتهم طلب أبو سفيان من العباس بن عبد المطلب عم رسول الله الخروج معه لقتال المسلمين ولكنه لم يقبل بذلك وأرسل العباس سرا إلى النبى صلى الله عليه وسلم يحذره من الخطر المحدق فوصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إنى قد رأيت والله خيرا أى فى المنام رأيت بقرا تذبح ورأيت فى ذباب سيفى أى حد سيفى ثلما أى كسرا ورأيت أنى أدخلت يدى فى درع حصينة فأولتها المدينة» وكان معنى هذا المنام الذى رءاه الرسول صلى الله عليه وسلم أن البقر ناس يقتلون وأما الثلم فى السيف فهو رجل من أهل بيت النبى يقتل.

   خرج كفار قريش بجيشهم حتى وصلوا إلى ضواحى المدينة المنورة قرب جبل أحد حيث كان النبى الأعظم صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة الجمعة بالناس وحثهم على الجهاد والثبات وخرج بسبعمائة مقاتل شجاع من الصحابة الكرام بعد أن رجع بعض المنافقين خوفا من القتال. وكانت خطة الحرب التى وضعها النبى صلى الله عليه وسلم أن يجعل المدينة المنورة فى وجهه ويضع خلفه جبل أحد وحمى ظهره بخمسين من الرماة المهرة صعدوا على هضبة عالية مشرفة على أرض المعركة وجعل قائدهم صحابيا كريما هو عبد الله بن جبير وأمرهم النبى أن يبقوا فى أماكنهم وأن لا يتركوها حتى يأذن لهم وقال لهم «ادفعوا الخيل عنا بالنبال» وقسم الحبيب المصطفى جيش المسلمين إلى عدة أقسام جعل قائدا لكل منها وتسلم هو قيادة المقدمة.

   وبدأت المعركة فأقبل المشركون فاستقبلتهم سيوف المسلمين البتارة بقوة وكان بين الصحابة رجل شجاع مشهود له بالثبات فى وجوه الكفار اسمه أبو دجانة سلمه النبى صلى الله عليه وسلم سيفا فأخذه وربط على رأسه قطعة حمراء علامة القتال ثم شهر سيفه لا يقف شىء أمامه إلا حطمه وأوقعه أرضا وكان رجل من المشركين لا يدع جريحا مسلما إلا قتله فلحق به أبو دجانة ليريح الناس من شره حتى التقيا فضرب المشرك أبا دجانة ضربة تلقاها الأخير بكل عزم وثبات ثم بادله بضربة قوية من سيفه فقتله.

   واقتتل الناس قتالا شديدا وفعل الرماة المسلمون فعلتهم إذ كانوا من أحد أسباب تراجع الكفار وفرارهم وكانت الهزيمة على المشركين ولكن حصلت حادثة أليمة غيرت من مسار نهاية المعركة إذ إن الرماة الذين أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بحماية ظهور المسلمين وعدم ترك أماكنهم حتى يأذن لهم ترك الكثير منهم مكانه ظنا أن المعركة حسم أمرها وأنه لم يبق أثر للمشركين ونزلوا ليأخذوا من الغنائم وبقى أقل من عشرة رماة أبوا أن يلحقوا بهم وقالوا نطيع رسول الله ونثبت مكاننا فنظر خالد بن الوليد وكان ما زال مشركا إلى من بقى من الرماة فتوجه بمجموعة من المشركين وتسللوا ففاجئوا الرماة القليلين من الخلف وقتلوهم بما فيهم قائدهم عبد الله بن جبير. عندها تعالت صيحات المشركين وفوجئ المسلمون بأنهم قد أصبحوا محاصرين فقتل من قتل منهم واشتد الأمر عليهم عندها عاد من هرب من المشركين وهجموا على المسلمين هجمة شرسة ورفعوا عن الأرض رايتهم المتسخة. وكان عدد من الكفار قد اتفقوا فيما بينهم على مهاجمة النبى دفعة واحدة فاستغلوا فرصة ابتعاد بعض الصحابة عن النبى أثناء المعركة وانقضوا عليه فمنهم من ضربه بالسيف فأصاب جبهته الشريفة ومنهم من رماه بحجارة فكسرت رباعيتة اليمنى وهى أحد أسنانه الأمامية وشقت شفته الشريفة وهجم ءاخر فجرح وجنة النبى أى أعلى خده الشريف بالسيف ورفعه فرده النبى ولكنه سقط فجرحت ركبته الشريفة وسال دمه على الأرض وأقبل مشرك اسمه أبى بن خلف حاملا حربته ووجهها إلى رسول الله فأخذها النبى منه وقتله بها.

   ولما جرح النبى الأعظم صلى الله عليه وسلم صار الدم يسيل على وجهه الشريف وأقبل لحمايته خمسة من الأنصار فقتلوا جميعا وركض أبو دجانة وجعل من ظهره ترسا لرسول الله فكانت السهام تنهال عليه وهو منحن يحمى ببدنه وروحه أعظم الكائنات سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم.

   وازدادت المصائب إذ قد جاء عبد حبشى مشرك ماهر بالرماية اسمه وحشى أمره سيده بقتل سيدنا حمزة ووعده بأن يجعله حرا إن قتله وبقى طيلة المعركة يتحين الفرصة حتى وجد نفسه وجها لوجه أمامه فرفع حربته وهزها ثم رماها فاخترقت جسد سيدنا حمزة رضى الله عنه الذى وقع شهيدا فى سبيل الله.

   وانتهت المعركة بانسحاب المشركين الذين ظنوا أنهم انتصروا ولا يقال إن رسول الله خسر بل إن الذين خالفوا أوامره خابوا وسببوا الخسارة لأنفسهم.

   ودفن المسلمون شهداءهم فى أحد حيث استشهدوا ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فى جو حزين جاءت إحدى نساء الأنصار قد قتل أبوها وأخوها شهيدين.

   فلما أخبرت قالت ماذا حل برسول الله فقالوا لها هو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه فلما نظرت إليه دمعت عيناها فرحا بسلامته وقالت كل مصيبة بعدك هينة يا رسول الله لا توازى مصيبتنا بفقدك.

   وهكذا انتهت معركة أحد التى كانت درسا تعلم منه المسلمون أهمية الالتزام بأوامر النبى وتعاليمه الشريفة وأن أوامره كلها فيها الخير والفلاح.

غزوة خيبر

   منذ أن بدأ النبى صلى الله عليه وسلم بإظهار دعوته كان اليهود لا يتركون فرصة إلا ويغتنمونها لإيذائه وإيذاء أصحابه علنا وفى الخفاء يكيدون المكائد ويضمرون الخبث والكراهية والحقد ويعلنونها فتنا وحروبا على المسلمين.

   ولكن غزوة خيبر التى حصلت فى السنة السابعة للهجرة كانت حربا فاصلة أظهر الله تعالى فيها النصر فى تفوق المسلمين رغم قلتهم على عدوهم المدعم بعدده وعتاده.

   سبق معركة خيبر صلح الحديبية بين النبى صلى الله عليه وسلم وكفار قريش والذى اتفق فيه أن لا يساعدوا أحدا على محاربة النبى صلى الله عليه وسلم مما أفقد اليهود مساندة كثيرة من العرب فكان الحل عندهم بأن تتجمع وتتحالف كل قواهم لتقوى شوكتهم فى مواجهة المسلمين. وهذا ما تم حيث تحصن كثير من يهود الحجاز فى ناحية تدعى خيبر تبعد نحو مائة ميل شمال المدينة المنورة.

   وخيبر عبارة عن أرض واسعة ذات واحات خصبة يكثر فيها النخيل وتضم حصونا منيعة لليهود مقسمة إلى ثلاث مناطق قتالية محصنة ومع كل هذه القوة الظاهرة فقد كان الكفار جبناء أثناء المعارك لا يحاربون إلا من داخل حصونهم ومن وراء الجدران وقد أعلم الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر فوضع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خطته على أساس مفاجأتهم وهم فى حصونهم وأثناء شعورهم بالأمن.

   خرج جيش المجاهدين بقيادة أشجع الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باتجاه خيبر فى ألف وستمائة من المقاتلين الذين عشقوا الشهادة فى سبيل الله وفيهم مائتا فارس ونزلوا واديا اسمه الرجيع ليمنعوا قبيلة غطفان من مساعدة اليهود فى حربهم ضد المسلمين فى خيبر فلما خرجت قبيلة غطفان وتركت ديارها سمعوا خلفهم حسا فظنوا أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم فرجعوا خائفين على أموالهم وديارهم ولم يحاربوا المسلمين الذين أكملوا سيرهم إلى خيبر. وأثناء المسير الطويل شغل المسلمون أنفسهم بقراءة القرءان وذكر الله تعالى وصار الصحابى الجليل عامر بن الأكوع ينشد لهم يشجعهم على المضى للجهاد قائلا

والله لولا الله ما اهتدينا                       ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا                                    وثبت الأقدام إن لاقينا

   فدعا له النبى صلى الله عليه وسلم بالرحمة عندما سمع ما فى هذه الكلمات من الحماس والتشجيع.
ووصل جيش المسلمين ليلا إلى مشارف خيبر وظهرت حصونها فعسكروا حولها ووقف النبى صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه يدعو الله تعالى وفى الصباح استيقظ أهلها ليجدوا أنهم محاصرون ومحاطون بعساكر المسلمين فدب فى نفوسهم الرعب واستعدوا للحرب ثم نادى النبى صلى الله عليه وسلم بصوت ارتجت له حصون الكفر وقال «الله أكبر خربت خيبر» فرددها الصحابة خلفه فأيقن اليهود أنهم مغلوبون.

   رميت السهام كشهب النار فوق أول الحصون وهو يدعى حصن ناعم ما دفع بأهله إلى الهرب والالتجاء إلى ما جاوره من حصون وقتل عنده الصحابى الجليل محمود بن مسلمة قتله يهودى اسمه مرحب بضربة فى رأسه. وفى أثناء المعركة أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل المحيط بالحصون حتى ينكشف اليهود إذا ما هجموا على المسلمين وقد أغاظهم هذا كثيرا ثم ما لبث أن تسلم الراية سيدنا أبو بكر رضى الله عنه وأغار على بعض الحصون وتبعه سيدنا عمر رضى الله عنه فى غارات سريعة فأسر يهوديا من أهل خيبر أعلم المسلمين أن اليهود خرجوا من حصن النطاة وتسللوا إلى حصن ءاخر اسمه الشق فحاصروه وترامى الطرفان فأخذ النبى صلى الله عليه وسلم حفنة من حصى ورمى بها الحصن فاهتز بأهله حتى كأنه غرق فى الأرض فدخله المسلمون وأخذوه.

   بقى حصون منها الصعب والوطيح والسلالم والقموص وقد تحصن بها اليهود أشد التحصن ولكن ذلك لم يمنع المسلمين من تقوية الحصار عليهم.

   ثم بعد ذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم لصحابته المجاهدين «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار» ثم دعا عليا رضى الله عنه وكان قد أصيب بمرض فى عينيه فتفل النبى صلى الله عليه وسلم فيهما فشفى بإذن الله وأخذ الراية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم بمن معه فلما اقترب من أحد الحصون الباقية خرج إليه بعض اليهود فقاتلهم إلا أنه تلقى ضربة فوقع الترس منه عندها حصلت له كرامة عظيمة كونه وليا من أولياء الله الصالحين فقد تناول بابا كان عند الحصن وجعله ترسا أبقاه فى يده يقاتل به حتى فتح الله على يديه ثم ألقى الباب وجاء ثمانية من الصحابة ليقلبوا هذا الباب فما استطاعوا.

   استمر القتال وهجم المسلمون هجمة قوية على حصن الصعب بقيادة الصحابى الفاضل حباب بن المنذر فخرج منه يهودى متعجرف هو نفسه مرحب الذى قتل الصحابى محمود بن مسلمة ونادى من يبارزنى فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحابى محمد بن مسلمة شقيق محمود ليبارزه ويأخذ بثأر أخيه ودعا له النبى صلى الله عليه وسلم قائلا «اللهم أعنه عليه» فتقاتلا طويلا ثم عاجله محمد بضربة قاصمة قتلته وقيل إن الذى قتل اليهودى مرحبا هو سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه ولم يصمد حصن الصعب طويلا حتى فتح ودخله المسلمون منتصرين وكان فى الحصن الكثير من التمر والزبيب والعسل والسمن فأكل المسلمون حاجتهم منه بعد ما نالهم الكثير من التعب والجوع ووجدوا فيه الكثير من السيوف والدروع والنبال وغيرها من العتاد الحربى الذى استعملوه فى حربهم فنفعهم نفعا كبيرا.

   وتجدد القتال إذ ما زالت بعض الحصون لم تسقط وبقى اليهود يهربون إلى أن وصلوا إلى حصن ءاخر هو حصن الزبير فلحق بهم المسلمون وحاصروهم ثلاثة أيام ثم أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقطع الماء عنهم لإجبارهم على الخروج فما كان من اليهود إلا أن فتحوا الحصن وخرجوا منه يقاتلون وجها لوجه فقهروا وكان النصر حليفا للمسلمين.

   وتداعت حصون خيبر على هذا النحو وسقط حصن الوطيح والسلالم وكانا ءاخر ما افتتح فلما أيقن اليهود بالهلاك سألوا النبى صلى الله عليه وسلم أن يوقف الحرب واستسلموا على أن لا يقتل منهم أحد ويتخلوا عن حصونهم كلها بما فيها من أموال ومتاع.

   وهكذا غلب اليهود وذهبت قوتهم وأصبح المسلمون فى مأمن من ناحية الشمال إلى جهة بلاد الشام بعدما أصبحوا فى مأمن من ناحية الجنوب.

   وكان فتح خيبر حدثا عظيما اهتزت له أركان قريش فقد كان نبأ انتصار المسلمين على اليهود مذهلا ومروعا عند قريش إذ كانوا لا يتوقعون انهيار حصون خيبر المنيعة ولا اليهود أنفسهم كانوا يتوقعون غزو المسلمين لهم.

    فانظروا كيف أن اليهود الذين كانوا عشرة أضعاف جيش المسلمين ومعهم السلاح الكثير وفى حصون منيعة هزموا من المسلمين القليلى العدد والعدة الذين كانوا فى أرض مكشوفة غير محصنين ولا يملكون السلاح الكافى ولا الطعام المخزون وهذا ليس إلا لأن الصحابة رضى الله عنهم كانوا ينصرون دين الله تحت لواء النبى صلى الله عليه وسلم ومن ينصر دين الله فالله ناصره.

قصة الرجل الذى كان يمشى متبخترا

   الرسول صلى الله عليه وسلم حدث أن رجلا ممن كان قبل هذه الأمة أمة محمد كان يمشى متبخترا ينظر فى جانبيه أعجبه ثوبه وشعره تهيئة شعره وحسن شعره، بينما هو يمشى متبخترا أمر الله تبارك وتعالى به الأرض فبلعته فهو يتجلجل إلى يوم القيامة يتجلجل فيها. هذه الحادثة أراد الله تعالى أن يجعلها عبرة حتى يعتبر بها بعض الناس.

قصة امرأة عرضت ابنتها على الرسول صلى الله عليه وسلم

   جاء فى الحديث أن امرأة عرضت بنتها على الرسول صلى الله عليه وسلم فصارت تمدحها للرسول بالجمال وبأنها تامة الصحة حتى إنه لم يحصل لها صداع فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا حاجة لى فيها» وذلك لأن الذى يكون فى الدنيا متقلبا فى الراحات من غير أن يصاب بالبلاء قليل الخير فى الآخرة عند الله فالذى أراد الله به خيرا يبتلى فى الدنيا.

قصة رجل من اليهود أسلم فى المدينة

   كان رجل من اليهود فى المدينة عامل النبى صلى الله عليه وسلم ببيع إلى أجل ثم جاء اليهودى إلى النبى فقال يا بنى عبد المطلب إنكم مطل فلم يعنفه النبى ولا أظهر الغضب منه ثم أمر النبى بوفاء دينه على وجه الإحسان. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفهر فى وجه هذا اليهودى الذى أهانه من ذمه وذم عشيرته لأن كلامه شامل له ولعشيرته فكأنه قال أنت يا محمد وعشيرتك تماطلون الدين.

   فأسلم هذا اليهودى لأنه أراد أن يمتحنه هل يجد فيه العلامات التى هى مذكورة فى بعض الكتب القديمة من صفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلما رءاها كلها أسلم.

قصة إسلام سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه

   سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل وأمه حنتمة بنت هاشم لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاروق لأنه كان يفرق بين الحق والباطل أسلم فى السنة السادسة من النبوة وكان عمره ستة وعشرين عاما أسلم بعد نحو أربعين رجلا وفى قصة إسلامه عدة روايات منها ما ذكر فى كتب السير أن عمر قال خرجت أتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته قد سبقنى إلى المسجد فلحقت به فإذا هو فى الصلاة فقمت خلفه فاستفتح بسورة الحاقة فبدأت أتعجب من نظم القرءان فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش فقرأ رسول الله قول الله تعالى ﴿إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون فقال عمر إذا هو كاهن فقرأ النبى صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ﴿ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون فقال عمر وقع الإسلام فى قلبى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

   والرواية الأخرى قيل إن عمر خرج متقلدا بالسيف فوجده رجل من بنى زهرة فقال أين تعمد يا عمر قال أريد أن أقتل محمدا فقال وكيف تأمن من بنى هاشم وبنى زهرة وقد قتلت محمدا فقال له عمر أراك قد تركت دينك الذى أنت عليه فقال الرجل أفلا أدلك على العجب إن أختك وختنك أى صهرك قد تركا دينك فأتاهما عمر وكانوا يقرؤون ﴿طه سمع شيئا من قراءة القرءان من خلف الباب وكان عندهم أحد الصحابة وهو الخباب فطرق عمر الباب وفتحوا له فقال أسمعونى فقالوا هو حديث تحدثناه بيننا ثم قال عمر اتبعت محمدا فقال له صهره أرأيت يا عمر إن كان الحق فى غير دينك فبدأ يضرب صهره ضربا شديدا فجاءت أخته تريد أن تدافع عن زوجها فضربها فقالت بقلب ثابت متوكل على الحى الذى لا يموت أرأيت إن كان الحق فى غير دينك أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فتوقف عمر عن ضرب صهره ثم طلب الصحيفة فلما أعطيت له الصحيفة ورأى فيها ﴿طه ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى إلى أن وصل إلى قوله تعالى ﴿إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى.

   فقال دلونى على محمد فلما سمع الخباب خرج وقال له أبشر يا عمر فإنى أرجو أن تكون دعوة رسول الله ليلة الخميس لك اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام أى أبى جهل فقال دلونى على رسول الله وكان النبى صلى الله عليه وسلم فى بيت الأرقم فى الصفا وراح إلى هناك وضرب الباب وكان من أشد الناس على رسول الله فى الجاهلية فقال الصحابة يا رسول الله هذا عمر ففتح الباب وتقدم نحو النبى فأخذه الرسول الأعظم أشجع خلق الله أخذه بمجامع قميصه وقال «أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده» فما تمالك عمر أن وقع على ركبته فقال له النبى صلى الله عليه وسلم «ما أنت بمنته يا عمر» فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد الحرام.

قصة أبى مسلم الخولانى رضى الله عنه

   أبو مسلم الخولانى رضى الله عنه الذى كان موجودا فى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لكن ما تيسر له الاجتماع بالرسول كان باليمن ثم أيام عمر جاء إلى المدينة واجتمع بسيدنا عمر كان من الزاهدين العابدين، مرة كان يسبح بالسبحة ثم نام فصارت السبحة تدور فى يده وهو نائم وتقول «سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات» ثم استيقظ فنادى زوجته قال يا أم مسلم تعالى انظرى إلى أعجب الأعاجيب فلما جاءت سكتت السبحة. يا دائم الثبات معناه الذى وجوده لا نهاية له. أبو مسلم الخولانى كان يكذب الأسود العنسى الذى ادعى فى اليمن أنه نبى. مرة أخذه العنسى فأدخله نارا فلم يحترق فعل به ذلك ثلاثة أيام فلم يحترق فقال له ابتعد عن أرضى، هذا سيدنا عمر قبله بين عينيه.

قصة العلاء بن الحضرمى رضى الله عنه

   كان بعدما توفى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه رجل من أصحاب الرسول من الأولياء اسمه العلاء بن الحضرمى هذا كان خرج قائدا فى الغزو فى الجهاد فى سبيل الله ثم هذا القائد جاء ليلاحق العدو الكفار فما وجد سفينة يلحق بها الكفار الذين أخذوا السفن وهربوا بها هو أولا قال بسم الله يا على يا كريم وخاض البحر فلم تبتل ركبه ثم قال للجيش خوضوا فخاضوا فقطعوا من دون أن يلحقهم تعب ثم لحقوا العدو فظفروا بهم وكسروهم ثم بعد ذلك فى أثناء تلك السفرة توفى هذا القائد فى أرض برية مفازة ليس فيها سكان حفروا له لأن إكرام الميت التعجيل بدفنه حفروا له فدفنوه ثم بعد أن تجاوزوا محل الدفن لقوا شخصا من أهل تلك الناحية قال لهم لما علم أنهم قاموا عن دفنه من هذا الذى دفنتموه قالوا هذا العلاء بن الحضرمى فقال ما جزاء صاحبكم أن تتركوه بهذه الأرض هذه الأرض فيها سباع السباع تحفر لتأكل الجثة قالوا لا نتركه هنا بهذه الأرض فرجعوا فحفروا فلم يجدوه إنما وجدوا القبر ممتدا مد البصر يتلاطم نورا القبر كله أنوار أما جسده فلم يروه رفع إلى حيث يشاء الله، مثل هذه الحالة نادرة كذلك بعض عباد الله الصالحين شاهدوا بعض القبور اتسعت وامتلأت نورا أما أكثر الناس لو فتحوا قبر ولى لا يرون هذه الأنوار ولا يرون هذا الاتساع.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=sCe5EV9_U6c

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/tm5

أضف تعليق